السلطة التقديرية للقاضي في المادة العقارية

بحث بعنوان: السلطة التقديرية للقاضي في المادة العقارية

بحث بعنوان: السلطة التقديرية للقاضي في المادة العقارية
بحث لنيل الإجازة بكلية الشريعة -مسلك القضاء والتوثيق-
من إعداد الطالب: لحسن إدبلهي
مقــــــــــــــــــــــــدمة:

ليست تخفى أهمية السلطة التقديرية في تحقيق العدالة المنشودة ببلدنا العزيز، إذ لا وجود لهذه الأخيرة دون حضور الأولى، فالقاضي باعتباره الساهر على إصدار الأحكام والحارس على تنفيذها، في حاجة دائمة ملموسة لهذه السلطة حتى يتسنى له استخلاص وقائع النوازل وتكييفها ثم تنزيل القاعدة القانونية عليها، فهي إذن لحمة وسدى القضاء، إذ لا يستقيم عمل القاضي دونها، من هذا المنطلق نلحظ أن المادة العقارية مادة معقدة متشابكة قد تُوِّجَت ولا تزال بصدارة المحاكم من حيث كَمِّ المنازعات والقضايا الرائجة، من ثُم حُري بنا أن نكشف عن سلطة القاضي العقاري ونرصد المشكلات التي تتسم بها، لما يعتري هذا الموضوع من لُبسٍ، ضِف إلى ذلك أن القضية لم تبحث جيدا بما يشفي الغليل ويُذهب حير القلوب، حسب اطلاعنا المتواضع. على أن المقنن المغربي قد أخذ بالمذهب المختلط في الإثبات في المادة المدنية، إلا أن سلطة القاضي العقاري مقيدة جدا، وهو إشكال كبير نقف عليه طويلا، ولتسهيل فهمه وتيسير استيعابه نُسبِرُه إلى سؤالين:
ـــ التكييف الفقهي والقانوني لسلطة القاضي التقديرية ؟
ـــ سلطة القاضي العقاري في العقار المحفظ والعقار غير المحفظ ؟

بناءً على الفرضيتين أعلاه، اخترنا تقسيم البحث إلى فصلين؛

الفصل الأول: السلطة التقديرية للقاضي في المادة المدنية:
الفصل الثاني: السلطة التقديرية للقاضي في العقار المحفظ والعقار غير المحفظ

متبعين في دراستنا منهجا فريدا هو المنهج المقارن، حيث إن قضية التماس الفروق وكشفها ورصد ما يختلف فيه المقارنين "الفقه الإسلامي" و"الفكرالقانوني" وأسباب ودوافع الاختلاف فرض علينا ذلك. 

الفصل الأول: السلطة التقديرية للقاضي في المادة المدنية:

بين يدي الفصل:
يعالج هذا الفصل تكييف السلطة التقديرية للقاضي من الناحيتين الفقهية والتشريعية، حيث من الناحية الفقهية نتعرض لمشكل تكييف قضاء القاضي أاجتهاد رأي أو تنزيل أم محض تقليد، ومن الناحية القانونية ننظر مذاهب الإثبات واختيار المقنن المغربي، وكذا رقابة محكمة النقض على سلطة القاضي وما تعلق بذلك من مشكلاتٍ، وقد اهتدينا إلى تقسيم الفصل إلى مبحثين:

المبحث الأول: السلطة التقديرية للقاضي في الفقه المالكي:
المبحث الثاني: السلطة التقديرية للقاضي في التقنين المغربي:

المبحث الأول: السلطة التقديرية للقاضي في الفقه المالكي:

بين يدي المبحث:
يــود هذا المبحث أن يبين التكييف الفقهي للقضية من خلال الحديث عن حكم قضاء القاضي بعلمه، وموقعه من طرق الإثبات، وهل هذا الأخير حصره الفقهاء أم لا؟ مع العروج على المشكل المتعلق بقضاء القاضي أهو اجتهاد أم تنزيل أو مجرد تقليد؟
من أجل ذلك ننظر أولا آراء الفقهاء في مسألة قضاء القاضي بعلمه, ثم نخلص بموقفنا من المسألة.

المطلب الأول: رأي الفقهاء في قضاء القاضي بعلمه ومركزه من طرق الإثبات:

الفقرة الأولى: مذاهب الفقهاء في قضاء القاضي بعلمه:

لقد اختلف الفقهاء في قضاء القاضي بعلمه، فذهب الأحنافُ[1] إلى جواز القضاء بالعلم بشروط نجملها؛

1 ـ أن يكون القاضي قد اكتسب العلم بعد توليته منصب القضاء.
2ـ أن يُحَصل العلم في المصر الذي هو قاض فيه.
3ـ أن يكون القضاء بالعلم مختصا بحقوق الآدميين( من ضمان ورهن وطلاق، الخ)، لا بحقوق الله، وهو رأي المتقدمين من الأحناف.
أما المتأخرون[2] منهم؛ فنظروا إلى عصرهم فأبصروا تغيرَ حالُ القضاة من العدل إلى الجور، ومن الصلاح إلى الفساد، فأفتوا بمنع القضاء بالعلم سدا للذريعة وإقامة للمصلحة، مع إقرارهم بأن أصل المذهب الجواز، وأن الإفتاء بخلافه ليس خروجا عنه، إنما اقتضته الضرورة.

ومذهب المالكية[3] المنع مطلقا، سواء اكتسب القاضي العلم قبل توليته منصب القضاء أو بعده، في المصر الذي هو قاضٍ فيه أو غيره، في مجلس حكمه أو غيره، في حقوق الآدميين أو حقوق الله سواء، وهو أشد المذاهب في المسألة هذه، إذ مذهب مالك أن القاضي لا يقضي إلا ببينة أو إقرار[4]، من ثم خرج به علم القاضي, إلا أنه قد ورد عن بعض أصحاب مالك جواز القضاء بالعلم في مجلس الحكم, ولو لم يشهد عنده المحكوم عليه بذلك, ولكن الراجح والصحيح هو المنع لما تقدم بيانه.

وقد ورد عن الشافعي[5] قولان:
الأول؛ للقاضي أن يقضي بكل ما علمه قبل الولاية وبعدها، في مجلس القضاء أو غيره، في حقوق الآدميين.
الثاني؛ المنع مطلقا حتى تقوم بينة بذلك.

وقد رجح الغزالي القول الثاني[6]، ولكن المتأخرون من الشافعية أخذوا بالقول الأول وجوزوه بشرطين[7] تحت طائلة عدم نفوذ حكم القاضي:
الأول؛ أن يقول للمنكر: قد علمتُ أن له عليك ما ادعاه.
الثاني؛ أن يقول: وحكمت عليك بعلمي.

وأما مذهب الحنابلة[8], فقد ورد عن الإمام أحمد روايتان:
الأولى؛ جواز قضاء القاضي بعلمه, وهي ضعيفة[9]
الثانية؛ عدم الجواز, وهو الراجح عند الحنابلة.

والحاصل أن المذاهب الفقهاء اختلفوا في قضاء القاضي بعلمه, إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول؛ المنع كليا سواء في حقوق الله أو حقوق الأفراد, قبل ولاية القاضي أم بعدها, وهو مذهب المالكية وقول متأخري الحنفية, والمشهور في مذهب الحنابلة, وإحدى روايات مذهب الشافعية.
القول الثاني؛ لا يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه في حقوق الله خاصة, فيما يجوز له ذلك في حقوق الآدميين, وينسب هذا القول ِإلى بعض الشافعية.
القول الثالث؛ ذهب بعضهم إلى منع القاضي من الحكم بعلمه في الحدود وجواز ذلك فيما عداها, وهو ما ذهب إليه الصاحبان من الحنفية.
القول الرابع؛ جواز قضاء القاضي بعلمه مطلقا, في حقوق الأفراد او في حقوق الله, أو في الحقوق المشتركة بينهم, إذ ذلك سواء, وهو مذهب ابن حزم, والمشهور في مذهب الشافعية, وإحدى روايات مذهب أحمد, وقول سحنون وأصبغ وابن الماجشون من المالكية.

وذهب عمر بن عبد العزيز في قول آخر إلى عدم جواز قضاء القاضي بعلمه في الزنا, وجواز ذلك فيما عداها.

وأما عمدة[10] من أجازوه: فهو حديث أم المؤمنين عائشة رضوان الله عليها في قصة هند بنت عتبة ابن ربيعة مع زوجها أبي سفيان بن حرب حين قال لها - صلى الله عليه وسلم وقد شكت أبا سفيان- :" خُذِي مَا يَكفيكِ وَوَلَدَكِ بالمَعرُوفِ"[11], فحكم لها النبي صلى الله عليه وسلم أن يسمع قول خصمها، مما دل أنه صلى الله عليه وسلم حكم بعلمه.

ومما استدلوا به أيضا قوله عز وجل "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا"[12]، فالآية الكريمة حثت على إقامة العدل كل حسب قدرته وطاقته, من ثم فليس معقولا أن يعلم القاضي حقا فيسكت عنه.

وقوله تعالى أيضا: "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" [13]

وقوله جل جلاله:"الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رابط الموضوع"[14].

فهاتان الآياتان فرضتا على الحاكم إقامة الحد على الجاني إذا علم عليه أنه سرق أو زنى.

ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم المنكر فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع بقلبه وذلك أضعف الإيمان"[15].

فهذا الشريف صريح في حث كل مسلم مكلف في تغيير المنكر حين رأيته, وأولى أحرى بذلك القاضي نظرا لمنصبه وولايته, وإنما يقوم بذلك بناء على علمه.

كما استدل ابن حزم[16] بقوله صلى الله عليه وسلم:" بينتك أو يمينه ", أنه لا بينة أبين من صحة علم القاضي بصحة حقه.
إلى غيرها من الأحاديث والآثار التي لا يكفي المقام لحصرها.

وبالمعقول فإن بينة الخصم المدعى عليه مبنية على الظن, وعلم الحاكم(القاضي) مبني على اليقين, فيقدم اليقين على الشك, من ثم حُقَّ للقاضي أن يحكم بعلمه.

وأما عمدة الذين منعوا قضاء القاضي بعلمه, فهو الحديث الذي روته أم سلمة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إنما أنا بشر مثلكم- وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن حجة من بعض, فأقضي له بنحو ما أسمع, فمن قضيت له بحق أخيه, فإنما أقطع له قطعة من النار فليأخدها أو ليدعها"[17], وهو حديث صريح دال على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقضي بعلمه, إنما يقضي بناء على حجج الأطراف, من ثم حذر صلى الله عليه وسلم من أكل حقوق الناس وأموالهم بالباطل استنادا إلى شهادة الزور أو التدليس في عرض الحجج.

واستدلوا أيضا بما رواه البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" رأى عيسى ابن مريم رجلا يسرق, فقال له عيسى ابن مريم: سرقت, قال: لا والذي لا إله إلا هو, قال عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني."[18]

فالحديث دال على أن عيسى عليه السلام لم يحكم بعلمه على السارق فصدق يمينه مع أنه رأه يسرق جهارا نهارا.

ما روي أيضا عنه صلى الله عليه وسلم في قصة الملاعنة, وهي قصة هلال بن أمية حينما رمى زوجته بالزنا مع شريك بن سمحاء, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنظروها فإن جاءت به كذا فهو لهلال بن أمية, وإن جاءت به كذا فهو لشريك بن سمحاء, فجاءت به عللا الوصف المكروه, فقال صلى الله عليه وسلم:" لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمت هذه"[19].

فدل ذلك على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحكم ولا يقضي بعلمه, فقد علم صلى الله عليه وسلم بزناها لأن ابنها جاء مشابها لشريك بن سمحاء, إلا أنه صلى الله عليه وسلم غض الطرف عنها لانعدام البينة.

ومن الأثر ما روي من طريق الضحاك, أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه, اختصم إليه فيما يعرفه, فقال للطالب: إن شئت شهدت ولم أقض, وإن شئت قضيت ولم أشهد.[20]

فأمير المؤمنين كان على علم تام بأحقية المدعي بحقه, إلا أنه رضي الله عنه امتنع أن يقضي بعلمه لذا رفض أن يكون قاضيا وشاهدا في نفس الوقت, فخير المدعي بين الأمرين, وفي جميع الأحوال يلزم المدعي الإيتاء بالبينة ليقتص حقه.

وما استدل به أصحاب هذا القول من المعقول؛

زعمهم أن قضاء القاضي بعلمه قضاء بدون بينة ولا يمين, من ثم فهو قضاء غير صحيح لأن الشارع قدر أناط الحكم بأحدهما (واستدلوا بآيات من سورة النور المنصوصة على إلزامية الشهود في حد الزنا وحد القذف), كذلك إن القاضي يصير كبش فداء للاتهام بين الناس, وقد يغريه الشيطان فيحكم بالتشهي والهواء, ومنع القضاء بالعلم جملة هو الحل سدا للذريعة.

و أما الطائفة التي منعت قضاء القاضي بعلمه في الحدود وجواز ذلك فيما عداها؛

فقد استدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم في قصة الملاعنة زوج هلال بن أمية:" لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمت هذه"[21].

والحديث صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقضي بعلمه في حد الملاعنة رغم علمه بفعلتها إضافة إلى اجتماع القرائن على ذلك, والحديث رغم أنه اشتمل فقط على حد الزنا أصالة, إلا أنه اشتمل على بقية الحدود تبعا, فحد الزنا يعد من أخلص حدود الله, والستر فيه أولى وأندب.

كما استدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إدرؤا الحدود بالشبهات" وفي رواية:" إدفعوا الحدود ما وجدتم مدفعا"[22].

لما كانت الحدود تُسقَط بمجرد الشبهة وبمجرد رجوع المتهم عن إقراره, آنئذ لا يكفي علم القاضي للبت فيها-الحدود-, لأنه سيصير مظنة للتهمة.

واستدلوا بالمعقول؛ على أن الحدود تُدرأ بالشبهات, كما تُسقط برجوع المقر, من ثم يقدم رجوع المقر على شهادة الشهود, كما يُقدم على علم القاضي, فإن رأى القاضي بأم عينه أن فلانا يشرب الخمر فحكم عليه القاضي بالحد طبقا لعلمه, فأنكر الظنين, فإنه يُقدم إنكاره على علم القاضي, من ثم لا مجال لقضاء القاضي بعلمه في الحدود درءا للشبهة وصونا لهيبة ومكانة القاضي من لغط وغلط ولغو الناس.

وقد أجمع الفقهاء بلا مخالف على جواز استناد القاضي لعلمه الشخصي في التعديل و التجريح, وهو منطوق ما جاء في البيت رقم 84 من لامية الزقاق:

شهادة معروف لمعروف إن جرت على مثله والشيء معروف اقبلا
قال الإمام أحمد بن محمد الرهوني التطواني[23] في شرحه على لامية الزقاق المسمى بــــ" حادي الرفاق إلى فهم لامية الزقاق"- قال: يعني, اقبل أيها القاضي شهادة شاهد معروف عندك, لشخص معروف كذلك, إذا جرت على شخص معروف أيضا, وكان الشيء المشهود به معروفا, واحكم بها؛ وإلا بأن انتفت معرفة واحد من الأربعة فلا تقبل تلك الشهادة, ولا تحكم بها, كما لا تحكم بها عند ثبوت الجرح لديك في الشاهد بأحد المجرحات وإن عدله عدلان؛ لأن القاضي يستند لعلمه في التعديل والتجريح اتفاقا.[24]

وهكذا بعد سردنا للمذاهب الفقهية في مسألة قضاء القاضي بعلمه, وخَلُصنا إلى أنهم اختلفوا في ذلك؛ فمنهم من أجازه بإطلاق, ومنهم من منعه بإطلاق, ومنهم من منعه في الحدود وأجازه فيما عداها, وأخيرا إن منهم من أجازه في حقوق الأفراد دون حقوق الله.

وقد أشرنا إلى عمدة كل مذهب إضافة إلى الأدلة الأخرى التي استندوا عليها من الكتاب والسنة والأثر والمعقول.

لابد أن نشير أننا اعتمدنا الإيجاز والاختصار في سرد الأدلة, وتَحَرينا منها الأدلة المشهورة, وإلا لن يسعنا المجال ولن يسعفنا الموضوع في ذللك.

والذي يظهر لنا من خلال ما سبق أن خُلفَ الفقهاء في مسألة قضاء القاضي بعلمه راجع أساسا إلى أمرين:

الأول؛ اختلافهم في فهم الآيات الكريمات والأحاديث النبوية الشريفة.
الأمر الثاني؛ اختلاف الأزمنة وتغير حال القضاة, ففي العصر الذهبي كان قضاة الإسلام أكثر عدلا وثقة وتورعا وعلما وعدالة وهيبة, مقارنة مع باقي قضاة الأزمنة المتأخرة, مما دفع ببعض المذاهب إلى تجويز قضاء القاضي بعلمه أول الأمر من قبل متقدمي المذهب ثم منعه متأخريه سدا للذريعة كما هو صنيع الأحناف على سبيل المثال.

ونرى أن ما ذهب إليه المالكية من منع قضاء القاضي بعلمه جملة, هو ما نميل إليه ونراه صوابا, وهو ما تبناه التقنين المعاصر صراحة, ذلك أن الأزمان تغيرت والأحوال تبدلت, والأصح أن يبني القاضي كل أقضيته على البينات الواضحات والحجج اللائحات, حتى لا يصير مظنة لتهم الناس, ثم لو تم فتح ذلك الباب على مصريه, لصار بعض القضاة حاكمون بين الناس بما يشتهون وبما يهوون, ولربما اتخذوا ذلك وسيلة للانتقام من أعدائهم ومعارضهم, وقد يأخذون الرشاوي مقابل حكمهم بعلمهم فيصير القضاء آنئذ تجارة بين يدي القضاة, وهو ما لا يرتضيه كل عاقل, لكل ذلك فإن الأحوط والأفيد والأصوب سد ذلك الباب.

بعدما تعرفنا على حكم قضاء القاضي بعلمه, فإن ذلك يجرنا لطرح المشكل الآتي:
ما موقع قضاء القاضي بعلمه من طرق الإثبات؟

الفقرة الثانية: مركز قضاء القاضي بعلمه في طرق الإثبات:

لقد اختلف الفقه صراحة في طرق الإثبات نفسها, فمن الفقهاء من جعلها محصورة في عدد معين لا تتعداه, ومنهم من أطلقها دون حصر, وخُلفهم راجع إلى المقصود من البينة.

هل يقتصر معناها على الشهادة وحسب؟ أم تشمل شهادة الشهود وعلم القاضي معا؟ أو المقصود منها كل ما يبين الحق ويظهره.
على أن الجمهور[25] قصروا البينة في شهادة الشهود, فيما جعلها ابن حزم[26] تشمل شهادة الشهود وعلم القاضي, بينما وسع ابن القيم الجوزية[27] ومن نحا منحاه من مقصود البينة وجعلها تشمل كل ما يُبين الحق ويُظهره.

