القائمة الرئيسية

الصفحات

الوساطة الإتفاقية في القانون المغربي

عرض بعنوان: الوساطة الإتفاقية في القانون المغربي PDF

عرض بعنوان: الوساطة الإتفاقية في القانون المغربي PDF

مقدمة
أدى التطور الذي شهده عالم الاقتصاد والأعمال إلى ظهور مجموعة من الأنشطة التجارية والاقتصادية الجديدة وكذا بعض العمليات التجارية الدولية، هذه الأنشطة والعمليات أصبح من الصعب تسويتها عن طريق القضاء الرسمي، نظرا لما تحتمه من سرعة وخبرة قد لا تتوفر في القضاء الرسمي الشيء الذي أدى بالتشريعات الوطنية والدولية إلى ابتكار طرف ووسائل جديدة لحل النزاعات تواكب التطورات الاقتصادية والاجتماعية بعيدا عن الإجراءات الطويلة التي تعرفها المحاكم.
والحل البديل للنزاعات بصفة عامة هو كل وسيلة يتم بواسطتها اللجوء إلى طرف ثالث محايد بدل اعتماد الدعوى القضائية. وقد وجدت طرق حل النزاعات في أغلب الثقافات، منذ قرون بشكل غير رسمي، ثم وقع تحويلها إلى طرق رسمية وقع تنظيمها والتنصيص عليها ضمن مقتضيات القانون المدني، ويمكن اللجوء إليها بالموازاة مع الدعوى القضائية كما يمكن اعتمادها كبديل للتقاضي[1].
وتعتبر الوساطة الاتفاقية من بين أهم الحلول البديلة لتسوية النزاعات نظرا لأهميتها وللدور الريادي الذي يمكن أن تضطلع به في تخفيف الثقل عن المحاكم، والتحول العميق في القانون والنسيج الاجتماعي بكامله.
ولم ينظم المشرع المغربي الوساطة الاتفاقية في قانون المسطرة المدنية القديم، إلا أنه تدارك الأمر ونظمها بموجب القانون 05-08، إذ أفرد لها المواد 55-327 إلى المادة 69-327.
فماهي الوساطة؟ وما هي مختلف الفوارق بينها وبينه غيرها عن الوسائل الأخرى البديلة التي تقر منها الوساطة الاتفاقية؟ هذه الأسئلة وغيرها سنحاول الإجابة عنها في هذا الموضوع المتواضع، وفق التصميم التالي:

المطلب الأول: الوساطة كبديل لحل النزاعات بشكل عام
المطلب الثاني: مراحل الوساطة الاتفاقية

المطلب الأول: الوساطة كبديل لحل النزاعات بشكل عام
الفقرة الأولى: تعريف الوساطة وتمييزها عن غيرها من الوسائل البديلة

أولا: تعريف الوساطة
تكمن أهمية الوساطة كوسيلة بديلة لحل النزاعات في الفكرة الجديدة التي تقدمها وتطرحها الوساطة، فهذه الوسيلة البديلة عن القضاء الرسمي والمتجاوزة عن تعقيداته وإجراءاته، تهدف إلى حل النزاعات بعيدا عن المحاكم وساحاتها وبعيدا عن المشاحنة والبغضاء التي تظهر عند إقامة الدعوى أمام القضاء وعرف بعض الفقه الوساطة بأنها أسلوب من أساليب الحلول البديلة لفض المنازعات تقوم على توفير ملتقى الأطراف المتنازعة للاجتماع والحوار وتقريب وجهات النظر بمساعدة شخص محايد، وذلك لمحاولة التوصل إلى حل ودي يقبله أطراف النزاع. وعرفها البعض الآخر بأنها إحدى الطرق الفعالة لفض النزاعات بعيدا عن عملية التقاضي وذلك من خلال إجراءات سرية تكفل الخصوصية بين أطراف النزاع من خلال استخدام وسائل وفنون مستحدثة من المفاوضات بغية الوصول إلى تسوية ودية مرضية لجميع الأطراف.
ويستشف من التعريفات السابقة أن هناك عاملا مشتركا يجمع بينهما وهو تقريب وجهات النظر بين الخصوم للوصول لحل مرضي وعليه فإن الوساطة تهدف إلى حل النزاع بشكل ودي بعيدا عن الخصومة المباشرة، وأن الحل الذي يتوصل إليه الأطراف هو نتيجة لرغبتهم يصلون إليه برغبتهم الحرة.
كما يستشف أيضا أن للوسيط مهمة رئيسية، أولا وهي تسهيل التواصل والحوار بين الأطراف ومساعدة كل طرف على تقييم دعواه تقييما واقعيا بغية الوصول إلى حل يرضي الطرفين دون اللجوء إلى القضاء لحل النزاع فمركز الوسيط يختلف عن مركز المحكم الذي يقوم بالاستماع إلى البينات المقدمة من الأطراف ويحدد قانونيا إنتاجيتها ويتوجب عليه في النهاية التوصل إلى قرار له صفة الإلزام.
وبالرجوع إلى المشرع المغربي فإنه عرف لنا اتفاق الوساطة في المادة 56-327 بأنه "العقد الذي يتفق الأطراف بموجبه على تعيين وسيط يكلف بتسهيل إبرام صلح لإنهاء نزاع نشأ أو قد ينشأ فيما بعد".
بمعنى أن المشرع قد ميز لنا كما هو الشأن بالنسبة للتحكيم بين عقد الوساطة وشرط الوساطة بحسب نشوء النزاع أو عدم نشوئه حيث نص في المادة 57-327 "يمكن إبرام اتفاق الوساطة بعد نشوء النزاع ويسمى حينئذ عقد الوساطة أو التنصيص عليه في الاتفاق الأصلي ويسمى حينئذ شرط الوساطة".
وبإطلالة سريعة للمواد التي تنظم الوساطة الاتفاقية في الفرع الثالث من الباب الثامن من قانون المسطرة المدنية يتبادر في الذهن أن هناك تشابه بين الوساطة ونظام التحكيم والحال أن هناك اختلاف كبير بينهما سواء فيما يخص أهدافهما وخصائصهما وآثارهما، وهذا ما سنحاول بيانه في الفقرة الموالية.

