Header ADS

اخر الأخبار

الطرق البديلة لتسوية المنازعات

عرض بعنوان: الوسائل البديلة لفض المنازعات في المغرب PDF

عرض بعنوان: الوسائل البديلة لفض المنازعات في المغرب PDF

مقدمة
يعرف العالم اليوم ظاهرة مجتمعية تتمثل في الطرق البديلة لتسوية المنازعات، تطورت إلى جانب الآلية الرسمية و الكلاسيكية لفض تلك النازعات ونعني بذلك القضاء .
فإذا كان من غير المعقول تصور الحياة بدون نزاعات، كذلك لا يمكن تصور نزاع بدون حل وعلى هذا الأساس عمل الإنسان منذ الأزل على البحث عن أحسن السبل للفصل في هذه النزاعات مع مراعاة قواعد العدالة والإنصاف، وإذا كانت النزاعات تحل مبدئيا بواسطة السلطة القضائية بعد أن ولى عهد العدالة الخاصة إلا أن القانون لم يجعل سلوك طريق القضاء إلزاميا على الخصوم للفصل في منازعاتهم، بل أجاز لهم قبل رفع الدعوى أو بعد رفعها أو أثناء السير فيها اللجوء إلى وسائل أخرى لحل المنازعات، يطلق عليها الوسائل البديلة أو الملائمة لحل المنازعات.
نستطيع أن نستخلص بأن منازعات الأفراد لا تحل دائما بقوة السلطة العامة للدولة (القضاء) وإنما تحل سلميا بوسائل أخرى سواء عن طريق الصلح وهو حل رضائي للنزاع يقوم به الأفراد بأنفسهم عن طريق تنازلات متبادلة عن بعض حقوقهم ولذا قيل" أن صلحا سيئا خير من قضية ناجحة" . أو بأسلوب أخر وهو الوساطة حيث يتدخل طرف ثالث لتقريب وجهات النظر بين الطرفين . ثم أسلوب ثالث لحل المنازعات لا يقوم على السلطة العامة مثل القضاء كما لا يتم ذاتيا برضاء الطرفين كالصلح، وإنما بنزول أطراف النزاع لرأي طرف ثالث يثقان في رأيه وهذا هو التحكيم فهو أداة سلمية لا تقوم على حل للنزاع يفرض من أعلى بقوة السلطة العامة وإنما إلى امتثال الأفراد لرأي الغير ولذلك قيل أيضا "احتكم ولا تتقاض". هذا مع الإشارة إلى أن التحكيم قد تطور خاصة من حيث شكلياته التي صارت أشبه بكثير من المساطر المعمول بها أمام المحاكم الرسمية، التابعة للدولة.

أولا: تعريف الوسائل البديلة لحل المنازعات

الوسائل البديلـة لفـض المنازعـات (ADR Alternative Dispute Resolution )، أو الطرق المناسبة لفض المنازعات كما تسمى في الوقت الحاضر(Appropriate Dispute Resolution) ، هو اصطلاح يتعلق بالاتجاه الذى تنامى بدايةً فى الولايات المتحدة الأمريكية فى السبعينيات من القرن الماضي، ثم بعد ذلك في أوروبا لحل منازعات التجارة و الأعمال والاستثمار.
و يمكن تعريفها بأنها هي تلك الآليات أو الطرق أو العمليات المختلفة التي تستخدم لحل المنازعات التي يلجأ لها الأطراف عند نشوء خلاف بينهم بغية التوصل لحل لذلك الخلاف، و دون رفع دعوى أمام المحاكم أي أنها تتم خارج نطاق المحاكم والهيئات القضائية الرسمية. إلا أن ما يلاحظ هو كونها ليست بديلة عن القضاء. لأنها تجري تحت إشرافه. ومن تم فهي بديلة عن بعض المساطر والإجراءات القضائية فحسب.
و انطلاقا من هذا المعنى يخرج التقاضي عن إطار هذا التعريف، فهــولا يعد وسيلة بديلة لحل الخلافات بل وسيلة أصيلة، إذ أن الأصل في الأطراف اللجوء إلى المحاكم ومحاولة حل الخلافات التي بينها عبر التقاضي في حال نشوء خلاف بينها.
وعلى الرغم من ذلك، فقد أدى ازدياد لجوء المتنازعين إلى هذه الوسائل في الفترة الأخيرة إلى عدم جواز تسمية تلك الوسائل بـ "البديلة"، ذلك أن كثرة اللجوء إليها أدت إلى تحولها في كثير من الأحيان إلى وسائل أصيلة يلجأ لها الأطراف ابتدءا ، مستفيدين من مزاياها في سرعة حسم النزاع ،والحفاظ على السرية ،وخفض التكاليف في أوضاع كثيرة، إضافة إلى مرونتها من حيث إجراءات حل النزاع والقواعد المطبقة عليه.
وجدير بالذكر أن الوسائل البديلة لحل المنازعات، قد أصبحت من الوسائل الملائمة للفصل في مجموعة هامة من المنازعات، كما هو الشأن في منازعات التجارة الدولية وحماية المستهلك، والمنازعات الناشئة في بيئة الإنترنت، والتجارة الإلكترونية، والملكية الفكرية في العصر الرقمي وغيرها من المنازعات ، حتى أصبح يطلق على هذه الوسائل بالنظر لطابعها العملي " الطرق المناسبة لفض المنازعات".

ثانيا: التطور التاريخي للوسائل البديلة

إن الطرق البديلة لحل المنازعات ليست آلية جديدة, وإنما هي قديمة قدم وجود الإنسانية, وكانت موجودة وفعالة تختلف تسمياتها باختلاف الأنظمة العرفية والقبلية السائدة آنذاك .
وقد عرف القدماء في مرحلة ما قبل الدولة "القضاء العرفي أو القبلي أو العشائري" ملجأً لاقتضاء حقوقهم، ومع رسوخ فكرة الدولة واستقرار الأنظمة السياسية جاء القضاء النظامي على قمة سلطات الدولة الوسيلة الرسمية و الحل الأمثل لحسم جميع المنازعات، المدنية منها أو التجارية.
ومع التطور التكنولوجي الهائل لوسائل النقل والاتصالات وتزايد معدلات التجارة الدولية الكبير، أصبح القضاء النظامي مع ما أظهره من عيوب البطء وعدم التخصص لا يتناسب البتة مع حاجة المنازعات التجارية (الوطنية أو الدولية) لسرعة الفصل والتخصص في الموضوعات.
ورويداً .. رويداً .. بدأ التجار والمستثمرون يعودون لنظام القضاء العرفي ولكن بشكل جديد، فيما عرف بـ "الوسائل البديلة لحل المنازعات" ولجأت الدول إلى استخدامها في أوائل 1970، فكانت أمريكا وبعض الدول الأوربية أول من استخدمها ثم مؤخرا بدأت الدول العربية في استخدامها حتى انتشرت بين الكيانات الاعتبارية العامة والخاصة والأفراد.
و بهذا الخصوص لن تفوتنا الإشارة إلى أن الوسائل البديلة لحل المنازعات تجد سندها في تاريخ المغرب سواء القديم أو الحديث وقبل ظهور القوانين الوضعية سواء في ظل سريان قواعد الفقه الإسلامي أومن خلال سريان القواعد العرفية المحلية .
فمما لا شك فيه أن الوسا ئل البديلة لحل المنازعات تحتل مكانة هامة في الشريعة الإسلامية خاصة ما يتعلق بالصلح. و ذلك بالنظر إلى أن فاعلية هته الوسائل تقطع المنازعة وتحد الخصومة وتؤدي إلى نشر المودة والوئام بين أفراد المجتمع. وفيها إحلال الوفاق محل الشقاق وقضاء على البغضاء بين المتنازعين ولذلك أجمعت عليه مصادر التشريع الإسلامي, فهو مشروع بالكتاب والسنة والإجماع. و تشمل هده البدائل جميع المنازعات في كل المجالات بصريح الآيات 35 و128 من سورة النساء فيما يخص القران الكريم ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم شديد الميل إلى إصلاح ذات البين فقد قال صلى الله عليه وسلم في هدا الباب : » الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما « وقال النبي عليه السلام أيضا لأبي أيوب : » ألا أذلك على صدقة يحبها الله ورسوله. تصلح بين الناس إذا تفاسدوا وتقرب بينهم إذا تباعدوا « ومن بعده عمل به الخلفاء إد قال الفاروق عمر : » ردوا الخصوم حتى يصطلحوا فان فصل القضاء يورث بينهم الضغائن « .
وعلى امتداد التاريخ الإسلامي حافظ الفقهاء في القضاء على الصلح كآلية لحل الخلافات والخصومات وبرعوا في تقعيد قواعده وحصر حالاته وأركانه وشروطه ولا يخلو كتاب في الفقه الإسلامي من باب خاص بالصلح.
وان كان الإسلام قد اهتم بإعمال الوسائل البديلة لتسوية المنازعات فان الأمر كان متجذرا قبل ذلك في المجتمع المغربي من خلال الأعراف المحلية والقبلية حيث تنوعت هذه الأخيرة بتنوع القبائل والأجناس فالعرف في سوس يختلف عنه في المدن العتيقة والملاحات .
ويعتبر المجتمع البربري نموذ جا تاريخيا لإعمال هذه الأعراف المرتبطة < بالأسرة . الأرض . الماء والتجارة. وذلك عن طريق الصلح أو التحكيم وغيرهما, الشيء الذي يعبر عن تجذر هذه الطرق البديلة في عمق المجتمع المغربي والشريعة الإسلامية.
ودائما فيما يعود إلى التطور الخاص بالمغرب فانه يسجل بأنه قد تم توثيق الفترة التي يعود إليها الاهتمام المغربي بالوسائل البديلة لحل المنازعات إلى عهد المولى إسماعيل، وتحديدا إلى سنة 1693 تاريخ إبرام معاهدة سان جرمان مع الدولة الفرنسية، التي تضمنت إمكانية الفصل في بعض النزاعات الخاصة عن طريق التحكيم.
إلا أن أول تنظيم قانوني للتحكيم من طرف المشرع المغربي، كان بمقتضى ظهير المسطرة المدنية -الملغى- الصادر في 12 غشت 1913 والذي خصص له الفصول من 527 إلى 543 ثم جاء قانون المسطرة المدنية الحالي الصادر في 28 شتنبر 1974 واهتم كذلك بالتحكيم، فخصص له الفصول 306 إلى 327.
ولم يهمل المشرع المغربي مؤسسة التحكيم عند إنشائه للمحاكم التجارية، حيث نص في الفقرة الأخيرة من المادة 5 من قانون إحداث هذه المحاكم، على أنه: "يجوز للأطراف الاتفاق على عرض النزاعات المبينة أعلاه (والتي أسند اختصاص البت فيها للمحاكم التجارية) على مسطرة التحكيم وفق أحكام الفصول 306 إلى 327 من قانون المسطرة المدنية".
أما المشرع المغربي الحالي فقد نظم كلا من التحكيم والوساطة الاتفاقية بقانون رقم 05-08- وهو القاضي بنسخ وتعويض الباب الثامن من القسم الخامس من ق.م.م و قد أفرد للتحكيم مجموعتين من القواعد : الأولى خاصة بالتحكيم الداخلي (الفصل-306 إلى 37-327) . كما خصص الفرع الثاني للتحكيم الدولي (من الفصل 39-327 إلى 54-327) إضافة إلى أنه في مختلف فروع تشريعاته يأخذ بعدة وسائل بديلة لحسم المنازعات، سواء في المدونات الكبرى أو في القوانين الخاصة أو في قوانين الموضوع أو في قوانين الشكل زيادة على القوانين المنظمة لبعض المؤسسات والمهن الحرة وسيرا على نهج غيره من الدول عمل المغرب على تفعيل دور هذه الوسائل وقد تجلى هذا الاهتمام بصورة فعلية في انتشار مركز التحكيم والتوفيق في عدة مدن مغربية ومبادرة عدة غرف تجارية إلى العمل على إنشاء هذا المراكز .
وعلى المستوى الدولي فالملاحظ هو كون المعاهدات والاتفاقيات الدولية قد اتجهت لتفعيل دور هذه الوسائل على المستوى الدولي، إذ وضعت اتفاقية المؤسسة العربية، لضمان الاستثمار, جعلت الوساطة والتوفيق والصلح وسائل لحسم النزاعات يرجع إليها لفض النزاع قبل اللجوء إلى التحكيم، وكذلك فعلت اتفاقية البنك الدولي بشأن تسوية منازعات الاستثمار، إضافة لنظام المصالحة والتحكيم التابع لغرفة التجارة الدولية والذي نص على نظام المصالحة الاختيارية وحدد مجموعة من الإجراءات له.وكذلك نص الأونسترال [لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولية] على قواعد للتوفيق وقد كان لها وقع ايجابي في المنازعات الدولية وكذا أثر في نشر التوفيق كوسيلة لحسم المنازعات الدولية .
...................
الآيات 35 و128 من سورة النساء ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّـهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ﴿٣٥﴾
( .... فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّـهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴿١٢٨﴾

