Header ADS

اخر الأخبار

المسطرة التشريعية في ظل الثنائية المجلسية

 رسالة بعنوان: المسطرة التشريعية في ظل الثنائية المجلسية PDF

المسطرة التشريعية في ظل الثنائية المجلسية PDF

مقدمة:
ينص الدستور المغربي في كل الصيغ التي عرفها على أن السيادة للأمة تمارسها مباشرة عن طريق الاستفتاء، وبصفة غير مباشرة عن طريق المؤسسات لذلك فقد أسندت هذه الدستورية، وأن القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، الصلاحية مبدئيا إلى البرلمان لكونه مؤسسة دستورية يتكون من ممثلي الأمة ، كما ينص الدستور على أن القانون يصدرعن البرمان بالتصويت، إلا أن عملية صدور القانون هاته التي نص عليها الدستور لا تنحصر شكلا في التصويت فقط بل تخضع لمراحل معينة ومحددة والتي تشكل المسطرة التشريعية للبرلمان بصفة عامة.
وفي هذا السياق فإن الفقه القانوني والاجتهاد القضائي ساهما في إبراز مراحل وإجراءات العملية التشريعية، وقد برز هذا بشكل كبير في ظل تطور القانون الروماني والشريعة الإسلامية، بل إن البعض يرى أن المسطرة التشريعية التي تتوج في نهايتها بصدور التشريع هي تعبيرعن النضج القانوني والسياسي للمجتمع. فإذا أردت أن تعرف نظاما بلغ غايته في تحقيق رغبات مواطنيه وعبرعن المشاركة السياسية، والديمقراطية وحكم القانون، فلا بد أن تبدأ بالتحقق من سلامة المسطرة التشريعية، (leges) على senatus) وهذا ما أدركه تطور القانون الروماني لأن الرومان كانوا يطلقون كلمة القوانين التي تصدرها المجالس الشعبية تمييزا لها عن قرارات الشيوخ (iconsulita, بمعنى اخر، ارتبطت المسطرة التشريعية بأن تكون معبرة عن احتياجات الشعب وأهدافه .
في هذا الصدد، فإن المسطرة التشريعية تكتسي أهمية خاصة على اعتبار أنها تنظم كيفية إقرار البرلمان للنصوص التشريعية وتحدد شروط وإجراءات دراسة تلك  النصوص ومناقشتا وتبعا لهذه الأهمية، فإن الدستور إضافة إلى القوانين التنظيمية (organiques lois (Ies(، ولأنظمة الداخلية للبرلمان، وقرارات المجلس الدستوري، وكذا العرف والممارسة، نصوا على مجموعة من القواعد والضوابط الجوهرية التي تخضع لها النصوص التشريعية وهي إجراءات تعتبر ضرورية وأساسية لحسن سير مجرى المناقشات داخل المجالس البرلمانية، حيث أنه من خلال التنظيم الذي يطبعها تسهل عملية تشريع القوانين وإقرارها .
وتبعا لذلك، فإنه يتحتم على البرلمان عند سلوكه لهذه المسطرة أن يحترم جميع شكلياتها ومراحلها، حتى لا يتم الدفع ببطلان القوانين ومخالفتا للدستور، بعد إحالتها على المجلس الدستوري، والتقرير من حيث عدم احترامها للإجراءات الشكلية المنصوص عليها دستوريا، ومخالفتا تبعا لذلك لمضامين الوثيقة الدستورية.
وقد ميز الدستور بين مجموعة من أصناف القوانين : سواء العادية منها، أو التنظيمية والمالية، هذا فضلا عن القوانين المتعلقة بالمصادقة على المعاهدات، ويتميز كل صنف من هذه الأصناف بإجراءات خاصة لإقراره، لذلك يتم التمييز داخل المسطرة التشريعية بين نوعين من الإجراءات: المسطرة التشريعية العادية وتشكل موضوع البحث - وتهدف إلى إقرار القوانين العادية.
ثم المسطرة التشريعية الاستثنائية والتي تخص إقرار قوانين الميزانية والمخططات، القوانين التنظيمية، المراسيم بقوانين وكذا قوانين إقرار المعاهدات، وهي تتطلب إجراءات خاصة وتختلف بذلك عن المسطرة التشريعية العادية في بعض الإجراءات.
ذلك أن قوانين الميزانية ، تخضع لمسطرة تشريعية خاصة، لما تتطلبه دراستها من شروط وآجال للمصادقة، فمن الخصوصيات التي تميز دراسة القانون المالي هو أن المشرع الدستوري قد أسند الاختصاص إلى قانون تنظيمي من أجل تحديد شروط التصويت على قوانين المالية، كما أن تقديم القانون يتم في جلسة خاصة، هذا فضلا على أن المشرع الدستوري منح أجل 30 يوما لمجلس النواب ومثلها لمجلس المستشارين ليقوم كل مجلس بالدراسة والتصويت على مشروع قانون المالية، الذي يودع وجوبا بمكتب أحد مجلسي البرلمان قبل نهاية السنة المالية الجارية بسبعين يوما على أبعد تقدير، وبعد استنفاد المجلسين ستين يوما، تبقى عشرة أيام من سبعين يوما قبل نهاية السنة المالية الجارية على أبعد تقدير التي يتعين معها أن يودع مشروع قانون المالية بمكتب أحد مجلسي البرلمان، يحق فيها للحكومة في حالة عدم إقرار المشروع، أن تدعو إلى اجتماع لجنة ثنائية مختلطة من أعضاء المجلسين، وتحدد أجلا لا يتجاوز سبعة أيام للجنة الثنائية المذكورة لاقتراح نص بشان الأحكام التي ما زالت محل خلاف بين المجلسين، وأجلا لا يتجاوز ثلاثة أيام لمجلسي البرلمان لإقرار النص المقترح من اللجنة المختلطة، وإلا تم عرض مشروع قانون المالية على مجلس النواب للبت فيه خائيا بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف قوانين الميزانية المقصود بها : القانون المالي السنوي، القانون المالي التعديلي وقانون التصفية المادة 33 من القانون التنظيمى للمالية بالإضافة إلى ذلك هناك قوانين المخططات، والتي يقتصر دور البرلمان فيا على الموافقة على برامجه فقط دون المبادرة، إذ ليس بإمكان أعضاء البرلمان التقدم بمقترحات قوانين ترمي إلى تعديل تلك البرامج الموافق عليها .
أما بالنسبة للقوانين التنظيمية، فبالنظر إلى قيمتها ومكانتها في بناء النسق الدستوري على اعتبار أنها قوانين منبثقة عن الدستور ومكملة له، تخضع إلى تقييدات وإجراءات إضافية في مجال المسطرة التشريعية، حيث أن التداول والتصويت على القوانين التنظيمية لا يمكن دستوريا أن يتم إلا بعد مرور عشرة أيام على تاريخ إيداعها لدى أحد مجلسي البرلمان، كما أن المشرع الدستوري قد اشترط بالنسبة للقوانين التنظيمية الخاصة بمجلس المستشارين اتفاق المجلسين على إقرار صيغة موحدة لهذا القانون، وهو ما يعي الاستغناء عن تشكيل لجنة مختلطة وعن الإقرار النهائي للنص من قبل مجلس النواب، وعلاوة على ذلك يخضع هذا الصنف من القوانين إلى المراقبة الإلزامية التي يمارسها المجلس الدستوري بكيفية مباشرة بعد إحالة نص القانون التنظيمي عليه .
وبخصوص المراسيم بقوانين والتي تتخذ عن طريق الاتفاق مع اللجان البرلمانية الدائمة، فتخضع بدورها لإجراءات خاصة، حيث أن من خصوصياتها أنها تتخذ في الفترات الفاصلة بين الدورات، كما أن المشرع الدستوري قيد الحكومة بضرورة الاتفاق مع اللجان المعنية في مجلسي البرلمان، على أن يتم ذلك خلال ثلاثة أيام بالنسبة لكل مجلس، وفي حالة عدم التوصل إلى اتفاق فإن أحكام الفصل 55 من دستور 1996 أقرت تشكيل لجنة ثنائية مختلطة من أعضاء لجنتي المجلسين من أجل القيام بدراسة عناصر الخلاف داخل أجل ثلاثة أيام، وفي حالة عدم التوصل إلى اتفاق داخل هذا الأجل أو في حالة التوصل إلى اتفاق لم توافق عليه اللجان البرلمانية المعنية في
المجلسين، فيعتبر الاتفاق مرفوضا وغير حاصل.
ثم هناك القوانين التي يتم بواسطتا الموافقة على المعاهدات الملزمة لمالية تخضع دراسة هذه القوانين لنفس المسطرة التشريعية التي تخضع لها الدولة، حيث " باقي القوانين الأخرى باستثناء ممارسة حق التعديل، إذ أن الموافقة هي من حيث المبدأ، وتهم مختلف بنود المعاهدة باعتبارها كلا لا يتجزأ، ومن تم يستبعد اقتراح أية تعديلات عليها بالنظر إلى قيام أحكامها على أساس اتفاقي بين السلطات الوطنية وأطراف أخرى .

