القائمة الرئيسية

الصفحات

التدبير المالي الترابي بين إكراهات الواقع و متطلبات الحكامة

 أطروحة بعنوان: التدبير المالي الترابي بين إكراهات الواقع و متطلبات الحكامة PDF


التدبير المالي الترابي بين إكراهات الواقع و متطلبات الحكامة PDF

مقدمة :
اختار المغرب منذ بداية الاستقلال العمل بنظام اللامركزية، كنظام لتوزيع الإختصاصات والموارد بين الدولة والجماعات الترابية!. وقد عرف هذا النظام مراحل متوالية من الإصلاحات والتحدي، إلى حدود صدور دستور 2011، الذي كرس الجهوية المتقدمة في فصله الأول، مؤكدا أن" التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لامركزي، يقوم على الجهوية المتقدمة"، مسجلا بذلك نقطة تحول في تاريخ اللامركزية بالمغرب.
وتحتل مالية الجماعات الترابية، مكانة مهمة ومحورية في التنظيم اللامركزي، باعتبارها الوسيلة الأساسية لتنفيذ السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية على المستوى الترابي. غير أن التدبير المالى للجماعات الترابية، تعترضه العديد من الإكراهات والاختلالات، حاول المشرع المغربى تجاوزها من خلال إعلانه عن مجموعة من الإصلاحات والقوانين التنظيمية الجديدة، والانفتاح على آليات الحكامة المالية.
ومن أهم الدول التي انخرطت في هذا الاتجاه، نجد فرنسا، التي عرفت عدة إصلاحات لنظامها المحلي ولماليتها الترابية، بداية من المراجعة الدستورية في 28 مارس 2003، ومرورا بإصدار القانون المنظم للاستقلال المالي للجماعات الترابية في 29 يوليوز 2004.
إن التدبير المالي للجماعات الترابية، هو إفراز للتطور العام للنظام اللامركزي بالمغرب، ذلك أن هذا التدبير مر بمحطات تاريخية، ساهمت في وضع اللبنات الأولى لمالية الجماعات الترابية، بدءا من الفترة التي سبقت نظام الحماية، حيث تم الاهتمام بمؤسسة الأمناء، كجهاز مكلف بتدبير المال العام في العهد المخزني"، والتي عرفت نقاشا فقهيا حول مدى وجود جبايات محلية من عدمها، إذ هناك من نفى إمكانية وجود موارد جبائية خلال فترة ما قبل الحماية، بحيث لم توجد ضريبة ذات صبغة محلية بل كانت عبارة عن واجبات تدفع عند أبواب المدن، تعرف بواجب الحافر، إلى جانب الرسوم التي تدفع بمناسبة تبادل السلع في الأسواق المحلية برسوم المكوس". بينما هناك طرح آخر مغايرا، أقر بوجود جبايات، كان المستفيد الأول منها المدينة أو القرية في بعض منشآتها، وكانت تسمى هذه الجبايات بالمستفادات أو المستفاد5.
أما فترة الحماية، فقد عرفت ظهور البوادر الأولى لوضع نظام جبائي كفيل بتسديد حاجيات الدولة، وكانت إدارة الحماية تنوي تنظيم ماليتها وهياكلها الإقتصادية، إلا أن عملية وضع نظام جبائي للمدن، اعترضتها عدة صعوبات، تجلت في وضعية المغرب الخاصة على الصعيد الدولي، لذا عدلت سلطات الحماية آنذاك عن فكرة فرض ضريبة ذات مردودية وافرة لفائدة المدن، وبالمقابل قامت بعدة محاولات لتحسين الوضعية، فأنشأت بعض الضرائب، كالضريبة على الملك العام، لكن سرعان ما تبين أن دخلها كان ضعيفا، وغير كفيل بتوفير موارد كافية للمدن؟
وأمام ضعف الموارد المحلية، وازدياد حاجيات المدن، ظهرت بعض الميزانيات البلدية منذ سنة 1913، واعتمدت في أغلب مواردها على إمدادات الدولة والقروض.
كما ظهرت عدة نصوص تشريعية، تهدف إلى إعطاء نفس جديد للنظام المالي والمحاسبي للبلديات، كظهير فاتح أبريل 1913، الذي يتعلق بالمحاسبة البلدية، وظهير 22 يوليوز 1916، الذي حدد الرسوم والحقوق البلدية، كالرسم المفروض على الحفلات، والرسوم المفروضة على توزيع المياه، وظهير 28 مارب 1917.
الذي جاء برسوم بلدية أخرى كالرسم المفروض على الكلاب، والرسم المفروض على الذبح7...
إن الهدف من خلق هذه الضرائب والرسوم، هو محاولة تقليص العجز الذي كانت تعرفه ميزانيات البلديات، غير أن هذه الجبايات لم تكن كافية لتغطية النفقات المتزايدة للمدن. ومن تم ظلت ميزانيات البلديات تعتمد على إمدادات الدولة إلى حدود سنة 1941.