ثالثا: ما هي الوسائل البديلة لفض المنازعات و علاقتها بالوسائل القضائية :

في إطار الوسائل البديلة يستوجب التمييز بين الوسائل الودية و الوسائل القضائية لتسوية المنازعات و هو ما يتم على أساس مدى إلزامية ما تنتهي إليه هذه الوسائل من حلول.
* الوسائل الودية أو غير القضائية : هي الوسائل البديلة لحسم المنازاعات ADR مثال المفاواضات و التوفيق و الوساطة وهي تتسم بالطابع غير الإلزامي للتسوية. و يلاحظ على أن التمييز بينها صعب.
* الوسائل القضائية مثل اللجوء إلى محاكم الدولة أو التحكيم التي تصدر قرارات ملزمة لأطراف النزاع و يتم تنفيذها ضد الطرف الخاسر
وما يلاحظ هو أن معظم الاتفاقيات الدولية للاستثمار تفرض على الطرفين المتنازعين وجوب اللجوء إلى الوسائل الودية فإذا ما فشلت في فض النزاع يمكن حينئذ اللجوء إلى الوسائل القضائية بما فيها التحكيم.

-تقسيمات و أنواع الوسائل البديلة
تنقسم طرق فض المنازعات الملائمة أو البديلة ADR إلى أقسام متعددة تختلف تبعا لأساس التقسيـم :
*تقسيمها من حيث شيوعية العمل بها : وهو ما يختلف حسب الدول و كذلك الأزمنة.
*تقسيمها من حيث درجة التدخل :
هناك عدة طرق بديلة لتسوية النزاعات وهي تنقسم إلى أقسام متعددة تختلف تبعا لأساس التقسيـم ، ولعل أفضل تقسيم لها هو تقسيمها من حيث درجة التدخل الذي يتم من قبل طرف ثالث في النزاع ، ووفق هذا التقسيم تنقسم هذه الطرق إلى :

المفاوضات (Négociation)
التقييم الحيادي المبكّر (Early Neutral Evaluation)
التوفيق. (Conciliation )
الوساطة ( Médiation)
التحكيم ( Arbitrage )

المفاوضات (Négociation)

المفاوضات أو التفاوض هو آليـة لتسوية النزاع قائم على الحوار المباشر بين الطرفين المتنازعين سعياً لحل الخلاف، ولا يحتاج التفاوض إلى أي طرف ثالث، بل يعتمد على الحوار بين الطرفين مباشـرة ، إلا أنه لا يوجد ما يمنع من تمثيل المتنازعين بواسطة محامين أو وكلاء لهم، إذ لا يغيّر ذلك من طبيعة التفاوض، ما دام الوكلاء يملكون سلطة اتخاذ القرار عن موكليهم وتفترض وسيلة التفاوض حسن النية حتى يصبح بالإمكان إيجاد حل للنزاع كما أنها تتصف بأعلى درجات المرونة.

التقييم الحيادي المبكّر (Early Neutral Evaluation)

ويتم التقييم الحيادي المبكر من خلال عرض الأطراف (أو محاميهم) لخلافهم أمام طرف محايد ذي ثقافة قانونية واسعة (محام أو قاضِ سابق) يتمكن من تقييم القضية المعروضة، وبعد أن يلتقي المحايد بالطرفين مجتمعين، يلتقي بكل طرف على حدا ليستمع منه عن التفاصيل المتعلقة بالوقائع والأحداث محل الخلاف ، كما يستطيع الأطراف تقديم بياناتهم الخطية أمام المحايد.
وفي النهاية، يصدر المحايد قراراً يبين من خلاله المراكز القانونية لكل طرف، ولا يكون رأي المحايد هنا ملزماً للأطراف، إذ لا يجبر أي منهم على الأخذ به. وفي الغالب، يأخذ المحايد بعد إصدار “قراره” دور الوسيط، إذ يعمل على محاولة تقريب وجهات النظر بين الطرفين بعد أن بين لهما مراكزهما القانونية، ويطلق على هذه الآلية أيضاً تسمية (التحكيم غير الملزم).

التوفيق: (الصلح أو المصالحة Conciliation)

لا يختلف أحدٌ في أن عدد القضايا يشهد تزايدا كبيرا ، خاصة مع تزايد أنماط المال والأعمال وتشابكها، لذلك تم ابتكار حلول وبدائل لتسوية النزاعات الناشئة عن هذه القضايا، بحيث تكون هذه التسوية خارج مظلة القضاء، ومن تلك الحلول هناك التسوية بالتوفيق والمصالحة.
هو وسيلة ودية يتم بمقتضاها لجوء أطراف النزاع باختيارهم إلى شخص أو هيئة محايدة تتولى تحديد الوقائع واقتراح أسس لتسوية النزاع برضاء الأطراف.
فالتوفيق أو الصلح أو ما يسمى بالمصالحة ، هو أحد الوسائل والأساليب البديلة لتسوية المنازعات خارج ساحة القضاء الرسمي (قضاء الدولة) ، بل هو من أهم تلك الوسائل التي أصبح لها مكانة واضحة ، ودورًا بارزًا في حسم المنازعات الناشئة بين أطراف العلاقات والاتفاقات والعقود التجارية ، وهو ما جعل نظام التوفيق يحظى باهتمام كبير في الآونة الأخيرة ، على الرغم من أنه أحد أقدم أساليب حل الخلافات والمنازعات في تاريخ البشرية ، إذ لجأ الناس منذ البدء إلى الصلح في حل خلافاتهم ومنازعاتهم إلى جانب التحكيم قبل ظهور القضاء الرسمي ، وتولي الدولة لمهمة فض المنازعات بين أفرادها.
ومن أبرز خصائص و مميزات تفعيل خيار تلك البدائل لتسوية المنازعات خاصة عن طريق المصالحة والتوفيق كونها تهدف إلى تقريب وجهات النظر واحتواء المنازعات بأسلوب التصالح والتراضي مع تعزيز قيم العفو والتسامح بين أفراد المجتمع. هذا إضافة إلى تخفيف العبء على المحاكم وتقليص مدد التقاضي مع وجود الضمانة القانونية والنظامية بحق التقاضي للجميع عند عدم الرغبة ابتداءً في سلوك هذا الخيار، ومع إبقاء حق المتقاضين في طلب اللجوء للقضاء انتهاءً عند عدم الوصول إلى تسوية مرضية للأطراف.
و عليه فالتوفيق كطريق بديل لحل وتسوية المنازعات ، هو طريق ودي ، باعتباره وسيلة يستطيع الخصوم من خلالها بأنفسهم أو بمساعدة شخص من الغير ، الاجتماع والتشاور للوصول إلى حل منهي للنزاع يرضى عنه الطرفان ;فهو اتفاق بين الأطراف على محاولة إجراء تسوية ودية عن طريق الموفق أو الموفقين الذين يقع عليهم اختيار الأطراف ، ويتولى الموفق تحديد مواضع النزاع ، ويقدم مقترحاته التي قد تحظى بقبول الأطراف أو لا تلقى قبولا منهم ، فهو لا يصدر قرارات ، وإنما يقدم مقترحات يظل أمرها معلقًا على قبول الأطراف ، حيث أن الحل الذي يقدمه الموفق للأطراف لا يلزمهم ، فقد يوافقون عليه وقد لا يوافقون ، ويبحثون عن وسيلة بديلة لفض نزاعهم كالالتجاء إلى التحكيم أو إلى القضاء العادي) قضاء الدولة ( ولا تؤثر عملية التوفيق الفاشلة على ما لهم من حقوق . بمعنى آخر فإن عمل و مهمة من يقوم بالتوفيق بين الخصوم تتحدد في و تقتصر على تقريب وجهات النظر بين الخصوم واقتراح الحلول المناسبة لهذا النزاع .
وتتمثل عملية التوفيق في اتفاق أطراف النزاع على تسوية نزاعهم عن طريق التوفيق واختيار الموفق الذي ستوكل إليه مهمة حسم النزاع ، كمرحلة أولى ثم تتوالى بعد ذلك إجراءات التوفيق بواسطة الموفق المختار من الأطراف المتنازعة وفق تقديره الخاص ، متوخيا في ذلك مبادئ العدالة والحياد والإنصاف ، وهي المرحلة الثانية في عملية التوفيق. وكما هو معلوم ، فإن دور الموفق يقتصر فقط على تقريب وجهات نظر أطراف النزاع، وإبداء وتقديم المقترحات لهم ، بما يكفل توصلهم إلى حلول مرضية لإنهاء نزاعهم. وقد يقوم الموفق) ما لم يكن التوفيق مؤسسيًا ( بتحديد مكان جلسات التوفيق ، ما لم يكن قد تم تحديده من قبل الأطراف في اتفاقهم طبعًا. ويتعين على أطراف النزاع خلال عملية التوفيق وإجراءاته تزويد الموفق وموافاته بالبيانات والوثائق والمستندات التي تؤيد طلبات كل منهم.
المرحلة الثالثة والأخيرة في عملية التوفيق هي المرحلة المتمثلة في إنتهاء الموفق من مهمته، والتي لن تخرج عن إحدى حالات ثلاث، إما التوصل إلى اتفاق توفيقي لتسوية النزاع؛ أو فشل الموفق في التوصل إلى حلول ترضي أطراف النزاع؛ أو قيام طرفا النزاع أو أحدهما بإبلاغ الموفق بعدم الرغبة بالاستمرار في إجراءات التوفيق.
وهناك نوعان من التوفيق :
* التوفيق الخاص أو الحر دون مساعدة مؤسسة
* التوفيق المؤسساتي : مثل المركز الدولي لفض نزاعات الاستثمار ICSID
والجدير بالذكر هنا ، أن كثيرًا من المنظمات والمؤسسات ومراكز التحكيم تتولى تنظيم إجراءات التوفيق ، و ذلك وفقًا للقواعد الخاصة بالمركز أو المؤسسة التحكيمية المنظمة لمثل هذه الوسيلة البديلة ، والتي لا تخرج عما ذكرناه آنفًا ، وضمن الإطار التشريعي المرسوم لها قانونًا ممثلا في القواعد القانونية والأحكام الخاصة بالصلح واتفاقاته ، والتي نظمتها التشريعات المختلفة ، ومن بينها التشريع المغربي الذي نظم قواعد الصلح وأحكامه ضمن نصوص المسطرة المدنية.