والعلة التي استند عليها الجمهور في تقصيرهم البينة على شهادة الشهادة, أنها وردت على لسان الشرع بما يفيد ذلك, واستدلوا على ذلك بآيات من كتاب الله؛
قوله تعالى: "وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَٰنِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَٰدَةً أَبَدًا ۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ" [28]، وقوله جل في علاه: "وَٱلَّٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا"[29]، وقوله سبحانه وتعالى: "وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ "[30].

فهذه الآيات وغيرها كثيرة قد قصرت البينة في الشهود سيما في حقوق الله مثل الحدود (حد الزنا, وحد القذف), أو في المعاملات كالبيوعات والمعاوضات, والأحوال الشخصية كالأنكحة وغيرها...

ومما استدلوا به من الحديث الشريف, قوله صلى الله عليه وسلم حينما اختصم إليه الأشعت بن القيس مع آخر في بئر:" شاهداك أو يمينه", و في رواية:" بينتك أو يمينه"[31], فالحديث الأول مفسر للحديث الثاني, من ثم فالبينة مقتصرة في الشهود لا غير.

وأما ابن حزم فضمن البينة الشهود إضافة إلى علم القاضي, فقال في مُحَلاه: أنه صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله:"بينتك أو يمينه", ومن البينة التي لا أبين منها صحة علم الحاكم بصحة حقه فهو يدخل في هذا الخبر.[32]

وقال بأنه يفرض على الحاكم أن يحطم بعلمه في الدماء والقصاص والأموال و الفروج والحدود, سواء علم بذلك قبل ولايته أو بعد ولايته فإن أقوى حكم يحكمه عن علم هو ما قضى به عن علمه به لأنه يقين الحق ثم يليه الحكم نتيجة إقرار المدعى عليه ثم البينة وعلم الحاكم أبين البينة وأعدلها.[33]

وأما مذهب ابن القيم وابن تيمية فقد ذهبوا إلى أن البينة تشمل كل ما يظهر الحق ويبينه, قال ابن القيم رحمه الله:

فالبينة اسم لكل ما يبين الحق ويظهره. ومن خصها بالشاهدين, أو الأربعة, أو الشاهد لم يوف مسماها حقه, ولم تأت البينة قط في القرآن مرادا بها الشاهدان, وإنما أتت مرادا بها الحجة والدليل والبرهان, مفردة ومجموعة.[34]

واستدلوا أيضا بأن قوله صلى الله عليه وسلم: "البينة على المدعي", إنما المراد به:

أن عليه ما يصحح دعواه ليحكم له, والشاهدان من البينة, ولا ريب أن غيرها من أنواع البينة قد يكون أقوى منها, كدلالة الحال على صدق المدعي, فهي أقوى من دلالة إخبار الشاهد, والبينة والحجة والبرهان.[35]

فالشارع لم يلغ القرائن والأمارات ودلائل الأحوال, بل من استقرأ الشرع في مصادره وموارده وجده شاهدا لها بالاعتبار مرتبا عليها الأحكام.[36]

والذي تجدر الإشارة إليه أنَّ تقصيرَ الجمهور البينةَ على شهادة الشهود, لا يعني أنَّ طرق الإثبات منحصرة عندهم في شهادة الشهود وحسب, بل إن الشهادة انفردت باسم "البينة" لقوة ثبوتيتها وكثرة اللجوء إليها فحسب, بدليل أن هناك أدلة إثبات أخرى كاليمين والإقرار وعلم القاضي ..إلخ.

قال السنهوري: " البينة لها معنيان: (1) معنى عام؛ وهو الدليل أيا كان، كتابة أو شهادة أو قرائن. فإذا قلنا: البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، فإنما نقصد هنا البينة بهذا المعنى العام. (2) معنى خاص؛ وهو شهادة الشهود دون غيرها من الأدلة. وقد كانت الشهادة في الماضي هي الدليل الغالب، وكانت الأدلة الأخرى من الندرة إلى حد أنها لا تذكر إلى جانب الشهادة، فانصرف لفظ (البينة) إلى الشهادة دون غيرها".[37]

والذي نميل إليه ونراه صوابا هو ما ذهب إليه الجمهور, حيث إن حصر وسائل الإثبات[38] في طرق معينة, هو صنيع الشارع الحكيم سبحانه وتعالى في كتابه العزيز, والنبي صلى الله عليه وسلم في كل أقضيته, وبعده الخلفاء الراشدون المهديون, و بعدهم التابعون وتابعوهم, إذ كانوا يستندون في أقضيتهم إلى وسائل إثبات منضبطة ثابتة وشرعية.

حيث إن فتح باب وسائل الإثبات أمام القاضي دون تقييد ولا ضبط, سيؤدي حتما ولابد إلى زيغ القضاة وانحرافهم عن الحق والعدل وفساد أقضيتهم, حيث سيلجؤون إلى وسائل إثبات غير شرعية وما أنزل الله من سلطان, ونفس الشيء بالنسبة للمتقاضين إذ سيتحايلون عن الشرع والقانون, وسيدعون حقوقا بلا حق استنادا إلى حجج زائغة بغاية خداع القاضي.

من كل ما سبق, وحيث إن القاضي يُحظرُ عليه أن يقضي بعلمه عند المالكية, كما أن وسائل الإثبات محصورة عندهم يبقى المشكل المعلق؛

هل قضاء القاضي اجتهاد أم تقليد؟
وإن كان اجتهادا؛ أهو اجتهاد رأي أم اجتهاد تنزيل؟

المطلب الثاني: قضاء القاضي بين الاجتهاد والتقليد:

بداية لابد أن نشير إلى أن المالكية[39] اشترطوا في القاضي أن يكون مجتهدا, ولا يجوز تولية المقلد إلا عند الضرورة حيث لا يوجد المجتهد, فوافقوا الجمهور[40] في ذلك, أما الحنفية[41] فقد جعلوا الاجتهاد شرطا للأولوية وليس شرطا لصحة تولية غير المجتهد القضاء, معللين ذلك بتعذر وجود المجتهد في كل زمان ومكان[42].

هذا, ويمكن التوفيق بين رأيَيْ المالكية والحنفية بأن تولية المجتهد المطلق القضاء أولى وأحرى من غيره من المقلدين, ولكنه نادر جدا, بل يكاد أن يكون معدوما خاصة في العصور المتأخرة بله عصرنا الحاضر, فأضعف الإيمان أن يكون مجتهد المذهب, لكنه أيضا نادر, من ثم سيضطر أولاة الأمور إلى تولية المقلدين وجاز ذلك لانعدام المجتهدين, وعلل الفقهاء[43] ذلك بالضرورة, وعليه فالقاضي قد يكون مجتهدا وقد يكون مقلدا !

وفي كلتا الحالتين هل قضاؤه يؤول إلى الاجتهاد أم إلى التقليد؟
إذا كان القاضي مقلدا فإنه يُلزم عليه أن يحكم بالمشهور أو الراجح من مذهب البلد, سواء أكان هو مذهبه أم أنه يقلد مذهبا آخر, وقد صح عن الإمام سحنون أنه ولي رجلا القضاء فألزمه القضاء بمذهب أهل المدينة أي المذهب المالكي, مما يُستَشَفُّ منه أن بإمكان الإمام الحاكم أن يُلزم القاضي بمذهب بعينه دون غيره, وهذا إنما يحق ويصح في القاضي المقلد, أما إن كان القاضي مجتهدا, فهل يحق للحاكم إلزامه بمذهب بعينه؟

لقد تضاربت آراء الفقهاء في هذه المسألة, فقد ذكر ابن فرحون[44] أن ذلك لا يجوز لما فيه من تضييق الخناق على القاضي, وأن وجه الحق قد يكون في مذهب غير مذهب القاضي, من ثم يمنع القاضي من الحكم به, لأنه ملزم بمذهب معين.
وهو أيضا منطوق ما نص عليه أيضا الماوردي[45]: على أن شرط تقييد القاضي بمذهب معين شرط باطل لأنه يحول بين اجتهاد القاضي فيما يجب فيه الاجتهاد.

ونرى خلاف ما ذهب إليه الإمامان ابن فرحون والماوردي, ذلك أن القاضي وإن كان مجتهدا فإن وظيفته تختلف تماما عن وظيفة الفقيه المفتي, لأنه إنما ولي لفض النزاعات وصد الخصومات, ورد الحقوق لأهلها وحقن الدماء, وإقامة الحدود وسجن المجرمين, إلى غيره... وحكمه ملزم للأطراف سواء المدعي ولا المدعى عليه, مما يجعل القاضي محاصرا عليه بأعراف المَصر الذي يتقلد فيه القضاء وما جرى به العمل هناك, وقبل ذلك وبعد ذلك المذهب المتبع راجحه ومشهوره, والعادات وأحوال الزمان, كل هذا يضيق على القاضي فيلزمه أن لا يخرج حكمه القضائي عنه, ما يجعله ملزما بالاحتكام إلى مذهب البلد الذي وُلي فيه القضاء دون الخروج عنه إلا للضرورة القصوى.

من ثم فالقاضي لا يجتهد اجتهاد رأي فذلك من عمل الفقيه المجتهد المفتي كما سبق, ولأن اجتهاده قد يخالف المذهب المُقضى به أو أعراف وعادات الناس وهذا لا يجوز طبعا ومخالف لمنطق الشريعة, كما أن القاضي لا يقضي عن محض تقليد إذ لابد له من تكييف الأحكام ومراعاة الزمان والمكان والأحوال والأعراف, ولا يصح بل ولا يعقل أن يقلد القضاة في أقضيتهم اللهم إلا عن سبيل الاستئناس وحسب, من ثم فالقاضي إنما يجتهد اجتهاد تنزيــــل أوعلى الأقل اجتهاد تخريـــج؛

أي يبذل ما في وسعه للكشف عن الأحكام المناسبة والملائمة للنازلة المعروضة عليه, فيبحث في القرآن أولا فإن لم يجد فيه يبحث في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لم يجد فيه يبحث في إجماعات الصحابة والتابعين وكذا إجماعات العلماء فإن لم يجد فيه, يجتهد بقيــاس الوقائع على الأخرى فإن لم يسعفه ذلك, وقف على أصول مذهبه وعمل على استنباط الحكم استنادا إلى أصل منها, ثم ينزله تنزيـــلا صحيحا على الواقعة المعروضة عليه, وههنا تجلي حنكة القاضي ولمسته الاجتهادية, وذلك بعد استشارة أهل الحل والعقد من علماء وفقهاء وقضاة حتى يتحرى الحق ويرتاح ضميره للحكم المُنَزٌّل, بل إن بعض الفقهاء أوجبوا على القاضي المقلد استشارة العلماء في أحكامه.

لقد بدأت الرؤية تكتمل حول سلطة القاضي التقديرية خصوصا بعدما تعرضنا للتكييف الفقهي لها، ولكي تبلغ الرؤية كمالها وتصل تمامها لابد أن ننظر في التكييف القانوني لها، حينها يجلو لنا الأمر بشكل أدق، وهو موضوع المبحث الثاني من هذا الفصل.

المبحث الثاني: السلطة التقديرية للقاضي في التقنين المغربي:

بين يدي المبحث:
يسعى هذا المبحث إلى كشف الغموض عن السلطة التقديرية لقضاء الموضوع, وذلك من خلال تكييفها تكييفا قانونيا, حيث إن قاضي الموضوع كما هو معلوم يتعامل مع الواقع والقانون, فيستخلص الوقائع ويكيفها تكييفا مناسبا ثم ينزل القاعدة القانونية عليها, ما يطرح إشكالا كبيرا حول محل سلطته التقديرية هل تنصب في الواقع وحسب دون القانون؟ أم في القانون دون الواقع؟ أم فيهما معا؟ وهل محكمة النقض تراقب السلطة التقديرية للقاضي ؟ فما مدى رقابتها لها؟ ومن يحدد مجالها وحدودها؟ وهل تتسع وتضيق أم هي ثابتة؟

لكن قبل ذلك, لابد أن نبحث في ماهية السلطة التقديرية (الفقرة الأولى) وعلاقتها بوسائل الإثبات, ومذاهب الفقهاء في الإثبات (الفقرة الثاني), ثم بعده ننظر إشكالية: شكلية وموضوعية وسائل الإثبات وسلطة القاضي التقديرية إزاءها(الفقرة الثالثة), لنختم بالإشكالية التي استهلنا بها حول محل سلطة القاضي التقديرية ومدى رقابة محكمة النقض لها(الفقرة الرابعة), هذا في مطلب أول, أما في المطلب الثاني فسَننقُل الحديث إلى المادة الجنائية، حيث أخذ فيها المشرع بالمذهب الحر أو اصْطُلِحَ عليه قانونيا بمبدأ حرية الإثبات (الفقرة الأولى)، هذا الأخير يدفعنا للحديث عن حرية القاضي في الاقتناع (الفقرة الثانية).

المطلب الأول: السلطة التقديرية للقاضي في المجال المدني:

الفقرة الأولى: ماهية السلطة التقديرية؟:

نشير في البداية إلى أن الدراسات قليلة جدا في هذا المجال-السلطة التقديرية لقاضي الموضوع- من ثم لم نقف لحد الآن على تعريف جامع مانع للسلطة التقديرية إلا ما تناثر وتبعثر هنا وهناك, بل إن الذين تصدوا لها –وإن كانوا قلة- قد اختلفوا في تعريفها وماهيتها, لأنه في الحقيقة مصطلح يشوبه الغموض وغير مستقر ما جعل الفقه ينفر منه وإن كان عمل هذا الأخير هو التصدي للتعريفات وتفسير المبهمات وسد الثغرات !

وقد وقفنا على تعريف لأحد الباحثين المصريين وعرفها بأنها:" نشاط ذهني يقوم به القاضي في فهم الواقع المطروح عليه, واستنباط العناصر التي تدخل هذا الواقع في نطاق قاعدة قانونية معينة, يقدر أنها هي التي تحكم النزاع المطروح عليه هذا النشاط وعلاقته بالواقع والقانون."[46]

وهو تعريف جيد معتبر, لكن يؤاخذ عليه أمران؛ الأول: حين اعتبر السلطة التقديرية نشاط ذهني يقوم به القاضي بغية فهم الواقع المطروح !!, نتساءل أين تتجلى سلطة القاضي هنا ؟ بل إن ذلك واجب على القاضي وليس سلطة ممنوحة له, فإذا لم يفهم القاضي الواقع فكيف له أن يقضي أصلا؟, الأمر الثاني: قوله في القاعدة القانونية (يقدر أنها هي التي تحكم النزاع المطروح) بل ليس هناك شك ولا تقدير أنها التي تحكم النزاع, بل هي التي ينزلها القاضي على النزاع ليفصل فيه.

ولقد وقفنا على تعريفات أخرى وكلها تكاد تكون مشابهة للتعريف الذي أوردناه, إنما الذي نؤكد عليه أن مفهوم السلطة التقديرية تحكمه مجموعة من الأمور نقف عليها أولا لنخرج بتعريف مناسب.

إن السلطة التقديرية ضرورية للقاضي لتكييف الوقائع وتنزيل القواعد القانونية عليها بشكل صواب, وهذه السلطة تكون في الواقع كما تكون في القانون (وسنفصل في هذا الأمر بعده), فيستحيل إذن تنزيل النص القانوني على الواقعة المطروحة دون استناد القاضي إلى سلطته التقديرية بتكييف الواقع وتفسير الغامض وتقريب المهم من الأدلة وإبعاد ما لا فائدة منه, والمطالبة بإجراء تحقيق إن تطلب الأمر ...إلى غيره, كل هذا يدخل ضمن سلطة القاضي التقديرية.

من هنا إذن نقول إن السلطة التقديرية:" ضمانة ممنوحة للقاضي على إثرها يكيف الواقع ويقدره فينزل عليه القاعدة القانونية".
لكن المشكل المطروح, ما محل وسائل الإثبات في هذا الصدد؟ وهل تشملها سلطة القاضي التقديرية؟

قبل أن نشرع في مناقشة هذه القضية, نتعرف أولا على مذاهب الإثبات وموقف المشرع المغربي منها.

الفقرة الثانية: مذاهب الإثبات وموقف المشرع المغربي منها:

يتخذ التنظيم القانوني للإثبات ثلاث صور, وجوهر هذه الصور في مجملها متعلق بوسائل الإثبات والفسحة الممنوحة للقاضي في تقدير هذه الوسائل وتفسيرها وفي قبولها وردها, وتوجيه الخصوم إليها, وقدرة القاضي كذلك على التأكد بنفسه من الواقعة, إلى غيره.., فإذا منح للقاضي فسحة واسعة فنحن في ظل الصورة الأولى وهو المذهب الحر (أولا), أما إذا كانت هذه الفسحة ضيقة فنحن امام المذهب المقيد ( ثانيا), وبين المذهب الحر والمذهب المقيد هناك إثبات مختلط (ثالثا) جمع محاسن الإثباتين.

أولا: المذهب الحر: SYSTEM DE LA PREUVE MORALE AU LIBRE
ويتسم هذا المذهب بالحرية الكاملة للمتقاضين في تقديم الأدلة والحجج ولو بوسائل إثبات لم ينص عليها القانون, كما يملك القاضي السلطة الكاملة في البحث عن وسائل وعناصر اقتناعه وتكوين عقيدته تجاه النزاع المطروح أمامه, فله الخيار في الاستناد إلى أي وسيلة يراها أقرب إلى قناعته, كما له أن يطالب بالاستماع إلى الشهود أو إجراء تحقيق متلا تطلب الأمر ذلك أو طلبه أحد الخصمين, كل ذلك لتكوين قناعته, وكل دليل عرض عليه فإنه يحدد قيمته ويقدره قبل أن يأخذ به أو يرده, بل له حسب هذا المذهب أن يتمم دليل أحد الخصمين إن عاره نقص أو غموض.

وميزة هذا المذهب أنه يجعل الحقائق القضائية التي يصل إليها القاضي في حكمه

مطابقة إلى درجة كبيرة للحقائق الواقعة المنازع فيها[47], ومما يؤاخذ عليه أنه منح للقاضي سلطة واسعة جدا تفضي أحيانا إلى زعزعة الثقة العامة, وتضع القاضي محل تهمة وشبهة, فيحكم بما يهوى دون رقيب عليه.

وهذا المذهب لا تزال دول ألمانيا وسويسرا وإنجلترا وأمريكا تتبناه وهو المذهب الأنجلوسكسوني وله صلاحية واسعة بالمقارنة مع المذاهب الأخرى, وهو حاضر بقوة في المواد الجنائية والتجارية.

ثانيا: المذهب المقيد: SYSTEME DE LA PREUVE LEGALE
لتفادي ما وقع فيه المذهب السابق من تناقضات وإخلالات وعيوب, رأت التشريعات قديما خلال مرحلة تطورها وضع مذهب ثان يكون أضبط وأدق-حسب زعمهم- من المذهب السابق, بحيث تُحصر فيه وسائل الإثبات وتُعين تعيينا دقيقا (وهي ميزته الكبرى), ويتم تحديد قيمة كل وسيلة على حدى, ولا يملك الخصوم إثبات حقوقهم إلا بها.

