القائمة الرئيسية

الصفحات

دور مخططات الجماعات الترابية في التنمية

 عرض بعنوان: دور مخططات الجماعات الترابية في التنمية  - دراسة مقارنة -PDF

دور مخططات الجماعات الترابية في التنمية PDF

مقدمة :
إن الحديث عن ضرورة كسب رهان التنمية المحلية كهدف استراتيجي لا بد من تحقيقه ، لا يمكن إلا أن يقودنا إلى الحديث عن أحد أنجع الوسائل و الاليات الحديثة لتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي و الذي يتمثل في المخططات باعتبارها منهجية لتدبير الأهداف التنموية انطلاقا من تخصيص و توجيه الإمكانيات و الموارد المتاحة و من استغلال الفرص الممكنة ومواجهة الاكراهات المحتملة، و ذلك في أفق زمن منظور يمكن تصوره و التأثير فيه بحيث إذا كان منطق التخطيط يفرض عدم انتظار المستقبل من أجل التخطيط له ، وحيث إنه إذا كان منطق المسؤولية يفرض على الفاعلين عدم الخضوع لمستقبل قادم و الوقوف عند محاولة توقعه ، بقدر ما يفرض عليهم التدخل و المساهمة في إبداعه بعزم وإصرار ، فإنه يجوز معه القول بأن كسب رهان التنمية المحلية لا يتم إلا من خلال كسب رهان التخطيط. فالتخطيط منهج و أداة فعالة لترشيد و عقلنة الاختيارات التنموية و إحدى القنوات الرئيسية و الهامة التي من شأنها أن تؤهل الجماعات لتصبح قطبا اقتصاديا و قاطرة للتنمية فهو لا يخرج عن كونه تحديد للأهداف المستقبلية و العمل على توفير وسائل تحقيقها في مدة زمنية معينة . فالمخطط إذا ينبغي أن يشكل أداة عمل لسياسة التنمية الاقتصادية و الاجتماعية .
فإلى أي حد استطاعت الجماعات المحلية بإمكاناتها و قدراتها و مؤهلاتها إعداد مخططاتها التنموية المحلية ، وهل ترقى المخططات الجماعية بالمغرب إلى ما هو معمول به في الأنظمة المقارنة ؟
سنعالج هذه الإشكالية حسب التصميم التالي:

الفصل الأول: دور المخططات الجماعية في تحقيق التنمية المحلية –نموذج سياسة المدينة بفرنسا-
الفصل الثاني: دور المخططات الجماعية في تحقيق التنمية المحلية بالمغرب


الفصل الأول: دور المخططات الجماعية في التنمية المحلية بالأنظمة المقارنة – نموذج سياسة المدينة بفرنسا-

تعتبر"سياسة المدينة سياسة منسقة و مندمجة من تدخلات الدولة تستهدف من خلالها هذه الأخيرة , أحياءا و مجالات حضرية "حساسة" تتسم بهشاشتها و بعزلتها أو بمؤهلات خاصة تستدعي تثمينا و إبرازا, كما تهدف هذه السياسة المتسمة بطابعها الإرادي, إلى تقليص الفوارق الاجتماعية بين المكونات الترابية للمجال الحضري, و ذلك من خلال رؤية تتوخى المعالجة الشمولية للإشكالات خصوصا بالمدن بكل تصنيفاتها (الكبرى, المتوسطة و الصغرى) باعتبارها البؤر الرئيسة للاستقبال و الإنتاج و المحركات الأساسية للمجال, كما يمكن استلهام نفس المفهوم في صياغة السياسة التدبيرية للمراكز القروية الصاعدة باعتبارها مدن المستقبل. تضم هذه السياسة مجموعة من المشاريع و التدابير, القوانين والمقتضيات التنظيمية و التي يسعى عبرها كل المتدخلون المعنيون ب"المدينة " إلى بلورتها و تطبيقها بما يؤدي إلى تجاوز الصعوبات المترتبة عن الأزمات التي مرت أو تمر منها هذه الفضاءات الحضرية "الحساسة" السابقة الذكر, فهي بالتعريف سياسة إصلاحية إرادية , متعددة الأبعاد و بين-وزارية تتطلب تشبيك المتدخلين و ترتيب و تنسيق تدخلاتهم في اتجاه تحقيق حكامة جيدة و تنمية بالمدن[1].
و قد احتلت سياسة المدينة مكانة خاصة في المشهد السياسي و الاداري الفرنسي، وذلك نظرا لتوجه هذه السياسة إلى معالجة المشاكل الأكثر حدة في المجتمع بدءا من ظاهرة العنف إلى الهدر المدرسي و مشاكل التمييز العنصري في العمل وصولا إلى العزلة الحضرية و المجالية.

المبحث الأول : أهداف سياسة المدينة و أهم المحطات التي عرفتها هذه السياسة

إن التجربة الفرنسية حاولت معالجة المشاكل التي عانت منها المدن الفرنسية خلال السنوات الثلاثين الأخيرة و لاسيما مع بروز مشاكل الضواحي و هو ما فرض التفكير في وضع برامج خاصة لمواجهة هذه المشاكل.

المطلب الأول :أهداف سياسة المدينة بفرنسا

و تتمثل أهم الاهداف التي وضعتها فرنسا لتطبيق هذه السياسة في:
- التخفيف أو القضاء على الاختلالات المجالية بهدف تحقيق نوع من الانسجام الحضري بين مناطق المدينة.
- تزويد المجالات المتضررة بالبنيات و التجهيزات الأساسية في ميادين الإدارة الترابية و التربية و التعليم ،الثقافة و الفنون ،التعمير و السكن، الصحة و البيئة.
- دعم التنمية الاقتصادية للمناطق المتضررة عن طريق إيجاد فرص الشغل و تشجيع التكوين و المبادرة و تحويل هذه المناطق من ضواحي ضعيفة اقتصاديا إلى مناطق اقتصادية تساهم في التنمية المحلية.
- تحقيق الانسجام الاجتماعي عن طريق إدماج المجالات و الفئات المهمشة في النسيج الحضري القائم.
- الديمقراطية و الحكامة بما يفيد توسيع دائرة المشاركة السياسية (الجماعات المحلية ،القطاع الخاص و جمعيات المجتمع المدني ) و تحسين تدبير الموارد المالية و البشرية و تكوين القدرات المحلية.
- تحسين صورة هذه المناطق وجاذبيتها، عن طريق تجديد نسيجها الحضري (le renouvellement urbain)، وتحسين إطار العيش بها، وضمان الأمن ومحاربة ظواهر المخدرات والعنف . (...)[2]

