طرق الطعن في القرارات التأديبية

مقال بعنوان: طرق الطعن في القرارات التأديبية

طرق الطعن في القرارات التأديبية


مقدمة: 
للتأديب في العمل دور هام في إرساء مبدأ الانضباط الواجب توافره لتمكن الإدارة من القيام بالمهام المناطة بها لتحقيق الصالح العام، فهو بمثابة وسيلة لعقاب الموظف العام جزاء لما أرتكبه من أفعال تشكل مخالفات تأديبية وبغرض مواجهة سلوك منحرف يمثل خروجاً على مقتضيات الواجبات الوظيفية وتهديداً لمبدأ حسن سير المرافق العامة بانتظام واطراد. 
وإذا كان مبدأ فاعلية العقوبة التأديبية يتجه نحو تقوية سلطات الجهة التأديبية تحقيقاً لمصالح الجهاز الإداري في الدولة فأن ذلك ينبغي ألا يكون على حساب ضمانات الموظفين الذين يمارس التأديب في مواجهتهم. حيث تشكل تلك الضمانات حقوقاً للموظف تقابل سلطات الإدارة الواسعة ومن ثم يتعين على السلطات التأديبية أن توازن ما بين مبدأي الفاعلية والضمان دون انحياز أو تفريط فكلاهما جدير بالرعاية والاهتمام. فإذا كانت حاجة المواطنين في تسيير المرافق العامة تقتضي تقوية السلطات التأديبية وزيادة سلطات الرئيس الإداري، فأن ذلك لا ينبغي أن يكون انتقاصاً من الضمانات التي يتعين توفيرها للموظفين في مواجهه سلطات التأديب، الأمر الذي يفقدهم الطمأنينة في العمل الوظيفي. 
وهذه الضمانات منها ما هو متصل بقرار فرض العقوبة التأديبية،فهذه العقوبة في النظامين الرئاسي والمختلط للتأديب تصدر بقرار إداري، وهذا القرار يجب أن يستكمل عناصره الخمسة المعروفة الاختصاص والشكل والمحل والسبب والغاية. فيجب أن يصدر من السلطة التأديبية المختصة، كما يجب أن يستوفي القرار الشكليات التي نص عليها القانون وأهمها أن يكون مكتوباً ومسببا، وأن تتاح للموظف فرصة الدفاع عن نفسه ومناقشة شهود الإثبات وأن تكون هناك مخالفة من جانب الموظف ترتقي إلى مستوى الجريمة التأديبية كما يجب أخيراً أن تبتغي الإدارة من إصدار القرار بفرض العقوبة ضمان حسن سير المرفق العام والعمل فيه بانتظام واطراد، فلا تقصد الإساءة إلى الموظف أو الانتقام منه بل إصلاحه كي يكون عنصراً نافعاً في المرفق العام. 
ومن الضمانات ما هو لاحق لقرار فرض العقوبة التأديبية وتتمثل بالاعتراض الطعن الإداري والطعن القضائي: 
· تتمثل المسطرة الأولى، أي الطعن الإداري في التظلم الإداري حيث يخول للموظف المتضرر من قرار إداري اللجوء إلى الإدارة قبل رفع دعوى الإلغاء بغاية إقناع الإدارة بمراجعة قرارها وذلك إما بسحبه أو إلغائه أو تعديله أو تعويضه بغيره. 
· أما المسطرة القضائية، فقد نظمها قانون 90-41 من خلال دعوى الإلغاء، ذلك أن القاضي الإداري يتكفل بالنظر في مشروعية القرارات الإدارية ويتخذ ما يلزم في شأنها من أحكام قضائية. 
كما أن حق التقاضي يعتبر من الحقوق العامة التي اعترف بها الدستور للأفراد حيث جاء في المادة 118 الفقرة الأولى منه على أن حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون، 
وحق الطعن القضائي من أهم ضمانات الموظف العام في مواجهة سلطة التأديب، ذلك لأن القضاء بما يتصف به من حيده ونزاهة ينظر نظرة فاحصة عادلة إلى قرار فرض العقوبة التأديبية ويحسن فحص ما يدعيه الموظف من وجود عدم مشروعيه قد تلحق بقرار فرض الجزاء. 
لهذه المبررات اخترنا دراسة الطعن في القرارات التأديبية باعتباره ضمانة هامة من ضمانات الموظف (أو الأجير) في مواجهة سلطات التأديب، حيث إشكالية الموضوع تتمثل في معرفة أهم طرق الطعن في القرارات التأديبية. 
دراسة هذا الموضوع، تقتضي تقسيمه إلى مبحثين اثنين: 
- أولهما يتمحور حول التظلم الإداري من القرارات التأديبية 
- أما الثاني فسيكون موضوعه الطعن القضائي في القرارات التأديبية 