والقاضي -على غرار المذهب السابق-, يُحظر عليه تحديد قيمة وسائل الإثبات لأنها محددة قانونا, وليس له تفسير الأدلة ولا إتمام نقصها, ولا أن يقضي بدليل قدمه أحد الخصمين إلا بعد تمكين الخصم الآخر من مناقشته, كما يُمنع عليه القضاء بعلمه الشخصي, بل هو مطالب بالحياد التام تجاه النزاع المعروض.

وهذا المذهب, رغم أنه تُحُوشيَّ فيه عيوب المذهب السابق, إلا أنه والحال جامد جدا, وجعل القاضي محجورا عليه وأفقده نشاطه وحريته, فمادام أن القاضي في ظل هذا المذهب, لا يستطيع تفسير ولا تقدير ولا وضع قيمة الأدلة إلا أن سلطته تكاد تكون منعدمة, وهذا يفضي بنا إلى عيب أكبر من عيوب المذهب السابق, هو أن حكم القاضي الصادر في ظل هذا المذهب يكون بعيدا جدا عن الحقيقة الواقعية, مادام والحال أن القاضي لم يجد حريته التامة وسلطته الكاملة في تكييف الوقائع ووزنها وتحديد قيمتها.

ثالثا: المذهب المختلط: SYSTEM MIXTE
وَدَّ هذا المذهبُ أن يجمع بين مبادئ المذهبين السابقين, فلا يأخذ بالحرية المطلقة ولا بالتقييد الكامل, بل يجعل لكل واحد منهما موضعا في وسائل الإثبات, فتحدد وسائل الإثبات وتعين قوة بعضها في الإثبات مع وضع شروط الوقائع اللازم إثباتها, والقاضي يلتزم موقف الحياد ولا يقضي بعلمه الشخصي البتة.

هذا, ومن جهة أخرى فالقاضي له سلطة معتبرة ومحددة قانونا على إثرها يقوم بنشاطه المُستفاد من جمع الأدلة واستجواب الخصوم والمطالبة بإجراء التحقيق, كما له سلطة تقييم وتقدير الدليل المستفاد من بعض وسائل الإثبات (كالشهادة والإقرار والقرائن ...).

إذ الأخذ بالمذهب المختلط يقتضي التخفيف من حدة التقييد الذي يحوط القاضي إزاء الإثبات؛ فلا يجعل عمله آليا مقتصرا على التطبيق الجامد للنصوص, بل يخوله سلطة تقديرية واسعة في تكوين قناعته دون الإخلال بمبدأ الحياد المفروض فيه والذي قد يتسبب فيه المذهب المطلق.[48]

والقاضي في ظل هذا المذهب جانب سلبيات المذهبين: الحر والمقيد, واستفاد من ميزاتهما, فكأنه ضرب عصفورين بحجر واحد.
هذا, المذهب هو ما اصطلح عليه بالمذهب اللاتيني وتبنته أغلب التشريعات العربية منهم المغرب وسوريا ولبنان ومصر.

لكن يتبادر إلى ذهننا سؤال !! هو ماذا عسى القاضي أن يفعل إذا استنفذ جميع وسائل الإثبات المحددة قانونا فلم يقف على حكم مناسب, أو لم يؤسس قناعته بعدُ ؟؟

وسائل الإثبات حددها المقنن في الفصل 404 من ظهير الالتزامات والعقود[49], وجاء على سبيل الحصر ومرتبة ترتيبا دقيقا, فلا يمكن الانتقال إلى وسيلة دون استنفاد الوسيلة التي قبلها, والذي نراه أن المذهب المختلط في معناه الدقيق بعيدا عن التعريفات المشهورة, هو أن القاضي إذا لم تسعفه وسائل الإثبات المحددة قانونا يمكن اللجوء إلى أدلة أو أي وسائل أخرى يراها مناسبة في تأسيس قناعته, ولو لم يُنصص عليها قانونا شريطة ألا تخالفه طبعا.

إن فلسفة المذهب المختلط -الذي أخذ به المقنن المغربي- تقضي أن تُحدد وسائل الإثبات للقاضي وهو الأصل, فإذا لم تسعفه نظر في غيرها وذلك استثناء وحسب, أما المذهب المقيد فلا يملك فيه القاضي هذا الاستثناء, وفي المذهب الأنجلوسكسوني (الحر), فالقاضي مخير ابتداء بين أن ينظر في وسائل الإثبات المحددة أو يلتجأ إلى غيرها.

بعد هذا, نتساءل ما مدى سلطة القاضي التقديرية إزاء وسائل الإثبات؟ وأين يمكن تصنيفها أفي القواعد الموضوعية أم ضمن القواعد الشكلية ؟ وهو ما سنناقشه في الفقرة الموالية.

الفقرة الثالثة: وسائل الإثبات بين الشكلية والموضوعية ومدى سلطة القاضي إزاءها:

عُرّفَ ك أيضا من عرفه بأنه:" إقامة الدليل أمام القضاء، على وجود واقعة قانونية (fait juridique)، أي وضع يرتب حقا، أو يعدله أو يرتب انقضاؤه، سواء كان حقا الإثبات بأنه:" إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التي حددها القانون على وجود واقعة قانونية ترتبت آثارها"[50].

وهنا موضوعيا، أو حقا متعلقا بالإجراءات."[51]
وقد نظم المشرع المغربي وسائل الإثبات في الفصل 404 من ظهير الالتزامات والعقود وجاءت فيه مرتبة كالآتي:
"الإقرار-الكتابة- شهادة الشهود- القرائن- اليمين والنكول عنها."

هذا, وقد جرى خلاف فقهي[52] حول تصنيف وسائل الإثبات هل هي موضوعية أم شكلية؟ بمعنى هل تدخل ضمن القانون الموضوعي أم القانون الشكلي الإجرائي!, وذلك ينعكس عليها تماما, حيث إن الإجراءات الشكلية تدخل في النظام العام أي: لا يصح الاتفاق على مخالفتها ولا على إسقاطها كما تثيرها المحكمة تلقائيا عند خرقها أو انعدامها وتفرض جزاء على ذلك, لأن خرقها وعدم احترامها يؤثر في المصلحة العامة قبل أن يؤثرعلى أطراف النزاع, أما القواعد الموضوعية فلا تدخل في النظام العام بل ضمن حقوق الأفراد التي يجوز التنازل عنها والاتفاق على إسقاطها.

إذ غني عن البيان أن قواعد الإثبات لم توضع في الأصل إلا لمصلحة الخصوم وليس للمصلحة العامة, ذلك أن قواعد الإثبات وثيقة الصلة بالحق, فالتنازل عنها أو التعديل فيها يمس مصلحة الأفراد عن قرب, وإذا كان للشخص أن يتنازل عن حقه أو يعدل فيه, فبدهي أن يكون له ذلك فيما يتعلق بإثباته.[53]

و من ثم فهي الكفيلة بتحديد محل الإثبات وعبئه (على من يقع؟), وقيمته وطرقه, على غرار القواعد الإجرائية التي تحدد مسطرة التقاضي وكيفية إقامة الدليل أمام القاضي لاقتضاء الحق أو نفي الاتهام.

ومنه, فالأسلم والأوفق -في ظل المذهب المختلط - الذي تبناه المشرع المغربي أن تدخل وسائل الإثبات ضمن القواعد الموضوعية, حيث نظمها المشرع في قانون الالتزامات والعقود في فصله 404 من الباب السابع من الكتاب الأول, حيث إن سلطة القاضي إزاءها - وسائل الإثبات في ظ.ل.ع- محكومة بالمذهب المختلط, أي: تتراوح ما بين الإطلاق والتقييد, حيث إن للقاضي تقييم الأدلة ووزنها وتقديريها وتقييمها, وكذا قبولها وردها إن اقتضى الأمر, من جهة أخرى؛ فالقاضي مقيد بوسائل الإثبات المحددة قانونا في الفصل 404 من ق ل ع, ولا يملك صناعة دليل جديد غير منصوص عليه قانونا, وما يؤكد الأمرما ورد في الفصل 443 من ظهير الالتزامات والعقود: "من أنَّ المعاملات المدنية التي تفوق قيمتها 10.000.00 درهم لا تُثبتُ إلا كتابةً", نضف إليها مقتضيات الفصل 401 من نفس الظهيرالذي نص في منطوقه؛ أن القانون إذا نص على إثبات الالتزامات بشكل معين لا يسوغ إثباتها بشكل آخر يخالفه.

هذه الازدواجية في السلطة التقديرية ما بين الإطلاق والتقييد هي فلسفة المشرع في ظل المذهب المختلط, أما إجراءات التحقيق التي حصرها المشرع في المسطرة المدنية[54] من الفصل 55 إلى الفصل 102 منه تحت عنوان:" في إجراءات التحقيق", وهذه الإجراءات هي: الخبرة والمعاينة واليمينان؛ المتممة والحاسمة, ثم تحقيق الخطوط, فسلطة القاضي إزاء -هذه الإجراءات- واسعة جدا, بدءاً بقبول طلب الالتجاء إليها من عدمه, وهو المشرف عليها من بدايتها إلى نهايتها, أما الخبير-في إطار الخبرة مثلا- فإنما يبدي رأيه في نقطة فنية دقيقة جدا وحسب, ويمنع عليه التصدي للمسائل القانونية, كما يمنع عليه التدخل في جوهر الخصومة, والقاضي مثلا حر في توجيه اليمين المتممة من عدمه، وله أن يستجيب للخصم الذي طلبها وله ألا يستجيب، كما له أن يوجهها لأي من الخصمين شاء، وله أن يقبلها بعد أدائها، وله أن يرفضها، وحتى بعد انتهاء التحقيق فللقاضي سلطة واسعة في الأخذ به وتبنيه أو رده والمطالبة بإجراء تحقيق جديد, إنما يلزمه التعليل في حالة عدم قَبول الالتجاء إلى إحدى إجراءات التحقيق بناء على طلب أحد الأطراف, وكذلك يلزمه التعليل في حالة رد إحداها -إجراءات التحقيق- تحت طائلة نقض حكمه من قبل محكمة النقض.

فلو كانت وسائل الإثبات قواعد شكلية فلمَ أدرجها المشرع إذن في ظهير ق ل ع ولم يدرجها في المسطرة المدنية؟ وحتى (وسائل الإثبات) التي أدرجها المشرع في المسطرة المدنية سمَّاها بإجراءات التحقيق ولم يسمها وسائل الإثبات !! مما يدل على أنها لا ترقي لتكون وسيلة إثبات حقا؛ إنما هي مجرد إجراءات تحقيق يستأنس بها القاضي ويلتجأ إليها عند غياب وسائل الإثبات, أو يعزز بها قناعته, ولا تقوم وحدها بل تقوم مع أحد وسائل الإثبات المنصوص عليها في ظهير ل ع.

الفقرة الرابعة: محل السلطة التقديرية ومدى رقابة محكمة النقض لها:

أولا: محل السلطة التقديرية لقاضي الموضوع:
تتجلى وظيفة قاضي الموضوع في استخلاص الوقائع أولا وتكييفها تكييفا مناسبا, ثم تنزيل القاعدة القانونية عليها تنزيلا صحيحا, وهي عملية تظهر بسيطة في الظاهر, ولكنَّ صعوبتها لم يذقها إلا من مارسها مراسًا شبه يومي- وهو القاضي- بطبيعة الحال, وعليه فإن القاضي يمارس نشاطا متشابكا في فض النزاعات المعروضة عليه, تحوي على جوانب واقعية وأخرى قانونية وجوانبٌ يمتزج فيها الواقع بالقانون.

ومنه, فإن القاضي يمارس سلطته التقديرية أولا: في استخلاص الواقع وتكييفه: و الاستخلاص يعني ــــ من الناحية النظرية على الأقل ـــ محاولة قاضي الموضوع الوصول إلى صورة كاملة أو تقريبية لوقائع النزاع كما هي أو كما حدثت [55]. ووضعه ــ النزاع ـــ في حدود معلومة, حتى يسهل عليه الإحاطة به من ثم النظر فيه, وهي مرحلة صعبة وخطيرة فعليها ينبني ما يأتي بعدها, ثم يكيف الواقع أي: يضعه في إطاره القانوني بعد جرد عناصره وإبقاء المهم, وإخراج ما لا جدوى منه, بعده يقوم بالنظر في الأدلة المعروضة عليه ويقيمها ويقدرها ويزنها ويضعها موضعها, ويحلل أوراق القضية تحليلا عميقا دقيقا استعدادا لتنزيل النص القانوني على النزاع, كل ذلك بعد أن يتثبت تثبيتا يقينيا جازما من حصول الواقعة فعلا.

بعد استخلاص الواقائع يأتي بعده التكييف وهو محاولة صلة الواقعة المعروضة على القاضي بقاعدتها القانونية, أو بمعنى أوضح؛ البحث عن القاعدة القانونية الواجبة التطبيق على الوقائع التي استخلصها قاضي الموضوع[56], أو بعبارة جلية واضحة هو: التقريب بين الوقائع والنصوص التي تنظمها وتحكمها.

ومن المفترض أن يجد القاضي صلة وثيقة جدا بين الوقائع والنصوص المنظمة لها, التي ما وجدت أصلا إلا للانطباق عليها.
وبدهي أن مجموع الوقائع التي تطرح أمام القضاء تعتبر بمثابة حالات خاصة, أما القواعد القانونية التي تنطبق عليها فمن صفاتها التجريد والعموم[57] لأنها النصوص القانونية متناهية والوقائع غير متناهية.

فالتكييف إذن ما هو في النهاية إلا عملية ذهنية غايتها البحث عن العلاقة التي تربط الوقائع التي استخلصها قاضي الموضوع بقواعد القانون[58].

والتكييف كنشاط يمارسه قاضي الموضوع, اختلف الفقه في تصنيفه ! هل هو من مجال الواقع أم مجال القانون أم من هما معا؟
ومرد الاختلاف إلى أنَّ – التكييف - جاء في مرحلة وُسطـى ما بعد إرساء الوقائع والفراغ من دراستها وتحليلها وتوجيهها, وقبل تنزيل القاعدة القانونية عليها, فيصعب - والحالة هاته - تصنيفه؟ !

فمن الفقه من يرى أن عملية التكييف عملية قانونية محضة نظرا لصلتها الوثيقة بالبحث عن القاعدة القاعدة القانوينة الواجبة التطبيق[59], ولأن لا سلطة ولا إرادة للخصوم تجهاها, بل حدهم الوقائع التي يطرحونها أمام القضاء, والقاضي باعتباره مختصا في القانون هو من يستأثر بهذه العملية، وهو الرأي الذي نرجحه؛ لاعتبارات:

ــ أنَّ عملية التكييف لا أثر لأطراف النزاع فيها، من ثم فهي لا تدخل أبدا في الواقع.
ــ أنها عملية لصيقة بالبحث عن القاعدة القانونية الملائمة لواقعة النزاع المستخلصة والواجبة التطبيق عليها.
ــ أنها خاضعة لرقابة شاملة من قبل محكمة النقض، وسنتطرق إليها فيما بعدُ.
"بل يكاد ينعقد الإجماع حاليا على أن التكييف عمل قانوني"[60].

وهناك من يرى أن التكييف يدخل في مجال الواقع لا القانون, إذ هو عبارة عن عمل ذهني محض يتمثل في المقارنة بين وقائع النزاع من جهة ومفترض القاعدة القانونية كما تخيله المشرع من جهة أخرى, من أجل الوصول إلى وجود تطابق تام بينهما[61].

ومنهم من يرى أن التكييف عمل قانوني في بعض جوانبه, وعمل موضوعي في بعض جوانبه الأخرى[62], وهو الرأي الذي تأثرت به محكمة النقض الفرنسية, وأخذت به في العديد من قراراتها.

دون أن ننسى أن هناك رأيا أخيرا يرى أن عملية التكييف لا تدخل في مجال القانون ولا تدخل في مجال الواقع, وإنما هي مجرد وسيلة أو صياغة فنية لازمة للعبور بالوقائع إلى حكم القانون[63]، وهو رأي بعيد عن الصواب.

ثانيا: يمارس القاضي أيضا سلطته التقديرية في تطبيق القانون؛ وهي المرحلة الأخيرة من النشاط المبذول من قبل قاضي الموضوع, حيث تتمثل في إنزال حكم القانون على الواقعة التي تم استخلاصها وتكييفها بشكل صحيح.

من هنا إذٍ تبين لنا أن القاضي يمارس نشاطه ــ سلطته التقديرية ــ ليس فقط في الواقع ــ من خلال استخلاص الوقائع وتكييفها وتقدير الأدلة ووزنها ــ بل يمتدُّ نشاطُه هذا إلى الجانب القانوني, من خلال البحث عن القاعدة القانونية الموافقة والمناسبة والملائمة لنازلة الحال التي تم استخلاصها وتكييفها, ليس هذا فحسب, بل يُعمـل القاضي سلطته أيضا في تقدير الغرامة كمثال, وتحديد التعويض المناسب للضرر الحاصل بعد التثبت من وجود علاقة سببية ثابتة يقينية بين الخطأ والنتيجة ــ وهو ما يدخل أيضا ضمن سلطة القاضي التقديريةــ.

والحاصل، أنَّ مجالات سلطة القاضي التقديرية في المادة المدنية واسعة بمعنى الكلمة، ولن تكفنا هاته الأسطر لجردها كلها، بل نكتفي بضرب الأمثلة فحسب ليَعُمَّ الوضوحُ.

والسؤال المطروح الآن: ـــ هل هذه السلطة التقديرية الممنوحة للقاضي مشمولة برقابة محكمة النقض؟ فما مداها؟ وهو موضوع ما يأتي:

ثانيا: رقابة محكمة النقض على السلطة التقديرية لقاضي الموضوع:

ــ رقابة محكمة النقض على إثبات الوقائع:
سبق أن قلنا: إنًّ استخلاص وقائع النزاع والتثبت من وجودها المادي عمل واقعي، يستأثر به قاضي الموضوع وهو من صميم نشاطه وسلطته، ونشير أنَّ لا رقابة لمحكمة النقض على حصر الوقائع وتثبيتها ابتداءً، بل تأخذ ذلك كمُسلمات لتبني عليه ما تراه مخالفا للقانون، فيُمنع عليها أن تنظر في أدلة جديدة لم تعرض سابقا على محاكم الموضوع, كما يمنع عليها أن ترجح بين أدلة وحجج الخصوم فيما قد عرضوه من أدلة الإثبات أثناء رواج الدعوى عند قضاة الموضوع.