أهمية الموضوع:
يعتبر موضوع المسطرة التشريعية العادية في إطار نظام الثنائية المجلسية من الموضوعات التي لا زال الفقه العربي على العموم والمغربي على الخصوص لم يمنحها الاهتمام الكافي، بحيث لا توجد بحوث بشكل كافي تتطرق للإشكالات الحقيقية التي يطرحها هذا الموضوع.
وتبرز أهمية البحث في هذا الموضوع في محاولة معرفة الطريقة التي تتم من خلالها دراسة القوانين داخل البرلمان قبل دخولها حيز التطبيق.
إضافة إلى ذلك وانطلاقا من كون أن البرلمان يعتبر مؤسسة سياسية تمثيلية وتعمل على التعبير على سيادة الشعب وعلى الدفاع عن مصالج أفراده من خلال تشريع القوانين وسنها، فإن المنطق يدعو إلى تحديد مسطرة قيامه بتلك المهمة.
وقد جاء اختيار موضوع المسطرة التشريعية العادية في ظل الثنائية المجلسية، انطلاقا من الرغبة في التعمق في دراسة كل ما يتعلق بسير العمل التشريعي للمؤسسة البرلمانية، من خلال استحضار استفادتي من التجربة العملية التي راكمتا بفضل عملي بقسم اللجان بمجلس المستشارين، حيث تمكنت من متابعة عملية مخاض وولادة مختلف النصوص التشريعية، ومن ضبط مختلف المراحل التي تمر منها هذه الأخيرة بنوع من الدقة، كما كان له الأثرفي الوقوف على مجموعة من الإشكاليات التي سكت عنها الدستور والأنظمة الداخلية لمجلسي البرلمان، خاصة وأن مجموعة من المقتضيات المنصوص عليها في النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان والمتعلقة بالمسطرة التشريعية تتسم بالغموض تارة وتارة أخرى تكون فضفاضة وتحتمل تأويلات وتفسيرات متباينة ، كل هذا كان بمثابة الحافز الأساسي لمعالجة هذا الموضوع ومحاولة بلورته في بحث علمي موضوعي بعيدا عن كل تحيز أو انحياز.