ومع تطور الأوضاع بالمدن، التى أخذت تعرف نشاطات صناعية متنوعة، بدأت تطرح مشاكل الحركة المجالية، خاصة أمام تزايد اليد العاملة النازحة من الأرياف؟
ولمسايرة هذه الأوضاع، أصبح الأمر يتطلب من الدولة البحث عن إيجاد موارد جديدة لصالح البلديات لمواجهة نفقاتها المتزايدة، وهو ما دفعها إلى التنازل عن الجزء الأصلي من الضريبة الحضرية لفائدة البلديات، وذلك بمقتضى الظهير الشريف المؤرخ في 20 أبريل 1942، كما تنازلت عن القسط القار من ضريبة السكنى 1946. وفي سنة 1948م أضيف إلى موارد البلديات الجزء الأصلي من الضريبة المهنية".
إن النظام الجبائي المحلي خلال فترة الحماية، لم يعرف تطورا في اتجاه لامركزية مالية، تمكن البلديات من تدبير شؤونها، حيث يظهر ذلك من خلال توزيع الرسوم والضرائب بين الدولة والبلديات، إذ كان نصيب البلديات ضعيفا جدا بالمقارنة مع ما استحوذت عليه الدولة.
ومع فترة الاستقلال، خضع التنظيم المالي للجماعات الترابية، لإصلاح قانوني مهم في ظل ظهير 23 يونيو 1960، الذي كان يأخذ بمبدا ثنائية الميزانية، المتمثلة في: الميزانية الأصلية، التي تهم مختلف عمليات التسبير، والميزانية الإضافية التي تخصص لتغطية عملية التجهيز. غير أنه في ظل محدودية هذه التجربة، فإن القوانين الصادرة في 30 شتنبر1976، منها الظهير المتعلق بالتنظيم المالي للجماعات المحلية وهيتها، والمرسوم الخاص بسن نظام لمحاسبة الجماعات المحلية وهيآتها، ستعمل على إدخال مجموعة من الإصلاحات على التدبير المالي للجماعاتأصلية " الترابية، وخاصة على مستوى الميزانية، حيث انتقلتمن ميزانيتين التسيير، واضافية تخص التجهيز، إلى ميزانية واحدة، تضم التسيير في جزئها الأول، والتجهيز في جزئها الثاني.
وموازاة مع التغييرات التي لحقت ميزانية الجماعات الترابية، أصدر المشرع على مستوى التنظيم المالي الترابي، مجموعة من النصوص التشريعية والتنظيمية. والتي ساعدت على تحسين وتطوير العمليات المالية، التي تشرف على ممارستها الجماعات
الحضرية والقروية.
لكن في المقابل، لم تساهم هاته التعديلات إلا بشكل محدود في تعزيز المنظومة الضريبية الترابية، بحيث ظلت هذه التعديلات جزئية ومعزولة. وبقي ظهير 23 مارس 1962 هو المرجع القانوني في تنظيم رسوم وجبايات الجماعات الترابية.
ثم جاء القانون الإطار لسنة 1984 المتعلق بالإصلاح الضريبي، إذ عمل على ضمان تحويل مدخول الضريبة على الأرباح المهنية كليا إلى الجماعة الترابية، كما نص على تخصيص 30 في المائة على الأقل من موارد الضريبة على القيمة المضافة لهاته الجماعات.13
غير أن هذه التعديلات بالرغم من أهميتها، لم تكن كافية من أجل مواكبة الحاجات المتزايدة للجماعات الترابية في تدبير شؤونها اليومية. لذا، ووعيا بضرورة تمكين هذه الجماعات من نظام جبائي منتج، يعتمد على تقنيات وأساليب حديثة، في إقرار وتحصيل الضرائب والرسوم، ويتجاوز في الوقت ذاته سلبيات الأنظمة الجبائية السالفة، عمد المشرع المغربي إلى صياغة قانون جديد للجبايات المحلية، بتاريخ 21 نوفمبر 1989، للمساهمة في تطوير المردودية الضريبية للمجالس الجماعية، ويعزز بالتالى الإستقلال المالي للجماعات الترابية.
ومن أجل تجاوز مختلف الإشكالات التي خلفتها الممارسة المالية الترابية، لأزيد ثلاثة عقود، وفي سياق التحولات التي يشهدها تدبير الشأن العام الترابي، خاصة على مستوى تحديث الترسانة القانونية على المستوى الجبائي، بدخول القانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات المحلية حيز التطبيق في سنة 2008 ، وعلى المستوى الإداري خاصة، بدخول القانون رقم 17.08 حيز التنفيذ، المعدل والمتمم لقانون رقم 78.00 المتعلق بالميثاق الجماعي في سنة 2009، جاء القانون رقم 45.08 المتعلق بالتنظيم المالي للجماعات المحلية ومجموعاتها، بغية تحديد طبيعة الإصلاحات التي يتعين القيام بها لتحديث النظام المالي، وجعله أكثر ملاءمة لمتطلبات الحكامة الجيدة للجماعات الترابية. كما تم بموجب هذا القانون تفعيل المرسوم المتعلق بسن نظام للمحاسبة العمومية للجماعات المحلية ومجموعاتها بتاريخ ، حيث أقر عدة مستجدات من قبيل المخطط المحاسبي، والمحاسبة 03 يناير 2010 التحليلية للميزانية.