الوساطة Mediation

كأحد الوسائل البديلة لتسوية المنازعات تأتي الوساطة ، باعتبارها أحد البدائل التي يمكن أن يلجأ إليها أطراف النزاع لحسم منازعاتهم.
فهي تعتبر مرحلة متقدمة من التفاوض تتم على أساس تدخل شخص ثالث محايد في المفاوضات بين طرفين متخاصمين بحيث يعمل هدا المحايد عل تقريب وجهات النظر بين الطرفيـن وتسهيل التواصـل بينهما وبالتالـي مساعدتهما على التوصل لتسوية النزاع القائم بينهما.
إذن فبينما يتم حل الكثير من الخلافات عبر التفاوض المباشر بين الطرفين بدون وجود الحاجة لوسيط ، فإن كثيرا من المفاوضات قد تتعثر في مراحل مختلفة، أو أن حدة النزاع لا تسمح بوجود مفاوضات ابتداء بين الأطراف في بعض الأحيان الأمر الذي يحتم الاستعانة بوسيط للمساعدة في دفع عجلة التفاوض إلى الأمام وجسر الهوة بين الطرفين.
والوساطة عملية طوعية بطبيعتها ولا يجوز للوسيط اتخاذ قرار بات في أساس النزاع، بل إن دوره ينحصر في محاولة تقريب وجهات نظر الطرفين (أو الأطراف) ، وفي طرح الحلول البديلة أمامهم دون فرض أي منها عليهم.
فالوساطة وإن كانت تشبه إلى حد ما التوفيق، إلا أنها تختلف عنه في بعض الحالات، فالوسيط، يكون عادة شخصا محايدا ويكون له دور أكثر إيجابية في حسم النزاع فهو لا يجمع الأطراف دائما في لقاءات مشتركة كالموفق، ولكنه يعمل في الغالب مترددا بينهم منفردا بكل طرف على حدة لمحاولة التوصل إلى صيغة مرضية لطرفي النزاع، محاولا إقناع كل طرف بأن التسوية لصالحه. وهو ما يعني أن الوساطة تتخذ مجالا أوسع من التوفيق،ذلك لأنها أكثر عمومية وأكثر مرونة .
و في إطار التمييز بين الوساطة وما يشبهها من (ADR) فان أهم اختلاف بين الوساطة والتحكيم هو أن الوسيط لا يمكنه فرض رأي على الأطراف وليست لديه سلطة إصدار قرار أو حكم بالتسوية، ويقدم الوسيط بدلاً من ذلك رؤية محايدة عن المنازعة للطرفين ويحاول مساعدة كليهما على التوصل إلى حل ودي، وعلى العكس من ذلك، يقوم نظام التحكيم على منح طرفاً ثالثاً وهو المحكم السلطة لتسوية المنازعة عن طريق حكم ملزم للطرفين.
فالأطراف وفق تقنية الوساطة هم الذين يصنعون النتيجة فوظيفـة الوسيط تقتصر على تيسير التواصل و التفاوض بين الطرفين لا التحكيم بينهم، و ينتج عن ذلك نتيجة هامة من الناحية العملية، تتلخص في قابلية الاتفاقية الناشئة عن الوساطة للتطبيق من الأطراف بشكل تلقائي كونهم هم الذين توصلوا إليها بمحض إرادتهم ولم تفرض عليهم من الخارج.
ومن الملفت للنظر أن الوساطة تنجح في حل حوالي%75 إلى %90 من الخلافات التي يتفق الأطراف على حلها باستعمال هذه الآلية، فهـي الأساس الـذي يقوم عليـه نظام (ADR) في التجارة الدولية ، فهي الوسيلة الأكثر في نصف العقود التجارية الدولية الكبيرة مثل عقود الإنشاءات الدولية.
وهكذا فالوساطة ، على الرغم من أنها لا تنتهي بقرار ملزم إلا أنها تحظى بقبول من قبل كثير من أطراف المنازعات الذين يفضلون حسم منازعاتهم عبر الوسائل الودية ، فيقومون بقبول وسيط محايد على قدر كبير من الخبرة في مجال النزاع ، لحل الخلاف ربما رغبة منهم في استمرار العلاقة فيما بينهم لاحقًا ، خاصة في الحالات المتعلقة بنزاع تجاري .
والحقيقة، أن هناك ما يكفي من العوامل التي تشجع على حل الخلافات عبر هذه الوسيلة ، والتي منها السرعة وقلة التكاليف و ما تتميز به الوساطة من شفافية و خلوها من تعقيدات على مستوى الإجراءات والدعاوى.
وفي هذا الإطار فقد أصدر المشرع المغربي قانون رقم 05-08 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، كما حث المشرع المغربي على الصلح في أكثر من مناسبة بل أوجبه في قانون المسطرة الجنائية الجديد بشأن جرائم معينة، وتم التركيز على مساطر الصلح في مدونة الأسرة ونزاعات الشغل والأمراض المهنية.
وتتخذ الوساطة أشكالا عديدة فهناك :
الوساطة البسيطة وهي التي تقترب من نظام التوفيق في وجود شخص يسعى إلى التقريب بين وجهات نطر المتنازعين .
وهناك الوساطة تحت شكل قضاء صوري و هي التي يتم فيها تشكيل هيئة يرأسها الوسيط تضم وكلاء عن أطراف النزاع و ذلك للوصول إلى حد مقبول من الطرفين.
وهناك الوساطة الاستشارية وهي التي يطلب فيها أطراف النزاع من محام أو خبير استشارته أولا في موضوع النزاع ثم يطلبون منه بعد ذلك تدخله كوسيط لحل النزاع.
وهناك وساطة التحكيم وهي التي يتفق فيها الأطراف على قيام الوسيط بمهمة التحكيم إذا فشلت مهمته في الوساطـة،
وهناك أخيرا الوساطة القضائية وهي المعمول بها في النظم الانجلوسكسونية حيث تقوم المحاكم قبل الفصل في النزاع بعرض اقتراح على الأطراف باللجوء بداية إلى الوساطة، حيث يقـوم المحلف المـدني قبل الجلسة الرسمية بشرح مختصر للأطراف عن الموقف في الدعوى، ويتوصل معهم إلى إصدار حكم في (شكل رأي) يكون بمثابة الأساس الذي تقوم عليه المفاوضات في الوساطة.
والوساطة كغيرها من وسائل تسوية المنازعات لها أيضا قواعدها الخاصة بها .
فعلى اعتبا ر أن للوسيط دور محوري كبير وهام في إتمام عملية الوساطة، يكون من المهم بداية أن يتوافق السلوك المهني لهذا الوسيط المختار من الأطراف أو المعين من الغير (مركز تحكيم على سبيل المثال) مع قواعد سلوكيات المحكم، فليس لأي شخص القيام بدور الوسيط في أي نزاع إذا كانت له أي مصلحة شخصية كانت أو مالية نتيجة لهذه الوساطة. كما يفترض في الوسيط أن يكون شخصا ذا مقدرة على الحوار والإقناع وله خبرة كافية في مجال النزاع، وأن يعمل على جمع المعلومات اللازمة عن النزاع والتفاوض مع الأطراف بشأنه، وأن تكون لديه القدرة على تقريب وجهات نظر الأطراف ومساعدتهم على تفهم مواقف ووجهات نظر بعضهم البعض.
إلا انه بالإضافة شروط الحياد و الاستقلال و الخبرة فإنه يشترط كذلك في الوسيط بالنظر إلى الدور المنوط به توافره على خاصية الإقناع و الحوار.
فدور الوسيط يتجلى أساسا في تشجيع الأطراف على تسوية المسائل موضع النزاع بينهما بأي طريقة يراها مناسبة دون أن يكون له أي سلطة لفرض تسوية على الطرفين . فإذا رأى الوسيط أن أي من مسائل النزاع بين الطرفين لا تحتمل تسوية عن طريق الوساطة فله أن يقترح على الطرفين الإجراءات أو السبل التي يرجح أن تؤدي، إلى تسوية تلك المسائل بأكبر قدر من الفاعلية وأقل قدر من التكاليف وبصورة خاصة، فللوسيط أن يقترح على سبيل المثال ، الأخذ بقرار خبير في أي مسألة من مسائل الخلاف ، أو أن يقدم كل طرف عروضًا أخيرة للتسوية ، فان استحالت التسوية عن طريق الوساطة ، يمكن اللجوء إلى التحكيم على أساس تلك العروض وبحيث تقتصر فيه مهمة المحكم على تحديد العرض المرجح لحل النزاع . و عليه فيمكن حصر دور الوسيط في تخفيف هوة الاختلاف ، نقل وجهة نظر كل طرف و اقتراحاته إلى الطرف الآخر للوصول إلى التفاوض، إبراز أوجه التسوية و التقليص من أوجه الخلاف، اقتراح الحلول، وضع مشروع تسوية متكاملة و تشخيص الحاجيات المستقبلية للتعاون بعد فض النزاع بين الأطراف.
أخيرًا ، فإن عملية الوساطة قد تنتهي بتوقيع الطرفين على محضر بالتسوية يشمل كل المسائل موضع النزاع بينهما أو أي مسألة منها . أو قرار الوسيط بالإنهاء إذا كان من غير الممكن حسب تقديره أن تؤدي مواصلة الوساطة إلى تسوية النزاع . أو إنهاءها من قبل أحد الطرفين في أي وقت بعد بدء إجراءات الوساطة وقبل التوقيع على أي اتفاق بشأن تسوية النزاع .

