Header ADS

اخر الأخبار

مراقبة تنفيذ الميزانية العامة في المغرب

مقال بعنوان: مراقبة تنفيذ الميزانية العمومية بالمغرب

مقال بعنوان: مراقبة تنفيذ الميزانية العمومية بالمغرب


مقدمة
يقوم بناء الدولة على وجود المال، فهو إحدى الوسائل الأساسية لقيام الدولة بوظيفتها. إذ لا يمكن تصور دولة بدون وجود ميكانيزمات مالية تحدد دواليبها، ذلك وظائف الدولة لا يمكن تحقيقها إلا عن طريق الوسائل المالية، بحيث يستحيل على الدول القيام بالمهام المنوطة بها بدون التوفر على موارد مالية، فبقدر توفرها على هذه الموارد تتحدد قدرتها في مواجهة المعضلات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والأمنية وغيرها.
في هذا الصدد يبرز حجم ميزانية الدولة مهما في قياس قدرات الدول، فما هو ثابت أن الدول تتوقف مقدرتها على حجم ميزانيتها، فالدول الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية واليابان وألمانيا تتوفر على ميزانيات ضخمة على عكس البلدان الضعيفة والصغيرة التي تحتاج أكثر من غيرها إلى السعي نحو تحقيق الحكامة المالية.
ويقتضي تحقيق حكامة التدبير المالي ضرورة خضوع تنفيذ الميزانية للمراقبة، وأبدعت الدول في تحديد أنواع الرقابة والأجهزة المنوطة بها.
وللرقابة غايتين مالية وسياسية:
- فمن الوجهة المالية: تهدف الرقابة إلى التأكد من حسن إدارة الأموال العمومية، ومدى تنفيذ الواردات والنفقات على الوجه الأمثل.
- من الوجهة السياسية: هي أداة لمعرفته مدى تنفيذ الحكومة للنفقات والواردات كما رخص لها ذلك البرلمان.
وتكتسي الرقابة صيغ متعددة على النحو التالي:
- من حيث النوعية: يميز بين الرقابة الموضعية والرقابة على أساس المستندات.
- من حيث زمن المراقبة: يميز بين الرقابة السابقة والرقابة اللاحقة.
- من حيث الأجهزة المتدخلة: يميز بين الرقابة الإدارية والرقابة القضائية والرقابة السياسية.
يعتمد التحليل الصيغة الأخيرة في تقديم مراقبة تنفيذ ميزانية الدولة، من خلال الحديث عن المراقبات التي يضطلع بها كل من المفتشية العامة للمالية والمجلس الأعلى للحسابات، ثم البرلمان.
فهل تساهم الرقابة المفروضة على الميزانية العامة على تحسين المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية؟
وما هي المؤسسات والجهات المسند لها القيام بهذا الدور؟ وكيف تقوم بذلك؟

المبحث الأول: مراقبة المفتشية العامة للمالية

تخول التشريعات للعديد من الأجهزة الإدارية القيام بوظيفة مراقبة تنفيذ الميزانية. ويدخل في هذا النوع من المراقبة كل من الرقابة التي تتم على أساس تسلسلي التي يقوم بها الرئيس على مرؤوسيه، والرقابة التي يقوم بها المحاسبون العموميون خلال مرحلة تنفيذ الميزانية.
وهناك الرقابة التي تضطلع بها أجهزة التفتيش. ويدخل في هذا الصدد جهاز المفتشية العامة داخل الوزارات، والأشهر هو جهاز المفتشية العامة للمالية الذي يعد أهم الأجهزة الإدارية المخول لها مراقبة تنفيذ الميزانية.

المطلب الأول: مهام المفتشية العامة للمالية وكيفية ممارستها

أحدثت جهاز المفتشية العامة للمالية بمقتضى الظهير الشريف رقم...بتاريخ 14 أبريل 1960، وقد نص الفصل الأول من هذا الظهير على أن هيئة المفتشين هيئة عليا تابعة لوزارة ....،
وقد نص مرسوم رقم 2.07.995 صادر في 23 من شوال 1429 (23 أكتوبر 2008) بشأن اختصاصات وتنظيم وزارة الاقتصاد والمالية في المادة 5 :" تمارس المفتشية العامة للمالية الاختصاصات المخولة لها طبقا للقوانين والأنظمة المعمول بها ولا سيما الظهير الشريف رقم 1.59.269 الصادر في 17 من شوال 1379 (14 أبريل 1960) المتعلقة بالمفتشية العامة للمالية".
ونص الفصل 132 من المرسوم الملكي ل21 أبريل 1967 بسن نظام عام للمحاسبة العمومية، على أنه تجري على جميع محاسبي الدولة تحقيقات المفتشية العامة للمالية طبق الشروط المحددة في الظهير الشريف رقم 1.59.269 الصادر في 17 شوال 1379 (14 أبريل 1960) بشأن المفتشية العامة للمالية.
ويضطلع بمهام المفتشية العامة للمالية باختصاصات محددة، يتولاها جهاز التفتيش المالي يحكم في عملية بضوابط محددة.