المبحث الأول: التظلم الإداري من القرارات التأديبية: 

يعرف التظلم الإداري بأنه التجاء صاحب الشأن إلى الجهة الإدارية التي أصدرت القرار أو الجهة الرئاسية مستهدفا إلغاءه أو تعديله أو سحبه خلال المواعيد القانونية المقررة. 
وتظهر أهميته في تقليل المنازعات الإدارية وإنهاؤها في مراحلها الأولى دون اللجوء إلى القضاء، بل ويعد من الوسائل غير القضائية التي يمكن من خلاله تحقيق العدالة الإدارية، وتسيير سبل استرداد صاحب الشأن لحقه، ولا شك أنه يسمح لجهة الإدارة بإعادة النظر في القرار المراد التظلم منها. 
فهو يعد وسيلة رقابة تحمل طابع المراجعات وإعادة الحقوق لأصحابها ووسيلة ودية لتسوية النزاع حول الجزاء التأديبي، وينقسم التظلم الإداري من حيث الجهة التي يقدم إليها، تظلم استعطافي (ولائي)، والآخر تظلم رئاسي، ومن حيث اشتراط تقديمه قبل رفع الدعوى، إلى تظلم اختياري وإجباري. 
من هذا سوف نحاول توضيحه من خلال مطلبين أشكال التظلم الإداري وطرق تقديمه (مطلب أول)، شروط صحة التظلم الإداري (مطلب ثاني). 

المطلب الأول: صور التظلم الإداري وطرق تقديمه 
الفرع الأول: صور التظلم الإداري 

التظلم الاستعطافي أو ما يعرف بالتظلم الولائي: حيث يتقدم صاحب المصلحة المتضرر من تصرف الإدارة بتظلمه إلى الموظف الذي صدر عنه التصرف موضوع الشكوى، ويتضمن بوضوح المخالفات التي ينظر عليها التصرف غير المشروع مع طلب سحبه أو إلغاءه أو تعديله، بما يتفق وقواعد المشروعية. 
التظلم الرئاسي: ومفاده أن يتوجه ذوو الشأن بتظلمهم إلى الرئيس الإداري الذي أصدر القرار موضوع التظلم، طالبين منه الإنصاف ورفع الضرر الذي لحق بهم أو على وشك الوقوع إذا ما تم التصرف وذلك مع توضيح الأخطاء التي وقع فيها الموظف المرؤوس. 
في هذه الحالة على الرئيس الإداري أن يفحص أعمال مرؤوسيه ويراجعها بما له من سلطة رئاسية، فإذا ما اكتشفت عدم مشروعية التصرف أو عدم ملائمته بسبب الظروف المحيطة به، فإن عليه إلغاء التصرف أو سحبه أو تعديله واتخاذ تصرف جديد يحل محل التصرف الذي تم إلغاؤه. 
التظلم إلى لجنة إدارية خاصة: في هذه الحالة يتوجه المتظلم إلى لجان إدارية خاصة يحددها القانون في حالة معينة ووفق شروط محددة، وتقوم هذه اللجان بالفصل في التظلم المقدم إليها دون اللجوء إلى الرئيس الإداري، وتشكل اللجان الإدارية من عدد من الموظفين. 
وتعتبر هذه الطريقة حلا وسطا بين الرقابة عن طريق التظلم الرئاسي والتظلم الاستعطافي، أو الولائي من جهة والرقابي القضائية من جهة آخرى، وغالبا ما تكون اللجان الإدارية خطوة في طريق التطورات نحو الرقابة القضائية الكاملة. 
والتظلم الإداري أيا كان نوعه، قد يكون اختياري للفرد وأحيانا يكون إجباريا وإلزاميا. 
فإن كان التظلم اختيارا فقد لا يتبعه الفرد، فيلجأ مباشرة إلى القضاء ليطعن في التطرق الإداري محل الشكوى. 
لكن المشرع في بعض الحالات يلزم الفرد بالتظلم أولا إلى الجهة المختصة، ويكون ذلك شرطا لقبول الطعن القضائي في التصرف الإداري عندما ترفض الإدارة التظلم ولا تستجيب لطلبه. 
ففي هذه الحالة المنظمة تشريعا، يجب أن يسبق التظلم رفع الدعوى أمام القضاء، حتى تكون الدعوى مقبولة، أيضا لابد أن يحترم الفرد المواعيد المقررة لتقديم التظلم خلالها، وأن يحافظ أيضا على المواعيد المحددة للجوء إلى القضاء في حالة رفض الإدارة التظلم، يجب كذلك على الفرد مراعاة الشكل الواجب إتباعه حتى يكون التظلم مقبولا للنظر أمام الجهة الإدارية وإلا فقد التظلم قيمته. 