المطلب الثاني : أهم المحطات التي عرفتها سياسة المدينة

لقد عرفت سياسة المدينة بفرنسا تطورا مهما و ذلك عبر العديد من المحطات أبرزها:
سنة 1977: تم اعتماد أول سياسة تجريبية مندمجة في تدبير المدن بفرنسا بحيث قطعت مع السياسات القطاعية السابقة في المجال الحضري و التي حملت شعار "سكنى و حياة اجتماعية".
سنة 1982 : اعتماد سياسة التنمية الاجتماعية للأحياء و إنشاء اللجنة الوطنية من أجل التنمية الاجتماعية للأحياء.
سنة 1983: إنشاء المجلس الوطني لمحاربة الإقصاء
سنة 1988: إنشاء اللجنة الوزارية المشتركة للمدن و المجلس الوطني للمدن .
سنة 1991: تم اعتماد قانون التضامن المالي بهدف خلق توازن بين الجماعات الفقيرة و الجماعات الغنية .
سنة 1994: إنشاء صندوق مشترك بين الوزارات المتدخلة في سياسة المدينة.
سنة 1996: - إنشاء المناطق الحرة الحضرية و المناطق الحضرية الهشة.
سنة 1998:إبرام عقود المدينة 2000-2006.
سنة 1999:إطلاق المشاريع الكبرى للمدينة.
سنة 2003: إنشاء الوكالة الوطنية لتجديد المناطق الحضرية و المرصد الوطني للمناطق الحضرية الهشة.
سنة 2006: إبرام عقود الإدماج الاجتماعي في المناطق الحضرية .
سنة 2007: تم إنشاء الوكالة الوطنية للاندماج الاجتماعي و تكافؤ الفرص.[3]

المبحث الثاني : الإطار التنظيمي و المالي لسياسة المدينة

لقد كان للإطار التنظيمي و المالي أهمية كبيرة في نجاح سياسة المدينة بفرنسا

المطلب الأول : الإطار التنظيمي لسياسة المدينة

لقد تطلبت سياسة المدينة في فرنسا إنشاء تنظيم خاص يتكون من: لجنة وزارية مشتركة للمدينة أو «مجلس وطني للتنمية الاجتماعية الحضرية ، ومندوبية وزارية مشتركة للتنمية الاجتماعية الحضرية و وزارة أو كتابة للدولة في المدينة تضاف إلى المصالح اللاممركزة ثم المجلس الوطني للمدن.
- اللجنة الوزارية المشتركة أو المجلس الوطني للتنمية الاجتماعية الحضرية، هي هيئة عليا يرأسها الوزير الأول، وتضم عادة ما بين 12 و15 وزير يمثلون مجالات مختلفة (الداخلية، إعداد التراب، السكن، التربية والتعليم، الاقتصاد والمالية، العدالة، النقل، الشغل والتضامن، التخطيط، التكوين المهني، الثقافة، الشباب والرياضة، الصحة...). وتتكلف عموما بتحديد وتنشيط والتنسيق بين كل عمليات أو سياسات الدولة في المدن.
- المديرية الوزارية المشتركة، هي هيئة لتنشيط سياسة المدينة، لاسيما في جانبها الاجتماعي، هدفها الأساسي هو تحديد وتنسيق مجموع عمليات الدولة، وضمان تتبع تنفيذها في الميدان. وعمليا فهي مكلفة بتدبير الصندوق الاجتماعي الحضري، وتفادي تنازع الاختصاصات بين المتدخلين، وإنعاش كل الأجهزة والوسائل التعاقدية بين الفاعلين في المدينة والمساهمة في تحديد البرامج الكبرى، والبحث عن الموارد المالية للبرامج (بشراكة مع الوزارة المكلفة بسياسة المدينة وضمان التنسيق بين كافة الفاعلين.
- وزارة منتدبة أو كتابة الدولة في المدينة، هي إدارة مركزية، تتكون من عدد قليل من الموظفين ذات مهام تحفيزية بالأساس، هدفها دفع كل الفاعلين الجهويين والمحليين (الوزارات القطاعية، والجماعات المحلية، والمجتمع المدني) إلى الانخراط في سياسة المدينة. وهي وزارة تابعة لوزارة اجتماعية (وزارة التضامن والتشغيل في العادة)، يمثلها الوالي أو العامل على مستوى الإقليم، وعمال مساعدين على مستوى المناطق أو الأحياء المعنية.[4]
- المجلس الوطني للمدن : تم إنشائه بموجب مرسوم رقم 1015.88 في 28 أكتوبر 1988 وهو هيئة استشارية تتمثل مهمته في تقديم المشورة للحكومة بشأن وضع سياسة وطنية للتنمية الاجتماعية للمناطق الحضرية يساهم المجلس في تفعيل سياسة المدينة بحيث يمكنه أن يقدم إما بطلب من الوزير الأول أو الوزير المكلف بالمدينة أو بمبادرة منه اقتراحات و آراء و توصيات فيما يتعلق بتوجهات هذه السياسة و كيفية تنفيذها ، كما يمكنه تقديم اقتراحات في مجال الديمقراطية المحلية و مشاركة السكان .
ويتكون المجلس من55 عضوا يعينون لمدة ثلاث سنوات و ينقسمون إلى ثلاث فئات (25 منتخب محلي أو وطني و 15 ممثل للجمعيات و المنظمات المشاركة في تنفيذ سياسة المدينة و كذلك ممثلي نقابات العمال أو الموظفين، 15 عضوا من الأشخاص المؤهلين.[5]