ثانيا: تمييز الوساطة عن غيرها من الوسائل البديلة لحل النزاع.
الفرق بين الوساطة والتحكيم
تعتبر كل من الوساطة والتحكيم وسيلتين لحل النزاعات بعيدا عن القضاء الرسمي، لذلك فالتمييز بينهما يصبح ضروريا لتجنب الخلط بين المفهومين، عن طريق ذكر النقاط التالية:
* شرط الوساطة وشرط التحكيم: إن الاتفاق يعتبر بمثابة إقرار من قبل الأطراف على حل النزاع بواسطة التحكيم وفي حال تم تجاوز هذا الاتفاق من قبل أحد الأطراف المتنازعة والتوجه مباشرة للقضاء فإنه يحق للطرف الثاني أن يتحتم بدفع بعدم القبول قبل الدخول في جوهر النزاع سندا للمادة 327[2] من قانون 05-08 أما فيما يخص الوساطة الاتفاقية فإنه يجب على المحكمة المحال إليها النزاع الذي أبرم بشأنه اتفاق الوساطة أن تصرح بعدم القبول إلى حين استنفاد مسطرة الوساطة أو بطلان اتفاق الوساطة طبقا للفقرة الأولى من المادة 62-327.
* مهمة الوسيط ومهمة المحكم: تختلف مهمة الوسيط عن مهمة المحكم فمهمة الوسيط لا تتجاوز تقريب وجهة النظر واتخاذ كافة الإجراءات التي تكفل ذلك إضافة أن رأي الوسيط غير ملزم للأطراف، كما أن اتفاق التسوية الذي يتم التوصل إليه هو من صياغة الأطراف ويكون ملزم لهم بالتوفيق والمصادقة عليه أما المحكم فمهمته تكمن في إصدار حكم في موضوع النزاع المعروض عليه وذلك بعد معاينة وتحقيق الأدلة والوقائع تماما كالقاضي.
* تتمتع الهيئة التحكيمية بصلاحيات أوسع من الوسيط[3] إذ أن لها أن تأمر بأي إجراء من إجراءات البحث والتحقيق على خلاف الوسيط الذي يتعذر عليه مباشرة أي إجراء من إجراءات البحث والتحقيق، على خلاف الوسيط الذي يتعذر عليه مباشرة أي إجراء من هذا القبيل دون موافقة الأطراف.
* للأطراف الوساطة أن يحدد واحدة إنجاز الوسيط لمهمته من غير أن تتجاوز ثلاثة أشهر مع قيام إمكانية اتفاقهم على تمديد هذه المدة (المادة 65-327) أما بالنسبة للتحكيم فإن المدة هي ستة أشهر ما لم يحدد اتفاق التحكيم أجلا للهيئة التحكيمية مع قيام إمكانية تمديد هذه المدة.

الفقرة الثانية: مزايا الوساطة الاتفاقية وشروط صحتها.