التحكيم Arbitrage

مما لا شك فيه أنه ،عند الحديث عن الوسائل البديلة ، يتبادر التحكيم مباشرة إلى الذهن باعتباره أهم الأنظمة والوسائل البديلة لحل المنازعات، والتجارية منها على وجه الخصوص ، فقد بات التحكيم في الوقت الحاضر الوسيلة الأكثر انتشارا لحسم المنازعـات التجاريـة ويعتبر التحكيم نوعا من القضاء الخاص، فهو وسيلة بديلـة عن قضاء الدولـة يقـوم فيه أطراف النزاع بمحض إرادتهما الحرة على اللجوء إلى التحكيم لحل ما قد يثـور من خلاف . ولعل التحكيم قد اكتسب من الشهرة ما يجعله غني عن التعريف والبيان ، ولكننا نرى أنه لا ضير ونحن نتناول الوسائل البديلة أن نتطرق إلى نظام التحكيم بشكل موجز وفي نطاق المفاهيم الأساسية لهذه الآلية من آليات حل المنازعات.
والتحكيم كأداة لتسوية المنازعات ، يتلخص في إسناد مهمة الفصل في النزاع إلى أفراد عاديين هم المحكمون ، ويجري اختيارهم بواسطة أطراف النزاع ، أو بواسطة جهة أخرى يتفق عليها الأطراف (كمؤسسات التحكيم التي باتت منتشرة بشكل كبير) ، وذلك انطلاقًا من تخصصهم الذي قد لا يتوافر لغيرهم ، بما يجعلهم أقدر على فهم مسائل النزاع المعروض عليهم والفصل فيها.
ويمكن تعريف التحكيم بأنه:” وسيلة يختارها الأطراف لفض المنازعـات الناشئة بينهم عن طريق طرح النزاع للبث فيه بمقتضى نظام لفض المنازعات ذو طبيعة خاصة ينظمه القانون ،بحيث يترك لأطراف النزاع الحق في الاتفاق على إخراج منازعاتهم الحاّلية والمستقبلية من ولاية قضاء الدولة وطرحها على أشخاص يختارونهم بأنفسهم للفصل في هذه المنازعات بحكم ملزم" .
وعلى خلاف الوساطة والتقييم الحيادي المبكر، يعتبر التحكيم من حيث نتيجته ملزمـاً، بحيث يملك المحكّم أو هيئة التحكيم سلطة اتخاذ القرار في أساس النزاع والبت فيه، وهذا على خلاف الوسيـط الذي لا يملك هـذه السلطة . كما أن التحكيم متـى اتفـق عليـه (قبل نشوء النزاع أو بعده) يصبـح ملزماً، ويتوجب على الأطراف السير به حتى نهايـة إجراءاته وإصدار القرار المنهي للخصومة من خلاله. ويعتبـر حكم التحكيـم ملزمـاً ويستوي مع القرار الصادر عن المحكمة إذا ما تم تذييله بالصيغة التنفيذية.
ويمكن للأطراف الاتفاق على اللجوء للتحكيم عند بدء العلاقة بينهم وقبل حصول نزاع، كأن يوردوا بنداً في عقدهم يشير إلى موافقتهم على إحالة أي خلاف ينشـأ بينهم للتحكيم ( شرط التحكيم) ، كما يمكن لهـم إبرام اتفاقيـة تحكيم بعد نشوء الخلاف يبينوا فيـها تفاصيـل الخلاف وموافقتهـم على إحالته للتحكـيم (مشارطة التحكيم) ويسمى أحيانـاً (وثيقة التحكيم الخاصة).
وتمر عملية التحكيم بثلاث مراحل أساسية :
المرحلة الأولى ، هي مرحلة اختيار الأطراف بإرادتهم التحكيم لحل منازعاتهم في ساحته وبعيدًا عن ساحة القضاء) اتفاق التحكيم. (
المرحلة الثانية هي مرحلة تولية الخصوم لشخص أو أكثر سلطة النظر في نزاعهم والبت فيه) اختيار المحكم أو المحكمين .( أما المرحلة الثالثة والأخيرة فهي المرحلة التي يبدأ فيها عمل المحكم وممارسته لاختصاصه بنظر النزاع وحتى إصدار حكمه في النزاع (إجراءات التحكيم)، ويكون هذا الحكم ملزمًا لأطراف الخصومة.
أما عن خصائصه فإن التحكيم كنظام لحل المنازعات يتميز عن القضاء العادي بالسرعة وتفادي بطء الإجراءات المعهودة أمام القضاء العادي ،حيث أن بطء الإجراءات وإن كان محتملا ومقبولا نوعا ما في المعاملات المدنية ،فإنه لا يكون مقبولا في المعاملات التجارية التي هي بطبيعتها مستعجلة لارتباطها بحركة الأموال وتداولها.
و عليه، فإن الأهمية التي اكتسبها التحكيم كنظام لحل المنازعات ، هي التي جعلته يتفوق على نظام التقاضي الرسمي (قضاء الدولة)، وهذه الأهمية لم تأت من فراغ، وإنما للمزايا العديدة التي يقدمها نظام التحكيم للمتقاضين في ساحته.
هذا عن مجال التجارة الداخلية اما عن مجالات التجارة الدولية فانه ومع تشابك العلاقات التجارية والاقتصادية في العصر الحديث والتطور الكبير و المتسا رع ، والتنوع الواضح في هذه العلاقات، وانتقال الأموال والاستثمارات الاقتصادية بين دول العالم ، فقد اهتمت التشريعات الحديثة بالتحكيم التجاري الدولي بجانب التحكيم التجاري الداخلي كنظام خاص لحل المنازعات التي تنشأ نتيجة لهذه التعاملات .و عليه فقد قامت أغلبية دول العالم بإصدار تشريعات تنظم التحكيم وإجراءاته ، حتى بات التحكيم وسيلة أساسية من وجهة نظر قطاع الأعمال، وبخاصة الاستثمار الأجنبي ، لتسوية وفض منازعاته.
ومن بين الدول التي تبنت التحكيم هناك المغرب ، حيث نظم المشرع المغربي التحكيم كنظام بديل لحل المنازعات سواء تعلق الأمر بالتحكيم التجاري الدولي أ و التحكيم التجاري الداخلي .
وفي ذات الاتجاه ، وإقرارا بأهمية التحكيم كنظام بديل انضم المغرب وصادق على عدد من الاتفاقيات الدولية الخاصة بالتحكيم ;وذلك تشجيعا لانتشار نظام التحكيم في الأوساط التجارية وقطاع الأعمال في المغرب ، و هو فعلا الأمر الذي أدى إلى اعتماد وتبني العديد من الأطراف للتحكيم كوسيلة لحل تلك القضايا والمنازعات التجارية المطروحة في المغرب ، بحيث تم اعتماد شرط التحكيم في كثير من العقود التجارية في الآونة الأخيرة ، خاصة بعد ظهور التحكيم المؤسساتي في المغرب متمثلا في المراكز الوطنية والجهوية التي تتولى مهمة التحكيم. ونخص بالذكر هنا المركز الدولي للوساطة والتحكيم بالرباط
_اما على المستوى الدولي فان مؤسسات التحكيم متعددة نذكر منها على سبيل المثال : نظام هيئة التحكيم لغرفة التجارة الدولية - هيئة التحكيم الأمريكية – محكمة لندن للتحكيم الدولي وهي اكبر هيئات التحكيم الدولي عمرا- المركز الدولي لفض نزاعات الاستثمار. وعلى المستوى الإقليمي هناك - مركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون الخليجي بالبحرين .- مركز القاهرة للتحكيم التجاري الدولي. …

رابعا: علاقة الوسائل البديلة بالقضاء

يطرح التساؤل عن العلاقة القائمة بين هذه النظم والقضاء؟
الأصل أن نظام الوسائل البديلة يلعب دورا مكملا للقضاء على صعيد تخفيف حجم العبء الملقى على كاهل القضاء، فهو يسير معه جنبا إلى جنب في تحقيق العدالة، إلا أن دور القضاء في الحقيقة يختلف بحسب هل نحن أمام التحكيم أم الوساطة، وهو ما يقتضي منـا بيان هذا الدور في كلا الأمرين:
– فبخصوص التحكيم يلعب القضاء دور المساند لخصومة التحكيم، فحتى يؤدي دوره المنشود كطريق استثنائي أو بديل للقضاء في الفصل في المنازعات، وحتى تتحقق فاعليته، فإن الأمر يقتضي تدخل قضاء الدولة بماله من سلطة عامة يستطيع عن طريقه إجبار الخصوم على تنفيذ قرارات وأحكام المحكمين ، لذلك كان من اللازم أن يتدخل القضاء في مجال التحكيم للمساعدة ولإعطاء الصفة الإلزامية لقراراته وأحكامه، فللقضاء دور مساند لخصومة التحكيم منذ بدء إجراءات التحكيم حيث يتدخل القضاء في تشكيل هيئـة الحكـم حيـث نصت المـادة 309 فـي فقرتـها الثالثـة مـن ق.م.م على أنـه : ” إذا تعذر تعيين المحكمين أولم يعينوا مقدما ورفض أحد الأطراف عند قيام منازعة إجراء هذا التعيين من جانبه أمكن للطرف الآخر أن يقدم مقالا إلى رئيس المحكمة الذي سيعطي لحكم المحكمين القوة التنفيذية لتعيين المحكمين بأمر غير قابل للطعن”.
وبذلك ينعقد الاختصاص بتعيين المحكم في هذه الحالة لرئيس المحكمة، ولا يتصدى هذا الأخير للتعيين من تلقاء نفسه، ولكن يجب أن يتقدم أحد طرفي التحكيم بطلب إليه لتعيينه، لكن ما ينبغي التنبيه إليه أن رئيس المحكمة وهو يبث في الطلب المقدم إليه يبث فيه في إطار الأوامر المبنية على الطلب طبقا للفصل 148 من ق.م.م وليس في إطار القضاء الاستعجالي طبقا للفصل 149 من ق.م.م.
كذلك يمتد تدخل القضاء أثناء خصومة التحكيم حيث تقتضي طبيعة النزاع المطروح على التحكيم اتخاذ تدابير مؤقتة أو تحفظية ، وفي هذا الصدد يجمع الفقه المغربي على أن اختصاص المحكمة التحكيمية لا يؤثر على وظيفة قضاء المستعجلات لوجود دواعي عملية ناتجة عن حالة الاستعجال تبرر الإبقاء على اختصاص قاضي المستعجلات سيما و أن أوامره لا تمس الجوهر، ولا تكتسب بالتالي أية حجيـة أمام محكمـة التحكيـم.
وعلى مستوى القضاء المغربي ، فانه يساير التشريعات المقارنة ، وكان موقفه أكثر وضوحا في قضية القـرض العقـاري و السيـاحي ضد شركة هوليـداي إين ، إذ أصدرت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء قرارا قضى باختصاص قاصي المستعجلات في إصدار أمر يقضي بمواصلة أعمال البناء.
وعليه نجد معظم التشريعات ولوائح التحكيم في محاولة منها للعثور على أفضل السبل لإيجاد تعاون بين القاضي و المحكم تعطي لطرفي التحكيم حق اللجوء إلى القضاء الوطني لاتخاذ إجراءات وقتية دون أن يكون هذا الاختصاص قاصرا على القضاء وحده.
كذلك يمتد دور القضاء إلى ما بعد صدور حكم التحكيم، فأحكام التحكيم لا تكتسب بذاتها القوة التنفيذية، والتي تخولها الحصول على الحماية القضائية بواسطة التنفيذ الجبري إذ أنها لا تعد سندات تنفيذية، فالقوة التنفيذية لا تخلق حكم التحكيم إلا بصدور أمر خاص من جهة القضاء المختص يسمى الصيغة التنفيذية.
فتذييل الحكم بالصيغة التنفيذية يمثل اعترافا من قضاء الدولة بصلاحية الحكم وإمكانية تنفيذه جبرا بكافة الوسائل التي يتيحها القانون، وفي هذا الإطار ينحصر دور القضاء في التأكد من توفر الشروط اللازمة لتنفيذها، دون تدخل في موضوعها، فلا يملك القاضي التحقق من عدالة هذه الأحكام أو صحة قضائها في الموضوع لأنه لا يعد هيئة استئنافية في هذا الصدد، إلا أنه رغم ذلك يضل للقضاء دور كبير في مراقبة أحكام التحكيم للتثبت من صحة إجراءاتها وإمكانية تنفيذها دون أن يتعارض ذلك مع أحكام قطعية سابقة أو يخالف النظام العام في البلد المطلوب التنفيذ فيه.
- أما بخصوص الوساطة فالقضاء يلعب دور الفاعل الأصلي والمحرك الأساسي لتحقيق العدالة المتفاوض عليها، والتي أصبحت مصدرا للشرعية في القضاء بشكل عام.
فقد تبين للمؤسسة القضائية بأن أسلوب العمل القضائي التقليدي لا يتيح لها الاستجابة لبعض القضايا عن كتب ، بينما الوساطة تستطيع ذلك مما يجعلها تقوم بدور رئيسي للحلول المتفاوض عليها، وبما أن العدالة تهدف فعليا إلى تأمين السلام الاجتماعي وإعادة بناء الروابط والعلاقات الاجتماعية، وهذا ما يسمى بالعدالة البديلة وهنا تحل الوساطة والوسائل المتعلقة بها مكان القانون الجاهز وتعمل على وضع قانون “على القياس” لكل حالة بمفردها، وهو ما يجعل القضاء يقوم بدور رئيسي في إيجاد الحلول البديلة ، وإن كان البعض يعتقد بأن القضاة عند تطبيق الوسائل البديلة يفقدون سلطاتهم التي تتمثل في اتخاذ القرار ويعتبر الكثيرون بأن الحل القابل للتفاوض خارج الدعوى سينزع قواعد عملهم في القضاء.