المطلب الثاني : الإطار المالي لسياسة المدينة

تقوم التجربة الفرنسية في مجال تمويل سياسة المدينة على المحاور التالية:
1- الاعتمادات المقررة لوزارة المدينة المحدثة سنة 1990، والتي أصبحت لها ميزانية خاصة بها منذ سنة 1994 (618 مليون أورو برسم قانون مالية 2011)
2- الاعتمادات المدرجة بميزانيات الوزارات المعنية بأهداف سياسة المدينة (2.166 مليار أورو برسم قانون مالية 2011)
3- الإعفاءات الجبائية بالمناطق الحرة الحضرية (الضريبة على الشركات، الضريبة على الدخل، الرسم المهني، الرسم العقاري...)، حيث بلغ إجمالي الإعفاءات المرتبطة بالضرائب المباشرة وغير المباشرة خلال سنة 2010، ما قيمته 261 مليون أورو.
4- الإعفاءات المتعلقة بالاقتطاعات الاجتماعية بالمناطق الحرة الحضرية، بحيث بلغت قيمتها 172 مليون أورو خلال سنة 2010.
5- المجهود المالي للدولة تجاه الجماعات الترابية عبر آليات مخصصات التضامن الحضري والتماسك الاجتماعي (120 مليون أورو سنويا في بداية الأمر) لمساعدة الجماعات التي تعاني من نقص في مواردها بالنظر لتحملاتها المهمة، بالإضافة إلى مخصصات التنمية الحضرية بقيمة 50 مليون أورو سنويا، ثم صندوق التضامن للجهة المتمركزة حول باريس والذي يهدف إلى تحسين ظروف عيش ساكنة الجماعات الحضرية بالجهة، والتي تتحمل تكاليف خاصة بالنظر للاحتياجات الاجتماعية لساكنتها دون أن تتوفر على الموارد الضريبية الكافية.
6- مساهمة صندوق الإيداع والتي بلغت، على سبيل المثال، مليار و531 مليون أورو بالنسبة لقروض التجديد الحضري و 202 مليون أورو بالنسبة لقروض المشاريع الحضرية.
7- الدعم المالي للاتحاد الأوربي الذي يشكل شريكا ماليا لسياسة المدينة بكل دول الاتحاد، حيث ستصل حصة فرنسا من تمويلاته بشأن هذه السياسة إلى 14.3 مليار أورو خلال الفترة ما بين 2007/2013.
8- مساهمات الجماعات الترابية في التمويل المشترك للعقود المبرمة بشأن سياسة المدينة (العقود من الجيل الأول والثاني، بالإضافة إلى العقود الحضرية للتماسك الاجتماعي ابتداء من 2007[6].
إن التجربة الفرنسية في مجال سياسة المدينة تعكس أهمية الإطار القانوني والمؤسساتي الذي يستجيب لسياسة ذات طابع تشاركي وتعاقدي، مع برمجة لمضامين هذه السياسة، حيث هناك 31 برنامجا خاصا بها تنخرط فيها كل القطاعات الوزارية وليس لوزارة المدينة إلا عددا محدودا منها. كما يتوج ذلك كله بتركيبة مالية واضحة ومتنوعة لسياسة المدينة، وهو ما من شأنه مواجهة تعدد مجالات تدخل هذه السياسة والاستجابة بالتالي للمجهود المالي المرتبط بها.
وتبقى أحد أهم الاسباب لتطور سياسة المدينة بفرنسا هو خضوع هذه السياسة لتقييمات متكررة كانت مدخلا حاسما لتقويمها من الناحية القانونية والمؤسساتية و التدبيرية و المالية .فقد تبين مدى نجاعة هذا الأسلوب في تدبير المدن الفرنسية على مدار أربعة عقود بدليل أن حزبي اليمين و اليسار معا وعلى امتداد تعاقبهما على الحكم أبقيا عليه كخيار استراتيجي هام لتنمية المدينة و هيكلة أحيائها.

الفصل الثاني: دور المخططات الجماعية في التنمية المحلية في المغرب

لقد مكن المشرع الجماعات المحلية إمكانية التدخل في الاقتصاد عبر آليات ووسائل مختلفة من أجل تحقيق تنمية محلية ، والتي هي بمثابة مفتاح للتنمية الشاملة و تتمثل في المخططات الجماعية. فهل استطاعت الجماعات المحلية عن طريق التخطيط من تحقيق تنمية اقتصادية/اجتماعية ؟ وماهي الإكراهات سواء القانونية أو الواقعية التي تحد من فعالية هذا التدخل ؟ للإجابة عن هذه الإشكالية سنتناول في هذا الفصل الاطار القانوني للمخططات ومراحل إعدادها كمبحث أول،وواقع وأفاق المخططات كمبحث الثاني.

المبحث الأول:الاطار القانوني للمخططات الجماعية ومراحل بلورته

في البداية لا بد من تقديم الاطار العام للجماعات المحلية فهذه الاخيرة عرفت تطورا قانونيا نلخصه في ثلاثة مراحل اساسية :
المرحلة الأولى : تميزت هذه المرحلة الممتدة من سنة 1960 الى سنة 1976 بالتسيير الاداري للجماعات الحضرية والقروية، حيث جاء الميثاق الجماعي الاول لسنة 1960 متضمنا لاختصاصات اقتصادية واجتماعية قليلة جدا لان المشرع لم يمنح للجماعات المحلية الحق في احداث وتدبير المرافق العامةّ[7] .
المرحلة الثانية : امتدت هذه المرحلة من سنة 1976 الى سنة 2002 تميزت بالتسيير الشبه اقتصادي حيث منح المشرع في اطار الميثاق اجماعي الثاني الصادر 30 شتنبر 1976 عدة اختصاصات للجماعات الحضرية والقرويةَّ[8] نلخص همها فيما يلي:
- وضع مخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية للجماعة
- تحديد برنامج تجهيز الجماعة في حدود وسائلها الخاصة
- تقرير المساهمة في شركات الاقتصاد المختلط المحلية
المرحلة الثالثة : هذه المرحلة انطلقت منذ دخول الميثاق الجماعي 78.00 الصادر في 3 اكتوبر 2002 حيز التنفيذ حيث تميزت بإستراتيجية اقتصادية جديدة تهدف الى تعزيز المسؤوليات الاقتصادية الجماعية وتوسيع الاختصاصات الاقتصادية والاجتماعية بين الدولة والجماعات الحضرية والقروية، وتخليق المرفق العام المحلي ،وتبسيط الوصاية وجعلها اكثر فعالية،وإشراك الجماعات في العمليات التنموية وتعزيز الاستقلال المالي بغية تمويل التنمية المحلية.َ[9]