أولا: مزايا الوساطة
تعد الوساطة الاتفاقية كوسيلة بديلة لحل المنازعات طريقا سهلا وسلسا وأقل مشقة عن الطرق الاعتيادية التي اعتاد الأطراف اللجوء إليها لتسوية نزاعاتهم، وإضافة إلى ذلك فإن الوساطة تعتبر من الطرق البديلة التي تعمل على توفير الوقت والجهد على المتخاصمين مقارنة بالوسائل الأخرى.
ومما لا شك فيه فإن حل المنازعات عن طريق الوساطة يعتبر من المظاهر الحضارية لحل النزاع، وذلك لأن حل النزاع عن طريق الحوار الهادف البناء الذي توفره الوساطة للأطراف يدل على حضارية فكرة الوساطة وحضارية الأطراف بقبول الحوار وجعله مفيدا وبناءً.
وبالإضافة إلى ذلك فالوساطة تتميز بكونها تخفف العبء على القضاء عن طريق حل النزاع الذي كان سيحل عن طريق التقاضي وطبقا لإجراءاته التي تتميز بالتعقيد والطول كما أنها تتميز بالمرونة بسبب عدم وجود إجراءات وأساليب وسومة محددة فلا يوجد في الوساطة أي إجراء يترتب عليه البطلان إذا تم التجاوز عنه أو إغفاله بشرط عدم مخالفته للنظام العام والآداب.
كما تتميز الوساطة الاتفاقية بسرعة التوصل لحل النزاع واختصار الوقت وهذه الميزة تبرز بشكل كبير أثناء المقارنة بينها وبينه غيرها من الوسائل الأخرى البديلة لحل المنازعات كما سبقت الإشارة إلى ذلك وتوفر الوساطة للمتخاصمين الفرصة للالتقاء وعرض وجهات النظر في جلسات الوساطة لإزالة الجمود بين الأطراف ومحاولة الوصول إلى حل يرضي الطرفين وهذا يساهم في الحفاظ على العلاقات الودية بين الأطراف ومن أهم المزايا التي تدفع الأطراف إلى اللجوء للوساطة السرية حتى لا تتعرض مصالح الأطراف إلى التضرر من العلنية التي تتميز بها عادة جلسات القضاء العادي.

ثانيا: شروط صحة الوساطة الاتفاقية:
بالرجوع إلى المادة 56-327 نجد أن المشرع المغربي اعتبر الوساطة عقد بين طرفين يتفقان بموجبه على تعيين الوسيط ويكلف بتسهيل إبرام صلح ينهي النزاع نشأ أو قد ينشأ فيما بعد وبالتالي فالوساطة يجب أن تتوفر فيها القواعد العامة المنصوص عليها في قانون الالتزامات والعقود.
إلا أنه فيما يتعلق بالأهلية فإن المشرع في الفقرة الثانية من الفصل 56-327 نص على أنه يجب التقيد بمقتضيات الصلح بموجب الفصول 1099 إلى 1104 من قانون الالتزامات والعقود وبالتالي فإن الفصل 1099 ينص على أنه "يلزم للإجراء الصلح" التمتع بأهلية التفويت بعوض في الأشياء التي يرد الصلح فيها" وهو ما يعني أنه يلزم توفر أهلية التفويت بعرض في أطراف الوساطة الاتفاقية.
كما أنه لا تجوز الوساطة فيما يجوز الصلح فيه طبقا للمواد المنظمة للصلح في قانون الالتزامات والعقود فمثلا لا يجوز الصلح أو الوساطة في المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية أو النظام العام، أو الخارجة عن دائرة التعامل أو بالحقوق الشخصية مع العلم أن المنافع المالية المترتبة عن الحالة الشخصية أو الجريمة يجوز الصلح فيها وبالتالي يمكن إبرام اتفاق الوساطة بشأنها.
واشترط المشرع في اتفاق الوساطة أن يكون مكتوبا طبقا لمقتضيات الفصل 58-327 كما هو الشأن بالنسبة للتحكيم في المادة 313، ويجب أن يتضمن عقد الوساطة تحت طائلة البطلان تحديد موضوع النزاع وتعيين الوسيط أو التنصيص على طريقة تعيينه[4].
إلا أنه فيما يتعلق بالجهة القائمة على الوساطة فإن هناك من الفقه من يقول بحصر شخص الوسيط في المحامي بالنظر لأهليته المهنية ودرايته القانونية وارتباطه الوثيق بالنزاعات وبتقنية حلها.
وعلى عكس هذا الرأي هناك من يقول بضرورة تعيين الأشخاص المقيدين في لائحة يحصرها وزير العدل كل سنة بناء على نص تنظيمي لممارسة الوساطة وقد يقيد بها المتقاعدون، المحامون، الخبراء، المهنيون، الغرف والجمعيات المهنية، مراكز التوفيق، مراكز الدراسات والاستشارة القانونية وكل شخص طبيعي أو اعتباري يتفق عليه الأطراف ويختارونه للقيام بالوساطة في نزاع معين1.
وباعتبار أن مهمة الوسيط هي تسهيل إبرام الصلح والتوفيق بين الأطراف المتنازعة فإنه يجب أن تتوفر فيه مجموعة من الشروط التي تؤهله للقيام بهذه المسؤولية:
* كتمان السر المهني طبقا لمقتضيات الفصل 66-327
* الثقة لما لشخص الوسيط من تأثير كبير على عملية الوساطة وكما للطابع الشخصي للوسيط أهمية كبيرة في عملية الوساطة فإن لثقة أطراف النزاع بالوسيط دور كبير بإنجاح الوساطة بدوره لابد أن يكون الوسيط محل ثقة الفرقاء مما يدعم بدوره عملية الوساطة، وبالنتيجة ازدياد اللجوء إليها لحل النزاعات المختلفة.
وبالرجوع إلى بعض الأنظمة التشريعية كالقانون الفرنسي ل 22 يوليوز 1996 المادة 131 والقانون البلجيكي ل 21 فبراير 2005 نجد أن من بين الشروط الأخرى المطلوبة في الوسيط هي:
-انعدام السوابق القضائية.
-عدم ارتكاب أفعال مخلة بالشرف والاستقامة والأخلاق الحميدة كانت سببا لعقوبة تأديبية أو إدارية قضت بالعزل أو التشطيب أو الطرد أو سحب إذن أو رخصة الممارسة.
-الإدلاء حسب الضرورة بما يثبت توفره على تكوين أو تجربة تتلاءم وممارسة الوساطة.
-تقييم الضمانات الضرورية بتوفره على شروط الاستقلال والتجرد والحياد لممارسة الوساطة.