ولكنَّ هذه القاعدة يرد عليها استثناءٌ؛ وهو أن محكمة النقض تبسط رقابتها على مدى احترام قاضي الموضوع للقواعد القانونية المتعلقة بالإثبات[64]، لأن قواعد الإثبات ندخل في الشق القانوني الذي يخضع لرقابة محكمة النقض، كما تراقب أيضا، مدى توافق الوقائع التي استخلصها قاضي الموضوع مع التحقيقات الجارية وشهادة الشهود إلخ ...

وطبيعي أن الوقائع تهم الخصوم, من ثم فالقاضي لا يقبلها ولا يأخذ منها إلا ما استقام منها بدليل، لهذا، جاء في قرار لمحكمة النقض المصرية[65]: " يجب أن تكون الوقائع التي استخلصتها المحكمة متمشية مع التحقيقات وشهادة الشهود ... بحيث إذا كان لا أثر لها في شيئ منها، فإن علم القاضي في هذه الصورة يعتبر ابتداعا للوقائع وانتزاعا من الخيال".

وقريبا منه ما جاء في قرار للمجلس الأعلى للقضاء ــ محكمة النقض حاليا ــ :" ... عندما تواجه المحكمة أي التباس في نازلة ما، يتعين عليها أن تأمر بإجراء كل بحث يؤدي إلى معرفة الحقيقة ..."[66].

كما تبسط محكمة النقض رقابتها على إعمال قواعد الإثبات المنصوص عليها في الفصل 404 من ظهير الالتزامات والعقود, وفي الفصول من 55 إلى 102 من نص قانون المسطرة المدنية فيما يخص إجراءات التحقيق.

فالإقـرار ــ مثلا ــ وجوده من عدمه، ومدى حجيته، وعدم تجزئته، وقصوره على المُقر دون سواه، من مسائل القانون التي تخضع لرقابة قاضي النقض.[67]

وفي الحجة الكتابية، فإن كل استبعاد كلي أو جزئي لما تضمنته الوثيقة، وكل ترجيح لوثيقة على أخرى يجب أن يعلل تعليلا كافيا مقنعا. والتحريف والتعليــل، مسألتان خاضعتان لرقابة المجلس الأعلى[68]، ونفس الأمر بالنسبة لشهادة الشهود فإن إجراءاتها خاضعة لرقابة محكمة النقض من حيث عددها وكيفية ومكان أدائها، وعلاقة الشهود بالمدعي أو المدعى عليه ...إلخ.

والقرائن القانونية دون القرائن القضائية يخضع فيها قاضي الموضوع لرقابة محكمة النقض في كل ممارسته لها لأنها محددة قانونا، من ثم سلطته التقديرية ضيقة لحد كبير تجاهها، على عكس القرائن القضائية التي يتمتع بسلطة تقديرية واسعة جدا إزاءها، لأنها ليست محددة قانونا بل يستنبطها من وقائع النزاع.

وأما اليمين الحاسمة أو المتممة، فإن كيفية إعمالها يعتبر من المسائل القانونية التي تخضع لرقابة قاضي النقض.[69]

وما بقي من وسائل الإثبات من خبرة ومعاينة فلا تخضع لرقابة محكمة النقض أساسا، لأنها كلها تدخل ضمن الإجراءات المتبعة لإثبات الوقائع، ولا تندرج ضمن القانون، فيتمتع قاضي الموضوع ئذٍ على إثرها بسلطة واسعة جدا.

لأنه كلما بسطت محكمة النقض رقابتها على قاضي الموضوع إلا وضيقت من سلطته التقديرية والعكس صحيح.

ـــ رقابة محكمة النقض على التكييف:
مرَّ بنا أن التكييف عمل قانوني يستأثر به قاضي الموضوع من خلاله يحاول ربط ووصل الوقائع بقواعدها القانونية المنظمة له، وبما أنها عملية قانونية محضة، فإنها بكل تأكيد تخضع لرقابة محكمة النقض، فتكييف النزاع بمعنى: تحديد القوانين الواجبة التطبيق عليه يخضع لرقابة محكمة النقض باعتبارها محكمة قانون تسهر على تطبيق محاكم الموضوع القوانين بشكل سليم، وكذلك الأمر بالنسبة تكييف العقود والاتفاقات المبرمة بين الأشخاص فهي ترد عليها أوصافا متعددة يلزم على القاضي احترامها، وألا يقع في خطأ يستتبعه تطبيق قاعدة قانونية لا تتماشى والعقد أو الاتفاق المبرم بين المتعاقدين، فالوصف الذي يتمسك به أطراف النزاع أو يتمسكون به تجاه العقد لا يشكل قيدا للقاضي الذي يتحتم عليه أن يبحث عن التكييف الصحيح للعقد، مع ذلك ألا يأتي بتكييف مخالف لأوصاف العقد أو الاتفاق، وههنا تظهر صعوبة وخطورة التكييف، ففي هذا الجانب يخضع قاضي الموضوع لرقابة محكمة النقض، وفي هذا المنعطف جاء في أحد قرارات المجلس الأعلى ــ محكمة النقض حاليا ــ:

"إن الطبيعة القانونية للعقود رهينة، ليس بالتحديد الصادر عن الأطراف، وإنما بالطبيعة المستخلصة من بنودها، لذلك فإن على قاضي الموضوع أن يحدد هذه الطبيعة وأن يستخلص من هذا التحديد الآثار القانونية أو الاتفاقية التي تولدها هذه العقود ..."[70].

ومما يخضع أيضا لرقابة محكمة النقض تكييف الأحكام، أي: وصفها، لهذا جاء في قرار للمجلس الأعلى:

"...القانون هو الذي يحدد وصف الأحكام، ... ولهذا فإن الوصف الذي تعطيه المحكمة لأحكامها يخضع لمراقبة المجلس الأعلى.... "[71].

هذا لا يعني أن كل التكييفات التي يقوم بها قضاء الموضوع تخضع لرقابة محكمة النقض، بل إن منها ما لا يخضع لهذه الرقابة، إما لأن التكييف يتداخل مع الواقع، أو لأنه يتعلق بحالة نفسية أو بتقدير كمي أو يحتاج إلى خبرة فنية[72]، والنقط التي لا تخضع لرقابة محكمة النقض هي:

ــ تقدير سوء النية.
ــ تقدير مبلغ التعويض.
ــ تقدير مبلغ النفقة.

ولأن هذه النقط الثلاث التي أوردناها، بعضها لصيق بالواقع تماما، وبعضها متعلق بالحالة النفسية لطرف النزاع، والبعض الآخر متعلق بتقدير كمي، وإذا بسطت محكمة النقض رقابتها عليها فستتجرد من صفتها القانونية، وتدخل في اختصاص محاكم الموضوع وهو ما لا يستقيم.

ـــ رقابة محكمة النقض على تطبيق القانون:
يُعد استخلاص النتائج القانونية وإنزالها على الوقائع العمل الأخير من نشاط قاضي الموضوع، ويدخل في هذا الشق القانوني مجموعةً من الأمور كلها تدور حول الحكم القاضي الحامل للقاعدة القانونية، ويمكن تصنيفها إلى ما يتعلق بالجانب الموضوعي للحكم (أولا)، ثم ما يتعلق بالجانب الشكلي له (ثانيا) نذكر ذلك باقتضاب:

1ــ التقدير الموضوعي للحكم (تفسير القاعدة القانونية) :
بعد وقوف قاضي الموضوع على القاعدة القانونية الواجبة التطبيق على النزاع المعروض عليه، فيحدث أن يجد القاضي هذه القاعدة قد شابها الغموض أو نقص، فيكون آنئذ مضطرا لتفسيرها إذا كانت غامضة، أو تكميلها إن كانت ناقصة، أو على الأقل أن يبدي رأيه تجاهها لا أن يدعها كالمعلقة.
وهو يخضع لرقابة محكمة النقض في تفسيره أو تكميله للقواعد القانونية.

2ــ الأوضاع الشكلية للحكم القضائي:
بالإضافة إلى ما سبق، فإن على قاضي الموضوع أن يحترم عند إعداده للحكم القضائي، جميع النصوص القانونية التي يتوقف عليها اكتساب الحكم للصفة القانونية، والخطأ الشكلي أو الإجرائي الذي من الممكن أن يشوب الحكم، قد يتخذ بصفة عامة إحدى الصورتين: خطأ يتعلق بالسلطة التي أصدرت الحكم، وخطأ يتعلق بعملية إصدار الحكم[73].

ومحكمة النقض ــ المجلس الأعلى سابقا ــ بطبيعة الحال تبسط رقابتها القضائية على "الحكم/ القرار" القضائي الذي يصدره قاضي الموضوع، هل استجاب فعلا للشروط الشكلية والموضوعية التي تُشترط فيه، وإلا فإنها تنقضه.

المطلب الثاني: السلطة التقديرية للقاضي الجنائي:

الفقرة الأولى: مبدأ حرية الإثبات:

على خلاف المادة المدنية التي يسود فيها المذهب المختلط وفي بعض الأحايين المذهب المقيد[74] كما رأينا، فإن المادة الجنائية تتسم بحرية الإثبات وبناء على ذلك يمكن إثبات الواقعة الجنائية بشتى وسائل الإثبات، ذلك أن الوقائع الزجرية (المخالفات، الجنح والجنايات) تتسم بنوع من السرية والخفاء أي: تتم في منأ عن الملأ وهو الغالب، من ثم لا يصلح لإثباتها المذهب المختلط بله المذهب المقيد، ولأن الأفعال التي يقوم بها المتهم كلها مخالفة للقانون، "لذلك يعمل جاهدا على إخفائها عن الأعين، الشيء الذي جعل المشرع يتوسع في إثبات الأفعال المخالفة للقانون وأجاز إثباتها بجميع وسائل الإثبات كشاهدة الشهود"[75].

وهذا المبدأ له أصل شرعي متين، فقد ذكر ابن فرحون في كتابه "تبصرة الحكام بأصول الأقضية ومناهج الأحكام" في جزئه الثالث أنه: "ينبغي أن يوسع على حكام الجنايات والجرائم وألا يضيق عليهم"، وقبل الأمام شهاب الدين القرافي تطرق لهذا المبدأ[76]، فهاذان العالمان الفقيهان القاضيان عاش الأول في القرن الثامن الهجري وعاش الثاني في القرن السابع الهجري قد سبقا الأنظمة القانونية المعاصرة إلى العديد من النظريات ومنها هذا المبدأ الذي ذكرناه.

كما يختلف نظام الإثبات في المواد الزجرية عن المواد المدنية، حيث إن وسائل الإثبات في هذه الأخيرة تُهَيَّأ قبل النزاع وقبل إثارة الدعوى من ثم حصرها المشرع وحددها في عدد معين، على عكس وسائل الإثبات في المادة الجنائية إذ تهيأ الأدلة بعد فتح الدعوى وإثارتها وأثناء مناقشتها وعرضها.

لهذا أخذ المشرع المغربي كباقي التشريعات الأخرى بالمذهب الحر في المادة الزجرية، على غرار المادة المدنية التي تستمد أساسها من الحقوق والالتزامات الشخصية المتبادلة بين المتعاقدين، من ثم حُصِرت لهم الأدلة ووسائل الإثبات، لأنه ليس ثمة هناك ما يدعو إلى فرض هذا المبدأ.

وهكذا إذٍ، فمبدأ حرية الإثبات من القواعد العامة الأساسية التي تحكم الإثبات الجنائي[77]، ذلك لأنها تتعلق بوقائع وأحداث غير قانونية، وتهدف إلى إثبات ما ارتبط بها من أفعال جرمية، ونسبتها إلى شخص بعينه، أو أشخاص معينين[78].

وبناء على ذلك يتعين على القاضي الزجري أن يمكن أطراف النزاع من الإدلاء بكافة الحجج والأدلة، التي يرون أنها ستعزز موقفهم ووجهة نظرهم، لكن يتحتم عليه أن يستبعد ما يراه غير ذي نفع وجدوى في إثبات النزاع المطروح عليه.

وقد نص المشرع المغربي على مبدأ حرية الإثبات في المادة 286 من الفرع الأول من الباب الأول من القسم الثالث من المسطرة الجنائية المغربية[79]، فحسب ما نصت عليه الفقرة الأولى من هذه المادة: "يمكن إثبات الجرائم بأية وسيلة من وسائل الإثبات، ما عدا الأحوال التي يقضي القانون فيها بخلاف ذلك".

فهذه الفقرة أجملت ما قلناه سابقا؛ من أن المذهب الحر هو السائد في المادة الجنائية للاعتبارات التي أشرنا إليها.

بناءً على ذلك، فإن القاضي الجنائي يتمتع بسلطة واسعة وبصلاحية كبيرة، في استخلاص الوقائع (الجرائم) وتكييفها وتنزيل القاعدة القانونية عليها، ولا يخضع لرقابة محكمة النقض إلا في حدود ضيقة، فهو يبحث عن تأسيس قناعته وإشباعها، ولن يبني حكمه إلا على الجزم واليقين التام، أما إن شك في نسبة الواقعة للمتهم فإنه يحكم له بالبراءة، استنادا لقاعدة: "الشك يفسر للمتهم"، وقاعدة "البراءة الأصلية"، التي تتفرع عنها قاعدة: "الأصل براءة الذمة"، و"بقاء ما كان على ما كان"، و" درء الحدود بالشبهات"، وقاعدة البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه أو على من أنكر"، وكلها وغيرها قواعد وضوابط استقتها التشريعات المعاصرة من رَحِمِ الشريعة الإسلامية السمحة، وهي ضمانات معتبرة للمتهم، تضمن له المحاكمة العادلة، وتضعه في مركز قانوني معتبر، فلا يقع عليه عبئ الإثبات لأنه مدعىً عليه وليس مدعيا، فالمدعي هو الذي يقع عليه عبئ الإثبات لأنه ادعى خلاف الأصل والظاهر، فيتحتم عليه إثبات ما ادعاه وهو المبدأ العام الذي جسدته الشريعة الغراء قبل زمن بعيد لتأخذ به الأنظمة القانونية المعاصرة.

و في هذا الصدد قضت محكمة النقض المصرية بأن: (الأحكام في المواد الجنائية يجب أن تبني على الجزم واليقين، لا على الظن والاحتمال).

وقضت أيضا بأن: (الأحكام الصادرة بالإدانة يجب أن لا تنبني إلا على حجج قطعية الثبوت، تفيد الجزم واليقين )[80].

وليس يعني هذا أن مبدأ الحرية في الإثبات الجنائي على إطلاقه، بل ترد عليه مجموعة من القيود فرضتها فكرة العدالة، "ذلك أن فكرة العدالة تقضي بضرورة عرض الحجج، وتمكين الخصوم من مناقشتها شفاهيا وحضوريا، أمام القاضي الجنائي لتكوين القناعة التامة لديه"[81]، كما يُمنع استقاء أي حجية كتابية من المراسلات التي تتم أو تمت بين المتهم ووكيله، وهو ما نصت عليه المادة 294 من المسطرة الجنائية:" لا يمكن أن ينتج الدليل الكتابي من الرسائل المتبادلة بين المتهم ومحاميه"، ويُضاف إلى ذلك القيود المفروضة على الوسائل المستعملة في التحقيق والاستنطاق وكذلك في إثبات الجريمة، إذ يمنع منها ما يمس بكرامة الإنسان أو حرمته أو بدنه، كتخدير المتهم أو تنويمه تنويما مغناطيسيا[82]، أو إخضاعه للفحص بآلة الكذب أو لجراحة الدماغ، بغرض الحصول على اعترافه[83].

فكل ذلك يمُس بكرامة المتهم وشخصيته ويضر بنفسيته، وهو ما حرمته الشريعة الإسلامية من قبلُ، قبلَ أن تجرمه المجتمعات الإنسانية فيما بعد، ومنها أيضا: أن يتم استخدام الحيل والخديعة والوعود الكاذبة ضد المتهم مقابل اعترافه أو إقراره بما نسب أو لم ينسب إليه، كأن يتم تغريره بالإفراج المؤقت أو الإفراج الشرطي، أو تبرئته مما نسب إليه، كما يُحظر تعذيب المتهم أو تعنيفه نفسيا أو جسديا أثناء مرحلتي البحث التمهيدي أو التحقيق الإعدادي معه، بالإضافة إلى أن كل هذه الوسائل لا تؤدي غالبا إلى الحقيقة المنشودة بل تعقد الأمور.

الفقرة الثانية: حرية الاقتناع:

تقدم بنا أن مبدأ حرية الإثبات هو السائد في المادة الزجرية، من ثم فالقاضي له سلطة تقديرية واسعة في تقدير الأدلة، وفي استخلاص الوقائع، وتكييفها وحتى في تنزيل القاعدة القانونية عليها، ومادام مبدأ حرية الإثبات قائم فإن حرية الاقتناع قائمة، فالأول يقتضي الثاني وهي معادلة يسيرة اقتضاها منطق الأمور، وحرية اقتناع القاضي تستمد أساسها من تتمة الفقرة الأولى من المادة 286 من المسطرة الجنائية إذ جاء فيها:

"ويحكم القاضي حسب اقتناعه الصميم ويجب أن يتضمن المقرر ما يبرر اقتناع القاضي وفقا للبند 8 من المادة 365 الآتية بعده".
وإذا رجعنا إلى هذا البند المذكور وجدنا مضمونه يدور حول الأسباب الواقعية والقانونية التي بُني عليها الحكم أو القرار او الأمر ولو في حالة البراءة، والتي يتحتم أن يتضمنها الحكم الصادر من الهيئة القضائية، ولو معَّنَّا النظر في هذه المسألة، فإن الواقع أساسا والقانون تبعا هما الأرضية الخصبة لممارسة القاضي لنشاطه، وهذا الأخير لا يَسْتَتِمُ ولا يكتمل إلا بعد أن يؤسس القاضي قناعته تجاه النزاع المطروح.

هذا، ولأنَّ الواقعة الزجرية لما لها من حساسية مفرطة فتثير تارة عاطفة المجتمع وتارة أخرى غضبهم، فيأخذون نظرة سلبية عن المتهم ويحتقرونه مدى عمره، لهذا فإن القاضي يَتَحَيَّطُ كثيرا ويتأنى ويلزم التؤدة قبل أن يدين المتهم بما نسب إليه، من ثم فلا جَرَمَ أن القاضي لا يحكم إلا بناء على اليقين التام، فيبحث في الأدلة المقدمة إليه ويقيمها ويوزنها، فإذا لم تكف أمر بالشهود أو اليمين أو انتقل إلى إجراءات التحقيق، كل هذا ليؤسس قناعته على أرضية صلبة، ويجد ما يعلل به حكمه.

بعدما كَيـَّفنا السلطة التقديرية للقاضي في كُلٍّ من الفقه المالكي والتقنين المغربي في الفصل الأول، ننتقل إلى النظر في بعض تطبيقاتها في المادة العقارية وما يشوب ذلك من إشكالاتٍ لتكمل الرؤيا وتتضح، وهو موضوع الفصل الثاني.