الفرع الثاني: طرق تقديم التظلم الإداري 

الأصل أن التظلم اختياري أمام صاحب الشأن، إن شاء تظلم إلى الإدارة، وإن شاء رفع دعواه مباشرة إلى القضاء دون سبق التظلم، إلا أن المشرع يتطلب أحيانا تقديم التظلم الإداري قبل رفع دعوى الإلغاء وإلا حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى، وهذا ما كانت تنص عليه المادة 14 من قانون إنشاء المجلس الأعلى لسنة 1957، إذا اعتبر المشرع المغربي في ظل هذا القانون النظام الإداري إجراء إجباري، وشرط من شروط قبول دعوى الإلغاء. 
وهذا ما أكده المجلس الأعلى في حكمه الصادر بتاريخ 31 يناير 1968 بأنه "لا يقبل طلب الإلغاء بسبب الشطط في استعمال السلطة إلا إذا تقدمه تظلم إدارة للرئيس المباشر، وإن لم يكن فلمصدر المقرر المطعون فيه". 
وجاء قانون المسطرة المدنية لسنة 1974، وتعرض للتظلم في الفقرة الثانية من الفصل 360، والتي تضمنت ما يلي: "غير أنه يمكن للمعنيين بالأمر قبل انصرام الأجل المحدد للطعن النزاعي أن يرفعوا تظلما استعطافيا إلى السلطة التي أصدرت المقرر أو إداريا إلى التي فعلوه مباشرة. 
ويلاحظ على هذه الفقرة أن المشرع جعل تظلم اختياري، فللطاعن حرية الاختيار بين أن يلجأ مباشرة إلى المجلس الأعلى، فيرفع دعوى الإلغاء داخل الأجل المحدد فيه 60 يوما من يوم النشر أو تبليغ القرار أو أن يقدم تظلما إداريا قبل الالتجاء إلى القضاء. 
أو حتى في حالة سكوت الإدارة على تقديم التظلم داخل المدة المحددة، يعد بمثابة رفض ضمني أوجب الطعن فيه بالإلغاء. 
كما تعرض قانون المحاكم الإدارية لسنة 1990 للتظلم الإداري، حيث نصت المادة 23 منه، على أنه يجوز للمعنيين بالأمر أن يقدموا قبل انقضاء الأجل المنصوص عليه في الفقرة السابقة تظلما من القرار إلى مصدره أو إلى رئيسه، وفي هذه الصورة يمكن رفع طلب الإلغاء إلى المحكمة الإدارية، داخل أجل 60 يوما تبتدئ من تبليغ القرار الصادر صراحة برفض التظلم الإداري كليا أو جزئيا. 

المطلب الثاني: شروط صحة التظلم الإداري
الفرع الأول: شرط المصلحة والميعاد القانوني

لإعمال أثر التظلم الإداري في قبول التقدم بطلب إلغاء القرار الإداري المتظلم منه، فإنه يتعين أن تتوافر في هذا التظلم الشروط الآتية: 
التقدم به من صاحب المصلحة (المتظلم)؛ 
يتعين أن يقدم التظلم الإداري صاحب الشأن أو نائبه وقد يكون شخص طبيعي ومعنوي وهنا صاحب المصلحة في إلغاء القرار لمساسه بمصلحة شخصية مباشرة خاصة به والمصلحة من المبادئ المستقرة في مجال التقاضي؛ 
وينبغي أن يقدم التظلم إلى الجهة الإدارية مصدرة القرار أو الجهة الرئاسية لها بصفة أساسية، حيث أن هاتين الجهتين تملكان حق سحب القرار أو تعديله أو إلغاؤه، باعتبارهما جهتي الاختصاص بنظر التظلم. 
أن يقدم التظلم إلى السلطة المختصة به في الميعاد القانوني لرفع دعوى الإلغاء أي خلال 60 يوما من تاريخ نشر القرار أو إعلانه أو العلم اليقيني، حسب الأحوال. 