المطلب الثاني: مراحل الوساطة الاتفاقية

إذا كانت الوساطة الاتفاقية وسيلة من بين وسائل حل النزاعات وتسويتها بين الأطراف، فإنها تتميز بإجراءات يمكن أن تكون أبسط من إجراءات المحاكمة العادية والتحكيم. فما هي هذه الإجراءات؟ وكيف تنتهي مهمة الوسيط؟ وما هي آثارها؟

الفقرة الأولى: إجراء الوساطة الاتفاقية

حدد المشرع المغربي عدة إجراءات أثناء الوساطة الاتفاقية حتى تكون هذه الأخيرة صحيحة وغير معرضة للطعن بالبطلان أو الإبطال.

أولا: إحالة النزاع على الوسيط
لقد ألزم المشرع الأطراف الراغبين في حل نزاعهم عن طريق تعيين وسيط طبقا للمادة 60-327 و 62-327 إذ ورد في الفصل الأول أنه "يجب يتضمن عقد الوساطة تحت طائلة البطلان: 1.... /2.تعيين الوسيط أو التنصيص على طريقة تعيينه". إذ يجب أن يتم تعيين الوسيط في عقد الوساطة وإلا كان هذا الأخير بقوة القانون وفي حالة عدم تعيين يجب أن ينص عقد الوساطة على طريقة تعيين الوسيط وإلا كان العقد باطلا كذلك.
كما أنه ورد في الفصل 62-327 من قانون رقم 05-08 أنه يجب... تحت طائلة البطلان، أن يتضمن شرط الوساطة إما تعيين الوسيط أو الوسطاء وإما التنصيص على طريقة تعيينهم" وبالتالي فكما هو الأمر بالنسبة لعقد الوساطة فإن شرط الوساطة يجب أن يتم تعيين الوسيط فيه أو التنصيص على طريقة تعيين الوسيط وإلا كان شرط الوساطة باطلا بطلانا مطلقا[5].
وبالتالي فإنه يمكن لأطراف اتفاق الوساطة إحالة نزاع ما نشأ بينهم على الوسيط، وأيضا يمكن للقاضي (قاضي الصلح أو قاضي إدارة الدعوى)، اقتراح إحالة النزاع على الوساطة والصلح كما هو الأمر في مدونة الأسرة ومدونة الشغل.
ويجب على الوسيط المحال عليه النزاع طبقا لعقد الوساطة أو شرطها فور قبوله المهمة المسندة إخبار الأطراف فورا بذلك بواسطة مفوض قضائي[6].
بعد ذلك يحال ملف الدعوى برمته على الوسيط طبقا لمقتضيات المادة 64-327 التي ورد فيها أنه: "يجب على المحكمة المحال عليها النزاع في مسألة أبرم الأطراف في شانها اتفاق وساطة وفقا لمقتضيات هذا الفرع أن تصرح بعدم القبول إلى حين استنفاذ مسطرة الوساطة أو بطلان اتفاق الوساطة..."
فانطلاقا من هذه الفقرة فإن الدعوى إذا كانت معروضة على المحكمة، وتم الاتفاق على الوساطة في شأن مسألة تدخل ضمن مواضيعها، فإنه يجب عرض النزاع الوسيط من طرف الأطراف بعد تصريح المحكمة بعدم القبول، وذلك إلى غاية انقضاء إجراءات الوساطة أو بطلان اتفاق الوساطة نفسه.
أما إذا كان النزاع لم يعرض بعد على الوسيط، وجب على المحكمة كذلك أن تحكم بعدم القبول، ولكن شرط ألا يكون اتفاق الوساطة أصلا باطل بطلانا واضحا لا لبس فيه[7].
والملاحظ هنا أنه في الحالتين السابقتين وطبقا لمقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل 64-327 أن المحكمة لا يمكن أن تصرح تلقائيا بعدم القبول، وإنما ينبغي للطرف الأكثر مصلحة رفع طلب بذلك إليها. إلا أنه في الحالة الثانية- طبقا دائما لمقتضيات نفس الفصل- يجوز للمحكمة المختصة أن تحدد بطلب من الطرف الذي رفع الأمر إليها الأجل الأقصى الذي يجب أن تبدأ فيه الوساطة تحت طائلة بطلان اتفاق الوساطة.
وبالتالي فإن أول ما يجب على أطراف الوساطة الاتفاقية تعيين الوسيط وإحالة النزاع عليه في حالة نشوئه، هذا ويجب أن يتم الأمر وفق مقتضيات اتفاق الوساطة ومع وجوب احترام مقتضيات قانون رقم 05-08.