ومع بروز النقاش حول الجهوية المتقدمة والتعديل الدستوري لسنة 2011، عملت الدولة على إعادة النظر في وحداتها الترابية، ليس فقط على مستوى التوزيع العمودي والأفقي للاختصاصات، أو التقسيم الترابي لهذه الوحدات، وما يرتبط به من أدوار جديدة ستلعبها الجماعات الترابية مستقبلا، بل أيضا على مستوى المقاربات المعتمدة فى التدبير، وذلك بتجاوز المقاربات التقليدية في تدبير ميزانيات الجماعات الترابية، وإيجاد بدائل لتمويل وتنمية قدراتها المالية، مع التفكير في النتائج والأهداف.
وفي هذا الصدد، تم من خلال القوانين التنظيمية الجديدة للجماعات الترابية، تبني آليات الحكامة المالية لتجاوز الإكراهات والاختلالات، التي تعاني منها مالية الجماعات الترابية.
من هذا المنطلق، تبرز أهمية الموضوع وراهنيته، من خلال مجموعة من النقط نذكر منها ما بلي: التوجه الدولي نحو تقوية الجماعات الترابية، وتطوير إمكانياتها المالية.
تقعيد دستور 2011 لقواعد حديثة في التدبير الترابي( التدبير الحر)، وذلك انسجاما مع أدبيات التوجه الإصلاحي الجديد، المتمثل في تبني المغرب لخيار الجهوية المتقدمة، كما أعلن عنها الملك محمد السادس وأكد عليها في خطابه بمناسبة ذكرى مرور 33 سنة على المسيرةا ، المستجدات والتغييرات التي جاءت بها القوانين التنظيمية فيما يخص الجماعات (القانون رقم 113.14)19، والعمالات والأقاليم ( القانون رقم 112.14)20، والجهات (القانون رقم 14. 111)21.
تزايد الإختلالات على مستوى الجماعات الترابية، مما انعكس سلبا على ماليتها، وبالتالي على مالية الدولة، نظرا لروابط التأثير والتأثر بين الماليتين.
إن  موضوع التدبير المالي للجماعات الترابية، له مبرراته الذاتية، فالأسباب الذاتية، تتمثل في الاهتمام الشخصي بموضوعات المالية الترابية، منذ الدراسة بسلك الماستر، والرغبة في التخصص أكثر في مالية الجماعات الترابية والبحث في مظاهر الاختلالات والمعيقات التي تعرفها. من هنا، خلق هذا الموضوع الحساس اهتماما خاصا، دفعنا إلى تعميق البحث فيه، ورصد مستجداته.
إن موضوع التدبير المالى للجماعات الترابية، يستفز الباحث، في مجال مركب، مليء بالصعوبات على مستوى النصوص القانونية، والممارسة العملية.
زد على ذلك، أنه رغم وجود دراسات وبحوث في هذا الموضوع، إلا أنه تبقى لكل باحث مقاربته للموضوع، لاسيما وأن الساحة الوطنية والترابية، تعيش اليوم على وقع إصلاحات مهمة، تجذب الباحث إلى مقاربة الموضوع على ضوء المستجدات الراهنة.
كما دفعت عدة أسباب موضوعية، لاختيار موضوع التدبير المالي للجماعات الترابية، منها الانعكاس الذي تحدثه مالية الجماعات الترابية على مالية الدولة، نظرا لروابط التأثير والتأثر، كما أن معالجة الموضوع تعد مساهمة في رصد الاختلالات القانونية والتنظيمية، لتدبير مالية الجماعات الترابية، والبحث عن حلول وبدائل لتجاوزها.
إن موضوع التدبير المالي للجماعات الترابية، يكتسي أهمية خاصة لكونه، يأتي في سياق مواكبة الإصلاحات الكبرى التي يعرفها المغرب، خصوصا مع صدور دستور 2011، والقوانين التنظيمية للجماعات الترابية، والتي تهدف إلى اعتماد مبادئ الحكامة الجيدة، كرافعة أساسية لتخليق مجال تدبير الشأن العام على المستوى الوطني والترابي.
كما يعد، موضوع التدبير المالي للجماعات الترابية، موضوعا شائكا ومتشعبا، لا يمكن دراسته فقط بالاقتصار على الجانب القانوني أو المؤسساتي، وإنما يظل مفتوحا على جوانب أخرى.
إن معالجة هذا الموضوع، تقتضي تحديد المفاهيم الرئيسية له، والتى بدونها سيستعصي فهم مضمونه وحل إشكالاته، وعلى رأسها مفهومي التدبير والحكامة.
ففيما يخص مفهوم التدبير، نجد أن القرآن الكريم حث في آيات عديدة على حسن استعمال الأموال كقوله تعالى: (و لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك و لا تبسطها كل البسط).