الفرع الثاني: محل وأثر التظلم الإداري

1) محل القرار الإداري 
التظلم الإداري لا يكون إلا من قرار إداري نهائي، وفقا للمفهوم المستقر عليه عن القضاء في تحديدها لهذا القرار من أنه إفصاح من جهة الإدارة في الشكل الذي يحدده القانون عن إرادتها الملزمة، بما لها من سلطة عامة بمقتضى القوانين واللوائح وذلك بإحداث مركز قانوني، متى كان ذلك ممكنا وجائزا قانونا بهدف تحقيق المصلحة العامة. 
وبالتالي فلا يصح أن يكون محلا لتظلم إداري أعمال الإدارة المادية أو التمهيدية أو التحضيرية التي تتخذها قبل إصدار القرار، حيث أن مثل تلك الأعمال ليست من قبيل القرارات الإدارية، وإن كان تمهد وتحضر لإصدارها الأمر الذي لا يجوز معه التظلم منها بمنأى عن القرار الإداري الذي سيصدر بواسطتها وربما لا يصدر. 
إضافة إلى أن مثل تلك الأعمال لا تكتسب حقا ولا تؤثر في مركز قانوني قائم، الأمر الذي تنتمي معه المصلحة من التظلم منها كإجراء وحوبي قبل التقدم بطلب الإلغاء، حيث أن دعوى إلغاء مثل تلك الأعمال لا تكون مقبولة، لافتقادها لصفة القرار الإداري النهائي، والذي يعد وحده محلا لدعوى الإلغاء. 
ولا يكفي لقبول التظلم الإداري أن يكون محله قرار إداريا، بل يجب أن يتضمن هذا التظلم تحديدا واضحا للقرار الإداري والمتظلم منه، مع الإشارة الواضحة لعدم رضا المتظلم عنه لما يشوبه من عيوب من وجهة نظر المتظلم. 
2) جدوى وآثار القرار الإداري 
يتعين لإعمال اثر التظلم الإداري أو يكون هذا التظلم مجديا وذلك بأن ينصب على قرار إداري نهائي مما تملك الإدارة حق النظر فيه بالتعديل أو السحب، حيث أن التظلم الوجوبي من القرارات لا يصدق إلا بالنسبة لما كان منها قابلا للسحب. 
ويتعين البث في التظلم قبل مضي ستين يوما (60) على تقديمه، ويعد مرور تلك المدة دون إجابة طلبات المتظلم، رفضا لتظلمه يفتح أمامه طريق الطعن القضائي. 
ومع ذلك فإنه لا يجوز تفسير هذا الصمت بأنه رفض ضمني للتظلم في جميع الأحوال، حيث تنتفي قرينة الرفض الضمني للتظلم المستقاة من صمت الإدارة عن الرد عليه رغم مضي 60 يوما على تقديمه إليها أو اتصال علمها به، إذا ما اتخذت الإدارة مسلكا إيجابيا بالنسبة للتظلم. وأنها تشير إلى الاستجابة لطلبات المتظلم. 
ففي هذه الحالة يمتد ميعاد 60 يوما المحددة لرد الإدارة على التظلم، الانتفاء قرينة الرخص الضمني به. 
ومع ذلك فإذا تبدل موقف الإدارة إلى ما يشير إلى عدم الاستجابة لطلبات المتظلم بموقف الإدارة الجديد. 
و ينتهي التظلم الإداري بأحد الأمرين أولهما قبوله، وهو ما يعد بمثابة تسليم منها بطلبات المتظلم واعترافا منها بالخطأ، الأمر الذي يوجب عليها سحب القرار وتعديله وثانيهما الرفض الصريح للتظلم والذي يتعين إن يكون مسببا، وإن كان لا يشترط أن يأتي هذا التسبيب في صلب قرار الرفض، حيث يمكن أن يرد ملحقا بقرار آخر، أو الرفض الضمني للتظلم والذي يستفاد من مرور 60 يوما على تقديمه دون بث فيه، مع عدم توافر قرائن تشير إلى احتمال موافقة الإدارة على التظلم. 
وفي هذه الحالة الأخيرة لا يكون أمام المتظلم سوى اللجوء إلى القضاء طاعن عن القرار التأديبي بالإلغاء. 
وهذا ما سوف نستوضحه في المبحث الثاني. 

المبحث الثاني : الطعن القضائي في القرارات التأديبية 

تخضع القرارات التأديبية على غرار باقي القرارات الإداري للطعن القضائي بعد استنفاد مرحلة التضلم الإداري.