ثانيا: مناقشة الأطراف والوسيط للنزاع

بعد قبول الوسيط أو الوسطاء المهمة المسندة إليهم من طرف أطراف اتفاق الوساطة فإنه تبدأ مرحلة مهمة جدا وهي مرحلة النظر في النزاع باستدعاء الأطراف لجلسات المناقشة قصد تسوية ما وقع الخلاف بشأنه، وذلك طبقا لمقتضيات القواعد العامة في قانون المسطرة المدنية، وأيضا طبقا للفصل 68-327 الذي جاء فيه: "يجوز للوسيط أن يستمع إلى الأطراف وأن يقارن بين وجهات نظرهم لأجل تمكينهم من إيجاد حل النزاع القائم بينهم..."
وبالتالي فإن الوسيط يحاول تقريب وجهات نظر الأطراف المتنازعة من طرف الآخر في إطار احترام مبادئ الدفاع، وحق كل طرف في تقديم حججه ومستنداته للدفاع عن طلباته أو دفوعه. ولا يقتصر الأمر على هذا الحد وإنما يمكن للوسيط أيضا الاستماع إلى الأغيار ولكن شرط موافقة الأطراف على ذلك. كما يمكن للوسيط تعيين خبير لتوضيح مسألة مستعصية تستدعي استشارة أهل الخبرة ولكن شرط موافقة الأطراف كذلك على هذا الأمر[8].
إن للوسيط صلاحيات واسعة للقيام بمهامه من أجل إيجاد تسوية للنزاع المعروض على أنظاره، إذ يجوز له القيام بإجراءات التحقيق من الاستماع إلى الغير –الشهود- وإجراء الخبرة في حالة ضرورتها لكن شرط وجود اتفاق بين الأطراف بشأن ذلك.
كما أن الوسيط يحاول التوفيق بين الأطراف، وما يعرضه عليهما غير ملزم لهما ما لم يقبلا به[9].
وفي إطار أدائه لمهامه كموقف بين أطراف الوساطة الاتفاقية يجب على الوسيط الالتزام بكتمان السر المهني، وعدم إفشاء ما دار في جلسات المناقشة تحت طائلة العقوبات المنصوص عليها في القانون الجنائي المتعلقة بكتمان السر المهني طبقا للفصل 66-327 من قانون 05-08.
ولا يجوز للوسيط أن يتخلى عن مهمته إلا باتفاق الأطراف أو إذا انصرم أجل ثلاثة أشهر[10] دون أن يستطيع الأطراف إبرام صلح أو بالأحرى التوافق حول الخلاف الناشئ بينهم وقبول كل طرف للحل المعروض عليهم من طرف الوسيط، وأيضا يمكن للقاضي الأمر بإنهاء مسطرة الوساطة طبقا لمقتضيات الفصل 64-327 1.
كما أن الأطراف لا يلزمها السير في عملية الوساطة وإجراءاتها إلا ما لا نهايتها، إذ يستطيع كل طرف الانسحاب من هذه العلمية في أي وقت شاء واللجوء إلى القضاء المختص بالنظر في القضية للدفاع عن حقوقه، ما لم يتم التوصل لتسوية، دون أن يترتب على هذا الانسحاب أية نتائج قانونية.