خامسا: الأسباب الدافعة والأهداف المتوخاة من إحداث وتنظيم وسائل بديلة لحل المنازعات.

وما يلاحظ هو أنها متداخلة بالنظر إلى علاقة التأثير و التأثر بالإضافة إلى انه يلاحظ على إنها تجمع بين ما هو عام وبين ما هو خاص أي بين السبب أو الهدف الذي يعود إلى مصلحة مباشرة للأفراد أو الخواص و بين الهدف الذي يشكل مصلحة عامة للدولة بصفة مباشرة

I  الأسباب العامة الدافعة إلي التفكير في إحداث وتنظيم وسائل بديلة لحل المنازعات

يعتبر التقاضي أمام المحاكم التي تنشئها الدولة وتختار قضاتها وتضع القوانين التي تطبقها، الطريق العادي لفض المنازعات التي تقع في المعاملات المدنية والتجارية على السواء. غير أن هذا الطريق وإن كان مأمونا بسبب ما يوفره من ضمانات تكفل سلامة العدالة التي يؤديها إلا أنه بالنظر إلى أسباب معينة بدأ التفكير بالاستعاضة عنه باللجوء إلى الوسائل البديلة لحل المنازعات.
إن أحد أهم تلك الأسباب هو النظام القضائي الرسمي ذاته، ذلك أنه من ضمن النقاط الرئيسية التي تمثل عبئًا على قطاع الأعمال فيما يتعلق بجانب حل المنازعات المترتبة على التعاملات والتعاقدات التجارية في المغرب ، و كما هو الحال في عدد كثير من الدول ، يتبين أن القضاء وإجراءاته تبقى من أهم وأقوى تلك العقبات التي تواجه قطاع الأعمال.وهو ما جعل اللجوء للوسائل البديلة لحل النزاعات في وقتنا الحالي أمراً ملحـاً و ضروريا .و ما كانت هذه الضرورة لتقوم لو ما أفرزتها المعضلة التي يواجهها القضاء مند أمد بعيد و في مختلف الأنظمة القضائية عبر العالم و هو ما خلق نوعا من التذمر في نفوس المتقاضين وأدى إلى نوع من عدم إطمئنا نهم عند سير الإجراءات المسطرية، ودفع المهتمين بإصلاح الأنظمة القضائية إلى التفكير في إحداث وسائل بديلة للبت في النزاع، بمساهمة الأطراف المتنازعة في البحث عن الحلول التوفيقية والملائمة لإنهاء الخلاف بشكل رضائي في اقرب وقت وبأقل تكلفة.
الوضعية الراهنة للجهاز القضائي تتجلى فيما يلي:
* غلاء وارتفاع تكاليف التقاضي .
* عرض النزاع أمام المحاكم يؤدي إلى خلق الخصومات الشخصية، ويساعد على إحداث الشروخ في العلاقات الإنسانية والاجتماعية والعائلية، ويزكي روح الحقد والبغض والضغينة لدى الأطراف المتنازعة، مما يؤدي إلى تفكيك وانحلال الروابط الاجتماعية والإنسانية.
* عدم الاستجابة الآنية والفورية لطلبات المتقاضين، نتيجة البطء في البت في الملفات والتأخير في إصدار الأحكام، يترتب عنه أحيانا فقدان المصلحة المرجوة من اللجوء إلي القضاء والاستفادة من هذه الأحكام.
و ما تجدر الاشارة اليه هو أن جميع الأنظمة القضائية في العالم أصبحت تعاني من مشكل التأخير في إصدار الأحكام بسبب كثرة القضايا الرائجة أمام المحاكم، وتراكم الملفات و هو عيب وإن كان من الجائز التغاضي عنه في المعاملات المدنية فإنه غير محتمل في المعاملات التجارية، لما ينتج عنه من إرباك لمخطط التجار وإرهاق لقدراتهم التنافسية، ويعطل حركة الأموال ويفسد برامج تنفيذ التعهدات التجارية
أما عن العوامل التي تقف خلف هذه الوضعية التي يعيشها القضاء فهي تكمن في مجموعة من الأسباب تختلف طبيعتها منها ما يعود إلى:
* ترسيخ عقلية وجوب اللجوء إلى المحاكم كيفما كان نوع النزاع، واستنفاذ جميع أنواع الدعاوى وطرق الطعن.
* اللجوء إلى المحاكم لأتفه الخلافات والنزاعات مما يؤدي إلى كثرة القضايا والملفات الرائجة.
* وكذلك هناك كذلك من الأسباب التي يترتب عنها تأخير البت في القضايا و هو ما يؤدي إلى تراكم الملفات نوردها فيما يلي :
تعدد و طول الإجراءات
تعقد وبطئ المساطر،
اتسام إجراءات التبليغ بالتعقيد وانعدام الفعالية.
تعدد أوجه الطعن عبر مختلف درجات التقاضي ,
البطء في البت في القضايا و الحسم في المنازعات والعجز عن الفصل فيها في زمن قياسي معقول ومقبول. وهو الامر الذي يكون مرده بالإضافة إلى ماسبق مشكلة عدم التوفر على الوسائل المادية والبشرية الكافية لضمان حسن سير الإجراءات والإسراع بالبت في الملفات، نتيجة قلة أطر كتابة الضبط التي لها كفاءات علمية وعملية.
التأخير في إصدار الأحكام وتسليمها
الإشكاليات والمعوقات التي تواجه إجراءات التنفيذ، مما يترتب عنها تأخير التنفيذ، وتوقيفه أحيانا.
* اما إذا تعلق الأمر بالتجارة الدولية فانه تظهر عيوب أخرى أبرزها القلق الناجم عن :
قصور النصوص التشريعية عن الاستجابة للحاجيات والمتطلبات بسبب التغيير الذي عرفته الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وفرضته سياسة العولمة والانفتاح الاقتصادي علي العالم الخارجي، من اجل تشجيع الاستثمار الأجنبي، والتبادل الحر،بحيث أن بعض النصوص التشريعية أصبحت متجاوزة وغير صالحة للتعامل مع أنواع الدعاوى والنزاعات التي تعرض أمام المحاكم، وغير قادرة على الاستجابة لمتطلبات وحاجيات الأطراف المتنازعة، اعتبارا للتطور الذي عرفته الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية علي المستوى الدولي .
عدم ملاءمة القضاء الرسمي للمنازعات الخاصة والمتعلقة بالمشروعات الاستثمارية وخاصة عندما يكون أحد أطرافها أجنبيًا .و يبقى من ضمن احد أهم أسبابها قلة أو انعدام التخصص الدقيق لدى القضاة في بعض المسائل التجارية والمالية وعلى وجه الخصوص الحديث منها.
تعيين المحكمة المختصة، والقانون الواجب التطبيق في إطار تنازع القوانين والاختصاص القضائي، والذي قد يكون قانون وطنيا غريبا على أحد أطراف النزاع إن لم يكن غريبا عليهما معا فضلا عن عدم ملائمته للتجارة الدولية.
و الملاحظ هو أن معضلة تضخم وتراكم القضايا ليست حكرا على الدول النامية. بل تعاني منه أيضا وبدرجات متفاوتة الدول المتقدمة بدورها مع فارق في نوعية وموضوع القضايا. هذه الأزمة عرفتها الولايات المتحدة الأمريكية في أول الأمر على مستوى الدول المتقدمة وما فتئ أن امتد الأمر إلى الدول الأخرى كفرنسا والمملكة.
وهكذا و لتلبية متطلبات الأعمال الحديثة، والتي لم تعد المحاكم قادرة على التصدي لها بشكل منفرد. و مع التطور المستمر في التجارة والخدمات، وما نتج عن ذلك من تعقيد في المعاملات، وحاجة إلى السرعة والفعالية في بث الخلافات، وتخصصية من قبل من ينظر بهذه الخلافات أو يسهم في حـلها، نشأت الحاجة لوجود آليات قانونية يمكن للأطراف من خلالها حل خلافاتهم بشكل سريع وعادل وفـعّال، مع منحهم مرونة وحرية لا تتوفر عادة في المحاكم.
بل أكثر من ذلك فبالنسبة للاكتضاض وكثرة الدعاوى التي تحال على القضاء، فقد أثبتت تجارب البلدان التي أخذت بهذا النظام بأن تنظيم الوسائل البديلة من طرف الدولة ثم الأخذ بها من طرف الأطراف ساهم بشكل مباشر في تخفيف العبء على المحاكم.
و عليه فبدلا من الاستمرار في التذمر والتشكي من آلية التقاضي الرسمية فقد بات من الأجدى للأطراف أن يفضلون حل منازعاتهم وخلافاته التجارية والمالية عبر الوساطة أو التوفيق أو التحكيم! خاصة وأن الوسائل البديلة قد أصبحت بديلا مثاليًا عن القضاء الرسمي ، يتم من خلالها تسوية المنازعات ، وخاصة إذا كانت هذه المنازعات قد وقعت نتيجة المعاملات التجارية والمالية أو ذات طابع دولي ، وقد حظيت الوسائل البديلة بقدر كبير من الاهتمام من قبل المشتغلين بالقانون وقطاعات المال والأعمال في جميع أنحاء العالم .
ولعل السبب في ذلك يعود بلا شك لأهمية وجود هذه الوسائل لحسم منازعات قطاعات المال والأعمال، و بالضبط لما لها من مزايا كثيرة تتّفوق بها على نظام القضاء الرسمي (قضاء الدولة).