المطلب الأول: الطعن القضائي في الأنظمة المقارنة 
الفرع الأول: الطعن القضائي في فرنسا 

إن الاختصاص بنظر الطعن القضائي في فرنسا موزع بين المحاكم الإدارية ومجلس الدولة في فرنسا، فالمحاكم الإدارية تفصل في الطعون المقدمة من الموظفين بشكل عام عدا الموظفين المعنيين بمرسوم جمهوري فإن مجلس الدولة هو الذي ينظر في طعونهم وهو ما يتطابق مع مضامين المادة 9. [1]من القانون المنظم للمحاكم الإدارية حيث ينص على أن القرارات التنظيمية والفردية الصادرة عن رئيس الحكومة يظل المجلس الأعلى هو المختص بالنظر فيها ابتدائيا وانتهائيا. 
لقد انعقد الإختصاص لمجلس الدولة منذ التعديل بالمرسوم سنة 1955 وأصبح محكمة ذات اختصاص محدد، وتنظر في هذه الطعون كمحكمة أول وآخر درجة[2]. 
وتتمثل إختصاصات مجلس الدولة كقاضي استئناف بالنسبة للقرارات التأديبية التي تتضمن عقوبات أشد من تلك التي اقترحها مجلس التأديب " اللجنة الإدارية المشتركة وهو ما يصطلح عليه باللجان الإدارية المتساوية الأعضاء[3]. ويكون المجلس الأعلى للوظيفة قد أقر بعدم مشروعيتها ويشترط في هذا الطعن: 
1- أن يكون لمقدم الطعن مصلحة تبرر هذا الطعن. 
2- أن يقدم الطعن خلال شهرين من تاريخ إعلان القرار التأديبي. 
3- أن يراعى الإجراءات المقررة أمام مجلس الدولة لا سيما فيما يتعلق برفعه عن طريق محام في بعض الحالات. 
ويكون مجلس الدولة كامل السلطة على الأحكام المطعون فيها من ناحية الوقائع والقانون، إذ أن مقتضى رفع الإستئناف نقل النزاع لمجلس الدولة كمحكمة إستئناف للفصل فيه[4]. ويصدر المجلس حكمه إما بتأييد أو إلغاء أو تعديل الحكم المطعون فيه أولا يترتب على الإستئناف وقف تنفيذ الحكم المطعون فيه ولكنها تفعل ذلك على مسؤوليتها ويختص كذلك مجلس الدولة كقاضي نقض ينظر الأحكام الصادرة عن المجالس التأديبية ذات الصفة القضائية التي لا يجوز إستئنافها، أما المجلس الأعلى للسلطة القضائية والمجالس الـتأديبية لهيئات التدريس والطعن بالنقض هو طريق القانون العام، أي أن رقابة مجلس الدولة بالنقض تنتج من المبدأ العام للقانون وتوجد هذه الرقابة ولو كانت النصوص التشريعية تقضي بأن القرار الصادر لا يخضع لأي نقض[5]. ولا تختلف أوجه الطعن بالنقض عن أوجه الطعن بالإلغاء التي تختص بها المحاكم الإدارية وهي عيب عدم الإختصاص، عيب الشكل والإنحراف، وعيب السبب.وسلطة قاضي النقض تمتد إلى الوقائع ولمجلس الدولة الحكم ببطلان الجزاء التأديبي في حالة ثبوت عدم مشروعيته، ورفض طلب النقض حال ثبوت مشروعية الجزاء. 