الفصل الثاني: السلطة التقديرية للقاضي في العقار المحفظ والعقار غير المحفظ:

بين يدي الفصل:
يهدف هذا الفصل إلى معالجة الإشكلات التي اتسمت بها سلطة القاضي العقاري، مع بيان حدودها ومجالاتها في كل من العقار المحفظ والعقار غير المحفظ، علما أن المقنن أخذ بالمذهب المختلط في الإثبات في المادة المدنية، لكن سلطة القاضي في العقار المحفظ محدود جدا وهو إشكال نعالجه في المبحث الأول، على أن العقار غير المحفظ وثيق الصلة بالفقه المالكي من جهة كسب الملكية وإثباتها، وكذلك الترجيح بين البينات وما اتسم به ذلك من إشكالات، وهو ما نتناوله في المبحث الثاني، على أننا اخترنا تقسيم الفصل إلى مبحثين تسهيلا للدراسة؛

المبحث الأول: السلطة التقديرية للقاضي في العقار المحفظ:
المبحث الثاني: السلطة التقديرية للقاضي في العقار غير المحفظ:

المبحث الأول: السلطة التقديرية للقاضي في العقار المحفظ:

بين يدي المبحث:
يرمي هذا المبحث إلى رصد سلطة القاضي العقاري والتعرض إلى المشكلات المتعلقة بها أثناء إنجاز عملية التحفيظ وبعد إنجازها، على أن الأصل في هذه المسطرة أنها إدارية ــ تتم داخل المحافظة العقارية ــ لكنها في أغلب الأحايين تنتهي قضائية، بنشوب التعرضات، وبعد فشل مسطرة الصلح والتحفيظ الجزئي الذي يقوم بهما السيد المحافظ، فيقوم هذا الأخير بإحالة الملف إلى المحكمة الابتدائية ــ الغرفة العقارية ــ، لتنظر في صحة هذه التعرضات من عدمها المقدمة ضد مطلب التحفيظ، ما يطرح مشكلا حول سلطة القاضي؟ علمًا أنَّ المشرع المغربي تبنى المذهب المختلط في المواد المدنية، ــ والمادة العقارية بطبيعتها مادة مدنية ــ فهل امتد المذهب المختلط ليشملها في الإثبات؟ أم أنَّ الإثبات فيها مقيدٌ؟ (المطلب الأول)، ومعلومٌ أنَّ القضاء في منازعات التحفيظ قضاء مختلط تحكمه الازدواجية بين القضاء العادي والقضاء الإداري، وأنَّ هذا الأخير رهينٌ بإدارية قرار المحافظ العقاري، فكيف نفصل بين القضاءين في منازعات التحفيظ ؟ (المطلب الثاني).

المطلب الأول: مشكل الإثبــات في المادة العقــارية:

مـرَّ بنا أن المشرع المغربي تبنى المذهب المختلط في المادة المدنية، طبقا للفصلين 404 و443 وغيرهما من ظهير الالتزامات والعقود، حيث حصر وسائل الإثبات وحددها للقاضي فلا يملك الركون لغيرها وسلطته التقديرية تتفاوت من دليل لآخر، ثم قيد المعاملات التي تفوت عشرة آلاف درهم بالكتابة كما هو منصوص عليه في الفصل 443 السالف، ولا يختلف اثنان على أن المادة العقارية مادة مدنية محضة يحكمها ظهير الالتزامات والعقود من الناحية الموضوعية فيما لم يرد فيه نص خاص، أما من الجانب الشكلي فتحكمها المسطرة المدنية إلا أن يرد نص خاص فإنه يقدم عليها، لكن المشكل المطروح أن الإثبات مقيد جدا في المادة العقارية خصوصاً في العقار المحفظ، فُــتـُـقَيَّدُ به من ثم سلطة القاضي العقاري، وهذا مخالف لمعهود المادة المدنية؟؟

وغني عن البيان أن المادة العقارية من ألصق المواد القانونية بالفقه المالكي، حيث إن أحكامها مستمدة من المنظومات والمدونات الفقيهة المشهورة، وهذا لا يجاحد فيه أحد، فالقانون كما هو معلوم فقه قنن، لكن المادة العقارية تمتاز بخصوصية كبيرة في هذا الصدد، حيث إن المذهب المالكي من أعظم المذاهب وأكيــفها مع واقع الناس على مر العصور، فقد كَــايَفَ جميع النوازل والوقائع التي تحل بالناس في دينهم ودنياهم معا، وتمذهب به الناس في الشرق والغرب معا، وهو أول مذهب يجمع بين ذلك، ومرد كل ذلك إلى أصوله المرنة، إذ يجمع بين الأثر والنظر في وقت واحد، وهي ميزة عزت في بقية المذاهب، ضف إلى ذلك قاعدة ما جرى به العمل؛ وهي من أدق ما وقف عليه فقهاء المغرب، دون أن ننسى عمل أهل المدينة ومراعاة الخلاف[84]، وبناء على ذلك فإن فقهاء المالكية اعتنوا كثيرا أكثر من غيرهم بالمادة العقارية (لأنها تشكل جزءا كبيرا من الفقه) وحرروا فيها مؤلفات فريدة لا تعد، ونظموا فيه منظومات بهية لا تحصى، لأن الإنسان بطبعه مهووس بتملك الأراضي والتصرف فيها منفعة أو كراء أو بيعا أو رهنا، ومعلوم عند المغاربة أن من ملك الأرض ملك الفكر وملك من عليها وما تحتها.

لكنَّ الرجوع إلى هذه المؤلفات[85] والنظر فيها والارتواء من معينها، ليس بالأمر الهين، بل يحتاج ذلك إلى دُربة ومِراس وعلم رصين، وهو ما لا يتأتى البتة عند القضاة المعاصرين الذين غالبهم من خريجي كليات الحقوق، أما النبهاء من خريجي كليات الشريعة والقانون فهم أهل الصنعة وأسياد التخصص ولا يضاهيهم في ذلك أحد، - لكنهم مع الأسف الشديد يشكلون نسبة ضئيلة جدا من قضاة المغرب -، ومرد ذلك: أولا؛ لأنهم ثلة قليلة جدا مقارنة مع طلبة الحقوق . على أن كليات الشريعة والقانون بالمغرب عددها ثنتان فحسب، ثانيا؛ أن نسبتهم الكبرى تنحاز إلى المجالات الأخرى من غير القضاء(كولوج مهن التربية والتكوين او الالتحاق بخطة العدالة أو إتمام الدراسات العليا ... او غيرها).

لهـذا قام المشرع المغربي بالرجوع إلى المدونات الفقهية المذكورة وتقنين المهم منها ووضعه بين يدي القاضي، ليسهل عليه تناوله وتنزيله على الوقائع والنوازل المعروضة عليه، وهذا تحجير على القاضي تماما وتقييد لسلطته تقييدا تاما، فلم يعد للقاضي أي دور هام غير استخلاص الواقعة ووضعها في إطارها القانوني أو: ما يسمى بالتكييف ثم تنزيل النص المقنن عليها، وهنا المشكل.

لكن، لولا ذلك لتوقفت عجلة القضاء في المغرب تماما، فالقاضي خريج كلية الحقوق لا يتقن الفقه المالكي ولا يفهم فيه شيئا، بل ولا يعرف المصنفات المعتمدة في القضاء، ولا يدري كيف يرجع إليها ولا كيف يحيل عليها، ولو افترضنا أنه يعلم ذلك و-هذا بعيد جدا-، لحَارَ في التمييز بين الراجح والمشهور[86] في الكتب الفقيهة، وبين ما جرى به العمل[87] عند المتأخرين، ضف إلى ذلك أن كتب الفقه معقدة جدا من ناحية اللغة والمنهج معا ومتشابكة الخيوط[88]، فهي ليست للعامة بل لخاصة الخاصة، لأنها كتب تدريسية أساسا[89]، وضعها الفقهاء رحمهم الله لطلبة العلم المتقدمين[90] الذين قضوا نحبهم في تحصيل العلم.

ناهيك أن المنازعات العقارية يشوبها طابع التعقيد ومستغرقة في الزمن، وتتعلق أساسا بالملكية والحيازة وباقي الحقوق العينية الأصلية منها والتبعية ...، ولو أراد القاضي أن يرجع للمصنفات الفقيهة ليجد حلا مناسبا شافيا كافيا لنازلة الحال، لوجد نفسه أمام عشرات المصنفات، ولن يدري بأي منها يأخذ وعلى أي منها يحيل[91].

خصوصا وأن القواعد الفقهية المنظمة للمواد العقارية رغم أنها مشتتة في بطون الأمهات لاتدرك إلا بمشقة، ولا يفك رموزها إلا من كان جهبذا ذا عدة لغوية وفقيهة[92].

إذا علمنا هذا، نفطن إلى السبب الذي جعل المشرع يقنن الفقه في مدونات قانونية قيدت من سلطة القاضي العقاري وحجرت عليه، والتحجير على القاضي ليس وليد اليوم بل هي عادة قديمة جدا في المغرب، وقديما قال العلامة أبو شعيب الدكالي رحمه الله: " القاضي في المغرب محجر عليه بالراجح والمشهور".

وإذا كانت محاسن التقنين على نحو ما قرره فقهاء القانون هي تحقيق مبدأ الاستقرار القانوني المُطَبق قضاءً، فإن من مساوئه: تقييد القضاء بتلك القوانين بحيث لا يحيد عنها في أحكامه حتى لو لم تعد تحقق المصلحة والعدل المرجوين، وهذا بخلاف نصوص الفقه الإسلامي الأوسع مجالا والأكثر ثراء، تترك للقاضي فرصة اختيار ما يناسب النازلة القضائية ويحقق المصلحة والعدل[93].

هذا، وقبل صدور مدونة الحقوق العينية[94] سنة 2011 كان القضاة يرجعون إلى الفقه المالكي في المنازعات المرتبطة بالعقار غير المحفظ باعتباره مرجعا أساسا لا غنى عنه في هذا الصدد، فيلفون أنفسهم في أرضية واسعة بين دفتي عشرات المصنفات، فيكلفون أنفسهم عناء البحث عن حل مناسب للنزاع المطروح، وهي مهمة شاقة جدا تأخذ زمنا ليس باليسير من القاضي، لكنه بها يصير قاضيا مربيا فقيها نبيها ذو ملكة وفطنة لا يغلبه أي نزاع.

لكن بصدور المدونة سنة 2011 تم تقييد سلطة القاضي العقاري تماما، إذ كان العقارُ غير المحفظ قبل صدور المدونة المستراحَ الأوحد للقاضي العقاري، لكن مع الأسف الشديد فغالبية قضاة المملكة – حتى قبل صدور المدونة – إنما يركنون للسوابق القضائية، وقليل جدا منهم من كان يكلف نفسه عبء الرجوع لبطون المؤلفات الفقيهة، والسبب راجع بطبيعة الحال لمن حررناه أعلاه، من أنهم لا يدرون كيفية الرجوع إليها، إما لضعف تكوينهم أو لقلة خبرتهم أو هما معا.

وما زاد الطين بلة أن قصر المقنن الإحالة في المادة الأولى من م ح ع على الراجح والمشهور وما جرى به العمل في المذهب المالكي وجعله مصدرا تكميليا ولم يشر على كل المذهب[95]، بعدما أحال أولا إلى ظهير الالتزامات والعقود وجعله مصدرا أصليا وهذا تضييق محكم لسلطة القاضي العقاري، وإن كان ظهير الالتزامات والعقود فقه مالكي قائم وضعه فقهاء مالكيون، مبني أساسا على المصالح المرسلة، وهذا لا جدل ولا شك فيه، لكننا نساؤل المقنن -إن كان ما نظمه هذا الظهير من محتوى المادة العقارية كافٍ لجعله مصدراً أصليا محيلا عليه ؟ والجواب طبعا لا، لأن ظ ل ع إنما نظم الحقوق الشخصية من الالتزامات بين المتعاقدين بشكل عام في الكتاب الأول ثم نظم العقود وأشباه العقود في الكتاب الثاني منه وذلك باعتباره قانونا مدنيا، فما دخل المادة العينية فيه أساسا؟ إلا في جزئيات يسيرة منه، وإن كان يصلح ليكون مصدرا محيلا عليه في المنقولات دون العقارات، وهذا مشكل أيضا.

فكان الأجدر بالمقنن أن يحيل على كل المذهب المالكي ويجعله مصدرا أصليا، ويستتبعه ظهير الالتزامات والعقود كمصدر تكميلي، فهذا في صالح القضاء من الدرجة الأولى حتى لا يضيق عليهم كما هو الحال الآن، حتى إن المصطلحين "الراجح" و "المشهور" غير مضبوطين البتة ووقع فيه خُلْفٌ كبير بين فقهاء المالكية فيما بينهم على مر العصور، ضف إليهم كذلك مصطلح "ما جرى به العمل".

لكننا لسنا نجانب الصواب إذا قلنا إن هذه الاصطلاحات التي لاكَتْها الألسنة وتلقفها الباحثون في أكثر الأحوال هي ألفاظ بلا ثمرة بل فيها مشكل يوقف كل استنتاج وكل إحالة مادامت هذه المصطلحات لم تحسم في وجه الجزم ما هو الراجح إلى زمن صدور مدونة الحقوق العينية ولا ما هو مشهور. فهذه اصطلاحات أشكلت على الفقهاء في زمن القضاء بالفقه المالكي لما كان المصدر المباشر فيما يقضى به فكيف لا تشكل في زمن التقنين وتواري رتبة الفقه المالكي المجرد ![96] .

فهذا الاضطراب الحاصل في الاصطلاحات المحيل عليها من قبل المشرع أفرز غموضا والتباسا وأشكل على الفقهاء والقضاة المالكيين المتمكنين على مر العصور فكيف لا يُشْكِلُ على قضاة اليوم !.

ـــ القاضي العقاري بين متطلبات الاجتهاد ومعيقات التقنين:
رأينا أن المادة الأولى من مدونة ح ع قصَّرت الإحالة ــ في حالة إذا لم يجد القاضي ضالته في مواد المدونة ـــ على ظهير الالتزامات والعقود كمصدر أصلي والراجح والمشهور وما جرى به العمل من مذهب مالك كمصدر تكميلي، لكن ما العمل إذا لم يسعف القاضيَ هاذان المصدران خلال بحثه عن حلٍّ للنزاع ؟ وههنا الإشكال، فلو أن المقنن أحال على كل المذهب المالكي لاَنتفى الإشكال من أصله، فالمادة العقارية مادة دسمة بالنوازل والقضايا الحديثة، لذلك فكثيرا ما يرجع القضاة لكتب النوازل كالمعيار المعرب والمعيار الجديد خصوصا في قضايا الشفعة والقسمة والحيازة بنوعيها ... وغيرها، إذا استعصهم الحل في المدونات القانونية المختصرة، لكن ليس دائما كتب النوزل أو حتى السوابق القضائية تشفي الغليل، وحتى الراجح والمشهور وما جرى به العمل لا يفي بالغرض دائما، فكيف العمل إذا في ظل هذا الإشكال؟

إننا طرحنا هذا الإشكال لنفهمه في أحسن الأحوال، ولسنا ههنا نبحث عن حل أو حلول، لكننا إذ نأمل أن نثير فهم ونظر المقنن ليجد له حلا شافيا، فقاضي اليوم مقلدٌ وفي أفضل الأحوال يَلْمِسُ "اجتهاد التخريج"، لكن هذا الأخير عند المالكية رهين بالجماعة لا بالفرد وهو ما يمكن لَحْظُهُ في قضاة محكمة النقض عند اجتماعها بغرفتين أو بجميع الغرف، على أن قضاة محكمة النقض علماءٌ في الشريعة (أصولها وفروعها) والقانون، لأن مجتهد التخريج يلزمه أن يكون ضابطا لأصول المذهب محيطا بفروعه فيقومُ ئِـذٍ بتخريج الفرع على الأصل وهو قياسٌ في جميع الأحوال[97]، لأن الفرع مجهول والأصل معلوم وبينهما علة محكومة بحكم ثابت يدور معها ــ الحكم ــ وجودا وعدما.

المطلب الثاني: ازدواجية الطعون القضائية المقدمة ضد قرارات المحافظ العقاري وسلطة القاضي التقديرية إزاءها:

نعرض للمسألة من خلال فقريتين:
ــ الفقرة الأولى: مركز القضاء العادي في مسطرة التحفيظ وسلطة القاضي التقديرية إزاءها:
ــ الفقرة الثانية: إدارية قرار المحافظ العقاري ومركز القضاء الإداري في نزاعات التحفيظ:

الفقرة الأولى: مركز القضاء العادي في مسطرة التحفيظ وسلطة القاضي التقديرية إزاءها:

غالبا ما تنتهي مسطرة التحفيظ قضائية[98] بعد نشوب التعرضات، فيحيل المحافظ على الأملاك العقارية مباشرة الملف إلى محكمة التحفيظ (المحكمة الابتدائية)، لتبت في صحة هذه التعرضات من عدمها، بعد فشل عمليتي الصلح والتحفيظ الجزئي –هذا إن كان ممكنا-، وهو منطوق الفصل 31 -الفقرتان الثالثة والرابعة منه- من ظهير التحفيظ العقاري[99]، على أن المحكمة في هذا الصدد إنما يقتصر دورها في النظر إلى وجه صحة التعرضات المقدمة مع تحديد نوعها ومحتواها ومداها ...إلخ، ثم تحيل الملف إلى السيد المحافظ للعمل بقرارها[100] الذي قضت به، وهي مسطرة قضائية مدنية عادية تطبق فيها إجراءات[101] نص قانون المسطرة المدنية[102] باعتباره الشريعة العامة في الدعاوي المدنية، والمحافظ ملزم[103] بتطبيق الحكم القضائي النهائي[104] الصادر في القضية، لكن مع ذلك تبقى له سلطة واسعة في قَبُول مطلب التحفيظ كُلاً أو جزءاً مع إبقاء حق الطعن للأطراف أمام القضاء العادي[105]، ليس هذا فحسب بل الطعن في قرار المحافظ يُطال أيضا رفضه تقييد حق عيني أو التشطيب عليه، كذلك إلغاء التعرض لعدم الإدلاء بالحجج والمستندات (الفصول 24 و25 و26 و27 و29 و32 من ظهير التحفيظ العقاري)، ورفض التصحيح بطلب من الأطراف أو عدم قَبول التصحيحات المنجزة من طرف المحافظ (الفصول 91 و97 من ظ ت ع)، وكذلك رفض تسليم نظير الرسم العقاري أو شهادة خاصة بالتقييد ( الفصول 101 و102 و103 من ظ ت ع).