أولا: مهام المفتشية العامة للمالية

تعد المفتشية العامة للمالية جهازا أساسيا للرقابة المالية، يناط بها مراقبة مالية الدولة والجماعات الترابية وفق القوانين والأنظمة المعمول بها، بالخصوص الظهير الشريف رقم 1.59.269 الصادر في 17 شوال 1379 (14 أبريل 1960) المتعلق بالمفتشية العامة للمالية. وقد وجد هذا الجهاز نفسه أمام الحاجة للقيام بمهام جديدة كما اقتضت عملية التفتيش لتنفيذ مشروع منارة المتوسط بالحسيمة.
واستنادا إلى الظهير المشار إليه تتحدد المهام المتعلقة بالمفتشية العامة للمالية في:
- مراقبة مصالح الصندوق والمحاسبة لدى المحاسبين العموميين وموظفي الدولة والجماعات الترابية بشكل عام؛
- مراقبة تسيير المحاسبين والتأكد من قانونية العمليات المسجلة في حسابات الآمرين بالمداخيل والنفقات العمومية وكل متصرفي الدولة؛
- القيام بافتحاص المشاريع العمومية الممولة من طرف الهيئات الأجنبية كالبنك الدولي للإعمار والتنمية وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية والبنك الافريقي للتنمية. ويقوم المفتشين في هذا النوع من الاختصاص بتبني مقاربات جديدة تتماشى لما هو معمول به على الصعيد الدولي.
وتمارس المفتشية العام للمالية هذه المهام وفقا لبرنامج سنوي يصادق عليه الوزير المتعلق بالمالية. ويأخذ البرنامج بعين الاعتبار طلبات التفتيش المعبر عنها من طرف الوزارات المعنية. ويمكن تعديل هذا البرنامج إذا ما ظهرت مهام مستعجلة وطارئة فرضت تدخل المفتشية.

ثانيا: آلية تدخل جهاز التفتيش المالي

يتكون جهاز التفتيش المالي من مفتشين للمالية يمارسون مهامهم تحت سلطة مفتش عام للمالية الذي يقوم بتنسيق وتسيير أعمال المفتشية العامة للمالية بتكليف من الوزير المكلف بالمالية. ويتألف جهاز التفتيش من مفتشي المالية من الدرجة الممتازة، ومفتش للمالية رئيس مهمة ومفتشي للمالية.
ويحدد المرسوم الملكي الصادر في 2 فبراير 1967 كيفية إنجاز المفتشين لمهامهم الرقابية، إذ يتولى عملية التفتيش التي يقوم بها الجهاز، إما المفتش العام أو المفتش أو المفتش المتعاون. وما يميز عمله أنه لا يتلقى التعليمات أو التوجيهات بخصوص سير التفتيش إلا من رؤسائه.
وتتحدد مهام تدخل المفتش في أن يقوم بمراقبة والتدقيق في العناصر التالية:
- كيفية تنفيذ القوانين والأنظمة المالية، منها الضرائب وكل الموارد وتحصيلها ودفع النفقات وإدارة الأموال العمومية؛
- كيفية حفظ الأموال العمومية وضبط حساباتها؛
- كيفية قيام جميع الموظفين الذين يتدخلون في تنفيذ الميزانية، وإدارة الأموال العمومية بأعمالهم.
ويضطلع المفتشين القيام بأعمالهم على النحو التالي: يضطلع المفتش بسلطة البحث والتحري ، ومن تم يمكن له الاضطلاع على جميع المستندات والسجلات والعقود والأوراق في الإدارة التي يتولون تفتيشها، وبإمكانهم أخد صور لهذه الوثائق. فلمفتشي المالية السلطة في طلب تقديم المستندات التي تساعدهم على القيام بمأموريتهم سواء أكانت هذه المستندات مكتوبة أو عبارة عن معلومات مبتكرة أو يتم التوصل بها، أو تم حفظها في إحدى الوسائل الالكترونية أو البصرية او اللاسلكية أو بأي وسيلة أخرى من وسائل التكنولوجيا الحديثة للإعلام.
وبإمكان المفتشين إجراء التفتيش في الأمور ذات الطابع السري، غير أنه لا يمكن لهم أخذ الصور عن المستندات العائدة لها إلا بتفويض خاص من رئيس الحكومة بعد موافقة الوزير المختص.
ومن الإمكانيات المخولة للمفتشين هي الحق في استجواب الموظفين ودعوتهم للشهادة، وتكليف الموظفين خارج ساعات العمل الرسمي، وإيقاف منح الإجازات أثناء التفتيش.
ومكن المرسوم المفتشين من حق الاتصال بالمؤسسات الخاصة والأفراد من أجل جمع المعلومات التي يرون أنها تقيد عملية التفتيش. كما أنه إذا ما ظهر للمفتش أي مخالفة تشكل جريمة أمكنه اقتراح ملاحقة الموظف المسؤول أمام القضاء بدون انتظار نهاية التفتيش.
وفي نهاية عملية التفتيش ينجز المفتش المكلف تقريرا يتضمن ملاحظاته حول عملية التفتيش التي قام بها، والملاحظات التي سجلها. وتضمن الاثباتات وملاحظات مفتشي المالية في تقارير توجه مباشرة أو عن طريق سلطات الوصاية إلى الموظفين والمستخدمين الذين خضعوا للتحقيق، هؤلاء عليهم الإجابة عنها كتابيا في أجل الخمسة عشر( 15) يوما الموالية لتسلم التقرير، ويتعين على مفتشي المالية دراسة هذه الأجوبة وإبداء ملاحظاتهم النهائية حولها.