سوف نقوم بمعالجة هذا الموضوع وفق التقسيم التالي :

القسم الأول : واقع التدبير المالي للجماعات الترابية 
القسم الثاني : آفاق تقوية و تجويد التدبير المالي الترابي

---------------------------
لائحة المراجع :
- إدريس خدري، الإسلام واختصاص المال العام، دار النشر المغربية، الدارالبيضاء، 2002.
- امحمد الإدريسي،"٣لأركان الأساسية للتدبير"، مطبعة فيدبرانت، أكتوبر2004.
- المهدي بنمير، " الحكامة المحلية بالمغرب وسؤال التنمية البشرية"، سلسلة اللامركزية وسؤال الجماعات المحلية، مطبعة وليلي، الطبعة الأولى، مراكش، 2010.
- بهيجة هسكر، "الجماعة المقاولة بالمغرب (الأسس، المقومات والرهانات)"، طوب بريس، الرباط، الطبعة الأولى، 2010.
- جمال خلوق، التدبير الترابي بالمغرب، واقع الحال ومطلب التنمية، الطبعة الأولى، مكتبة الرشاد، سطات، فبراير، 2009.
- خليل حسين، "السياسات العامة في الدول النامية، دار المنهل اللبناني"، بيروت، 2007. التدبير المالي الترابي بين إكراهات الواقع ومتطلبات الحكامة
- رشيد السعيد، كريم لحرش،" الحكامة الجيدة بالمغرب ومتطلبات التنمية البشرية"، مكتبة الرشاد، الطبعة الأولى، أبريل 2009.
- سعيد جفري، "الحكامة وأخواتها (مقاربة في المفهوم ورهان الطموح المغربي) ، الشركة المغربية لتوزيع الكتاب، الدارالبيضاء، 2010.
- صالح الدين اكريلان، الميثاق الجماعي: قراءة تحليلية، مطبعة SAVOIR PRINT، الطبعة الأولى، 2009.
- عبد الحق عقلة، "دراسات في علم التدبير"، الجزء الأول، دار القلم، الرباط، الطبعة الأولى.
- عبد الحق عقلة، القانون الإداري، الجزء الأول - المبادئ الأساسية لدراسة القانون والعلم الإداريين، طبعة، 2002.
- عبد العزيز أشرقي، الجهوية الموسعة نمط جديد للحكامة الترابية والتنمية المندمجة: الطبعة الأولى مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء 2011.
- عبد العزيز أشرقى، " الحكامة الجيدة، الدولية - الوطنية، الجماعية ومتطلبات الإدارة المواطنة"، مكتبة دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط، الطبعة الأولى، 2009.
- عبد الفتاح بلخال، علم المالية العامة والتشريع المالي المغربي، مطبعة فضالة المحمدية، الطبعة الأولى، 2005.

تعليقات