كل هذه القرارات تقبل الطعن أمام القضاء العادي، على أن المحافظ يلزمه أن يعلل قراراته تعليلا كافيا حتى تتسم بالحياد، لكنَّ الإشكال المطروح أنَّ؛ القاضي العقاري في منازعات التحفيظ سلطته محدودة جدا وضيقة، فمن جانب التعرضات لا يملك إلا النظر في صحتها من عدمه، فلا يملك تقييم الأدلة ولا مقارعة الحجج، ومن جهة أخرى فإن المحافظ العقاري يمتع بسلطات واسعة جدا وامتيازات عديدة، لا تظهر أمامها سلطة القاضي، مَعْ أن القاضي في ظل منازعات التحفيظ هو المحور الرئيس وعليه المدار، إذ هو الذي يفض النزاع ويحدد حدود العقار المتنازع فيه وينظر في صحة التعرضات، وإذا تضرر أحد الطرفين من قرار المحافظ فهو الذي ينظر في الأمر ..إلى غير ذلك، مَعْ كل هذا جرَّد المقننُ القاضي من جميع الصلاحيات وضيق من سلطته وحجر عليه، وفي المقابل متَّع المحافظ بامتيازات وسلطات ثقيلة وضمانات واسعة تجعله لا يلقي بالا ولا يأبى للمؤسسة القضائية ولا لمقرراتها، وهو الحال فعلا، وهذا أمر خطير يمس بهيبة القضاء وقداسته، ليس هذا فحسب، بل دائما ما تخلق هذه المسألة نقاشا وجدلا واسعا في صفوف القضاة والمحامين، تجعلهم يَنْقُمُون من السيد المحافظ ويعضون عليهم أناملهم غيظا، من ثم فقد وقع المقنن في تناقض كبير يدفع القضاء ثمنه غاليا.

فلو أن المقنن وازن بين السلطتين: سلطة المحافظ وسلطة القاضي، لا أن يرفع إحداهما إلى عنان السماء مقابل الأخرى، لجنب الوقوع في مثل هذا التناقض المحرج.

الفقرة الثانية: إدارية قرار المحافظ العقاري ومركز القضاء الإداري في نزاعات التحفيظ:

نشب خلاف بين الفقه فيما إذا كان المحافظ على الأملاك العقارية سلطة إدارية[106] من ثم تقع عليه المسؤولية الإدارية في قراراته، وشأنه شأن سائر الموظفين فإنه يتحمل تبعات الأخطاء التي يرتكبها أثناء نشاطه الإداري، سواء شابت هذه القرارات أخطاء أم شابها الشطط في استعمال السلطة أم تكون تسببت في أضرار للمرتفقين، وليس الإشكال ههنا، فنحن نؤيد هذا الاتجاه ونراه صوابا، إنما المشكل هو: أيٌّ من قرارات المحافظ يصح الطعن فيها أمام القضاء الإداري ؟ فإذا وجدنا حلا لهذا المشكل نكون قد حددنا متى يكون قرار المحافظ إداريا، على أن المقنن في ظهير التحفيظ العقاري لم يتعرض لهذه المسألة بشكل صريح، إنما في غالب الأحوال يفهم منه متى يمكن الطعن أمام القضاء الإداري، على أنه –المقنن- حسم الأمر في قرارات المحافظ الخاصة بمسطرة التحفيظ؛ أثناء التحفيظ وبعده، -وقد استقصيناها أعلاه- فكل قرارات المحافظ الصادرة منه أثناء عملية التحفيظ وبعدها فإنما يُطعن فيها أمام القضاء العادي، حيث أشار المقنن إلى ذلك في العديد من الفصول، مثلا (في الفصل 37 مكرر عند رفض مطلب التحفيظ، ف 96 عند رفض التشطيب على حق عيني، ف 103 عند رفض تسليم نظيرالرسم العقاري) إلى غيرها من الفصول.

وحتى إن محكمة النقض كثيرا ما وقعت في تناقض فادح في قراراتها، إذ تصنف بعض قرارات المحافظ بأنها قرارات إدارية من ثم يُطعن فيها أمام القضاء الإداري، ثم تأتي بعد ذلك فتخرجها عن اختصاص القضاء الإداري لتدخلها ضمن اختصاص القضاء العادي، فهي متأرجحة ليس لها توجه موحد في هذه المسألة، وهذا ليس في صالح القضاء ولا المتقاضين.

وبناءً على ما سبق فإننا نخرج بأن القضاء العادي هو المختص في البت في قرارات المحافظ الصادرة منه أثناء عملية التحفيظ (رفض مطلب التحفيظ، إلغاء مطلب التحفيظ، رفض التعرض، إلغاؤه ...) وبعدها (التشطيب على حق عيني، رفض التقييد، قرار رفض تسليم نظير من الرسم العقاري ...)، وبتعبير أدق فالقضاء العادي هو المرجع في المرحلتين الإدارية والقضائية لعملية التحفيظ.

فلم يبق ئذ للقضاء الإداري إلا البت في قرار المحافظ برفض تنفيذ حكم أو قرار[107] نهائي اكتسب قوة الشيء المُقضَى به، قلنا "الأحكام النهائية" لأنها تحصنت من جميع الطعون العادية وغير العادية، من ثم فلم يعد لدى المحافظ عذرٌ ليتقَعَّس عن تنفيذها[108]، ويستمد ما ذكرناه أساسه من المادة 8 من قانون إحداث المحاكم الإدارية[109] التي حددث الاختصاص النوعي لها، ومن بينه: البت في قرارات تجاوز السلطة ودعاوي التعويض عن الأضرار حسب المادة المذكورة، وكذلك شرعية هذه القرارات (المادة 44 من القانون المذكور).

فالقضاء الإداري إذن بشقيه؛ "الشامل" و"قضاء الإلغاء" هو المختص في مثل هذه الدعاوي، فمادام المحافظ سلطة إدارية فإن قراره ذاك إن كان مجحفا في حق أحد المرتفقين فلا يملك إلا أن يدق باب قضاء الإلغاء ليبت فيه فيلغيه إذا اتسم فعلا ب"تجاوز السلطة" أو بتعبير أدق الشطط في استعمال السلطة، لأنها الوسيلة الوحيدة التي بها يستطيع الطاعن اقتضاء حقه، وإذا تضرر أحد من ذلك القرار ضررا معتبرا[110] فيمكنه رفع دعوى التعويض في إطار القضاء الشامل، ونحن نؤيد الاتجاه القائل بإلزام إثبات العلاقة السببية بين الضرر والخطأ ونراه الأصوب والأسلم، حتى لا يصير المحافظ مظنة للوم والتهمة، مع إثبات العلاقة السببية ليس سهلا دائما بل في بعض الأحايين قد يكون من الصعوبة بمكان.

والذي نلحظه أن سلطة القاضي الإداري محدودة جدا في في هذا الصدد، إذ لا تتجاوز إلغاء قرار المحافظ برفض تنفيذ حكم نهائي أو البت في دعوى التعويض عن الضرر الناجم عن تنفيذ القرار المذكور، مع أن المحافظ على الأملاك العقارية والرهون سلطة إدارية يتوجب معها أن تمنح للقاضي الإداري سلطة واسعة، وهو تضارب وقع فيه المقنن الذي لم يتعرض مطلقا لاختصاص القضاء الإداري في منازعات التحفيظ.

بعدما وقفنا على سلطة القاضي التقديرية في العقار المحفظ ورصدنا الإشكالات المتعلقة بها فقها وقانونا وقضاء، بقي لنا أن ننظر في سلطته إزاء العقار غير المحفظ وما يتسم به من إشكالات، لتكتمل الرؤية التطبيقية على المادة العقارية التي خصصنا لها هذا الفصل وهو موضوع المبحث الآتي.

المبحث الثاني: السلطة التقديرية للقاضي في العقار غير المحفظ:

بين يدي المبحث:
يرمي هذا المبحث إلى الوقوف على سلطة القاضي في كسب ملكية العقار وكذا في إثباتها من خلال الأدلة والحجج المقدمة له، وسلطته في الترجيح بينها إذا تعذر الجمع، وليس يخفى أن سُدى ولُحمةَ سلطة القاضي في الحجج التي يقدمها له أطراف النزاع من حيث تقريبها وتقييمها والترجيح بينها، ومن أجل التيسير على القاضي فقد استنبط الفقهاء مرجحات يُستعان بها عند تعذر الجمع بين الأدلة، وقد حصرها بعضهم في عشرٍ، وهي التي نص عليها المقنن في المادة الثالثة من مدونة الحقوق العينية.
ونعرض للقضية من خلال تسبيرها إلى مطلبين؛
(المطلب الأول) نتناول فيه سلطة القاضي في كسب الملكية وإثباتها:
(المطلب الثاني) نتعرض فيه إلى سلطة القاضي في إعمال ضوابط الترجيح بين البيِّنات:

المطلب الأول: سلطة القاضي في كسب الملكية وإثباتها:
إن الملكية لا تُكسب هكذا مجردا، بل لها أسباب تصدى لها الفقهاء رحمهم الله وبسطوا فيها القول بما فيه الكفاية، والتي خصص لها المقنن الكتاب الثاني من مدونة الحقوق العينية، وعدَّها في أحد عشر سببا[111]، في حين أن الفقهاء لم يحصروها في عدد معين( لأنهم في الغالب ينتبهون إلى ما يوافق الشرع من الأمور وليس إلى عدها وحصرها)، على أن الفقهاء لم يجعلوا الحيازة[112] سببا من أسباب الملك كما هو صنيع المقنن في المدونة إنما جعلوها قرينة على التملك وحسب، ومن ذكاء الفقهاء أنهم صنَّفوها في باب الشهادات وبذلك فهي تنفع في الإثبات، فينظرون إلى الحيازة على أنها تمنع من سماع الدعوى؛ وفسر الإمام الحطاب معناه بقوله:" والظاهر أن المراد بعدم سماعها عدم العمل بها من أنه لا توجه على المدعى عليه يمين إذا أنكر، لا أنها لا تسمع ابتداء، فإن ذلك غير ظاهر لاحتمال أن يقر المدعى عليه، ويعتقد أن مجرد حوزه يوجب له الملك"[113]، وذلك حسما للخلافات وتقليلا من كثرة النزاعات القضائية التي كانت تسببها مثل هذه الدعاوي (التي أغلبها كيدية صادرة عن سوء نية)، وتجنبا كذلك لما يثار من مشكلات الإثبات، والشكوك في أصول الحقوق، ثم لو ألقينا نظرة متمعنة في محاكم اليوم لوجدنا أن أكثر القضايا رواجًا هي المتعلقة بوضع اليد أو الحيازة الظاهرة[114]، ولو أن المقنن سار على نهج الفقهاء – فجعل الحيازة قرينة على التملك لا سببا له من ثم تمنع من رفع الدعوى إذا لم يعزز دعواه بحجج أخرى- لَحَسَم أمر هذه الدعاوي التي تذهب فيها أوقات الناس وأموالهم وأعمارهم هباء منثورا، ف"أساس الحيازة مبني في القانون على قواعد التقادم المكسب، والتقادم غير مكسب للحقوق العينية عند فقهاء المسلمين، لأن التوسيع في الحيازة لم يتجاوزعند متأخري الفقهاء الأخذ بالتقادم باعتباره مانعا عن سماع الدعوى التي تحمي الحق، لا باعتباره مكسبا للحق أو مسقطا له.[115]، ونفس الأمر بالنسبة للتقادم فالقانونيون فهموه عكس ما نظر إليه الفقهاء، لأنهم لا يقرون بالتقادم على أنه مكسب للملكية بل مانع من سماع الدعوى بحق مضى عليه زمن معين وحسب، لهذا يمكن القول: إن المقنن جرَّ مشكلا بمشكل، كما أن الحائز ليس مدعيا بل مدعا عليه فلا يقع عليه عبء الإثبات ولا يُسأل عن أصل الحق، خلافاً لنقول الملكية الأخرى.

وبناء على ما سبق، فإن سبب الملكية يُنظر إليه على أنه دليل إثبات وحجة، من ثم يملك القاضي إزاءه سلطة واسعة في تقديره ووزنه وفي قَبوله ورده، وهذا قبل صدور م ح ع حيث كان القضاة يحتكّون بالفقه الإسلامي في المنازعات المتعلقة بالعقار غير المحفظ، مما يوفر لهم سلطة واسعة في هذا الصدد، لكن مع صدور المدونة ح ع سنة 2011 حدًّت من سلطتهم نوعاً ما[116]، لكن ما تزال لهم فسحة يُعملون فيها سلطتهم التقديرية، وعلى رأسها أسباب كسب الملكية وكذا إثباتها؛ فالقاضي حينما تُعرض عليه قضية متعلقة بوضع اليد أو استحقاق عقار غير محفظ فإن له سلطةً في هذا الصدد فهو يقدر الأدلة والحجج المعروضة عليه من قبل أطراف النزاع ويوزنها ويقبل المهم منها ويرد ما لا جدوى فيه، ويتفقد أيضا وجود شروط الملكية الخمس[117] في الدعوى إلى غير ذلك ..، كذلك من أحيى أرضا مواتا ثم وقع على إثر ذلك نزاعٌ، فالقاضي ههنا نظرا لسلطته فإنه ينظر إلى الأدلة المقدمة له، كذلك يتفقد تحقق شرط الإحياء؛ وهو الإذن من الدولة[118] بصريح المادة 222[119] من م ح ع إضافة إلى العمل في الأرض من غرس وزراعة وسقي وري.. كل هذا، يدخل ضمن صميم سلطة القاضي التقديرية التي لابد منها لتحقيق العدالة المنشودة .

وهذه الملكية كما أن لها بداية فإن لها نهاية (لأن العقد عامة له بداية ونهاية)، وما تُكسب به الملكية فبه تنقضي، لكن المقنن المغربي وخلافا للفقهاء فقد جعل القسمة والشفعة مما تكسب به الملكية لا بما ينقضي به الحق (كما اعتبره الفقهاء)، وهو مشكل تشابه على الفقه القانوني، فاعتبروا أن القسمة والشفعة منشئتان للملكية، ولكن الفقه اعتبرهما كاشفتان عنها، وهو التحقيق، لأن الملك قائم في ظل الشيوع، ولا تنشئه الشفعة ولا القسمة بل ينقضي وينكشف بهما، والفكر القانوني استقر على أن القسمة منشئة للملكية (الحق)، بينما الفقهاء رحمهم الله لهم نظرة ثاقبة متمعنة، فنظروا إلى القسمة نظرة مزدوجة أي أنها كاشفة ومنشئة في نفس الوقت على أن، هذا التمييز بين النظر القانوني والنظر الفقهي في هذه المسألة له آثار؛ وهو أن القسمة فيها المعنيان معا: معنى المبادلة وهو النقل وفيها أيضا معنى الفرز وهو الكشف إذ لها طبيعة مزدوجة، لكن القانونيين اقتصروا على المعنى الأول وحسب، ولم يتفطنوا للمعنى الثاني الذي سبقهم به الفقهاء من قبل.

على أن المقنن خلال إيراده لأسباب كسب الملكية الأحد عشر في الكتاب الثاني من م ح ع خلَّط بين الأسباب المكسبة للملكية والأسباب الناقلة لها والأسباب الكاشفة عنها، فضمها جميعا إلى الأسباب المكسبة، فالشفعة والقسمة قلنا إنها تكشف عن الحق وليست تنشئه وهو نظر الفقهاء قديما ونعتبره صوابا، أما الهبة والوصية والصدقة والميراث فهي أسباب ناقلة للملكية وليس ناشئة لها لأن الملكية قائمة قبل حصول نقلها، فإنما انتقلت من ذمة إلى أخرى، ولم تنشئ في ذمة المنقول له، فهي ملكية واحدة وانتقلت، وليستا ملكيتان كما يرى الفكر القانوني، ولكن المقنن لم يميز بين النظرين الفقهي والقانوني.

المطلب الثاني: السلطة التقديرية للقاضي في إعمال ضوابط الترجيح بين البيّنات:

إن القاضي وهو يبت في القضايا والنوازل المعروضة عليه تُقدم له أدلة وحججا من قبل أطراف النزاع، فيقوم بتقديرها ووزنها وتقريبها طبقا لسلطته التقديرية، من ثم يحسم النزاع بالفصل بينها، ولكن أحيانا قد تكون هذه الأدلة (البينات) متعارضة فيلزم عليه الترجيح بينها إذا تعذر الجمع. فما مدى سلطة القاضي التقديرية في إعمال ضوابط الترجيح بين البينات؟ نعرض لهذا المشكلَ من خلال فقرتين:
ــ الفقرة الأولى: أحكام التعارض والترجيح بين البينات في الفقه المالكي ومدونة الحقوق العينية:
ــ الفقرة الثانية: قواعد الترجيح بين البينات في ضوء الفقه المالكي ومدونة الحقوق العينية:

الفقرة الأولى: أحكام التعارض والترجيح بين البينات في الفقه المالكي ومدونة الحقوق العينية:

1ــ أحكام التعارض:
يُعرف التعارض بأنه:" اشتمال كل منهما (يقصد البينات)° ما ينافي الأخرى"[120]، وعرفه السرخسي بأنه: " تقابل الحجتين المتساويتين، على وجه يوجب على كل واحد منهما ضد ما توجبه الأخرى، كالكل والحرمة، والنفي والإثبات."[121]، ويعرّفه الأصوليون بأنه: " تقابل الدليلين على سبيل الممانعة "[122] ومن المعاصرين من عرًّفه بأنه: "أن يقدم كل طرف في الخصومة دليلا، يؤيد دعواه، وينفي دعوى الأخر، بحيث لو أنفرد دليل أحدهما لحكم له به".[123]
وتعمدنا تقديم تعريف ابن عرْفة(بالسكون)، لأنه تعريف جزيل ودقيق وموجز، ولا ضير فهو شيخ التعاريف رحمه الله، على أن هذه التعاريف التي أوردناها تتفق أن التعارض هو مقابلة الحجج بعضها ببعض على وجه يستحيل الجمع بينها مما يستدعي الترجيح، على أننا نميز بين التعارض والتضاد، فهذا الأخير لا يرد عليه الترجيح على غرار الأول وهو التمييز، فما شروط التعارض؟

2- شروط التعارض:

وشروطه خمسةٌ كما نص على ذلك الباحثون؛ وهي اتحاد البينتان أو البينات موضوعا وزمنا وقوةً مع شرعيتها وعدم إمكانية الجمع بينها، والتفصيل كما يلي:

أولا: اتحاد البينات في المحل(الموضوع):
فالبينات لابد أن ينصب موضوعها على محل واحد، كالعقار مثلا أو الأسرة، لا أن يكون موضوع إحداهما الحيازة مثلا وموضوع الأخرى الوعد بالبيع فذلك لا يستقيم.

ثانيا: اتحادها في الزمن:
أي: أن يكون لها تاريخ واحد، لأن التأريخ من أساب الترجيح بين البينات، فالبينة السابقة مقدمة على البينة اللاحقة (وسنتطرق لهذا فيما بعدُ).

ثالثا: اتحادها في القوة:
أي: أن تكون لها قوة واحدة من حيث الثبوتية، بحيث تكون على درجة واحدة من الإثبات، كأن يأتي طرفا النزاع كلاها بأوراق رسمية، فهذا اتحاد في القوة وتعارض واضح، أما أن يأتي أحدهما بورقة رسمية ويأتي أخر بورقة عرفية فلا اتحاد في القوة ههنا، ولا تعارض أيضا، إذ تقدم الورقة الرسمية على الورقة العرفية، والخط الرسمي على الخط العرفي.