المطلب الثاني: خصوصية وأداء المفتشية العامة للمالية

لا يتوقف تحليل المفتشية العامة للمالية عن ما يناط بها من مهام وكيفية تدخل جهازها، بل أيضا على نوع عملها الذي تميزه خصوصيات عدة ينفرد بها عن باقي أجهزة التفتيش والمراقبة.
مع التأكيد على أهمية هذا الجهاز في مراقبة تنفيذ الميزانية، فإن أداءه ما زال موضوع انتقاد.
يتحكم في ذلك عوامل متعددة، لا ترتبط بالجهاز في حد ذاته، وإنما أيضا بالمحيط الذي يشتغل فيه.

أولا: مميزات الدور الرقابي للمفتشية العامة للمالية

يتميز جهاز التفتيش المالي بخصوصيات عدة ينفرد بها عن باقي أجهزة التفتيش والمراقبة سواء تعلق الأمر بالأجهزة الإدارية أو القضائية أو السياسية. وتتحدد خصوصياته على النحو التالي:
- اختصاصات المفتشية العامة للمالية اختصاصات ذات طابع عام، بحيث تسند له القوانين مراقبة وافتحاص تدبير جميع الآمرين بالصرف وجميع المحاسبين والمراقبين.
- اختصاصات المفتشية العامة للمالية اختصاصات ذات طابع أفقي، إذ توجه لجميع القطاعات الوزارية والجماعات الترابية والمؤسسات والشركات العامة والجمعيات ، وكذا جميع المتصرفين.
- رقابة انتقائية، بحيث كما تمت الإشارة إليها، يباشر جهاز التفتيش المالي وفق برنامج سنوي يصادق عليه وزير المالية مع إمكانية حدوث تغيير أو تعديل في البرنامج، إذا اقتضى الأمر ذلك. وهذا البرنامج يكون انتقائي يراعي الإمكانيات البشرية التي يتوفر عليها الجهاز وطلبات القطاعات الوزارية والحالات المستعجلة. وبالتالي لا يستطيع أن يوسع من مهامه الرقابية.
- رقابة بعدية، أي جهاز التفتيش المالي لا يتدخل إلا بعد إنجاز العمليات المالية والمحاسبية، مع إمكانية التدخل أثناء إنجاز العمليات المالية من طرف الأجهزة موضوع التفتيش، وذلك في إطار التحريات.
- رقابة زجرية، قد يترتب عن التقارير التي ينجزها المفتشون القيام بزجر المخالفات ، والتي يتم إرسالها إلى المجلس الأعلى للحسابات، إذا ما تعلق الأمر بميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية. فطبقا لمقتضيات المادة 57 من القانون رقم 99-62 بمثابة مدونة المحاكم المالية، يمكن للوزير المكلف بالمالية أن يحيل تقارير التي تتضمن إحدى المخالفات المرتبطة بالتأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية المنصوص عليها في المواد 54 و55 و56 من المدونة.
كما يمكن توجيهها إلى القضاء في حالة ثبوت مخالفات خطيرة يتعلق بالعمليات المالية ، والتي تستدعي تحريك الدعوى العمومية، وتحال التقارير التي تحتوي على مخالفات من كرف وزير المالية أو الوزير الوصي على القطاع على النيابة العامة قصد تحريك المسطرة القانونية الجاري بها العمل (المادة 57 من المدونة).
- رقابة وقائية: فما يميز هذه الرقابة أنها قد تشكل أداة مساعدة للأجهزة التي خضعت للتفتيش من تحديث تدبيرها وتفادي الأخطاء المرتبطة بها، وذلك من خلال ما قدمه المفتشون في تقريرهم من اقتراحات وتوصيات.