المطلب الأول :الإطار القانوني للمخططات الجماعية

ويعتبر المخطط الجماعي للتنمية من المفاهيم الجديدة التي جاء الميثاق الجماعي 18.07 لسنة 2009 المغير والمتمم للقانون 78.00 اذ تنص المادة 36 منه على ان الجماعة تتدخل عن طريق التخطيط ،حيث ان المجلس الجماعي يدرس ويصوت على مشروع مخطط جماعي للتنمية يعده رئيس المجلس الجماعي بمعنى انه بمجرد تشكيل المجلس يتعين على رئيسه التقدم بمشروع مخطط جماعي للتنمية وعرضه على المجلس لدراسته والتصويت عليه وفق مسطرة محددة بنص تنظيميَّ ، ويحدد المخطط الجماعي للتنمية حسب نفس المادة الاعمال التنموية المقررة انجازها بتراب الجماعة لمدة 6 سنوات في افق تنمية مستدامة ووفق منهج تشاركي يأخذ بعين الاعتبار على الخصوص مقاربة النوع الاجتماعي ،ويمكن تحيينه ابتدءا من السنة الثالثة من دخوله حيز التنفيذ[10] كما يجب أن يتضمن المخطط تشخيصا يظهر الامكانيات الاقتصادية و الاجتماعية والثقافية للجماعة وكذا الحاجيات ذات الاولويات المحددة بتشاور مع الساكنة والإدارات والفاعلين المعنيين وكذا الموارد والنفقات التقديرية المتعلقة بالسنوات 3 الاولى تم فيها العمل بالمخطط الجماعي للتنمية.
v التخطيط في قانون 47.96 المنظم للجهات وذلك من خلال المادة 7 التي نصت على ان المجلس الجهوي يمارس اختصاصات خاصة به داخل حدود الدائرة الترابية للجهة ووفق القوانين والأنظمة الجاري بها العمل ، ومن بين هذه الاختصاصات ،اعداد مخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية للجهة وفقا للتوجهات والأهداف المعتمدة في المخطط الوطني للتنمية في حدود الوسائل الخاصة بالجهة وتلك الموضوعة رهن تصرفها ، ويحيل المجلس الجهوي مخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية للجهة الى المجلس الاعلى للإنعاش الوطني والتخطيط . 
فالجهة في المغرب لم يكن لها اختصاص واسعة في التنمية الجهوية ، لكن وبالرجوع الى تقرير اللجنة الاستشارية نجد ان جاء ليتدارك هذا النقص من خلال اعطاء الصدارة للمجلس الجهوي في مجال التنمية المندمجة ،حيث نجد ان الحكومة تستشير المجلس الجهوي عند اعداد الاستراتيجية الوطنية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والمخططات القطاعية الوطنية والجهوية... وكل مشروع كبير تعتزم الدولة انجازه في الجهة[11]، ونجد ان المجلس الجهوي من خلال التقرير انه يقوم بتنسيق مقترحات الجماعة الترابية وجعلها تنسجم وتندمج في تصور التنمية الجهوية وذلك مع احترام الاختصاصات المخولة للجماعات[12]،كما بشراكة مع الدول وباقي الجماعات الترابية في انجاز برامج في بعض الميادين (اشغال البنيات التحتية ...)ويسهر على تكتيف التعاون الدولي اللامركزي مع الجهات والمؤسسات التي يتقاسم معها مصالح مشتركة وذلك لفائدة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
التخطيط في قانون 79.00المنظم للعمالات و الاقاليم حيث نصت المادة 36 من هذا القانون على ان مجلس العمالة او الاقليم يمارس داخل الدائرة الترابية للعمالة او الاقليم وفقا للقوانين الجاري بها العمل الاختصاصات الذاتية، ومنها انه يدرس مخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعمالة او الاقليم ويصوت عليه طبقا لتوجهات وأهداف المخطط الوطني.
فالتخطيط الجماعي عنصر أساسي يكرس دور الجماعة ضمن المنظومة المؤسساتية لبلادنا. فإذا كان المجلس الجماعي هو الفاعل الأساسي و المسؤول الأول عن تدبير الشؤون المحلية بعلاقة مباشرة مع ظروف عيش الساكنة فإنه غالبا ما يظل تراب الجماعة مجال تدخل عدة فاعلين ، و يكون موضوع عدة أعمال و مشاريع و برامج لا سيما تلك التي تقوم بها مصالح الدولة و المؤسسات العمومية التي بحكم صلاحياتها و مجالات عملها المتعددة تعد برامج و تبادر بطرح مشاريع و تعتمد أدوات التخطيط و التدخل، و في هذا السياق وضعت المديرية العامة للجماعات المحلية و بمساهمة المندوبية السامية للتخطيط و مديرية تكوين الأطر الإدارية و التقنية ، و منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة ( اليونسيف) و الوكالة الامريكية للتعاون الدولي و الوكالة الكندية للتنمية الدولية ( مشروع الحكامة المحلية بالمغرب)و كذا وكالة التنمية الاجتماعية و فريق الإشراف التقني عن الإتحاد الأوروبي و بالإضافة إلى خبيرين وطنيين رهن إشارة الجماعات المحلية خاصة القروية الآليات العملية لقيادة و تنشيط مسلسل إعداد المخطط الجماعي للتنمية من خلال دليل المخطط الجماعي للتنمية لسنة 2010 الذي يلقي الضوء على مسار و مراحل إعداد المخطط الجماعي للتنمية الذي يهدف بالأساس إعطاء الفاعلين المحليين الوسائل اللازمة للانطلاق و مواكبة هذا المسلسل وفقا للخصوصيات المحلية.

المطلب الثاني : المراحل التمهيدية لإعداد التخطيط الاستراتيجي.