رابعا: مشروعيتها:
معناه أن تكون كلا البينات التي يدلي بها أطراف المنازعة شرعية غير مخالفة للقانون ولا الأعراف، فلا يصح أن يدلي أحدهما أو كلاهما بأوراق مزورة (سبق أن صدر فيها حكم قضائي نهائي بذلك) ليثبت بها ملكية العقار محل النزاع، وهكذا ...

خامسا: عدم إمكانية الجمع بينها:
أي: أن تكونا غير متفقتين فإذا أمكن الجمع بينهما انتفى التعارض من أصله، وهو شرط أساس، لقول خليل:" وإن أمكن جمع بين البينتين جُمع وإلا رجح"[124]، فلا تعارض إذا بين بينتين متفقتين متكاملتين.
على أنه إذا تحققت هذه الشروط يمكن ئذ الحديث عن التعارض، والقاضي له سلطة تقديرية واسعة في التحقق من توفرها.

1ــ أحكام الترجيح:
ونعرض له من خلال نقطتين:
ــ مفهومه:
ــ شروطه:

أولا: مفهوم الترجيح:
يُعرف الترجيح بأنه: " تقوية أحد الطرفين على الآخر، فيعلم الأقوى فيعمل به، ويطرح الآخر والقصد منه تصحيح الصحيح، وإبطال الباطل ".[125]، نكتفي بهذا التعريف الدقيق المنسوب للإمام الرازي، ولا يُنكر ناكرٌ أن الأصوليين هم الأكثر دقة في هذا الباب.

ثانيا: شروطه:
نميز ههنا بين الشروط التي قررها الفقهاء وبين الشروط التي وضعها القانونيون، فالفقهاء الأصوليون اشترطوا للترجيح[126]؛
أ ــ التساوي في الثبوت فلا تعارض بين الكتاب وخبر الواحد إلا من حيث الدلالة.
ب ــ التساوي في القوة فلا تعارض بين المتواتر والآحاد، بل يقدم المتواتر بالاتفاق، كما نقله غير واحد من الأصوليين.
ج ــ اتفاقهما في الحكم مع اتحاد الوقت، والمحل، والجهة، فلا تعارض بين النهي عن البيع وقت النداء مع الإذن به في غيره.[127]

وأما القانونيون فاشترطوا للترجيح شروطا ثلاثةً؛

أ ــ صحة الحجج المدلى بها شرعا وقانونا:
فالقاضي أول ما يقوم به هو التأكد من صحة وشرعية الحجج التي أدلى بها أطراف النزاع، فإن تأكد من صحتها نظر فيها وإلا صرف عنها النظر، وفي هذا الصدد جاء قرار لمحكمة النقض: "... المحكمة لا تلجأ إلى قواعد الترجيح بين الحجج إلا عندما تكون حجج الطرفين مستوفية للشروط المتطلبة شرعا ومنطقية على أرض النزاع"[128].

ب ــ تعارض الحجج:
جاء في المادة الثالثة من م ح ع :" إذا تعارضت البينات المدلى بها لإثبات ملكية عقار أو حق عيني على عقار، وكان الجمع بينهما غير ممكن، فإنه يعمل بقواعد الترجيح بين الأدلة".
ونشير إلى أن التعارض لا يحصل بين الحجيتين إلا بتحقق شروط التعارض الذي أشارنا إليه سابقا؛ من اتحادٍ في القوة والزمن والثبوت والمحل(وهو الموضوع أو نوع الحجتين).

ج ــ أن تكون الحجج ملكا لأصحابها:
بعد الشرطين الأولين، لابد أن يتأكد القاضي من أن الحجج المُدلى به في ملك طرفا النزاع، أي: تحقق صفة التملك في الحجج، وهو ما أكدته محكمة النقض في غير ما مرة: " ... فإن عبء الإثبات يقع على عاتق المستأنف عليهم والذين لم يؤيدوا مطلبهم بأية حجة معتبرة شرعا لإثبات تملكهم للعقار المدعى فيه خاصة بعد استبعاد رسم ملكيتهم... فإنه نتيجة لما ذكر يكون القرار المطعون فيه مرتكزا على أساس قانوني، ومعلال تعليلا سليما والسبب بالتالي غير جدير بالاعتبار"[129].

وهو شرط أساس بدهي فلا بد أن تكون الرسوم في ملكية الأطراف المتنازعة حول مثلا.

الفقرة الثانية: قواعد الترجيح بين البينات في ضوء الفقه المالكي ومدونة الحقوق العينية:

نعرض للقضية من خلال بيان قواعد الترجيح التي قررها فقهاء المالكية مع ما يُوافقها في التقنين العقاري المغربي وسلطة القاضي إزاءها؛

حيث إن القاضي وهو ينظر في النزاع بعدما عُرضت عليه حجج الأطراف وأدلتهم، يحاول الجمع بينها، فإذا استحال عليه ذلك، استبعد إحداها أو كلاهما عن طريق دفعها (إسقاطها)، وإلا تحتم عليه الترجيح بينها، وهو أخر ما يلجأ إليه القاضي، وقد وضع فقهاء المالكية رحمهم الله أسبابا للترجيح بين الأدلة[130]، لتساعد القاضي وتسهل عليه حسم النزاع، وهي التي نص عليها المقنن في المادة الثالثة من م ح ع إذ جاء فيها ما يلي:

" إذا تعارض البينات المدلى بها الإثبات ملكية عقار أو حق عيني على عقار، وكان الجمع بينهما غير ممكن، فإنه يعمل بقواعد الترجيح بين الأدلة ومن بينها:

§ ذكر سبب الملك مقدم على عدم بيانه.
§ تقديم بنية الملك على بينة الحوز.
§ زيادة العدالة والعبرة ليست بالعدد.
§ تقديم بينة النقل على بينة الاستصحاب.
§ تقديم بنية الإثبات على بنية النفي.
§ تقديم بنية الأصالة على خالفها أو ضدها.
§ تقديم تعدد الشهادة على شهادة الواحد.
§ تقديم البنية المؤرخة على البنية غير المؤرخة.
§ تقديم البنية السابقة على البنية اللاحقة تاريخا.
§ تقديم بنية التفصيل على بنية الإجمال."

فهذه البينات وردت على سبيل التمثيل لا الحصر، وقد أجملها صاحب اللامية وزاد عليها بقوله:

بأسباب ملكٍ رجِّحن أن تعارض بدا من شهود وانتفى الجمـع أولا
كنسج لنفس أو نتاج ورجحـــــن على الملك إلا من مقاسم فاقبــــــلا
وملك على حوز وزيد عدالــــــة بالنقل والإثبات أو ما قد أصِّـــــلا
وباثنين والتاريخ أو سبقية ومــن يفصل فمختار على من أجمـــــلا
بعتق نكاح ألغ زَيدِ عدالــــــــــــة كحدٍّ طلاقٍ ومَعْ دمٍ جَرحٍ انجلا
يـدٌ نسبةُ طولٌ كعشرة أشهــــــــر وفعلٌ بلا خصم بها الملك يُجتـــلا
وهل عدم التفويت في علمهم كما ل أم صحة للحيِّ للميت ذا اجعَـلا
وإن يعدم الترجيح فاحكم لحـــائز ويحلف أو للذِ يقر له اجعَــــــــــلا

وقال ابن عاصم رحمه الله في التحفة:

وفي ذوي عدل يُعارضــــان مبرِّزا أتى لهم قـــــــــــــــولان
وبالشهيدين مطرِّف قضــــى والحَلفَ والأعدل أصبغُ ارتضى
وقدم التاريخ ترجيحٌ قُبـــــــل لا مَعْ يدٍ والعكسُ عن بعض نقِل
وإنما يكون ذاك عندمـــــــــا لا يمكن الجمعُ لنا بينهمـــــــــــا
والشيءُ يدَّعيه شخصان معا ولا يدٌ ولا شهيدٌ يُدَّعــــــــــــــى
يُقسم ما بينهما بعد القســــــم وذاك حكمٌ في التساوي ملتـــزَم
في بينات أو نكولٍ أو يــــــدٍ والقولُ قولُ ذي يد منفــــــــــرِدِ
وهو لمن أقام فيه البيِّنــــــــة وحالةُ الأعدل منها بيِّنــــــــــــــه

والبينات في الحقيقة كثيرة جدا لا تُحصى، بل تتجدد بتجدد الوقائع والأحوال، والمقنن إنما استقى ما اشتهر منها في كل من المتن الخليلي[131] وتحفة ابن عاصم ولامية الزقاق.. وغيرها من كتب ومنظومات القضاء.

وتُعرف البينة بأنها:" كل ما يبين الحق ويظهره" على أصح الأقوال[132]، إذ اختلف الفقهاء في معناها ومَقْصَدَها[133]، على أن جمهور الفقهاء قصَّروها على الشهادة وزاد ابن حزم علم القاضي، أما متأخري الحنابلة ومنهم ابن القيم وابن تيمية رحمهما الله فوسعوا في معناها لتشمل كل ما يبين الحق ويظهره، فشهادة الشهود هي المنتشرة قديما وعليها المدار، إذ لم تكن الكتابة معروفة، فأغلب الناس لا يكتبون إلا العلماء والمتعلمين، فارتقت الشهادة إلى حد البينة (أي الحجة والبرهان) لكثرة الاعتماد عليها واللجوء إليها، والخُلفُ لفظي في الحقيقة بين الجمهور وغيرهم في معنى البينة، فإن كانوا قصَّروها على الشهادة فإنهم لم يمنعوا إدراج غيرها من الأدلة ووسائل الإثبات تحتها من إقرار وكتابة (على ندرتها) وغيرها ..إنما السبب ما ذكرناه أنفا، على أن معنى البينة في هذا الزمان يتجه نحو الكتابة لا محالة لكثرة فشوها وانتشارها، ولكون المقنن تحاشى الإثبات بغيرها في غير ما موضع[134]، إضافة إلى ما لها من ضمانات في حفظ وصيانة حقوق الناس، مقارنة مع غيرها من وسائل الإثبات.

هذا، والقاضي له سلطة تقديرية واسعة في الترجيح بين البينات المتعارضة، اعتمادا على أسباب الترجيح التي أوردناها، فيقدم البينة التي ذكرت سبب الملك على التي لم تذكره، ويقدم بينة الملك على الحوز، كما يقدم البينة المفصلة على البينة المجملة، والبينة السابقة في التاريخ على البينة اللاحقة، والبينة المؤرخة على التي لم تؤرخ، ...إلى غيره، فكلها بينات دقيقة استنبطت من رحيق الفقه من قبل فقهاء أفذاذ جهابذة تجعل القاضي مطمئن البال خلال فصله للنزاع، مع ما توفره له من سلطة واسعة.

خـــــــــــــــــــــاتمـــــــــــــــة:
يتحصل مما تقدم أن تناولنا في الفصل الأول من هذا البحث التكييفين الفقهي والقانوني لسلطة القاضي التقديرية، حيث توصلنا في المبحث الأول إلى أن قضاء القاضي بعلمه لم يجوزه المالكية مطلقا، وأن الفقهاء اختلفوا في ضمِّه إلى البينات(وسائل الإثبات)، وهي نتيجة المطلب الأول، أما المطلب الثاني فخصصناه لمعالجة مشكل قضاء القاضي أهو اجتهاد أم تقليد، والأصل عند المالكية أن القاضي لا يجتهد، وإنما يجتهد في كشف الأحكام وهو التحقيق.

وفي المبحث الثاني توصلنا إلى أن المقنن المغربي تبنى المذهب المختلط في الإثبات مما يجعل سلطة القاضي منضبطة مع وسائل الإثبات المحددة قانونا، وإن لم تسعفه أعمل سلطته التقديرية وهو المقصَدُ الصواب من المذهب المختلط، على أن محكمة النقض تبسط رقابتها على سلطة القاضي من ناحية تنزيل القاعدة القانونية على الوقائع وهي خلاصة المطلب الأول، أما المطلب الثاني فتناولنا فيه سلطة القاضي الجنائي، باعتباره يتمتع بسلطة واسعة.

في الفصل الثاني وقفنا على سلطة القاضي في المادة العقارية، حيث توصلنا في المبحث الأول إلى أن القضاة المعاصرين لا يحسنون الرجوع إلى المؤلفات الفقيهة، ما جعل المقنن يصدر مدونة ح ع، ما أسهم في الحد من سلطتهم، وهي نتيجة المطلب الأول، وفي المطلب الثاني تعرضنا إلى سلطة كُلٍّ من القاضي العادي والقاضي الإداري في العقار المحفظ، حيث إن الأول باعتباره قاضي التحفيظ يبت في جميع النزاعات المتعلقة بهذه العملية، رغم ذلك فسلطته محدودة، أما القاضي الإداري فسلطته أيضا محدودة جدا واختصاصه محصور في البت في طلبات إلغاء قرار المحافظ.
في المبحث الثاني خَلُصْنا إلى سلطة القاضي الواسعة في كسب الملكية وكذا في إثباتها، وهي نتيجة المطلب الأول، وفي المطلب الثاني وقفنا على سلطته في إعمال قواعد وضوابط الترجيح بين البينات حين تعارضها.
-----------------------------