الفرع الثاني: الطعن القضائي في مصر 

القرار التأديبي في قد يصدر عن جهة إدارية فيكون قرار إداري والجهة المختصة بتأديب العاملين في مصر هي السلطات الرئاسية وقد يصدر عن جهة قضائية كالمحاكم التأديبية فهنا نكون أمام حكم قضائي، وتختلف الجهة المختصة بنظر الطعن بالقرار التأديبي تبعا لاختلاف الجهة المصدرة للقرار[6]. 
1. الطعن على القرارات التأديبية الصادرة عن السلطات الرئاسية 
تختص المحاكم التأديبية بالنظر في الطعون التي تقام ضد القرارات التأديبية عن السلطات التأديبية الرئاسية وهنا يلاحظ تطور القضاء في مصر الذي أفرد محاكم خاصة بالتأديب لها اختصاص نوعي ومحلي خلافا لما هو عليه الأمر في فرنسا والمغرب اللذان تركا الأمر بيد اللجان الإدارية المشتركة. 
لقد تأكد ذلك بنص المادة 15 قانون مجلس الدولة المصري لسنة 1972 والتي نصت على أنه تختص المحاكم التأديبية بنظر الطعون المقدمة من الموظفين العموميين بطلب إلغاء القرارات النهائية للسلطات التأديبية أو بالتعويض عن هذه القرارات[7]. 
لذا فالمحاكم التأديبية تختص بنظر الطعون المقدمة في القرارات التأديبية التي تصدر عن السلطات الرئاسية وذلك إلى جانب سلطتها في توقيع الجزاء، على أن يراعى في ذلك الإختصاص الوظيفي على تحديد طوائف الموظفين الخاضعين لإختصاصها، ولا يخرج من هذا الإختصاص سوى العاملين المدينين الذين تنظم شؤون تأديبهم ينعقد لهذا الغرض. 
وتحديد الإختصاص المحلي يكون من خلال مراعاة مقر وظيفة المتهم حيث انتهت المحكمة الادارية العليا في هذا الشأن إلى أن الإختصاص يتعدد بين المحاكم التأديبية وفقا لمكان وقوع المخالفة. 
2. الطعن على قرارات المحاكم التأديبية 
تختص المحاكم الإدارية العليا بالنظر في الطعون على قرارات المحاكم التأديبية سواء تلك الصادرة منها ابتداءا أو باعتبارها جهة الطعن، وقد نصت المادة 22 من قانون مجلس الدولة لسنة 1972 على أن أحكام المحاكم التأديبية نهائية ويكون الطعن فيها أمام المحكمة الإدارية العليا في الأحوال المبينة في القانون[8]. 

المطلب الثاني: الطعن القضائي بين دعوى الإلغاء ودعوى التعويض 

اعتبارا إمكانية التعسف من قبل السلطة المختصة بالقرار التأديبي في حق الموظف كنتيجة لخطئه أو إخلاله ببعض الإلتزامات المفروضة عليه قانونا وبعد استنفاذ الطرق الإداريــــة للتعرض على التأديب يبقى اللجوء للقضاء من أجل الطعن في هذا القرار لسبب من الأسباب وضمانة في نفس الوقت لحماية حقوق الموظف وفي هذا الاطار يعتبر القضاء الإداري خاصة دعوى الإلغاء ضمانة قضائية لمواجهة احتمال تعسف السلطة التأديبية، ومن جهة ثانية ونظرا للضرر الذي يتعرض له الموظف جراء القرار التأديبي الذي يكون مرتبطا بالجانب المادي، يلجأ الموظف المعاقب لمحو العقوبة والحصول على التعويضات المترتبة عن الأضرار التي لحقته وذلك من خلال دعوى التعويض. 