الفقرة الثانية: وثيقة الوساطة وآثارها

إذ كانت الوساطة الاتفاقية تمر بمرحلة مهمة تتعلق بتعيين الوسيط وقبل ذلك اتفاق الوساطة ومناقشة الدعوى والجلسات فإنها تنتهي بصدور وثيقة تبت ما وقع فيها ويترتب عنها عدة آثار.

أولا: وثيقة الوساطة الاتفاقية
إذا كانت الوساطة عملية تقنية يسعى من خلالها الوسيط لأن يصل إلى نتيجة ترضي طرفي النزاع الذين وقع اختيارهما عليه، إلا أن تحقيق هذه النتيجة غير مشروط في الوساطة ذلك أن الوسيط قد ينجح في مهمته ولو لم يصل إلى النتيجة، مادام تمكن من خلق نوع من التقارب ومد جسور التواصل والحوار والتفاوض بين طرفي التقاضي[11].
فبعد انتهاء مرحلة المناقشة وتبادل المذكرات والمستندات تأتي مرحلة إصدار وثيقة تبت ما درى بين الأطراف وما تم الوصول إليه من نتائج فالأمر هنا يتعلق "بوثيقة" بصريح نص الفصل 68-327 الذي جاء فيه: "...يقترح الوسيط عند انتهاء مهمته، على الأطراف مشروع صلح أو بيانا عن الأعمال التي انتهاء مهمته، على الأطراف مشروع صلح أو بيانا عن الأعمال التي قام بها.
ويحرر ذلك في وثيقة صلح تتضمن وقائع النزاع وكيفية حله وما توصل إليه وما اتفق عليه الأطراف على الشكل الذي يضع حدا للنزاع القائم بينهم.
يوقع الوسيط مع الأطراف وثيقة الصلح الذي توصل إليه..." فانطلاقا من هذا الفصل فالوسيط لا يصدر حكما أو قرارا أو أمرا وإنما يحق له فقط" اقتراح"[12] مشروع صلح أو بيانا عن الأعمال التي قام بها في شكل وثيقة صلح تتضمن كل ما راجع في أعمال الوساطة وما تم الخروج به من نتائج.
فالأطراف هم الذين يصنعون النتيجة، فوظيفة الوسيط تقتصر على تسيير التواصل والتفاوض بين الأطراف لا التحكيم بينهما، وينتج عن ذلك نتيجة هامة من الناحية العلمية، تتخلص في قابلية الاتفاقية الناشئة عن الوساطة للتطبيق من الأطراف بشكل تلقائي لكونهم هم الذين توصلوا إليها بمحض إرادتهم ولم تعرض عليهم من الخارج[13].
كما أنه في حالة عدم وقوع الصلح لأي سبب كان من الأسباب فإن الوسيط يقوم بتسليم وثيقة بذلك موقعة من طرفه للأطراف حسب مقتضيات الفقرة السابعة من المادة 68/327 من قانون 05-08 فيما يتعلق بالفرع المتعلق بالوساطة الاتفاقية.
وإذا كانت الوساطة الاتفاقية تمر بالمراحل السالفة الذكر فإنها تترتب عليها عدة آثار سواء فيما يخص الطعون في إجراءاتها أو قراراتها أو بالأحرى ما دار أثناء المناقشات وأيضا فيما يتعلق بتنفيذها وتذييلها بالصيغة التنفيذية، وهو ما سنحاول التطرق إليه قدر المستطاع بالدراسة والتحليل في النقطة الموالية.