ثانيا: أداء جهاز المفتشية العامة للمالية

يمر الآن ما يزيد عن ستين سنة على إحداث جهاز المفتشية العامة للمالية، وقد راكم خلالها الجهاز تجربة مهمة في مراقبة المالية العامة، وتم ذلك من خلال العديد من عمليات المراقبة التي اضطلع بها.
وهم التطور مهام المفتشية، إذ سجل انتقال في توجهها من الوظائف التقليدية التي كانت تقوم بها من خلال فحص صحة ومشروعية العمليات المالية، إلى القيام بوظائف جديدة، بالأساس وظيفة التدقيق وتقييم السياسات العمومية.
ونتيجة لذلك سجل الجهاز مكانته ضمن أجهزة الرقابة، لكن ذلك لا يقود إلى الحكم بالنجاعة الكاملة للمفتشية، بحيث تسجل ملاحظات عدة على أداء هذه الهيئة، إذ تفتقد للسلطة التقريرية ، بحيث أنه في حالة اكتشاف اختلالات عند القيام بمهامه لا يكون أمامه سوى...
ومن العوامل التي تضعف من دور المفتشية العامة للمالية، هو عدم نشر تقاريرها، وهو ما يحول دون إمكانية وصول العموم إلى مضمونها، بما يمكنهم من التأثير على مسارها، والدفع بمعاقبة المخالفين.
وهناك عامل أخر يفسر ضعف أداء المفتشية، ويرتبط بالمعيقات الذاتية للجهاز نفسه ، ويتوزع إلى عاملين تقني وسياسي. يحضر العامل التقني من خلال العدد المحدود للمفتشين الذين يتولون مهام التفتيش والذين لا يتجاوز عددهم إلى حدود...في.... ويبرز المعيق السياسي من أن المفتشية العامة للمالية، وبنص القانون، ترتبط بإرادة الوزير المكلف بالمالية باعتبارها إحدى مديريات الوزارة، وأن الوزير هو الذي يصادق على برنامج التفتيش، والذي بإمكانه تحريك الدعوى.
كما يمكن إرجاع ضعف تأثير جهاز المفتشية العامة للمالية بالمغرب إلى السياق العام للرقابة في المغرب، بحيث يسجل أن ثقافة المحاسبة والمتابعة تظل محدودة، وأن تفعيل المبدأ الدستوري ربط المسؤولية بالمحاسبة لم يتم تكريسها كواقع في الممارسة.