تتضمن المراحل للتخطيط التشاركي بعض الخطوات بدءا من إعداد التخطيط ثم تشخيص الوضعية الراهنة و التعرف على حاجات الجماعة للوصول إلى صياغة نظرة مستقبلية للمجال و تحديد الأهداف.
إعداد التخطيط الاستراتيجي.
ينطلق التخطيط الاستراتيجي من تشخيص الحالة الراهنة للجماعة المحلية و محيطها الخارجي ، فالتشخيص عمل من شأنه أن يحدد العوامل الداخلية و الخارجية التي تؤهل أو تعوق تنمية الجماعة المحلية و الوصول إلى هذه الغاية ، فان أعضاء خلية إدارة التخطيط مطالبون بجمع المعلومات المتعلقة بمختلف الميادين المرتبطة بالتنمية الاقتصادية و الاجتماعية للجماعات المحلية ، فانجاز هذا التشخيص يتطلب في آن واحد معطيات كمية موثوقة و ملائمة و معطيات نوعية تسمح بتحديد نقط قوة و ضعف الجماعة المحلية ، و كذلك الإمكانيات المتاحة و الأخطار التي تحددها.
إن تشخيص الحالة الراهنة للجماعة المحلية يمكن أن ينبني على ثلاثة أنشطة تنجز عموما بشكل متوالي: التشخيص الداخلي للجماعة أولا ، ثم تحليل محيط الجماعة المجالي و الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي ثم تحديد الحاجيات في مرحلة ثالثة.[13]
تحديد الأهداف.
خلال هذه المرحلة ستكون المرحلة قد بلورت تصور مبنيا على أساس التشخيص و تحديد الحاجيات ، بعد هذا سيتم تحديد الأهداف التي سيليها وضع الاستراتيجيات اللازمة لتحقيق هذه الأهداف ، فالأمر هنا يتعلق إذن بالاختيارات و اتخاذ القرار.[14]
- المرحلة العملية للتخطيط.
تتخذ هذه المرحلة عدة خطوات جزئية ابتداء من وضع خطة عمل لانجاز المخطط ، مرورا بمرحلة إعداد برامج الميزانية و الشروع في تنفيذ خطة العمل انتهاء بتتبع الأشغال و تقييمها
- إرساء خطة عمل واضحة.
خطة العمل تترجم عمليا الأهداف الإستراتيجية الكبرى التي تحديدها خلال المرحلة السابقة لأن هذه الخطة تضبط بدقة كل هدف استراتيجي و أنشطته الملائمة للأهداف الجزئية و الموارد البشرية و المادية و المالية الضرورية ، كما تحدد له المهام و المسؤوليات كما تنظم مراحل الأنشطة و تبرمج المواعيد الواقعية لانجازها[15] ، فخطة العمل تتضمن بالنسبة للجماعة كما هو الحال بالنسبة للشركاء برنامج عمل شفاف و موضوعي و هي أساسية لضمان التنفيذ الفعلي للمخطط الاستراتيجي.
برمجة التخطيط ضمن الميزانية الجماعية.
تبرز أهمية هذه المرحلة في انتقال التخطيط من جانبه النظري إلى إدخاله حيز التنفيذ ، و ذلك عبر برمجته في الميزانية و هذه البرمجة لا يجب أن تكون اعتباطية بل على الجماعات المحلية أن تقوم بتقدير مداخيلها و نفقاتها و في حالة العجز البحث عن طرق ملائمة لإيجاد الحل.
و هكذا و قبل توزيع الاعتمادات على المشاريع ، فانه من الأولويات أن تؤخذ فكرة حول توقعات الموارد سواء الذاتية أو الخارجية ، إضافة إلى الحسابات الخصوصية و كذا التوقعات حول نسبة زيادتها أو انخفاضها ، كما يقتضي الأمر معرفة حجم مصاريف التسيير من نفقات الموظفين و الصيانة و إرجاع أقساط القروض و غيرها.
فأهمية هذه الحسابات ترجع إلى معرفة الوضعية الحالية للجماعة و كذا تنفيذها سواء على المدى القريب أو المتوسط و حتى الطويل.
و انطلاقا من التوقعات المتعلقة بالموارد المالية و المصاريف ، تقوم الجماعة بحساب فائضها في الميزانية و الذي سيستعمل في تمويل المشاريع الاستثمارية ، لكن في حالة العكس أي عند تسجيل عجز في الميزانية
فإنها تضطر إلى الاستعانة ببعض مؤسسات التمويل الوطنية و الأجنبية أو الدخول في تسويق مؤهلاتها عن طريق إبراز مؤهلاتها الطبيعية (الغابات ،الشواطئ...) ثم البشرية من خلال توفرها على يد عاملة شابة و نشيطة و كذا موقعها الجغرافي و ارثها التاريخي في إطار الشراكة ، و يبقى الهدف من ذلك طبعا الدخول في شراكات اقتصادية مع الأطراف الأخرى و لا سيما الخواص إما في شكل شركات اقتصادية مختلطة أو عن طريق تفويت بعض القطاعات للخواص.
- مرحلة التتبع و تقييم التخطيط.
من بين محددات نجاح أي مشروع ، النظر إلى الأهداف المسطرة سلفا و كذا مراجعة و تطوير الخطة كلما ظهرت مستجدات طارئة و ظروف استثنائية تؤثر على السير العادي للتخطيط.
و للإشارة فان عملية التقييم و التتبع يمكن أن تكون على عدة مستويات ، منها التنظيم الداخلي للجهة الساهرة على إعداد المخطط من حيث كيفية انجاز مهامها و طريقة تدبيرها للعملية ، كما يشمل التنظيم و التتبع و العلاقة بين الجماعات و شركائها و معرفة أهم المستجدات فيما يخص هذه العلاقة . و في الأخير معرفة حالة تقدم المشاريع و في حالة التأخر يجب البحث عن أسباب ذلك و عن المشاكل المطروحة و كيفية تجاوزها.
و لإضفاء نوع من الديمقراطية على هذه المرحلة ، فان الأمر يقتضي إخبار الشركاء و خاصة السكان حول مدى تقدم العملية و الخطة و الاستراتيجيات و القرارات المتخذة و في حالة وقوع اختلالات أو تأخير في المشروع يجب كذلك إخبارهم بذلك و هذه الأخبار لا يجب أن تكون عملية آلية بل يجب عليهم انتظار وضع الاقتراحات من قبل الساكنة المحلية و السماح لهم بفتح نقاش عن طريق تنظيم ملتقيات خاصة بذلك أو عبر صناديق المقترحات من خلال زيارات ميدانية يقوم بها المنتخبون و كذا اجتماعات الأحياء أو الجمعيات المحلية [16].
إن الجماعات المحلية لا يمكن أن تحقق التنمية الاقتصادية إلا بتاهليها تأهيلا بنيويا حيث أن التنمية على المستوى الوطني لا یمكن أن تتم إلا إذا حققت الوحدات الترابية نموها الشامل.
فالمخطط الجماعي يهدف إلى إرساء ثقافة جديدة للشراكة و تكوين سياسة تطوعية للمشاركة و التشاور بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين و الاجتماعيين و بين السلطات المركزية و اللامركزية و لهذا السبب فان هذا المخطط ينبغي أن يشمل أداة عمل لسياسة التنمية الوطنية الشاملة الذي يترجم خياراتها و يحدد الأهداف المتوخاة سواء على المستوى الوطني أو المحلي.[17]
لكن و بالرغم من وضع المديرية العامة لوزارة الداخلية هذا الدليل رهن إشارة الجماعات المحلية من أجل مساعدتها على قيادة و تنشيط مسلسل إعداد المخطط الجماعي للتنمية إلا أن عدد قليل من الجماعات المحلية من قامت بإعداد مخططاتها و تفعيلها.