ثانيا: آثار الوساطة الاتفاقية

إذا كانت الوساطة الاتفاقية تتميز بعدة خصائص –كما سبقت الإشارة لذلك في المطلب الأول- فإن تميزها ليس فقط أثناء إجراءاتها وإنما أيضا فيما يتعلق بصدورها وبطلانها وتنفيذها.
فيما يتعلق بصحتها فإنه وبالرجوع إلى الفصل 68/327 نجده ينص في فقرته الأخيرة على أنه "يخضع الصلح الذي توصل إليه الأطراف لأجل صحته وآثاره لمقتضيات القسم التاسع بالكتاب الثاني من الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913) بمثابة قانون الالتزامات والعقود مع مراعاة مقتضيات الفصل 69-327 بعده".
فانطلاقا من هذا الفصل فإن الوساطة الاتفاقية تطبق عليها مقتضيات الصلح المنصوص عليه في قانون الالتزامات والعقود فالفصل 1105 من هذا الأخير ينص على أنه" يترتب على الصلح أن تنقضي نهائيا الحقوق والادعاءات التي كانت محلا له، وأن يتأكد لكل من طرفيه ملكية الأشياء التي سلمت له والحقوق التي اعترف له بها من الطرف الآخر. والصلح على الدين في مقابل جزء من المبلغ المستحق، يقع بمثابة الإجراء لما بقي منه، ويترتب عليه تحلل المدين منه".
وبالتالي فإنه يترتب على صدور وثيقة الوساطة أي في حالة فض النزاع من طرف الوسيط بناءا على توافق الأطراف انقضاء جميع الحقوق والادعاءات التي كانت محلا لهذا النزاع، وبالتالي يحق لكل طرف التمسك بما تم الاتفاق بشأنه لصالحه، كما أن الصلح على الدين يترتب الإجراء لما بقي منه إلى غير ذلك من الحقوق التي تم اكتسابها بواسطة إجراء الوساطة الاتفاقية بناء على اتفاق الأطراف.
كما أنه لا يجوز الرجوع في الوساطة، ولو باتفاق الطرفين ما لم يتم إبرامه باعتباره مجرد عقد معاوضة للفصل 1106 من قانون الالتزامات والعقود.
أما ما يتعلق بالطعن في الوساطة الاتفاقية فإنه تطبق عليها مقتضيات الفصل 1111 من نفس القانون وبالتالي فإنه يجوز الطعن فيها للأسباب التالية:
-الإكراه أو التدليس
-غلط مادي وقع في شخص المتعاقد الآخر، أو في صفته أو في الشيء الذي كان محلا للنزاع.
-لانتفاء السبب إذا كان الصلح أو الوساطة قد أجريت على:
· سند مزور
· على سبب غير موجود
· على نازلة سبق فصلها بمقتضى صحيح أو حكم غير قابل للاستئناف أو للمراجعة كان الطرفان أو أحدهما يجهل وجوده.
ولا يجوز في الحالات السابقة التمسك بالبطلان، إلا للمتعاقد الذي كان حسن النية.
كما أنه لا يجوز الطعن في الوساطة الاتفاقية أي الصلح المترتب عن إجراءات الوساطة بسبب غلط في القانون أو بسبب الغبن إلا في حالة التدليس[14].
كما أن الصلح لا يقبل التجزئة فبطلان جزء منه أو إبطاله يقتضي بطلانه أو إبطاله كله، ولا يسري هذا الأمر في بعض الحالات[15].
وإذا قسم الطعن في الصلح فإنه في حالة قبوله وتم فسخه فإن الأطراف يعودون إلى نفس الحالة السابقة على إجراء الوساطة الاتفاقية وبالتالي يكون لكل واحد حق استرداد ما دفعه أو ما قدمه تنفيذا للصلح مع عدم الإخلال بالحقوق المكتسبة على وجه صحيح وعلى سبيل المعاوضة من طرف الغير الحسني النية[16].
أما ما يتعلق بحجية الوساطة الاتفاقية أي الصلح الذي انتهى إليه الأطراف فإنه يكتسي حجية الشيء المقضي به، بمعنى أن وثيقة الصلح تعتبر حجة قاطعة على ما ورد فيها بمجرد توقيع الأطراف والوسيط عليها إلا في حالة الطعن بالزور فيها طبقا للقواعد العامة. وذلك طبقا لما ورد في الفصل 69-327 من قانون رقم 05-08 الذي نص على أنه: "يكتسي الصلح بين الأطراف قوة الشيء المقضي به..." وبالتالي فالصلح هنا له قوة ثبوتية تعطيه كامل الحجية وبالتالي تكون له –حسب اعتقادنا- قوة الورقة الرسمية إلى أن يطعن فيه طبقا للقواعد السالفة الذكر أمام المحكمة المختصة ويصدر الحكم ببطلان الوساطة أو هذا الصلح لعدم مثلا احترام ما تنص عليه المقتضيات القانونية في هذا الباب.
أما ما يخص تنفيذ الصلح في إطار الوساطة الاتفاقية فإن الفصل 69-327 نص على أنه: "يكتسي الصلح بين الأطراف قوة الشيء المقضي به، ويمكن أن يذيل بالصيغة التنفيذية.