المبحث الثاني: المراقبة القضائية على تنفيذ الميزانية

تعد المراقبة القضائية على تنفيذ الميزانية أحد الصور الأساسية لمراقبة وحماية الأموال العامة. وتختلف الدول فيما بينها في تنظيم هذا النوع من المراقبة. وفي المغرب يعهد ذلك إلى كل من المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات.
تمارس المؤسستين عملهما استنادا إلى مقتضيات الدستور وإلى القانون رقم 62.99 يتعلق بمدونة المحاكم المالية. هذا الأخير وفقا للمادة 1 منه يقوم بتحديد اختصاصات وتنظيم وطريقة تسيير كل من المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات، وكذا تحديد النظام الأساسي الخاص بقضاة هذه المحاكم المالية.
واستنادا إلى المدونة تتوزع اختصاصات المجلسين، بحيث ينفرد المجلس الأعلى للحسابات بمراقبة تنفيذ ميزانية الدولة، مما يجعل قراءة فعل وأداء هذه المؤسسة، التي اعتبرها الدستور في الفصل 147 الهيأة العليا لمراقبة المالية العمومية، أساسيا لقراءة واقع المراقبة المالية في المغرب ، بالخصوص مع تزايد حضور هذه المؤسسة في المشهد المؤسساتي الوطني، بالخصوص أن مدونة المحاكم المالية جعلت دوره الأساسي يتمثل في: " تدعيم وحماية مبادئ وقيم الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة بالنسبة للدولة والأجهزة العمومية."
هذه المؤسسة التي تحظى اليوم باهتمامات متعددة، مرت بمراحل متعددة. إذ يعود إحداثها إلى سنة 1960 تحت مسمى اللجنة الوطنية للمحاسبة العمومية، وكان يناط بها اختصاص واحد ألا هو تصفية حسابات المحاسبين العموميين، أي تضطلع بالتأكد من قانونية وشرعية العمليات المضمنة في الحسابات. وخلال هذا المرحلة انعدم دور اللجنة كألية لمراقبة المالية العامة، ومرد ذلك عوامل عدة أهمها غياب الاستقلال الوظيفي والإداري والعضوي والمالي والبشرية، إذ كانت تابعة لوزارة المالية ولم تكن تتمتع بالاستقلالية على الوزارة المكلفة بالمالية، زاد من ذلك ضعف الإمكانيات البشرية والمالية واللوجستية المخولة لها.
وتم انتظار إلى حدود سنة 1979 ليتم تغيير وضعيتها ومكانتها القانونية، فبموجب القانون رقم 12.79 لسنة 1979 تم إحداث هيأة عليا لمراقبة تنفيذ قوانين المالية تحت مسمى المجلس الأعلى للحسابات، وتغيرت وضعيته عنما كان سابقا، دون أن يفرز وجود جهاز فعال لمراقبة المالية العامة وحماية، متأثرا بضعف موارده المالية والبشرية وبغياب الإرادة الفعلية لتأمين دور هذه المؤسسة.
ومع دستور 1996 سيحدث تحول في مكانة المؤسسة من خلال الرقي بها إلى مؤسسة دستورية، تلاه إصدار مدونة للمحاكم المالية في إطار القانون رقم 62.66 لسنة 2002. وفي إطار دستور 2011 تم تخصيص لها باب مستقل (الباب العاشر من الدستور)، وتم توسيع مجالات تدخلها.
وباعتباره الجهاز الأكثر حضورا في النقاش حول مراقبة المالية العامة، تتعدد جوانب معالجته، ومن أهم ما يبدو مهما التطرق له، تنظيم المجلس الأعلى للحسابات والاختصاصات المخولة له، وأداءه.

المطلب الأول: تنظيم المجلس الأعلى للحسابات

يتألف المجلس الأعلى للحسابات من القضاة التاليين: الرئيس الأول، الوكيل العام للملك ، المستشارون، ويتوفرون على كتابة عامة وعلى كتابة للضبط (المادة 4). ويتوزع المجلس إلى الهيئات التالية:
- الجلسة الرسمية؛
- هيئة الغرف المجتمعة؛
- هيئة الغرف المشتركة؛
- غرفة المشورة؛
- الغرف؛
- فروع الغرف؛
- لجنة البرامج والتقارير.
يتولى الرئيس الأول رئاسة الجلسة الرسمية والغرف المجتمعة وغرفة المشورة ولجنة البرامج والتقارير ومجلس قضاء المحاكم المالية، مع إمكانية ترأس أيضا جلسات هيئات الغرف المشتركة وجلسات الغرف (المادة 10).
ويقوم أيضا بمهمة الإشراف العام على المجلس وتنظيم أشغاله وتسيير إدارته، ويحدد بواسطة قرار تنظيم مصالح المحاكم المالية. كما أسند إليه مراقبة أعمال وأنشطة قضاة المحاكم المالية ماعدا القضاة المعينين بالنيابات العامة لدى هذه المحاكم، وأنيط به تسيير الشؤون الإدارية للقضاء وباقي الموظفين الإداريين التابعين للمحاكم المالية. ومن مهامه أيضا المصادقة علىالبرنامج السنوي لأشغال المجلس، وتنسيق أشغال المجالس الجهوية، وإعداد مشروع ميزانيةالمحاكم المالية (المادة 9).
وفي ممارسته لاختصاصه يمكن للرئيس الأول تقديم ملاحظاته واقتراحاته إلى السلطات الحكومية المختصة بواسطة مذكرات استعجالية في جميع القضايا التي تدخل في مجال اختصاصات المجلس (المادة 11)، وله أن يعمل على الأمر بإجراء كل بحث تمهيدي في الميادين الخاضعة لرقابة المجلس (المادة 12) مع مراعاة أحكام المادة 58 من مدونة المحاكم المالية.
ويقوم بمهام النيابة العامة الوكيل العام للملك الذي لا يقوم بها إلا في المسائل القضائية المسند النظر فيها إلى المجلس. ويمارس هذا الأخير مهام النيابة العامة بإيداع مستنتجات أو ملتمسات، وتبلغ إليه التقارير المتعلقة بالاختصاصات القضائية للمجلس، ويحيل على المجلس العمليات التي قد تشكل تسييرا بحكم الواقع.
ويحضر الوكيل العام جلسات هيئات المجلس، وخلالها يمكن أن يقدم ملاحظات جديدة ، كما يمكنه أن يعين محاميا عاما لتمثيله في هذه الجلسات. ومن مهامه أيضا تنسيق ومراقبة عمل النيابة العامة لدى المجالس الجهوية (المادة 14).
والجانب الأساسي في عمل المجلس هم قضاة المحاكم المالية، فهم يؤلفون هيئة موحدة ، ويتمتعون بعدم قابليتهم للعزل والنقل إلا بمقتضى القانون (المادة 165). ويعين القضاة بظهير شريف، ويرتبون في تسلسل الدرجات على النحو التالي (المادة 165):
- خارج الدرجة: الرئيس الأول للمجلس والوكيل العام للملك لدى المجلس؛
- الدرجة الاستثنائية: المستشار المشرف؛
- الدرجة الأولى: المستشار الأول؛
- الدرجة الثانية: المستشار الثاني.
ويلزم قضاة المحاكم المالية في جميع الظروف بواجب التحفظ والحفاظ على صفقات الوقار والنزاهة والكرامة التي تقتضيها طبيعة مهامهم. ويمنع عليهم القيام بجميع الأعمال أو اتخاذ جميع المواقف التي من شأنها أن توقف أو تعرقل سير المحاكم المالية (المادة 180). كما يمنع عليهم أن تكون لهم شخصيا أو بواسطة الغير تحت أي اسم كان، مصالح في جهاز تجري عليه رقابة المحاكم المالية (المادة 183).