II الاهداف العامة المتوخاة

وهي التي تكمن حسب ما تراه و ما تخطط له الدولة من سياسة من خلالها تحمي مصلحة عامة قائمة نوردها فيما يلي:

تطبيقا و تاكيدا على النهج التصالحي العام الذي تتبناه الدولة 
اقتناعا من الجميع بأهمية الحلول البديلة لتسوية النزاعات وضرورة اعتمادها في المغرب لدورها في إشاعة ثقافة جديدة. خاصة في ظل وجود أرضية قانونية، وتراث عريق من التقاليد والعادات المغربية المتعلقة بالصلح والتوفيق و الوساطة ، وثقافة التسامح والحوار، والتي يمكن اعتمادها وتفعيلها لبعث هذه الآليات بعد تطويرها وإغنائها.
فان هذا النهج التصالحي لم يقتصر على المجال القضائى بل تعداه يمتد ويشمل حتى المجال السياسي وما مؤسسة (هيئة الإنصاف والمصالحة) ذات البعد التصالحي بامتياز إلا خير دليل على تبني الدولة المغربية لذلك النهج التصالحي في جميع الميادين والمجالات بحيث يتم الاستعاضة بالصلح و الوساطة كبديل لحل النزاعات بين الدولة والمواطن.
وكذا فان الأخذ بالصلح و الوساطة و التحكيم ليس موقفا أو إجراء معزولا بل هو و بكل تأكيد هو نهج مرسوم وسياسة متبناة و ثقافة راسخة بحيث لا تقتصر على المجال التجاري ولا تكتفي بالنطاق السياسي بل بين الميدانين تم إقرار الصلح في قانون المسطرة الجنائية الجديدة بشأن جرائم معينة، وثم التركيز على مساطر الصلح في مدونة الأسرة، هذا فضلا عما تضمنته مدونة الشغل وبعض النصوص الخاصة من مقتضيات تتعلق بالتحكيم والصلح وفي خضم هذا السياق وقع المغرب في سنة 2004 برتوكول للتعاون مع المنظمة العالمية البحث عن أرضية مشتركة يتعلق بإدخال الوسائل البديلة لحل المنازعات إلى النظام القضائي المغربي. وما الأخذ بالحلول البديلة لتسوية النزاعات وسن القانون رقم 05- 08 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية إلا احد مظاهر وتطبيقات النهج التصالحي الذي تتبناه الدولة .

مواكبة لسياسة الإصلاح القضائي
و مواكبة لسياسة الإصلاح القضائي التي تبناها المغرب فان الأخذ بالطرق البديلة لحل المنازعات؛ أصبح موضوعا يحتل مكانته وبقوة ضمن خطط وبرامج إصلاح العدالة. بل وأصبح يشكل لبنة أساسية في بناء صرح الأنظمة القضائية الحديثة ليس فقط في المغرب بل و في مختلف أرجاء المعمور. وهذا ما يعطي لموضوع الطرق البديلة لحل المنازعات البعد الدولي والعالمي.
وعليه و بالنسبة للمغرب فان الأخذ بالطرق البديلة لحل المنازعات جاء للتأكيد على إرادته القوية للنهوض بقطاع العدل ومواكبة التطورات التي يعيشها العالم المعاصر؛ وعزمه على مواصلة الجهود من أجل تطويره وتفعليه قصد الرفع من مصداقيته وسمعته وتحسين أدائه حتى يرقى إلى مصاف الأجهزة القضائية المتطورة.
ولتحقيق الإصلاح القضائي المنشود، أصبح من الضروري البحث عن كل الوسائل والطرق الكفيلة لترسيخ سيادة القانون والشفافية والنزاهة والإنصاف والسرعة في الإنجاز على مستوى إصدار الأحكام وتنفيذها، مما أصبح معه النظام القضائي المغربي مطالبا بتطوير موارده البشرية وأجهزته ومساطره ليستجيب لمتطلبات العدل ومتطلبات عولمة الاقتصاد وتنافسيته.
في هذا السياق فتحت عدة أوراش من أجل تحديث القضاء المغربي، يستنتج تحليل أهدافها وغايتها أن هناك مشاكل وصعوبات تحد من دوره ورسالته؛ فظاهرة البطء الذي يعرفه سير القضايا، وتعقيد المساطر، والتعسف في استعمال الضمانات وحقوق الدفاع، والتقاضي بسوء نية، وتعدد أوجه الطعن، وارتفاع التكلفة... كلها عوامل ومبررات لم تزدد معه فكرة إدخال أو اعتماد وسائل بديلة لحل المنازعات سوى ترسيخا، وأصبح اللجوء إلى هذه الوسائل البديلة مطلبا ملحا لما تتميز به من مرونة وما تحققه من فعالية.
وموازاة مع المجهودات المبذولة لتحديث القضاء على الصعيد الوطني - لا سيما من خلال تحديث الإدارة القضائية والتعميم التدريجي للمعلوميات وإحداث المحاكم المتخصصة وتوجيه عناية خاصة بالتكوين وإعادة التكوين - فقد تم اعتماد مقاربة جديدة للتعاون الدولي تجعل هذا التعاون في خدمة تحديث القضاء تضمن انفتاح قضائنا على العالم دون أن تمس باستقلاليته.
وفي هذا الصدد وقع المغرب سنة 1998 اتفاقيات تعاون مع فرنسا وإسبانيا من أجل تحديث القضاء؛ وتحقيقا لنفس الغاية انخرط في عدة برامج ومشاريع أخص بالذكر منها:
1. مشروع MEDA لتحديث 44 محكمة؛
2. البنك الدولي: تحديث المحاكم التجارية والسجل التجاري المحلي وتأهيل المعهد الوطني للدراسات القضائية، ووضع نظام معلوماتي لفائدة الوزارة، وتحضير إطار قانوني بديل للمنازعات التجارية؛
3. USAID الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية: برنامج تحديث المحاكم التجارية بسوس ماسة، وبرنامج لفائدة الإدارة المركزية؛
4. COPEP اللجنة الدائمة للدراسات والتخطيط: تكوين قضائي يعني عدة مجالات ومديريات؛
5. اتفاقيات التعاون مع منظمات دولية: PNUD حول تحديث القضاء، IFES حول تكوين قضاة المحاكم التجارية والإدارية، RPI حول الإصلاح الجنائي الدولي.

اللجوء إلى الآليات البديلة لتسوية النزاعات من شأنه دعم انفتاح المغرب و تحسين مناخ الأعمال.
* دعم انفتاح المغرب على الاقتصاد الحر
أصبحت الحاجة إلى اعتماد الوسائل البديلة لتسوية المنازعات، بالنظر لما تتصف به من مميزات تمكنها من تجاوز مساوئ القضاء العادي وذلك انسجاما وتماشيا مع انفتاح المغرب على الاقتصاد الحر داخليا و دوليا بالإضافة إلى كونه يتم موازاة مع ما ينهجه المغرب من سياسة الاندماج في النسيج الاقتصادي العالمي و إتباع نموذج النيوليبرالية بحيث لم تعد هناك دولة في منأى عن تحكم السوق في اقتصادها الوطني وهو ما يستوجب رفع الحدود الجمركية وإتمام خوصصة المؤسسات العمومية.
* المساهمة في تحسين مناخ الأعمال وتعزيز جاذبيته.
في عصر العولمة المفرطة، المقرونة بوجوب تلبية متطلبات الأعمال ، و بالأخص تشجيعا لجلب الاستثمار وتحريك الادخار، ومواكبة لتيارات التبادل التجاري، تكثف اللجوء للوسائل البديلة لحل النزاعات بالمغرب وهو التوجه الذي واكبه إبرام العديد من المعاهدات الدولية ذات البعد الثنائي والجهوي والعالمي المنظمة لإجراءات استعمال الآليات البديلة في حل النزاعات.
فالطرق البديلة وسيلة لتشجيع وحماية الاستثمارات ، فهو يؤكد في نظر المستثمرين الأجانب الحياد اللازم ويوفر الضمانات الضرورية لحماية استثماراتهم ، وذلك على خلاف الوضع بالنسبة للقضاء ، ذلك أن العقود الاستثمارية الدولية غالبًا ما تربط دولة معينة بمستثمر أجنبي لا يثق عادة في قضاء الدولة المتعاقدة أو في قوانينها ، حيث يسهل أن يتأثر القاضي بالدوافع الوطنية التي تخالف مصالح المستثمر ، كما أن القوانين في الدول النامية سهلة التعديل والإلغاء وتتسم بعدم الاستقرار .
فنظرا للتحولات التي يشهدها المغرب وتنوع علاقاته التجارية الإقليمية والدولية، ومواكبة منه للتطورات القانونية والاقتصادية وأنماط التجارة العالمية وتعدد الشركاء، فقد بات لزاما عليه الاندماج في المنظومة القانونية العالمية من اجل الحصول على حصص متميزة في السوق العالمية، ليس على مستوى الاستثمار فحسب، بل وحتى على مستوى حصته في السوق من قضايا التحكيم في المنازعات، غير أن هذه الحصة لا يمكن للمغرب الحصول عليها إلا إذا كان لديه محكمين أكفاء ومتمرسين في قضايا التجارة الدولية والتحولات القانونية التي تشهدها يوما عن يوم.

III الاهداف الخاصة و هي التي تتجلى في المزايا و الايجابيات التي تتصف بها الوسائل البديلة:

من مزايا تسوية المنازعات بالطرق البديلة و التي يتفوق فيها على القضاء هناك:

⇐الطرق البديلة لتسوية المنازعات تتميز بسرعة التصدي للمنازعات ووضع حد لها في وقت ملائم للأطراف وظروف عملهم ، وذلك بخلاف القضاء الرسمي (قضاء الدولة)، والذي يرتبط بذلك الكم الهائل من القضايا المعروضة أمامه ، فالأطراف بالتجائهم إلى التحكيم يتفادون بطء إجراءات القضاء العادي ، وما يترتب عليه من انتظار لموعد نظر قضيتهم ، ثم ما تتعرض له القضية أمام قضاء الدولة من تأجيل متكرر ، ناهيك عن تعدد درجات التقاضي مما قد يؤثر على مصالحهم وهكذا فان اختصار الوقت بالنسبة للطرق البديلة لتسوية المنازعات يتجلى في كون أطول مدة قد تستمر هي من شهر إلى ستة أشهر ، بينما الدعوى أمام القضاء تبقى سنوات طويلة.
فعامل الوقت من العوامل المهمة في المنازعات ، و بالنسبة لإجراءات التقاضي فإنها تأخذ وقت وبالتالي يكون من الأفضل إتباع الطرق البديلة لتسوية المنازعات التي تعتبر إجراءاتها أسرع بشكل ملحوظ مقارنة بالتقاضي; ذلك لأنها لا تعنى بالجوانب القانونية للنزاع وإنما مباشرة بأسباب النزاع.
فزيادة على الاهتمام بجميع أوجه نشاط المقاولة فان الانتظارات وتتبع تلك الصعوبات الناتجة عن النزاعات القائمة تؤدي إلى استنزاف جهود المقاولة،عوض التركيز على رفع التنافسية والمر دودية وخلق فرص جديدة للشغل.فهذه من ضمن الأسباب التى تجعل من هذه الوسائل البديلة هي الأنسب في حل وتسوية منازعات العقود التجارية والمالية بهدف تنفيذها واسترداد الديون التي قد ترتب عنها.