هوامش:
1 ــ حاشية ابن عابدين جزء 4 ص 355، والمبسوط للسرخسي جزء 16 ص 105.
[2] ــ ،م.س (4/345-355)، وعزاء إلى الأشباه والنظائر لابن نجيم وجامع الفصولين، كما عزاه إلى الحصفكي في الدر (هامش 4/355) لشرح الوهبانية للشرنبلالي.
[3] ــ الشرح الصغير (4/230)، والفروق للقرافي (4/44)، و حلى المعاصم للتاودي (1/41).
[4] ــ بداية المجتهد ونهاية المقتصد، أبو الوليد ابن رشد، جزء 6، كتاب الأقضية ص 32.
[5] ــ ادب القاضي (ف3555).
[6] ــ الوجيز للغزالي (2/241).
[7] ــ مغني المحتاج (4/366), والدرر المنظومات (ف92), وأدب القاضي (ف 3583).
[8] ــ المغني لابن قدامة (11/400).
[9] ــ حسن الفهم لمسألة القضاء بالعلم, محمد أبو الهدى اليعقوبي الحسني, دار البشائر الإسلامية, ط1, ص21.
[10] بداية المجتهد, م.س, ص ص 230/ 231
[11] صحيح البخاري, كتاب النفقات, باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ ما يكفيها وولدها بالمعروف, رقم الحديث: 5072.
[12] سورة النساء الآية (134).
[13] سورة المائدة الآية (40).
[14] سورة النور الآية (2).
[15] السنن الكبرى للبيهقي, جزء 10 ص 90, وهو حديث صحيح, الجامع الصغير للسيوطي, جزء 2 ص 520.
[16] المحلى لابن حزم, جزء 9 ص 248
[17] أخرجه مالك في الموطأ (2103) , وأحمد (26189).
[18] السنن الكبرى للبيهقي, جزء 10 ص 157.
[19] صحيح مسلم , جزء 11 ص 129-130, وهو حديث صحيح- الجامع الصغير للسيوطي, جزء 2 ص 372.
[20] الطرق الحكمية لابن القيم, ص 213.
[21] سبق تخريجه
[22] سنن ابن ماجة, كتاب الحدود, باب الستر على المؤمن ودفع الحدود بالشبهات, جزء 2 ص850.
[23] ــ هو أحمد بن محد بن الحسن الرهوني التطواني عالم فاضل مؤرخ وأديب مغربي، ولد بتطوان سنة 1288 ه (1871 م) وفيها توفي سنة 1373 ه (1953 م )، له مصنفات فريدة، ومما اشتهر بها؛ "تحفة الإخوان بسيرة سيدي الأكوان"، "حادي الرفاق إلى فهم لامية الزقاق" وهو في ستة أجزاء، "حصول الألفة لطلاب التحفة"، و "عمدة الراوين في تاريخ تطاوين".
[24] موسوعة قواعد الفقه والتوثيق, محمد القدوري, الطبعة الأولى 2004-1424, دون ذكر اسم الطبعة, ص 229.
[25] الأحناف: بدائع الصنائع, الكاساني, مطبعة الجمالية, الطبعة الأولى سنة 1328هــ , جزء7 ص 225.
المالكية: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير, الدردير, جزء 4 ص 186.
الشافعية: المهذب, الشيرازي, مطبعة البابي الحلبي, سنة 1343هــ , جزء 2 ص 328.
الحنابلة: المغني, ابن قدامة, مطبعة المنار, سنة 1348هــ , جزء 9 ص 25-26.
[26] المحلى بالآثار, ابن حزم الظاهري, المطبعة المنيرية, سنة 1351هــ , جزء 9 ص 428.
[27] الطرق الحكمية في السياسة الشرعية, مطبعة دار الفكر–بيروت-لبنان, دون ذكر سنة ولا عدد الطبعة, ص 14.
[28] سورة النور الآية (4)
[29] سورة النساء الآية (15)
[30] سورة البقرة الآية (282)
[31] صحيح البخاري, كتاب الشهادات, باب قول الله تعلى إن الذين يشترون بعهد الله ثمنا قليلا , رقم الحديث (4549), وهو حديث صحيح.
[32] المحلى, ج 9 ص 428.
[33] المحلى, لابن حزم الظاهري, المجلد السادس ج 9 ص 426/429.
[34] الطرق الحكمية, ص 14.
[35] المصدر السابق, ص 14.
[36] الطرق الحكمية, ابن القيم الجوزية, تحقيق محمد حامد الفقي, ص 12.
[37] ــ الوسيط، الإثبات ــ آثار الالتزام، عبد الرزاق السنهوري، دار النشر للجامعات المصرية، 1956، ج 2، ص 311.
[38] وتجدر الإشارة إلى أن الفقهاء اختلفوا في باقي وسائل الإثبات باستثناء الشهود والإقرا, فقد اتفقوا عليها.
[39] حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير بهامشه تقريرات عليش, المكتبة التجارية الكبرى(توزيع دار الفكر)-بيروت, جزء4, ص 115.
[40] المغني لابن قدامة جزء 9 ص 40-41.
[41] المبسوط للسرخسي جزء 16 ص 67-72, رد المحتار جزء 4 ص 424.
[42] نظام القضاء في الشريعة الإسلامية, الدكتور عبد الكريم زيدان, مكتبة البشائر, عَمان, الطبعة الثانية 1409هــ-1989م, ص248.
[43] أنظر: مغني المحتاج جزء4 ص 377, تبصرة الحكام جزء1 ص 24.
[44] تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام, ابن فرحون, جزء 1 ص 22.
[45] أدب القاضي, الماوردي جزء1 ص 187-188 بتصرف.
[46] سلطة القاضي التقديرية في المواد المدنية والتجارية, نبيل إسماعيل عمر, دار الجامعة الجديدة للنشر, ص 89.
[47] وسائل الإثبات في القانون المدني المغربي, إدريس العلوي العبدلاوي, مطبعة النجاح الجديدة, سنة 1981-1402, ص 10.
[48] مقال بعنوان: "إثبات الزوجية بين مقتضيات المادة 16 من مدونة الأسرة والقواعد العامة للإثبات", لأستاذنا الفاضل د. حسن القصاب, منشور بمجلة كلية الشريعة-أكادير, العدد 3 - سنة 2013- ص 194.
[49] الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 (12 غشت 1913) بمثابة قانون الالتزامات والعقود.
[50] الوسيط في شرح القانون المدني, عبد الرزاق السنهوري, الجزء الثاني, ص13.
[51] " التعليق على نصوص قانونية "، أحمد أبو الوفا، الطبعة الثالثة، منشأة المعارف- الإسكندرية- مصر، ص 13.
[52] للمزيد من التفصيل أنظر, "وسائل الإثبات في القانون المدني المغربي", إدريس العلوي العبدلاوي, ص 16 وما يليها.
[53] "رقابة المجلس الأعلى على محاكم الموضوع في المواد المدنية (محاولة للتمييز بين الواقع والقانون)", محمد الكشبور,مطبعة النجاح الجديدة, الطبعة الأولى سنة 2001-1422, ص 269.
[54] الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.74.447 الصادر بتاريخ 11 رمضان 1394 (28 شتنبر 1974)، بالمصادقة على نص قانون قانون المسطرة الجنائية، منشور بالجريمة الرسمية عدد 3230 مكرر، بتاريخ 13 رمضان 1394 ( 30 شتنبر 1974)، ص 2741.
[55] "رقابة المجلس الأعلى على محاكم الموضوع في المواد المدنية", م.س ص 243.
[56]Igaux – op – cit – p - 83- et s
[57] "السلطة التقديرية للقاضي في المواد المدنية والتجارية" م.س ص 142.
[58] المصدر السابق, ص 144.
[59] "علم قاعدة التنازع والاختيار بين الشرائع أصولا ومنهجا", مكتبة الجلاء الجديدة بالمنصورة, 1996, ص 370 وما بعدها.
[60] "رقابة المجلس الأعلى على محاكم الموضوع في المواد المدنية"، مرجع سابق، ص 299 بتصرف يسير.
[61] "السلطة التقديرية للقاضي في المواد المدنية والتجارية", م.س – ص 149.
[62] "رقابة المجلس الأعلى على محاكم الموضوع في المواد المدنية", مرجع سابق, ص 299.
[63] "النظرية الخاصة للتكييف القانوني للدعوى في قانون المرافعات", دار الفكر العربي, (م. ط. غ. م), ص 9.
[64] "قضاء النقض والتمييــز؛ في الواد المدنية والتجارية في التشريعين المصري والكويتي"، جلال الدين هلالي، مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى - 1985، ص 154.
[65] نقص جنائي صادر في 9 يناير 1933، مجموعة القواغد، الجزء الأول، رقم 368، ص 416.
[66] قرار صادر بتاريخ 14 فبراير 1979، منشور بمجلة المحاماة، العدد 16، ص 163 وما بعدها.
[67] الوسيط في شرح القانون المدني، مرجع سابق، جزء ــ2ــ ، ص 513.
[68] "رقابة المجلس الأعلى على محاكم الموضوع في المواد المدنية"، م.س، ص 277 وما بعدها بتصرف يسير.
[69] المرجع السابق، ص 291.
[70] قرار المجلس الأعلى الصادر بتاريخ 7 يناير 1976، منشور بمجلة المعيار الصادرة عن نقابة المحامين بفاس، العدد الأول، ص 45 وما بعدها.
[71] قرار المجلس الأعلى الصادر بتاريخ 26 فبراير 1979، مجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 26، ص217 وما بعدها.
[72] "رقابة المجلس الأعلى على محاكم الموضوع في المواد المدنية"، م.س، ص 330 وما بعدها.
[73] " رقابة المجلس الأعلى على محاكم الموضوع في المواد المدنية "، مرجع سابق، ص 346.
[74] وقد فصلنا القول في هذه المسألة في المطلب الأول من هذا المبحث.
[75] "نظرية الإثبات في التشريع الجنائي المغربي"، مقال منشور في مجلة المحاكم المغربية عدد 11، أبريل سنة 1976، طبعة 1995، ص 5.
[76] ــ أنظر كتابه الدخيرة، الجزء العاشر، ص 45.
[77] لئن كانت هذه القاعدة مما تنص عليه القوانين الوضعية، فإنها لا تتعارض مع الأحكام الشـــرعية الإسلامية، بل تقرها وتطبقها.
"أدلة الإثبات الجنائي وقواعده العامة في الشريعة الإسلامية"، د.حسن بن محمد اليندوزي، الطبع: طوب بريس، الطبعة الأولى، شتنبر 2004، ص 32.
[78] المرجع السابق، نفس الصفحة.
[79] ظهير شريف رقم 1.02.255 الصادر بتاريخ 25 رجب 1423( 3 أكتوبر 2002) بتنفيذ القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5078 بتاريخ 27 ذي القعدة 1423 (30 يناير 2003)، ص 315.
[80] نقض: 1946-4-15/1950-10-16/1958-3-17 (أنظر: "قانون الإجراءات الجنائية" علق عليه الدكتور أحمد محمد
إبراهيم ص : 365_366، القاهرة، سنة: 1965).
[81] "أدلة الإثبات الجنائي وقواعده في الشريعة الإسلامية"، مرجع سابق، ص 33.
[82] على أن هناك من الفقهاء القانونيين المغاربة من أباح هذه الوسائل، وعدَّها من وسائل الإثبات الحديثة، وهو ما يخالف شريعتنا أصالة والعدالة القانونية تبعا، من ثم لايعتد بموقفهم.
[83] " دراسة في المسطرة الجنائية المغربية"، الدكتور محمد عياط، شركة بابل للنشر والتوزيع-الرباط، الطبعة الأولى، سنة 1991، الجزء الأول/ ص 240.
[84] للتوسع في هذه المسألة؛ أنظر على سبيل المثال لا الحصر : " خصائص المذهب المالكي للدكتور محمد التاويل"، "لم المذهب المالكي؟" للدكتور محمد الروكي، "محاضرات في تاريخ المذهب المالكي"، "مباحث في المذهب المالكي " كلاهما للدكتور عمر الجيدي.
[85] وأقصد ههنا المؤلفات الفقهية المُعتمدة في القضاء؛ كمتن مختصر خليل وشروحه المعتبرة، وكذا المنظومات المعتمدة في هذا الصدد؛ تحفة ابن عاصم، وشروحها؛ كشرح التسولي وميارة وشرح المهدي الوزاني، لامية الزقاق وشروحها؛ كشرح التاودي والهواري والرهوني، العمل الفاسي، العمل المطلق، كذلك كتب النوازل؛ كالمعيار للونشريسي والنوازل الكبرى والصغرى للمهدي الوزاني.
ــ للمزيد أنظر "أصول الاجتهاد والفتوى والقضاء في المذهب المالكي" للدكتور محمد رياض.
[86] على أن هاذين المصطلحين وقع فيهما خلف كبير بين الفقهاء على مر العصور.
[87] ومعناه الدقيق: العدول عن القول الراجح أو المشهور في بعض المسائل إلى القول الضعيف فيها رعيا لمصلحة أو ضرورة، أو غير ذلك.
[88] ليس تنقيصا منها بل تبجيلا لها ورِفعة لمقامها.
[89] ولذلك تجد الفقهاء رحمة الله عليهم كثيرا ما يستعملون لفظ "إعلم رحمك الله" –والضمير راحع إلى طالب العلم- في مؤلفاتهم الفقهية والأصولية وحتى اللغوية.
[90] أما العوام وطبقة المثقفين (باللغة المعاصرة) وأرباب المهن والخرف والتخصصات الأخرى فحدهم أن يطرقوا باب المفتين لاستفتائهم فيما شابهم من مشكل أو حل عليهم في الأمور المرتبطة بدينهم عبادات أو معاملات.
[91] وقد ذكر المهتمون بهذا الشأن أن المصنفات التي يلزم القاضي الرجوع إليها في المنازعات العقارية تفوق الثلاثين مصنفا بين المتون والحواشي والذيول والمنظومات.
[92] "القواعد الفقهية وتطبيقاتها القضائية في المادة العقارية والمدنية في ضوء مدونة الحقوق العينية وقانون الالتزامات والعقود والفقه الإسلامي"، د/ عادل حاميدي، الطبعة الثانية – 2015، مطبعة النجاح الجديدة، ص 21.
[93] نفسه صفحة 14.
[94] الظهير الشريف رقم 1.11.178 الصادر بتاريخ 22 نونبر 2011 بتنفيذ القانون رقم 08-39 المتعلق بمدونة الحقوق العينية، المنشور في الجريدة الرسمية عدد 5998 بتاريخ 24 نونبر 2011.
[95] كما صنع في مدونة الأسرة، وإن أخر الإحالة وأوردها في المادة الأخيرة منها (المادة 400)، ولم يكتف بالإحالة إلى المذهب المالكي على شساعته فحسب، بل أحال إحالة مطلقة على الاجتهاد الذي يراعى فيه قيم الإسلام في العدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف على حد تعبير المادة، وهذا يقتضي الإحالة على جميع المذاهب ، لأنها كلها تحوي الاجتهاد المشروط بما شرطته المادة، وإن كان الأجدر بالمقنن أن يضيق الإحالة في المادة الأسرية لما لها من خصوصية وحساسية شديدة مرتبطة بديننا الحنيف أولا وبالمجتمع المغربي ثانيا ــ حتى لا تصير المادة الأسرية محل اجتهادات مخالفة للمذهب المالكي والعرف المغربي ـــ وأن يوسعها (الإحالة) في المادة العقارية، ولكنه مع الأسف أعكس الآية، وكذلك نفس الصنيع في مدونة الأوقاف في المادة 169 حيث جاء فيها: "كل ما لم يرد فيه نص في هذه المدونة، يرجع فيه إلى أحكام المذهب المالكي فقها واجتهادا بما يراعى فيه تحقيق مصلحة الواقف".
[96] "مدونة الحقوق العينية ومشكل الإحالة على المذهب المالكي"، أستاذنا/ د. حسن القصاب، مقالة منشورة في مجلة الفقه والقانون الدولية – العدد 104، يونيو 2021، ص 25.
[97] ــ الاجتهاد قياسٌ كما أُثر عن الإمام الشافعي رحمه الله.
[98] ــ مـع أن الأصل أنها إدارية.
[99] ــ الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 ( 12 أغسطس 1913) المتعلق بالتحفيظ العقاري، كما تم تعديله بالقانون 14.07
[100] ــ على أن القضاء جماعيٌ في قضايا التحفيظ، وهو ما يُستشف من الفصل 34 الفقرة الأولى منه " يعين رئيس المحكمة الابتدائية فور توصله بمطلب التحفيظ قاضيا مقررا ...".
[101] ــ منذ إحالة الملف على المحكمة إلى حين صدور الحكم الابتدائي مع الاحتفاظ بحق الطعن بالاستئناف وبعده الطعن بالنقض.
[102] ــ الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.74.447 الصادر بتاريخ 11 رمضان 1394 ( 28 شتنبر 1974) بالمصادقة على نص قانون المسطرة المدنية.
[103] ــ لأن حكم القاضي ملزم كما هو معلوم.
[104] ــ وهو الحكم الذي استنفذ جميع طرق الطعن الممكنة (وهو في الحقيقة مصطلح مضطرب تناقض فيه المقنن غير ما مرة ويخلطه مع "قوة الشيء المقضى به"، والفقه أيضا تشابه عليه الأمر لأنه ينقل عن التشريع المصري بأعين عمياء هكذا.. دون نقد ولا تمحيص فينقل صحيحه وعليله.).
[105] ــ وهو ما نص عليه الفصل 96 من ظ ت ع.
[106] ــ قرار الغرفة الإدارية للمجلس الأعلى سابقا –محكمة النقض حاليا- عدد 159 في الملف الإداري عدد 89882 بتاريخ 30 أبريل 1982، "القضاء العقاري أحكام وقرارات"، الجزء الأول، أكتوبر 1989، ص: 3.
[107] ــ الأحكام القضائية الصادرة عن محاكم أول درجة يطلق عليها "أحكام" أما التي تصدر عن محاكم الاستئناف ومحكمة النقض فتسمى ب " القرارات".
[108] ــ ولكن غالبا ما يدفع المحافظون العقاريون بصعوبة تنفيذ الحكم النهائي أو استحالة ذلك (وفي هذه النقطة نقاش واسع، فلسنا نلوم المحافظ دائما، فمساطر التنفيذ المنطمة في المسطرة المدنية معقدة جدا وتأخذ زمنا طويلا ما يطرح إشكالا.)
[109] ــ الظهير الشريف رقم 1-91-205 الصادر في 22 ربيع الأول 1414 الموافق ل 10 شتنبر 1993 بتنفيذ القانون رقم 90-41 المحدث بموجبه المحاكم الإدارية.
[110] ــ وقد حصل خلف كبير حول هذه المسألة سواء في القضاء الإداري الفرنسي أو القضاء الإداري المغربي على مجرد الخطأ أم أنه يُشترط وقوع الضرر مع وجود علاقة سببية بين الخطأ والضرر التي يلزم إثباتها.
[111] ــ وهي إحياء أراضي الموات والحريم والالتصاق والحيازة والمواريث والوصية والمغارسة والهبة والصدقة والشفعة ثم القسمة.
[112] ــ على أن الحيازة عند القانونيين يقسمونها إلى حيازة عرضية وأخرى استحقاقية، وهو تقسيم مدرسي وحسب، أما وإن الفقهاء يقسمونها إلى حيازة مثبتة وأخرى نافية أو مبطلة، فالأولى تنفع عندما لا يعرف للملك مالك (أي أصله مجهول) فتكفي فيها عشرة أشهر إلى سنة، وهي التي نص عليها خليل بقوله ": وصحة الملك بالتصرف، وعدم منازع، وحوز طال كعشرة أشهر، وأنه لم يخرج عن ملكه."، والثانية عندما يُعلم للملك أصل وصاحبه ساكت، بذلك فلا بد فيها من عشرة سنوات، وهي ما أشار إليها صاحب التحفة، على أن مدة الحيازة تبدأ عند القانونيين بعد انتهاء مدتها الأصلية (عشرة أشهر / عشر سنوات) وهذا يخالف ما عليه الفقهاء، إذ الحيازة عندهم تبدأ ببداية مدتها.
[113] ــ مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، للعلامة الحطاب، جزء 6 ص 22.
[114] ــ تم تنظيمها ضمن مسطرة خاصة في المسطرة المدنية في الفصول من 166 إلى 170، من ثم فهي خاصة بالدعوى إذ تنعدم فيها نية التملك، وأما الحيازة الاستحقاقية التي تُشترط فيها نية التملك مع ادعائه فتم تنظيمها في مدونة الحقوق العينية.
[115] ــ "الموجز في الحقوق العينية وفق أحكام المدونة والأصول الفقهية"، أستاذنا د.حسن القصاب، مكتبة دار العرفان للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى سنة 2019، ص 88.
[116] ــ وقد فصلنا القول في هذه النقطة في المبحث السابق.
[117] ــ وهما إجمالا: الهدوء، الظهور، الوضوح، الاستمرار.
[118] ــ على أن الجمهور ومنهم الحنفية لم يشترطوا إذنا لذلك، وأما ما تمسك به المالكية من اشتراط الإذن من الإمام في العقار القريب من العمران فقد استندوا فيه إلى دليل ضعيف، وقد حقق ابن حجر هذه المسألة في الفتح، ولسنا ندري على أي أصل فقهي استند المقنن في هذه المسألة.
[119] ــ " الأراضي الموات التي لا ملك لها تكون ملكا للدولة، ولا يجوز وضع اليد عليها إلا بإذن صريح من السلطة المختصة طبقا للقانون".
[120] ــ وهو تعريف لابن عرْفة أورده الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير للدردير، دار إحياء الكتب العربية، جزء 4 ص 219.
[121] ــ أصول السرخسي، جزء 2، ص 12.
[122] ــ " الجامع لأحكام أصول الفقه (المسمى ب: حصول المأمول من علم الأصول)"، محمد صديق حسن خان القنوجي، تحقيق ودراسة: أحمد مصطفى قاسم الطهطاوي، راجعه وقدم له: أبو الحسن عطية مسعد العكاوي، ط1، القاهرة، دار الفضيلة للنشر والتوزيع، 2015، ص 392. زيادة غير واردة في التعريف.
[123] ــ "وسائل في الإثبات في الشريعة الأسلامية والمعاملات المدنية والأحوال الشخصية"، الدكتور مصطفى الزحيلي، الجزءان الأول والثاني مجموعين، ط 1، 1982/1402، ص 233.
[124] ــ "مختصر الشيخ خليل"، باب في أحكام الشهادةّ، ص 227.
[125] ــ "الجامع لأحكام أصول الفقه (المسمى ب: حصول المأمول من علم الأصول)"، م. س، ص 392.
[126] ــ للتفصيل يُنظر: (البحر المحيط) جزء 6 ص ص 109 ــ 110، (إرشاد الفحول) للشوكاني، جزء 2 ص 778، (إحكام الفصول) جزء 2 ص 646، وكذلك (شرح الكوكب المنير)، جزء 4 ص 616، ومن المعاصرين (التعارض والترجيح) للدكتور محمد الحفناوي.
[127] ــ "الجامع في أحكام أصول الفقه" (المسمى ب: حصول الأمول في علم الأصول)، ص 392.
[128] ــ قرار عدد 750 الصادر بتاريخ 20/2/2001 ملف مدني عدد 1652/1/1/2000، عبد العزيز توفيق " قضاء المجلس الأعلى في التحفيظ خلال 40 سنة"، مطبعة النجاح الجديدة - الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1999.
[129] ــ قرار عدد 546/1 بتاريخ 4/11/2014 ملف مدني رقم 26/26/1/1/2014 صادر عن محكمة الاستئناف بوجدة.
[130] ــ وقد حصرها أبو الشتاء الصنهاجي رحمه الله في عشر مرجحات.
[131] ــ النص الخليلي طويل جدا في هذا الصدد، فلم نرتأِ إيراده.
[132] ــ وهو قول ابن القيم رحمه في كتابه (الطرق الحكمية في السياسة الشرعية) ص 14 (أنظر أي طبعة).
[133] ــ على أننا تطرقنا لهذه القضية في المبحث الأول من الفصل الأول من هذا البحث، فتحرينا الاختصار.
[134] ــ أنظر على سبيل المثال الفصل 443 من ق ل ع، الذي نص على أن المعاملات التي تتجاوز 10.000.00 درهم لا تُثبتُ إلا بالكتابة.


تعليقات