المطلب الثاني: اختصاصات المجلس الأعلى للحسابات

أقرت مدونة المحاكم المالية اختصاصات للمجلس الأعلى للحسابات. وهذا ما أفردته المادة 3، فطبقا لهذه يمارس المجلس الاختصاصات التالية:
- التدقيق والبت في حسابات الأجهزة العمومية التي يقدمها المحاسبون العموميون مع مراعاة الاختصاصات المخولة بمقتضى هذا القانون للمجالس الجهوية؛
- التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية؛
- البت في طلبات الاستئناف المرفوعة ضد القرارات والأحكام الصادرة عن غرف المجلس وعن المجالس الجهوية للحسابات؛
- مراقبة تسيير الأجهزة العمومية وتقييم البرامج والمشاريع العمومية؛
- مراقبة استعمال الأموال العمومية؛
- تتبع تنفيذ التوصيات التي تسفر عنها المهمات الرقابية؛
- تدقيق حسابات الأحزاب السياسية؛
- فحص النفقات المتعلقة بالعمليات الانتخابية؛
- مراقبة وتتبع التصاريح الإجبارية بالممتلكات طبقا للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل مع مراعاة الاختصاصات المخولة بمقتضى هذا القانون للمجالس الجهوية.
ويقوم المجلس بصفة مستمرة بمهمة التنسيق والتفتيش إزاء المجالس الجهوية".
انطلاقا من هذه اللائحة يسجل أن المجلس يضطلع بنوعين من المهام: مهام تقليدية التي تقوم بها نظيرته لأجهزة الرقابة المالية، ومهام جديدة تتجاوز ما كان يضطلع به. تتحدد المهام التقليدية للمجلس الأعلى للحسابات في كل من التأكد من سلامة العمليات المتعلقة بمداخيل ومصروفات الأجهزة الخاضعة لرقابته ومطابقتها للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل؛ تقييم كيفية قيام هذه الأجهزة بتدبير شؤونها؛ وعند الاقتضاء، المعاقبة على كل إخلال بالقواعد السارية على العمليات المذكورة.
وتبرز من مهامه الجديدة تقييم البرامج والسياسات العمومية؛ التصديق على الحسابات. كما يقوم باختصاصات غير مألوفة في النموذج القضائي للأجهزة العليا للمراقبة على المالية العامة ، مثل التصريح الإجباري بالممتلكات؛ مراقبة حسابات الأحزاب السياسية ونفقات الحملات الانتخابية، ومما تعزز في مهامه أيضا التواصل مع المؤسسات ومع المواطنين، من خلال التقارير التي ينشرها، أو من خلال خطاب الرئيس الأول أمام البرلمان.