⇐السرية هي أيضًا إحدى الضمانات الهامة التي يقدمها نظام الطرق البديلة لمن يلجأ إليها من المتنازعين ، فالسرية مطلب ضروري ، عند حل المنازعات التجارية والمالية والصناعية ، وذلك بعكس نظام القضاء الرسمي) قضاء الدولة ( ، فإذا كانت العلانية من الأسس الجوهرية التي يتميز بها قضاء الدولة ، فإن السرية هي من أهم المزايا التي تقدمها الطرق البديلة وهو ما يتفق مع احتياجات المعاملات التجارية. وبالتالي فإن الالتجاء إلى الطرق البديلة يكون أضمن وأفضل لتفادي أي كشف للأسرار.

⇐ الخصوصيـة : تنشأ المنازعات عادة بين شركات كبيرة وهذه الشركات في معظم الأوقات ترتبط مع بعضها البعض بعلاقات مستمرة وان أهمية استمرارية هذه العلاقات بين الأطراف تكون محور هام، لذلك فان هناك حرص شديد للوصول إلى تسويات ودية في حالة النزاعات وذلك للمحافظة على استمرارية العلاقة بين أطراف النزاع.
فالطرق البديلة تحافظ على العلاقات بين الخصوم مستقبلا ، وهو أمر يميزه عن القضاء الرسمي ويجعله متفوقًا عليه ، وخاصة في منازعات التجارة وقطاعات الأعمال التي يحرص أفرادها على استمرار علاقاتهم التجارية وتعاملاتهم المستقبلية.
فالجو الودي يحافظ على علاقة التعاون بين الأطراف بحيث هناك احتمال عودة الطرفين لاستئناف العمل بصورة ودية،. وعليه فان قوة الطرق البديلة تكمن في قدرتها على إعادة توجيه الأطراف تجاه بعضهم البعض، ليس من خلال فرض أحكام عليهم، ولكن بمساعدتهم على إنجاز تصور جديد وتشاركي لعلاقتهم، تصور يعيد توجيه مواقفهم تجاه بعضهم البعض ومن هذا المنطلق، فإن الصفة الرئيسية للطرق البديلة ، ليست هي "اقتراح أحكام على الأطراف وضمان موافقتها عليها، بل خلق ثقة وفهم متبادلين يمكنان الأطراف أنفسها من تفهم أحكامها الخاصة من خلال إشراك الأطراف في إيجاد الحلول لمنازعاتهم.
وهكذا فان من اهم ايجابيات ومزايا هذا النظام هو ضمانه و تكفله بمحافظة طرفي النزاع على خصوصية النزاع القائم بينهما و صونه وذلك بغية خلق روابط جيدة بين الأشخاص أو المؤسسات.

⇐إن إتًباع الطرق البديلة في حل المنازعات يكون أقل تكلفة خاصة في الدول التي تتقاضى رسوم عالية في التقاضي أو التي تكون فيها أتعاب المحامين باهظة 'خصوصاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار مدى تعقيد الإجراءات وطولها وبطئها .
فإذا كانت الدعوى مرهقة وثقيلة في النفقات والمصاريف فإن الطرق البديلة كوسيلة لحسم المنازعات تبدو أخف من حيث اجرائاتها ومساطرها فضلا عن كلفتها المتواضعة نسبيا.

⇐تنفيـذ اتفاقيـة التسويـة رضائيـا: طالما ان اتفاقية التسوية في الوساطة من صنع أطراف النزاع فإن تنفيذها على الأغلب يتم برضائهم وهذا بعكس حكم القضاء الذي قد يضطر الي تنفيـذه جبـرا.

⇐ الطرق البديلة لحل النزاعات - الملائمة و المناسبة و الخاصة و المتخصصة -
مع تشعب العلاقات التجارية والاقتصادية واختلاف مصالحها وأهدافها، ظهرت العديد من المشكلات نتيجة لهذه العلاقات، فكان لابد من استحداث أساليب جديدة لفض هذه المشكلات، بما يتناسب مع هذا التطور السريع وبما يحقق العدالة التي يتطلبها هذا النوع من المعاملات، ومع عدم مسايرة القوانين الموضوعية والإجراءات القضائية الوطنية عن مواكبة هذا التطور السريع، بالإضافة إلى عدم تفهم قضائها للأعراف والعادات التجارية والدولية التي أصبحت تحكم هذه العلاقات فقد دفع ذلك إلى تبني ما يسمى بنظام الوسائل البديلة لحل النزاعات كأسلوب من أساليب فض المنازعات بالطرق السلمية بعيدا عن القضاء العادي.
وهكذا فبالنظر إلى أن المنزاعات تكون عادة معقدة وتحتوي على مستوى عالٍ من مفاهيم التكنولوجيا المتطورة مما يجعلها معقدة بحيث تحتاج في مثل هذه الحالات تدخل لخبراء متخصصين في مجال المنازعة ذاتها يكون بإمكانهم حل المنازعات وتسويتها خصوصاً أن هذه الخبرات ليست متوفرة دائماً لدى أجهزة القضاء الوطني.
فبسبب الحاجة إلى التخصص في بث الخلافات، من قبل من ينظر بهذه الخلافات أو من يساهم في حـلها، نشأت الحاجة لوجود آليات قانونية يمكن للأطراف من خلالها حل خلافاتهم بشكل عادل وفـعّال، مع منحهم مرونة وحرية لا تتوفر عادة في المحاكم.
و هكذا فإذا ما أحلنا على مسطرة التحكيم فان من ابرز خصا ئصه هناك اختيار الأطراف للمحكمين بحيث أن التحكيم يتيح للخصوم فرصة اختيار قضاتهم بأنفسهم) المحكمين(، ممن يمتلكون الخبرة في موضوع النزاع ومن أصحاب التكوين المهني الكافي لتسوية هذا النوع من المنازعات حيث يكون المحكم متخصصًا في المجال الذي يطلب منه الفصل فيه . ثم أن القاضي في محاكم الدولة ، قد يكون فقيها بارعًا ، ولكن قليل الخبرة بشؤون التجارة والمال ، فيتعذر عليه الفصل في المنازعات المتعلقة بها ، إلا بالاستعانة بخبير يرشده ويكشف له ما استصعب عليه من جوانب النزاع ، فإذا اقتضى الأمر تعيين خبير وإضاعة الوقت في انتظار تقريره وتحمل ما ينجم عن ذلك من نفقات ، أفلا يكون من الخير أن يلجأ الخصوم إلى الخبير مباشرة وإقامته محكمًا للفصل في النزاع في وقت أقصر وبنفقات أقل.
و عليه فبالنسبة للمعاملات التجارية والمالية سواء المحلية منها والدولية ، وفي سبيل حل ما قد ترتبه تعاقداتها واتفاقاتها من خلافات ، فإنها تستلزم هي الأخرى سبلا وطرقا ذات طابع خاص لفض تلك المنازعات ، نظرًا لأن تلك المعاملات والتعاقدات هي نفسها ذات طابع خاص.
وبالتالي فان الطرق البديلة لحل النزاعات هي الأكثر ملائمة لفض المنازعات ذات الطابع الدولي الناشئة عن العلاقات الخاصة الدولية، خصوصًا مع نمو هذه العلاقات وزيادة المعاملات التجارية بين أطرف من جنسيات مختلفة وشركات دولية با لإضافة إلى تزايد عقود الاستثمار الدولية المعقدة مما يجعل المنزاعات غالباً ما تتعدى الحدود الوطنية بل تتميز بالطابع الدولي وينشأ هنا اختلاف بين الطابع الوطني للمقاضاة أمام المحاكم الوطنية والنطاق الدولي للنزاع المرفوع إلى القضاء. وبالتالي يظهر هنا دور الطرق البديلة في حل هذه الخلافات وإيجاد السبل والطرق الأسهل والأفضل التي يتفق عليها الأطراف لحل النزاع. وذلك يعكس صفة المرونة في الطرق البديلة لحل النزاعات ، حيث بالإضافة إلى مرونة الوساطة يقدم التحكيم قضاء محايدًا لا ينتمي إلى جنسية معينة مما يبعث الثقة في أحكامه والإقبال عليه.
كما أن الوسائل البديلة ، قد أصبحت من الوسائل الملائمة للفصل في مجموعة هامة من المنازعات، فبالإضافة إلى منازعات التجارة الدولية هناك كذلك القضايا المرتبطة بحماية المستهلك ، كما أن هناك عدة ميادين أخرى يقتضي البث فيها نوع من التخصص وكثير من الخصوصية مما يستوجب معه توافر شرط الملائمة في كيفية البث فيما يترتب عنها من منازعات كما هو الشأن بالنسبة للمنازعات الناشئة في بيئة الإنترنت، والتجارة الإلكترونية، والملكية الفكرية في العصر الرقمي وغيرها من المنازعات ، حتى أصبح يطلق على هذه الوسائل بالنظر لطابعها العملي و الملائم ب " الطرق المناسبة لفض المنازعات".

⇐من حيث القانون الواجب التطبيق
تعتبر النصوص القانونية الدستورية الأداة الرئيسية التي تعتمد عليها مختلف دول العالم في تصريف قضاياها سواء في علاقتها مع المؤسسات أو الأفراد والجماعات ، ومن هذا المنطلق ثم تضمين دساتيرها بمجموعة من النصوص القانونية التي تهدف في مجموعها صون الحقوق والحريات في أفق استكمال ورش البناء الديمقراطي لدولة الحق والقانون ، وبالتالي فمجمل المنازعات التي يمكنها أن تقع ثم التنصيص عليها في أبواب قانونية تتضمن مجموعة العقوبات الزجرية التي من شأنها تصحيح المسار وإرجاع الأمور إلى نصابها، إلا أن معظم الدول إن لم نقل كلها لم تقف عند العقوبات القضائية في حل نزاعاتها مع الأطراف الأخرى ، بل نجد بأنها قد سعت كذلك إلى تطبيق آليات بديلة في حل مثل هذه النزاعات.
وهكذا فإذا كان القضاة في المحاكم العادية مكبلون بالقانون ،بحيث يلتزمون بمراعاة نصوصه فإذا جاءت أحكامهم على خلاف النص أو منافية لروحه فهي أحكام معيبة ، واجبة النقض ، ولو كانت تتناسب ظروف الدعوى ،إلا انه في المقابل وفيما يعود إلى الوسائل البديلة فان المحكم يتمتع بحرية أكثر، فلا يتقيد إلا بالضمانات الأساسية للتقاضي وبالقواعد الآمرة. بحيث تتسم إجراءات التحكيم ومثله نظام الوساطة بالمرونة لعدم وجود إجراءات وقواعد مرسومة محددة وذلك لسيطرة الأطراف على الإجراءات وعلى اختيارها وعدم الالتزام بقانون معين.
وعليه، فان مظاهر التحرر تمتد لتشمل كثير من النواحي وتلغي كافة القيود، كالتحرر من قانون الدولة ومن القانون الإجرائي للدولة والتحرر من قانون العقد وقانون دولة المقر، فالتحكيم التجاري كتلة من الحرية وان قيدت بمجموعة من المبادئ التي تقتضيها العدالة والإنصاف.
فقصور النصوص التشريعية عن الاستجابة للحاجيات والمتطلبات بسبب التغيير الذي عرفته الأوضاع الاقتصادية و هو ما فرضته سياسة العولمة والانفتاح الاقتصادي على العالم الخارجي، وهو ما خلق نوعا من التذمر في نفوس المتقاضين بحيث ظهرت العديد من المشكلات نتيجة لهذه العلاقات، فكان لابد من استحداث أساليب جديدة لفض هذه المشكلات، بما يتناسب مع هذا التطور السريع وبما يحقق العدالة التي يتطلبها هذا النوع من المعاملات، ومع عدم مسايرة القوانين الوطنية عن مواكبة هذا التطور السريع، بالإضافة إلى عدم تفهم قضائها للأعراف والعادات التجارية والدولية التي أصبحت تحكم هذه العلاقات فقد أدى ذلك إلى ظهور ما يسمى بنظام الوسائل البديلة لحل النزاعات كأسلوب من أساليب فض المنازعات بالطرق السلمية بعيدا عن القضاء العادي.
إن تطوير الوسائل البديلة لتسوية النزاعات هو أكثر من تطوير فــي الأسلوب، إنه يظهر في الواقع الحاجة إلى تغيير عميق في النظام القضائي المعاصر ينقلنا هذا التغيير من القانون المفروض إلى القانون القابل للمفاوضة، وهذا يعتبر نهاية للدولة صاحبة النفوذ القوي التي تكون فيها القوانين والأنظمة الوسائل الوحيدة والمفضلة لتسوية النزاعات فنحن أصبحنا نعيش في عالم يعطي أهمية كبرى للعقد.
وهذه إشارة بأن القانون موجود خارج الدولة وبهذه الطريقة نكون قد انتقلنا من عدالة صارمة إلى عدالة أكثر ليونة، وذلك عن طريق تفعيل تطبيق أساليب الحلول البديلة.