المبحث الثاني : واقع و آفاق المخططات الجماعية في المغرب

إن أغلبية الجماعات المحلية تفتقر إلى تصور محلي شمولي و مندمج يأخذ بعين الاعتبار أولويات المواطنين و حاجياتهم في إطار تخطيط منهجي يرتكز على مقاربة توفق بين توظيف المؤهلات المحلية وتلبية متطلبات الساكنة.

المطلب الأول: واقع الممخططات الجماعية للتنمية المحلية

عرفت المخططات الجماعية في المغرب محدودية في النتائج وذلك راجع إلى مجموعة من المعيقات أهمها :
1-المعيقات المالية والتي تتجلى في :

أولا - ضعف الاستقلال المالي المحلي :
فالتسيير المالي المحلي يعاني من عدة صعوبات تتجلى في عدم كفاية الموارد المحلية، ذلك أن الموارد الذاتية لغالبية الجماعات المحلية لا تكفي لسد نفقات التسيير مما يضطرها إلى اللجوء إلى التمويل الاستثنائي(طلب المساعدات والإعانات والقروض) الأمر الذي يثقل كاهل الجماعات بالديون .
إضافة إلى ذلك فإن توسيع اختصاصات الجماعات المحلية بتحويلها اختصاصات كانت تقوم بها الدولة في مجالات تتطلب مجهودات كبيرة كقطاع الصحة والتعليم...إلخ ، يتطلب الزيادة في التكاليف سواء على مستوى الموظفين أو الصيانة أو نفقات الإدارة مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التسيير، كما أن تفشي ظاهرة الغش والتهرب الضريبي فاقم من حدة الأزمة حيث نجد أن متوسط قيمة التحصيل لا تتجاوز 70% من المجموع.