المبحث الثالث: المراقبة السياسية لتنفيذ الميزانية من طرف البرلمان

لا يقتصر دور البرلمان على إقرار الميزانية، وإنما يمارس مراقبة على تنفيذها. وفي ممارسته لهذه المهمة يضطلع بدور المراقب لكيفية تنفيذ الحكومة لما رخص له من واردات ومن نفقات.
وبذلك فرقابة تنفيذ الميزانية هي في الأصل من اختصاص البرلمان. ويحدد هذه الوظيفة أمران: الأول أن البرلمان يضطلع بممارسة الرقابة على أعمال الحكومة، وتسند له الدساتير صراحة هذه الوظيفة (الفصل 70 من الدستور)، والثانية، أن البرلمان، فيما يخص الميزانية، له وظيفة إثبات بعد نهاية سنة تنفيذ الميزانية مدى التزام الحكومة بإجازة الجبايات والنفقات المخصصة له.
وبهذا الأمران برزت أهمية الرقابة البرلمانية، بل ونظر إلى أن جوهر كل من الرقابتين الإدارية والقضائية لا يعدو دورها إلا لتسهيل مهمة المراقبة البرلمانية، باعتبار أن الأخير لا يملك القدرات لإجراء رقابة دقيقة على تنفيذ الميزانية.
والمسجل أنه مع التطور بدأ البرلمان يفتقد دوره الرقابي، والذي لم يعد جوهريا ولا مؤثرا في كشف الاختلالات التي قد تصاحب الميزانية. غير أن ذلك لا يعني تغييب دور هذه المؤسسة.إذ أن ممثلي الأمة يضطلعون ببعض الأدوار في مراقبة الحكومة في تنفيذ الميزانية، بل بإمكانهم إثارة مسؤوليتها في حال كشف خلل في عدم تنفيذ الميزانية وفق ما أجاز به من موارد ومن نفقات.
ويمارس البرلمان مراقبة سياسية على تنفيذ الميزانية أثناء تنفيذها، وبعد الانتهاء من التنفيذ.

المطلب الأول: الرقابة البرلمانية أثناء تنفيذ الميزانية

يمارس البرلمان المراقبة على تنفيذ الميزانية بطرق متعددة، أهمها تضمنه الدستور ، وأخرى تم النص عليها في النظام الداخلي لمجلسي البرلمان.
هكذا، فللبرلمان بمجلسيه أن يطلب من الحكومة أثناء تنفيذ الميزانية إيضاحات ومعلومات عن سير الواردات والنفقات، بل قد يثير انتباهها لبعض جوانب القصور ويعطي تصوراته في الموضوع، ويتم ذلك من خلال توجيه أسئلة شفوية وكتابية للوزراء، وفقا لما يخوله لهم الدستور ، ووفقا للمسطرة التي يقرها النظام الداخلي للمجلس، كما أنه بإمكان النواب والمستشارين مساءلة رئيس الحكومة في القضايا المرتبطة بالميزانية، وبالنشاط المالي للدولة من خلال جلسة الأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة. في التأطير الدستوري للآليتين ينص الفصل 100: " تخصص بالأسبقية جلسة في كل أسبوع لأسئلة أعضاء مجلسي البرلمان وأجوبة الحكومة. تدلي الحكومة بجوابها خلال العشرين يوما الموالية لإحالة السؤال إليها. تقدم الأجوبة على الأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة من قبل رئيس الحكومة. وتخصص لهذه الأسئلة جلسة واحدة كل شهر، وتقدم الأجوبة عنها أمام المجلس الذي يعنيه الأمر خلال الثلاثين يوما الموالية لإحالة الأسئلة إلى رئيس الحكومة."
وخلال السنة المالية، يمكن للجان أن تستدعي الحكومة في أي وقت للاستماع إليها في مواضيع متعلقة بالمالية العامة. فحسب الفصل 102 من الدستور: " يمكن للجان المعنية في كلا المجلسين أن تطلب الاستماع إلى مسؤولي الإدارات والمؤسسات والمقاولات العمومية، بحضور الوزراء المعنيين، وتحت مسؤوليتهم."
كما أنه للبرلمان إمكانيات دستورية أخرى للوقوف على أوجه الصرف والنفقات سواء على امتداد تنفيذ للسنة أو لسنوات أخرى، ويتحدد بإحدى الطرق التالية:
- عبر إحداث لجان نيابية لتقصي الحقائق: " يناط بها جمع المعلومات المتعلقة بوقائع معينة، أو بتدبير المصالح أو المؤسسات أو المقاولات العمومية، وإطلاع المجلس الذي شكلها على نتائج أعمالها" (الفصل 67، الفقرة 2).
- خلال مناقشة عرض رئيس الحكومة للحصيلة المرحلية لعمل الحكومة، والتي تتم بمبادرة من هذا الأخير أو بطلب من ثلث أعضاء مجلس النواب، أو من أغلبية أعضاء مجلس المستشارين (الفصل 101 الفقرة 1 من الدستور.)
- من خلال تخصيص جلسة سنوية لمناقشة السياسات العمومية وتقييمها (الفصل 101 الفقرة 2).
- إمكانية القيام بمهمة استطلاعية مؤقتة حول شروط وظروف تطبيق نص تشريعي معين، أو موضوع يهم المجتمع، أو يتعلق بنشاط من أنشطة الحكومة والإدارات والمؤسسات والمقاولات العمومية باتفاق مع مكتب مجلس النواب. يجب أن يكون موضوع الاستطلاع مندرجا ضمن القطاعات والمجالات والمؤسسات التي تدخل في اختصاصات اللجنة المعنية.