الفرع الأول: دعوى الإلغاء في الطعن القضائي 

تعتبر القرارات الصادرة عن المجالس التأديبية بمثابة تصرفات قانونية تحدث آثارا مؤثرة في المراكز القانونية للموظفين الخاضعين لمسطرة التأديب. لذلك فهي تخضع للرقابة القضائية عن طريق دعوى الإلغاء التي يجوز توجيهها ضد أي قرار إداري متى توفرت فيه مقومات وشروط القرار الإداري. 
واعتبارا لكون قرارات المجالس التأديبية تصدر عن هيئة إدارية تتمتع بسلطة تقديرية في إنزال العقاب على الموظف فإن القضاء الإداري وخاصة قضاء الإلغاء له دور أساسي في مراقبة هذه السلطة وبالتالي فهو ضمانة للموظف ضد كل تجاوز أو شطط في استعمال هذا الحق ومن جهة أخرى فدعوى الإلغاء توجه ضد كل قرار تأديبي غير معلل. 
1) إلغاء القرار التأديبي للتجاوز في استعمال السلطة 
يقوم القضاء الإداري عموما ببسط رقابته على صحة الوقائع المعتمدة في القرار الإداري، بالتأكد من وجودها ومن حيث تكييف الوقائع والنظر في الملائمة بين التكييف المعتمد والنتائج التي تتوصل إليها السلطة في مجال التأديب. وفي إطار الإختصاصات المخولة للمجالس التأديبية الخاصة بالموظفين قد تستخدم هذه المجالس سلطتها لتحقيق غرض غير مشروع أو منفعة إدارية بمن صدر في حقه القرار الإداري لتحقيق بذلك أغراضا شخصية حيادا على المصلحة العامة8. 
وبأخذ هذا العيب مظهر مخالفة قاعدة تخصيص الأهداف واستعمال المصلحة العامة كمطية لتحقيق أغراض شخصية ويقع دليل إثبات الإنحراف في استعمال السلطة على عاتق المتمسك به الذي يمكن أن يثبت بجميع الوسائل القانونية التجاوز الحاصل في حقه من جراء القرار التأديبي وتكون فرصة وضمانة لتصحيح الخطأ في حالة إقرار المحكمة بذلك من جهة أخرى فالمحاكمة العادلة تقتضي أن تكون الغاية منها هو مراعاة حرمة الإدارة المصدرة للقرار التأديبي والمحافظة على هيبتها لضمان السير العادي للمرفق العام والمصلحة العامة [9]، وكذلك توفير كافة الضمانات للموظف وعدم المساس بها في إطار التجرد والنزاهة، وعليه تكون العقوبة الصادرة في حقه عقوبة ملائمة لطبيعة المخالفة المرتكبة، وإن كان غلو في تقديرها يعتبر تعسفا في استعمال الحق ومسا بحقوق الموظف وبالتالي فتدخل القضاء يكون تكريسا لمبدأ العقوبة من جنس العمل وتصحيح الخطأ المرتكب ف يحق الموظف الذي تم تأديبه. 
وفي حكم إدارية الرباط[10] في إطار مراقبة مدى ملائمة العقوبة التأديبية المتخذة في حق الموظف بالنظر للمخالفة المنسوبة إليه قضت بكون نقل مستخدم الصندوق الوطني للقرض الفلاحي وهي إمرأة متزوجة بأنها عقوبة غير ملائمة وإذا كانت للإدارة المطلوبة في الطعن سلطة تقديرية في اتخاذ العقوبة التي تراها منسبة في حق مستخدميها، فإنه بالنظر إلى وضعية الطاعنة امرأة متزوجة فإن عقوبة النقل المتخذة في حقها تعتبر غير مناسبة[11]، لأنها تؤدي إلى تشتيت أسرة بأكملها، بالنظر إلى المسافة بين مدينة سلا ومدينة ابن جرير التي تم نقل الطاعنة إليها. 
2) إلغاء القرار الإداري التأديبي لعدم التعليل 
لقد اصدر المشرع المغربي قانون 01-03 بشأن إلزام الإدارات العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية بتعليل قراراتها الإدارية، ويشكل هذا القانون إحدى الضمانات الهامة في مجال احترام المواطنين وأحد الضمانات القانونية لإلزام السلطات الإدارية بالتقيد بأحكام المشروعية[12]. 
ونصت المادة الثانية: تخضع للتعليل مع مراعاة أحكام المادتين 3و4 من هذا القانون،علاوة على القرارات الإدارية التي أوجبت النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل، تعليلها القرارات الإدارية التالية: 
أ‌- القرارات المرتبطة بمجال ممارسة الحريات العامة. 
ب‌- القرارات الإدارية القاضية بإنزال عقوبات إدارية أو تأديبية. 
ت‌- القرارات القاضية بسحب أو إلغاء قرار منشيئ الحقوق. 
ث‌- القرارات التي تستند على تقادم أو فوات أجل أو سقوط حق. 
ج‌- القرارات التي تفرض منح امتياز يعتبر حقا للأشخاص الذين تتوافر فيهم الشروط القانونية. 
وقد أكد القضاء الإداري على أن أي قرار تأديبي يجب أن يقوم على سبب يبرره وأن لا يكون معيبا كما جاء في حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء بيتأكيدها على أنه أثناء مراقبة المحكمة لعيب السبب في مجال التأديب ملزمة برقباتها للوجود المادي للواقعة المؤدية للجزاء التأديبي ومن تم إلغاء القرار بإثبات قيامه على وقائع غير صحيحة [13]. 
وفي نفس الإتجاه سارت عليه إدارية الرباط في حكم لها في قرار عزل موظف من أسلاك إدارة الأمن الوطني ملغية القرار ومؤكدة على أن السبب يجب أن يكون ثابتا وواضحا لا لبس فيه[14]. 
واستنادا لما سبق نؤكد أن تسبيب القرار يعتبر ضرورة ملحة أي أن مشروعية القرار تقتضي تعليلا واضحا وقانونيا من جانب السلطة التأديبية، حيث يمكن الموظف من معرفة الأسباب الحقيقية التي بنى أساسها العقاب ويتيح له فرصة الدفاع عن نفسه. 