إشكالة الموضوع:
إن وظيفة سن التشريع تعد اختصاصا خالصا وأصليا للبرلمان، لكن وفي سياق البرلمانية المعقلنة المستقاة من النموذج الفرنسي وعلى وجه التحديد الجمهورية الخامسة بمرجعيتا الدكولية، وانطلاقا من الممارسة البرلمانية المغربية، يبدو دور الحكومة جليا في التدخل في مختلف مراحل المسطرة التشريعية، وعليه تنبثق الإشكالية الرئيسية التي سأحاول معالجتها من خلال هذا البحث والمتمثلة في مدى تحكم البرلمان في المسطرة التشريعية العادية كوحدة متكاملة ؟
ومن خلال هذه الإشكالية الرئيسية يمكن أن نطرح إشكاليات فرعية لتحديد مدى أهمية تدخل البرلمان في كل مرحلة من مراحل المسطرة التشريعية ويتعلق الأمرب .
ما مدى فعالية المبادرة التشريعية لأعضاء البرلمان ؟
كيف يمكن تفسير سلطة الحكومة التقديرية في إيداع مشاريع القوانين لدى مجلس من المجلسين ؟
هل للبرلمان سلطة حقيقية على جدول أعماله ؟
ما هي مراحل إنتاج النصوص القانونية ؟
ما هي الطريقة التي تتم بها دراسة مشاريع ومقترحات القوانين وما هي الشرعية التي على أساسها تكتسب الحكومة مجموعة من الحقوق للتدخل في المسطرة التشريعية، كالدفع بعدم قبول كل مقترح قانون أو تعديل لا يدخل ضمن الاختصاصات التشريعية، أو اللجوء إلى الأسلوب المختصر في التصويت من خلال طلب البت عن طريق التصويت الواحد على مشروع نص أو مسطرة القراءة الواحدة إذا أعلنت الحكومة الاستعجال ؟
كيف هو تأثير الثنائية المجلسية على مسطرة التشريع ؟
ما هي الإشكاليات التي تثيرها اللجنة الثنائية المختلطة ولماذا لم يتم اللجوء إليها إلى اليوم ؟
ما هي أبعاد منح مجلس النواب صلاحية الإقرار النهائي؟
وما هي حدود استقلالية السلطة التشريعية للمجلس في حالة عدم إصدار القوانين الموافق عليها ؟
كلها أسئلة سأحاول الإجابة عنها بهدف معرفي والذي يهم الإلمام بالمؤسسة التشريعية بالمغرب، ومقاربة الموضوع فرضت علي الاعتماد على أكثر من منهج واحد، وذلك بالنظر إلى طبيعة الموضوع التقنية، التي اقتضت أن يكون المنهج القانوني هو المنهج الرئيس والمهيمن، على اعتبار أن المسطرة التشريعية للبرلمان تجد أساسها في المصادر القانونية المكتوبة، وخاصة الدستور والأنظمة الداخلية والقوانين التنظيمية علاوة على أحكام المجلس الدستوري، حيث عملت على دراسة نصوص تلك المصادر وتحليلها وفقا لما يتطلبه تحديد الموضوع وضبطه من الناحية القانونية.
ولاعتماد على المنهج الوظيفي كان ضروريا من أجل الإحاطة بمهام القنوات البرلمانية والحكومية التي تتحكم في المسطرة التشريعية وبالموازاة مع تلك المناهج كان لابد من استعمال المنهج المقارن، لكونه المنهج الذي سيمكنني من المقارنة مع الأنظمة القريبة من تلك الموجودة بالمغرب، من خلال استخلاص الاستنتاجات وأوجه التشابه والاختلاف وكذا الثغرات الموجودة بهذا القانون أو ذاك، كل ذلك حتى أتمكن من الخروج بخلاصات وتقديم اقتراحات من أجل تطوير المسطرة التشريعية بالبرلمان المغربي.
وعلى هذا الأساس ستتم معالجة هذا الموضوع من خلال تقسيمه إلى فصلين :
الفصل الأول سيخصص لتناول المسطرة التشريعية العادية بين دور كل من البرلمان والحكومة، وذلك من خلال التطرق للمراحل التمهيدية لقراءة مشاريع النصوص القانونية، والمقصود با مراحل المبادرة التشريعية حيث يتم إعداد المشاريع والمقترحات والتقدم باقتراحها أمام مجلسي البرلمان، ثم مرحلة الإيداع والتي تخضع لمجموعة من الإجراءات وأخيرا المراحل التي تمر منها دراسة مشاريع النصوص القانونية والتي تتمثل في تتم عملية التصو " الدراسة باللجان البرلمانية والمناقشة بالجلسات العامة حيث بينما في الفصل الثاني سيتم تناول الطريقة التي يتم بها إقرار مشاريع النصوص القانونية في ظل الثنائية المجلسية، والتي تتمثل في تداول المجلسين معا حول النصوص، ثم تدخل اللجنة الثنائية المختلطة، وتدخل مجلس النواب للإقرار النهائي لتلك النصوص في حالة بقاء الخلاف. غير أن مسطرة تشريع القوانين لا تنتري بمجرد مجلس النواب بمفرده وبصفة نهائية في نص قانوني ، إذ لا يعتبر القانون قد اكتسى طابعه النهائي بمجرد الموافقة عليه من طرف البرلمان، بل لا بد من إصداره من قبل الملك حتى يصبح جزءا من المنظومة التشريعية والنظام القانوني للدولة ونشره.
هذا مع التعرض كلما اقتضت الضرورة للمستجدات التي جاء بها الدستور المغربي الجديد لسنة 2011.
بناءا على ما ورد أعلاه فسأعمل على تقسيم الموضوع وفق المنهجية التالية:

الفصل الأول : المسطرة التشريعية العادية بين الحكومة والبرلمان
المبحث الأول : المراحل المطلوبة في إعداد مشاريع النصوص القانونية
المبحث الثاني : مسطرة مناقشة النصوص القانونية أمام مجلسي البرلمان
الفصل الثاني : إقرار مشاريع النصوص القانونية في إطار الثنائية المجلسية
المبحث الأول: مسطرة تداول مشاريع النصوص القانونية أمام مجلسي
البرلمان: عناصر القوة وأسباب الضعف
المبحث الثاني : الاحتكام إلى مجلس النواب في حالة عدم الاتفاق و مسطرة إصدار النصوص القانونية

---------------------------
لائحة المراجع :

- القانون البرلماني المغربي، مسطرة التشريع، دراسة نظرية وتطبيقية، مطبعة فضالة، المحمدية، التوزيع دار القلم، الرباط 2006.
- العمل التشريعي بالمغرب، أصوله التاريخية ومرجعياته الدستورية دراسة تأهيلية وتطبيقية- الجزء الثاني: "المرجعية الدستورية ومضامين الوظيفة التشريعية" سلسلة دراسات وأبحاث جامعية-، مطبعة المعارف الجديدة، الطبعة الأولى الرباط. 2002
- العمل التشريعي بالمغرب، أصوله التاريخية ومرجعياته الدستورية دراسة تأهيلية وتطبيقية- الجزء الثالث: "تطبيقات العمل الشريعي وقواعد المسطرة التشريعية" سلسلة دراسات وأبحاث جامعية-، مطبعة المعارف الجديدة، الطبعة الأولى الرباط. 2002 .
- العمل التشريعي للبرلمان، أية حكامة ؟ مطبعة الأمنية الرباط، الطبعة الأولى، دجنبر2009.
- النظام الدستوري المغربي، الطبعة 4 مكتبة دار السلام، الرباط 1995.

إرسال تعليق

0 تعليقات