المطلب الثاني: الرقابة البرلمانية بعد تنفيذ الميزانية عبر قانون التصفية

يكتسي قانون التصفية أهمية قصوى حيث يمكن للبرلمان من التعرف على نتائج تنفيذ الميزانية، وعلى مدى التزام الحكومة للإجازة بالواردات والنفقات. "ويثبت ويحصر قانون التصفية المتعلق بتنفيذ قانون المالية المبلغ النهائي للمداخيل المقبوضة والنفقات المتعلقة بنفس السنة المالية والمؤشر على الأمر بصرفها ويحصر حساب نتيجة السنة" (المادة 64، ف2).
ويضطلع قانون التصفية وفقا للمادة 64 القيام ب:
- المصادقة على الاعتمادات الإضافية المفتوحة وفقا لأحكام المادة 60 أعلاه (تنص هذه الأخيرة على أنه طبقا للفصل 70 من الدستور، يمكن في حالة ضرورة ملحة وغير متوقعة ذات مصلحة وطنية، أن تفتح اعتمادات إضافية بمرسوم أثناء السنة ، ويتم إخبار اللجنتين المكلفتين بالبرلمان مسبقا بذلك"؛
- إثبات التجاوزات في الاعتمادات المفتوحة والإذن بتسويتها وفتح الاعتمادات الضرورية لذلك مع تقديم الاثباتات اللازمة لذلك.
- إثبات إلغاء الاعتمادات غير المستعملة.
وحسب المادة 32 تدرج بالنسبة للمحاسبة الميزانياتية:
- المداخيل في حسابات السنة المالية التي يتم خلالها تحصيلها من قبل محاسب عمومي؛
- النفقات في حسابات السنة المالية التي يؤشر خلالها المحاسبون المكلفون بتخصيص النفقات على الأوامر بالصرف أو الحوالات، ويجب أن تؤدى هذه النفقات من اعتمادات السنة المذكورة أيا كان تاريخ الدين.
--------------------------
لائحة لمراجع:
الكتب:
- أناس بن صالح الزمراني، المالية العامة والسياسة المالية، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش ،
.2002
- محمد البقالي، الكتلة الدستورية للمالية العمومية، مطبعة البصيرة، الرباط ، 2017.
- إبراهيم بن به، نظام مسؤولية المدبرين العموميين أمام القاضي المالي، منشورات المجلة المغربية للسياسات العمومية، مطبعة طوب بريس – الرباط ، 2017,
- حسن عواضة وعبد الرؤوف قطيش، المالية العامة الموازنة والضرائب والرسوم دراسة مقارنة ، دار الخلود للصحافة والطباعة والنشر والتوزيع، بيروت ، 1995.
- أحمد أمين بضون، السياسات المالية والقطاعية: تخطيط الاستراتيجيات الاقتصادية، دار بيسان بيروت ، 2003.
- يونس أحمد البطريق، المالية العامة، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت ، 1984.
 
المجلات:
- مجلة المالية.
 
النصوص القانونية:
- دساتير 1962- 1970- 1972- 1992 – 1996 و2011 في المغرب.
- القوانين التنظيمية للمالية 1963- 1972 – 1998 و2015.
- القانون رقم 99-61 المتعلق بمسؤولية الآمرين بالصرف، المراقبين والمحاسبين العموميين
(منشور بالجريدة الرسمية رقم 4999 ل15 صفر 1423 (29 أبريل 2002)).
- القانون رقم 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية (منشور بالجريدة الرسمية، عدد 5030- 6 جمادى الأخرى 1423 (15 أغسطس 2002)).
- القانون رقم 06. 52 يغير ويتمم بموجبه القانون رقم 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية
(منشور بالجريدة الرسمية، عدد 5679، 4 ذي القعدة 1429 ( 3 نوفمبر 2008)).
- المرسوم الملكي رقم 330.66 ل 10 محرم 1387 (21 أبريل 1967) المتعلق بالنظام العام للمحاسبة العمومية كما وقع تغييره وتعديله.
- المرسوم رقم 2.15.426 صادر في 28 من رمضان 1436 (15 يوليو 2015) يتعلق بإعداد وتنفيذ قوانين المالية (ج.ر عدد 6378، 16 يوليو 2015).
 
اجتهادات القضاء الدستوري
- قرارات المجلس الدستوري والمحكمة الدستورية.

إرسال تعليق

0 تعليقات