سادسا: بعض العيوب الخاصة بنظام الوسائل البديلة لحل المنازعات

نذكر من ضمن هذه العيوب كون إجراءاتها خاصة فيما يعود إلى بعض هذه الوسائل لا تنتهي بقرار ملزم بالإضافة إلى أن تلك الإجراءات في حالة ما إذا توجت بالفشل فان هذا يستوجب العودة إلى نقطة البداية و هو ما يعتبر خسارة للوقت توازي خسارة مالية في عالم الاقتصاد و الاعمال.
إلا انه بالإضافة الى هذه الملاحظات الجزئية هناك بعض الملاحظات الشمولية أو الكلية التي تستهد ف نظام الوسائل البديلة برمته وهي التي جعلت من نظام الوسائل البديلة لحل المنازعات يلقى هجوما عنيفا بحيث يرى البعض أن الوسائل البديلة وإن كانت أسبق في الظهور من القضاء، فإن مرد ذلك يكمن بالأساس في تأخر ظهور الدولة بسلطاتها الثلاث، فالقضاء هو سلطة من سلطات الدولة من خلاله تتحقق وظيفة إقامة العدالة، وهي وظيفة لا يصح أن يترك أمرها للأفراد، وإلا سادت الفوضى وضاعت حقوق الضعفاء و عليه فنظام الوسائل البديلة إذا كان ضروريا فهو شر لا بد منه لذلك يجب أن يظل له طابع الاستثناء، و ما يجب الانتباه إليه بخصوص المأخذ على نظام الوسائل البديلة هو أن كل القواعد والأحكام التي يكرسها نظام الوسائل البديلة هي من صنع الدول المتقدمة، بحيث أنها هي التي ساهمت و و لا زالت تساهم في تكوين مقتضياتها من خلال الشركات المتعددة الجنسيات بالأخص ، ولا يحكمها في ذلك أي ضابط سوى تحقيق مصالحها دون اعتداد بمصالح الدول النامية.
فنظام الوسائل البديلة هو آلية من آليات النظام العالمي الجديد يستخدمها لضمان ريادة وزعامة دول الشمال المتقدم و بقاء انحطاط وتبعية الجنوب المتخلف، فالمقصود بهذا النظام هو منع القضاء الوطني من النظر في المنازعات بحيث يبقى بمثابة ” طوق النجاة” الذي يمكن الشركات العالمية من بسط سيطرتها ونفوذها وتحصين نفسها ومصالحها ضد نزعات وميولات القاضي الوطني و كذا تشدد القوانين في دول العالم الثالث.
أضف إلى ذلك يرى هذا الاتجاه أن فكرة إيجاد عدالة التهدئة والتسكين التي تحبذ الحوار بناء على الوساطة والتحكيم ليست فكرة مقبولة دائما، و تعطي الانطباع بأن الوسائل البديلة لتسوية النزاعات تساهم في خلق نوعين من العدالة : وهما العدالة المنتقصة والعدالة التقليدية.
إلا أن هذا الرأي على صوابه لا يخلو من المبالغة حسب رؤيتنا ، فالنظرة الموضوعية تكشف عن أن بطء إجراءات التقاضي وتعدد درجاته وارتفاع تكاليفه سواء في الدول المتقدمة أو الأقل تقدما هو بالأساس الذي يجعل الوسائل البديلة أكثر ملائمة.

سابعا: اللجوء إلى الوسائل البديلة مسالة ثقافية مربوطة ومعلقة على التوعية و التحسيس

بسبب جهل المتعاملين الاقتصاديين بالوسائل البديلة لفض النزاعات فانه قلما يتم اللجوء إليها أو تفضيلها على القضاء و بناء على هذا المعطى فلقد أصبحت هناك ضرورة للعمل على إشاعة ثقافة اللجوء إلى الوسائل البديلة لفض النزاعات والتي من بينها التحكيم والوساطة، وإضفاء المصداقية عليها وهذا ما يدفعنا إلى القول بان التحكيم ليس نصا قانونيا ولا هو بعقد وليس شرطا فقط وإنما هو ثقافة تقتضي بان يتم حث الأطراف مدنية أو تجارية وحتى إدارية على البحث عن حلول متفاوض بشأنها في أسرع وقت وبكامل الضمانات وبأقل التكاليف مع مواصلة استمرارية حفظ العلاقة المستقبلية بين الأطراف المتنازعة.
ولذلك فإن التحسيس بأهمية الوسائل البديلة لحل المنازعات سيمكن الأفراد والمقاولات من الأخذ بهذه الطرق بصفتها طرق ملائمة لحل عدد كبير من النزاعات وللتحسيس بأهمية هذه الوسائل البديلة من طرف الدولة ومؤسساتها باعتبار هذه الوسائل أصبحت جزءا ومعيارا من معايير جلب الاستثمارات وعنصرا أساسيا في تعزيز و تحسين الاستثمار ببلادنا.
فمن الطبيعي أن تعمل الدول جاهدة لإيجاد إطار ملائم يضمن لهذه الوسائل تطبيقها والاهم الرغبة في اللجوء إليها لتكون بذلك أداة فاعلة لتحقيق وتثبيت العدالة وصيانة الحقوق.
فنجاح الوسائل البديلة لحل المنازعات، رغم كل ما قيل في حقها ونظرا لحداثة التعامل بها ومعها، يبقى في الغالب الأعم رهينا بمدى الاستعداد الذي يمكن أن تبديه الأطراف المتنازعة في التفاوض والتصالح، وتسوية النزاع، وتنفيذ المقررات المتوصل إليها ومدى استيعابها لجدوى هذه العدالة اللينة، السريعة والفعالة والتي لا تتطلب شكليات مفرطة في الحصول على رضي الأطراف، وإنما المهم هو أن يكون هناك اتفاق على اللجوء لهذه الوسائل من طرف المتنازعين.
كما أن رهان تطبيق هذه الطرق ونجاح التجربة رهين بتوعية الفاعلين في الحقل القضائي والقانوني ، والمجتمع المدني والمشاركة الإيجابية للإعلام، وتوافق صيغتها مع التقاليد المحلية الخاصة، ومدى تفهم الجهة التشريعية لهذه الثورة القضائية الإيجابية والناجعة، التي تهدف للبحث عن مصالح الأطراف في أسرع وقت وبأقل تكلفة محافظة على الأسرار بذلك نرى أن ركوب قاطرة الوسائل البديلة لحل المنازعات، أصبح مطلبا، إنسانيا، اقتصاديا، واجتماعيا ملحا وممكنا، غايته تلافي تراكم الملفات بمحاكمنا إذا تكاتفت الجهود وتوافرت النوايا الحسنة والإرادات الخالصة .
وعليه فلما كان مشروع الوسائل البديلة لحل المنازعات يندرج في سياق تحديث وإصلاح مؤسسة القضاء بشكل عام، فإن المسؤولية تبقى مشتركة في تفعيله على أرض الواقع عبر ضمان إشراك حقيقي وفعال بالنسبة لكل الجهات خاصة منها:
- فعاليات المجتمع المدني: وذلك لمالها من دور فعال في هذا المجال، ،واعتمادا على المقتضيات الدستورية الجديدة المتضمنة في دستور المملكة لسنة 2011 ، التي أصبحت منظمات المجتمع المدني تتوفر من خلالها على مكنات جديدة في مجال تدبير المسلسل الاقتصادي والاجتماعي المغربي ، إذ أصبح بإمكانها تقديم عرائض ومذكرات مطلبية ، والتي وبالرغم من قوتها الاقتراحية إلا أنها ستساهم لا محالة في تنوير الطريق أمام مدبري الشأن العام الرسميين في مجال حل النزاعات؛
- الأحزاب السياسية المغربية : وذلك من خلال قيامها بمهامها التأطيرية من اجل فهم حقيقي لماهية الآليات البديلة لحل النزاعات بالمغرب؛
-النقابات المهنية : عبر القيام بتكوينات مباشرة وغير مباشرة للعمال والمهنيين فيما يتعلق بأهداف ونتائج آليات تصريف النزاعات بطريقة سلمية؛
- الإعلام السمعي البصري : عبر تجنيد الطاقات المادية والبشرية من اجل التعريف بالوسائل البديلة لحل المنازعات وتحسيس المواطنين بأهمية ومزايا هذه الوسائل وإشهار ذلك بواسطة الجرائد وجميع وسائل الإشهار السمعية والبصرية وذلك من خلال تقديم برامج إذاعية تلفزية.
- المدارس والجامعات : عبر إعداد مناهج تربوية وتثقيفية بالإضافة إلى وجوب تخصيص برامج تعليمية وعلمية علي جميع المستويات، لإعطاء مفهوم واضح للوسائل البديلة لحل النزاع ومزاياها والغاية منها.
- عقد ندوات وأيام دراسية للتعريف بهذه الوسائل ومناقشة إجراءاتها وإيجابياتها وأهمية الدور الذي تقوم به في حل النزاعات والأثر المترتب عنه، تشارك في هذه الندوات والأيام الدراسية جميع الفعاليات القانونية والحقوقية والاقتصادية.

---------------------------
المصدر: 
ذ.نجيب نعومي تخصص قانون أعمال (مادة الوساطة والتحكيم) جامعة محمد الخامس – أكدال – كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية –الرباط 

إرسال تعليق

0 تعليقات