لهذه الغاية، فإن رئيس المحكمة المختصة محليا للبت في الموضوع النزاع هو المختص بإعطاء الصيغة التنفيذية".
انطلاقا من هذا الفصل فإن الصلح في إطار الوساطة الاتفاقية يمكن أن يذيل بالصيغة التنفيذية وبالتالي يخضع لقواعد تنفيذ الأحكام والمنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية، إلا أن الملاحظ هنا أن المشرع قد استعمل صيغة "الإمكان" وبالتالي فالقاضي لا يتدخل تلقائيا لتنفيذ حكم الصلح وإنما ينبغي للطرف الأكثر مصلحة طلب تذييله بالصيغة التنفيذية وإلا كان اتفاق الوساطة غير قابل للتنفيذ لأن الأمر هنا لا يتعلق بالنظام العام وبالتالي يحق لكل طرف من طرفي اتفاق الوساطة الاتفاقية اللجوء إلى رئيس المختصة محليا للبت في موضوع النزاع إذا لم يعرض هذا الأخير أصلا على وسيط للمساعدة على إيجاد حل ودي يترتب عنه صلح بين الأطراف لطلب إعطاء حكم الصلح أو بالأحرى وثيقة الصلح لأن المشرع استعمل في الفصل 68-327 مصطلح "وثيقة" وليس "حكم" الصيغة التنفيذية.
إن الوساطة الاتفاقية وسيلة من وسائل حل لنزاعات بدلا من القضاء، وبالتالي فإن المشرع المغربي حاول تنظيمها بنصوص قانونية على غرار جل التشريعات، إلا أن الملاحظ هنا هو المشرع قد خصها بعدد قليل من النصوص لا يتجاوز خمسة عشر فصلا وهو ما يدفعنا إلى التساؤل عن ما هو القصد التشريعي من هذا الأمر هل هو دليل على عدم أهميتها من الناحية العملية كالتحكيم مثلا؟ أم أن الأمر لا يستدعي أصلا تنظيمها بنصوص أخرى مادام أن المشرع قد أحال على المقتضيات العامة فيما يخص بعض القواعد الخاصة بها؟
بالإضافة إلى غموض بعض النصوص والترجمة التي تبقى في نظرنا محل انتقاد، وهو ما يقودنا إلى مطالبة المشرع بالتدخل لتحسين نصوص الوساطة الاتفاقية بتصحيح بعضها وإضافة البعض الآخر، حتى تكون منظمة بشكل دقيق وبالتالي إبراز مكانة الوساطة الاتفاقية كوسيلة بديلة لحل المنازعات حتى يتحقق الهدف منها الذي هو تخفيف الضغط على القضاء العادي، وتشجيع الاستثمار بتحفيز الأفراد على اللجوء إلى فض نزاعاتهم وديا.
-------------------------------
هوامش:
[1] - ذ. بنسالم أوديجا: "إدماج الوساطة في النظامية القانوني والقضائي بالمغرب، مجلة الإشعاع، ع 32، ص 47.
[2] - تنص المادة 327 "عندما يعرض نزاع مطروح أمام هيئة تحكيمية عملا باتفاق تحكيم على نظر إحدى المحاكم وجب على هذه الأخيرة إذا دفع المدعى عليه بذلك قبل الدخول في جوهر النزاع أن تصرح بعدم القبول...."
[3] - بنسالم أويجا: مرجع سابق، ص 54.
[4] - الفصل 60-327 من قانون 05-08
[5] - كما هو الأمر بالنسبة للتحكيم: انظر الفصل 315 و 317 من قانون رقم 05-08.
[6] - الفقرة الثانية من المادة 67-327 ومن قانون رقم 05-08.
[7] - الفقرة الثانية من الفصل 64-327 من قانون رقم 05-08.
[8] - الفقرة الثانية والثالثة من الفصل 68-327 من قانون رقم 05-08.
[9] - أحمد أبو الوفا: "التحكيم الاختياري والإجباري"، الطبعة الخامسة 1988، منشأة المعارف بالإسكندرية ص 30.
[10] - ورد في الفقرة الثالثة من الفصل 67-327: "لا يجوز للوسيط أن يتخلى عن مهمته إلا باتفاق الأطراف أو إذا انصرم الأجل المنصوص عليه في الفصل 65-327 أعلاه دون أن يستطيع الأطراف إبرام صلح من القاضي في الحالات المنصوص عليها في الفصل 64-327 أعلاه".
[11] - بنسالم أوديجا: "إدماج الوساطة في النظامين القانوني والقضائي بالمغرب السياق العام، الإشكاليات المطروحة، أي دور للمحامي في التجربة". مجلة الإشعاع، العدد 32، ص 63-64.
[12] - عكس القضاء العادي والتحكيم: انظر قانون المسطرة المدنية وقانون رقم 05-08 المتعلق بالتحكيم فيما يخص الفصول المتعلقة بكيفية صدور أحكام القضاة وأحكام التحكيم.
[13] - أحمد أنور ناجي: "مدى فعالية الوسائل البديلة لحل المنازعات وعلاقتها بالقضاء، ص 8.
[14] - الفصل 1112 من قانون الالتزامات والعقود.
[15] - انظر الفصل 1114 من قانون الالتزامات والعقود.
[16] - انظر الفصل 1115 من قانون الالتزامات والعقود.

تعليقات