ثانيا - سوء تدبير الأملاك الجماعية :
تعاني المجالس الجماعية من سوء تدبير الأملاك الجماعية من سوء تدبير استغلال الممتلكات الجماعية فهناك بعض الجماعات وخاصة القروية تعرف خصاصا واضحا في الموارد البشرية الكفأة كما أن هناك خصاص في الاعتمادات المالية اللازمة لصيانة واستغلال وتنمية الممتلكات الجماعية وفي مسألة التنازلات والتسهيلات المبالغ فيها والتي تقدمها المجالس المحلية للمنتفعين من استغلال هذه الأملاك لاعتبارات اجتماعية أو سياسية وذلك على حساب الهدف التمويلي الذي يبقى له الأولوية في أي تدبير مقاولاتي يتوخى توفير الموارد اللازمة للوصول إلى مبتغى التنمية .
وكنتيجة لهذا الأسلوب أصبحت الأكرية والواجبات المرتبطة بالأملاك الجماعية تتميز بالضعف والمحدودية الشديدة في عائداتها، كما تؤدي ظاهرة التفويتات لأملاك الجماعة الخصوصية لاسيما للأراضي وبأثمان رمزية لا تراعي السومة العقارية السائدة لفائدة الخواص إلى تقليص الرصيد العقاري من هذه الأراضي وبالتالي غياب أي بعد تدبيري استراتيجي جديد لهذه الموارد.
2- ضعف الرؤية الاستشرافية وتتجلى في:
أولا : ضعف الرؤية الشمولية للمجال الحضري :
إذا ما حاولنا قراءة حصيلة التخطيط الحضري للمدن المغربية الكبرى، فإن الملاحظات التي يمكن الكشف عنها، هي ضعف الرؤية الشمولية للمجال الحضري التي رافقت السياسة التعميرية و عداد التراب الوطني، ولقد أكد الخطاب الرسمي في غير مرة بأن هناك مجموعة من الأخطاء والثغرات شابت سياسة إعداد التراب، فتعدد المتدخلين في ميدان التعمير والتقسيم الإداري غير الملائم وضعف التنسيق الأفقي والرؤية الشمولية الموحدة بين المتدخلين في سياسة إعداد التراب قد أنتج عراقيل أمام إيجاد صيغة معقلنة للتدبير الحضري من خلال وضع تصاميم ومخططات تعميرية ذات أهداف تنموية على المدى المتوسط والبعيد، وكنتيجة لذلك فإنه قد صعب التحكم في توجيه الأنشطة الاقتصادية وتوزيع السكان واستغلال الموارد الطبيعية بشكل معقلن عبر مجموع التراب الوطني، الشيء الذي جعل دينامية المجال المغربي تتميز بتركيز كبير للسكان والأنشطة في المناطق الساحلية خاصة المنطقة الممتدة بين القنيطرة والجديدة مرورا بالعاصمة الإدارية بالرباط والعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، وعلى مستوى الجهات فإن المنطقة الشمالية الغربية والمنطقة الوسطى هي الأكثر كثافة من حيث الأنشطة الاقتصادية والتوزيع السكاني داخل الإقليم الترابي للمملكة.
ثانيا : الشأن المحلي وتدبير المجال :
لم يعرف المغرب منذ الاستقلال سياسة عقلانية للتدبير المجالي على مستوى التعمير وإعداد التراب الوطني بالخصوص، فكل الحلول المعتمدة وليدة سياسة تهدف لتقوية دور الجهاز الإداري عبر التراب الوطني، ولعل ما زاد الأمر تعقيدا هو ما يستهدف المغرب اليوم من تحديات خارجية ومتغيرات داخلية فعلى المستوى الخارجي :"أصبح المغرب مضطرا أكثر من أي وقت مضى لإعادة هيكلة مدنه الكبرى بشكل معقلن لمواجهة تحديات العولمة والانفتاح على الاستثمارات الخارجية، وداخليا :"فإن ما واكب العهد الجديد من التحديات والتي أملت على الدولة الدخول في إطار سياسة تعاقدية مبنية على مفهوم جديد للسلطة قد تولد عننه منظور جديد لتدبير الشأن العام المحلي .
ومن خلال كل هذا نستنتج أن خيار وحدة المدينة وتدبير المجال ليس مطلبا اعتباطيا ولكنه ضرورة فرضتها مجموعة من الاعتبارات والاكراهات المجالية والاقتصادية والاجتماعية حتى التدبيرية التي ألزمت المشرع المغربي بأخذه بعين الاعتبار، وجعله حلقة أساسية من سلسلة دمقرطة الشأن العام المحلي وتدبير المجال ببلادنا.
3- ضعف الموارد البشرية " الكفاءة والجودة " وتتمثل أساسا في ضعف تكوين وتأهيل المنتخب والموظف الجماعي :
إن إشكالية الموارد البشرية ذات طبيعة مزدوجة فهي مسألة تهم المنتخب الجماعي كما تهم أيضا موظف الجماعة أيضا، وباعتبار التنمية المحلية تشمل النشاطات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فهذه المجالات والأعباء تتطلب من المنتخب أن يكون على دراية بالاختصاصات الموكولة إليه، وهذا بدوره يتطلب مستوى ثقافي ومعرفي وخبرة عالية، لذلك فإن اشتراط نهاية الدروس الابتدائية على الاقل لتولي مهام الرئيس غير مقبول خاصة بالنسبة للجماعات التي تتوفر على موارد مالية مهمة وجسامة المسؤولية الموكولة للرئيس لذلك فإنه من المهم التوفر على مؤهلات ثقافية لا بأس بها لمعرفة وفهم النصوص القانونية والتنظيمية من جهة ومعرفة الاختصاصات التي من شأنها أن تنعش التنمية الاقتصادية والاجتماعية واستيعابها بشكل لا يدع مجالا لتهميش المنتخب المحلي، هذا مع العلم أن التجربة أبانت عن استعصاء فهم النصوص القانونية حتى على ذوي الكفاءات العالية وبالأحرى الرئيس المتوفر على شهادة الدروس الابتدائية.
4-المعيقات السياسية وتتجلى في :
أولا : تعدد الانتماءات السياسية للمنتخبين الجماعيين :
كثيرا ما لعبت مسألة الانتماءات السياسية دورا سلبيا في انتاجية المستشارين الجماعيين داخل الإدارة الجماعية، مما يؤدي إلى عرقلة تحقيق التنمية المحلية التي هي إحدى المسؤوليات الجسيمة الملقاة على عاتق المجالس المحلية، ذلك أن تباين الاتجاهات والألوان السياسية لدى المنتخبين قد يؤدي إلى رفض التعاون فيما بينهم، ويمتد الأثر السلبي إلى تعطيل الآلة الجماعية بدءا من القرارات الجماعية إلى مختلف بنود الأنشطة الجماعية اليومية، ومن ثم إلحاق الضرر بالساكنة التي تتعطل مصالحها بفعل التأثير السلبي لاختلاف الألوان السياسية للمستشارين الجماعيين التي كان من المفروض أن تغني التجربة الجماعية.
ثانيا : إشكالية مفهوم الأغلبية والأقلية في المجلس الجماعي :
و تظهر سلبيات هذه الإشكالية سواء على مستوى الحساب الإداري أو على مستوى القرارات الجماعية
على مستوى الحساب الإداري: إن هذه الإشكالية تظهر بشكل كبير على مستوى التصويت على الحساب الإداري حيث أن تأثر العلاقة بين الأغلبية والأقلية في المجلس الجماعي ينعكس بشكل سلبي على مستوى التصويت على الحساب الإداري، مما يؤدي في الأعم إلى رفض هذا الحساب ، ذلك أن رئيس المجلس الجماعي كثيرا ما يفشل في الحصول على الأغلبية من الأصوات لتمرير الحساب الإداري أثناء مناقشته والتصويت عليه.
أما على مستوى القرارات الجماعية: فإن ممارسة العمل الجماعي من طرف المنتخبين المحليين قد أثبتت على أنه كانت أهمية القرارات الجماعية في تحقيق التنمية المحلية فإن نجاحها رهين بتخطي عقدة الأغلبية في المجالس المحلية( أي أن اتخاذ القرار يرتبط بأهواء المستشارين الذين بتصرفهم هذا يعملون على إقبار هذه القرارات في مهدها دون شرح موضوعي أو تعليل قانوني وبالتالي تعطيل المصلحة الجماعية وتفويت الكثير من الفرص الإيجابية على الجماعة).

ثالثا : غياب عنصر التعاون والتضامن بين المنتخبين:
إن غياب التضامن والتعاون بين المنتخبين غالبا ما يكون ناتجا عن الحسابات السياسية والحزبية الضيقة، الشيء الذي تضيع معه التنمية المحلية بانعدام الاتفاق على تحقيق المشاريع التنموية وإنجاز البرامج المختلفة في الميادين الإدارية والاقتصادية والاجتماعية.[18]

المطلب الثاني : آفاق المخططات الجماعية للتنمية :

لكي تتمكن المجالس الجماعية من مسايرة التنافسية على المستوى الوطني وكذا الانفتاح على المستوى الدولي ، فهي مطالبة بتبني مناهج تدبيرية حديثة ، تساعدها على تحقيق المردودية المطلوبة ، والبحث عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

بالنسبة للمصالح المركزية :
- ووجوب تحضير المخططات من الأسفل إلى الأعلى لما له من أهمية قصوى وذلك بانخراط كافة الجماعات المحلية في عملية التخطيط للتنمية الاقتصادية و الاجتماعية مما يشجعها على تحقيق اهداف مخططاتها المحلية حيث يتم تطبيق هذا الاسلوب بطلب الادارة العليا من مديري الاقسام و الادارات تقديم خططهم السنوية و مدى ملاءمة ذلك مع التغييرات البيئية المختلفة و بعد ذلك تقوم الادارة العليا بإجراء التعديلات اللازمة و بالتالي وضع المخطط الملائم طبقا للوضع القائم.
- توفير أطر ذوي خبرة و مستوى أكاديمي ملائم في المناصب الاستراتيجية للجماعات من أجل تطوير تدبير مصالحها و بسط تنفيذ المخطط الجماعي.
- اعتبار التنمية المحلية كمهمة اسياسية للجماعات و ثتمين المخطط الجماعي للتنمية في نظام
برمجة الاستثمارات العمومية، بغية التمكن من تعبئة الموارد الضرورية وتنسيقها على المستوى المحلي.
- تحسين الدعم و الاستشارة للمصالح التقنية الخارجية لفائدة الجماعات.
· بالنسبة للسلطة الإقليمية:
- الإسهام في التوجيه والتنسيق بين المتدخلين في التنمية بتشاور مع سلطات الجماعة
- تسهيل التقائية أعمال المخطط الجماعي للتنمية مع التوجهات الكبرى للدولة والسياسات القطاعية
- تحفيز وتشجيع إحداث مجموعات الجماعات حول المشاريع ذات المصلحة المشتركة

بالنسبة للمنتخبين المحليين :
- تأهيل عميق للموارد البشرية للجماعات المحلية في ميدان التخطيط والبرمجة و استغلال المعطيات الاحصائية وغيرها و كذا الاستفادة من خبرة المصالح الخارجية و المعاهد الجامعات حيت تتمكن من رفع من المستوى الموظفين الجامعيين و في هذا الاطار يمكن لرؤساء المجالس المنتخبة التكوين والتنظيم و انجاز الاشغال المصالح الدولة و هيئاتها المختصة حتى يرخص لها بأداء تلك الخدمات كالاستعانة بمكاتب الدراسة المختصة[19]
- بلورة التشاور على المستوى المحلي من شأنه أن يسهل تعبئة جميع القوى ويحفز على المشاركة الفعالة للجميع على إنجاز البرامج ومشاريع المخطط الجماعي للتنمية.
- الرفع من المستوى العلمي للمنتخبين الجماعين
- استعمال المخطط الجماعي كآلية للمرافعة لدى الشركاء في التنمية.

على المستوى الهيكلة و الأنظمة المعلوماتية:
- تجاوز النقص في التنظيم و استعمال الانظمة المعلوماتية من جهة, و العمل على توفير المعلومات المحينة و الكافية من جهة أخرى لنجاعة الإدارات المحلية في مختلف مجالات تدخلها.
- تعميم عرض الخدمات لمساعدة الجماعات على تجاوز العجز الذي يعيق تسييرها و يضر بصورتها لدى المواطنين. [20]

على مستوى الموارد المالية:
- ضرورة تدعيم الموارد المالية للمجالس الجماعية عبر اعتماد جباية محلية وازنة و خاضعة لمنطق الحساب الاقتصادي كما يجب العمل على خلق ضريبة محلية رئيسية , و يتعلق الأمر بتعويض مجموعة مهمة من الضرائب و الرسوم المحلية بضريبة واحدة جديد كما هو الحال بعض الدول الانكلوساكسونية .
- إعادة النظر في الوعاء الضريبي مع الأخذ بعين الاعتبار القدرة المالية للملزم مع متطلبات التنمية المحلية .
يتبين من كل ماسبق أن التجربة الفرنسية بكل حمولتها تستحق من الفاعلين في المجال و المهتمين التدقيق في تفاصيلها و استثمار الدروس في سبيل إغناء التجربة المغربية التي لا زالت تعرف العديد من المعوقات.

---------------------------
الهوامش :
[1] - عبد الكريم أشبون ، حول سياسة المدينة في المغرب – محاولة التعريف- المجلة الالكترونية هيسبريس
[2] - بهضوض محمد، سياسة المدينة في المغرب ، بيان اليوم 02/03/2012
[3] - L’évolution de la politique de la ville
http://www.ladocumentationfrancaise.fr/
[4] - بهضوض محمد ، مرجع سابق
[5] -http://www.ville.gouv.fr/ Le Conseil national des villes
6-د.ابن زهر ،البعد المقارن في تمويل سياسة المدينة: التجربة الفرنسية نموذجا ، جريدة الوطن الآن ، عدد : 472
. اعطاء اختصاصات واسعة لرجال السلطة محاضرة الدكتورة مليكة الصروخ لسنة 2012 [7]
.تقليص من اختصاصات رجال السلطة ومنحها للمنتخبين الجماعين _صلاحيات تنفيذية_ [8]
.د. احمد بوعشيق :الحكامة المحلية على ضوء الميثاق الجماعي 18.07 [9]
10 - الميثاق الجماعي 18.07
11- في حالة رفض الحكومة مقترحات المجلس الجماعي كليا او جزئيا التي تعني جهته فيجب أن يكون الرفض معللا
12- أي أن مجالس العمالات والاقاليم ومجالس الجماعات تعد مخططاتها وبرامجها ومشاريع تنميتها الذاتية في انسجام مع التصور الذي يتبناه المجلس وتصادق عليه الدولة
[13] - دليل المخطط الجماعي للتنمية سنة 2010 ، الجزء الثاني ص: 39-87
[14] عبد العالي ماكوري . مناهج جديدة لإنجاح سياسة التخطيط الاقتصادي و الاجتماعي بالمغرب . مقال منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية . يوليوز.2007. ص 75
عبد العالي ماكوري .مرجع سابق . ص 76.[15]
[16] - دليل المخطط الجماعي للتنمية سنة 2010 ، الجزء الثالث ص:95- 129
فوزية العشري . التدخلات الاقتصادية للجماعات المحلية بين حدود التنصيص القانوني و تدبير الواقع . بحث لنيل دبلوم الماستر في الحقوق بكلية[17]
الحقوق بطنجة . 2007/2008 .ص 29
[18] - سمية لمساعدي ، صناعة القرار المحلي بين رهان الحكامة المحلية و إكراهات التنمية، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام، السنة الجامعية 2007/2008
[19] - تقرير اللجنة الاستشارية الملكية للجهوية المتقدمة ، الكتاب الأول :التصور العام
[20] بونس لشهب التدبير الاستراتيجي للجماعات المحلية – نموذج المغرب- رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام المعمق 2008-2009 ص116.

تعليقات