الفرع الثاني: دعوى التعويض لجبر الضرر الناتج عن القرار التأديبي 

1. طبيعة دعوى التعويض ضد القرارات التأديبية. 
إن الموظف المتضرر من القرار التأديبي الذي تبث عدم شرعية هذا القرار في حقه وأصيب من جراء ذلك بأضرار يحق له الحصول على تعويض عن الأضرار الناجمة من جراء القرار التأديبي أو التماطل عن عدم تنفيذ الحكم القضائي [15]
وعليه فدعوى التعويض يرفعها الموظف المتضرر من قرار المتخذ في حقه إذ لا يعقل أن يطلب تعويضا عن قرار تأديبي صادر في حقه ولم يطعن فيه بالإلغاء.ذلك أن القرارات التأديبية والتي من طبيعتها أن تسبب ضرارا ماديا ومعنويا للموظف إذ كانت صادرة بشكل قانوني وفي احترام تام للمساطر الإدارية الجاري بها العمل ولم يتم تقديم دعوى ضد السلطة التي أصدرتها وبالتالي لا يمكن طلب التعويض. 
كما أن هذه الدعوى تتبع إجراءات غير دعوى الإلغاء من أجل التجاوز في استعمال السلطة وتختص بالنظر في ذلك المحاكم الإدارية بعد أن كان الإختصاص موكولا قبل ذلك للمحاكم العادية عموما فدعوى التعويض يرفعها المتضرر إلى المحكمة للمطالبة بتعويض عما أصابه من ضرر نتيجة تصرف الإدارة، وتعتبر هذه الدعوى من أهم صور القضاء الشامل التي تتسع فيها سلطة القاضي الإداري لتشمل تعويض الناشئ عن تصرفات الإدارة وهو ما يعرف بالمسؤولية الإدارية في دعاوى التعويض. 
2. ضمانات دعوى التعويض للموظف الذي تم تأديبه. 
تبدو أهمية دعوى التعويض في كونها تكمل الحماية التي يسبغها قضاء الإلغاء على حقوق الموظفين بإعدام القرارات التأديبية لعدم مشروعيتها، كما تظهر أهمية هذه الدعوى في أن اللجوء إليها يظل مفتوحا في حالة ما إذا أغلق باب الطعن بالإلغاء في حالة انقضاء الأجل ( 60 يوما )[16].ذلك أن الموظف العمومي الذي صدر في حقه قرار تأديبي غير مشروع ولم يطعن فيه بالإلغاء لفوات الأجل أو تم تقديم الطعن خارج الأجل القانوني، فمثل هذا القرار يصبح محصنا ولو كان متسما بعيب عدم المشروعية.في هذه الحالة أجاز المشرع اللجوء إلى المحكمة الإدارية للمطالبة بالتعويض[17]. 
هكذا قضت المحكمة الادارية باكدير بعدم قبول الطعن لتقديمه خارج الأجل القانوني وحكمت للطاعن بالتعويض موضحة أن رفض دعوى الطعن بإلغاء القرار عزل موظف لتقديمها خارج الأجل لا يمنع المحكمة من تفحص القرار والحكم للطالب بالتعويضات عن العزل عند الاقتضاء[18]. 
يمكن القول إذن أن حق الموظف الذي فاته أجل الطعن بالإلغاء في قرار صادر عن الإدارة واعتبره غير مشروع يظل قائما إذ أنه ولو فقد وظيفته بسبب العزل فالضرر الحاصل له من جراءه يكون قابلا للتعويض وللحكم بالتعويض يجب أن يكون القرار التأديبي غير مشروع أي شابه عيب من عيوب عدم المشروعية المعروفة وسبب بذلك ضررا للموظف وهذا ما يسمى بالمسؤولية القائمة على الخطأ. 
ويتمثل الخطأ في مجال التأديب في إصدار قرار تأديبي غير مشروع أي مشوب بعيب أو أكثر من العيوب التي تخول الحق في إلغائه [19]. 
وبخصوص طبيعة التعويض فإنه إذ تحققت مسؤولية الإدارة فإن جزاءها هو التعويض وغالبا ما يكون نقدا وجد على أساس جسامة الخطأ ويقر وقت صدور الحكم والقاعدة هي أن يراعى ما لحق المضرور من خسارة وما فاته من كسب وأن تراعى كذلك ظروفه الصحية وحالته العائلية والمالية لأن التعويض يقدر على أساس ذاتي. 
وإذا كان الطعن مع إمكانية طلب التعويض من أهم الضمانات المتوفرة لدى الموظف للحد من تعسف سلطة الإدارة وتصحيح الأخطاء المرتكبة 
---------------------------------------
هوامش:
[1] المادة 9 من القانون 41/90المحدث للمحاكم الادارية . 
[2] مرسوم بتعديل اختصاصات مجلس الدولة الفرنسي سنة 1953 . 
[3] الفصل 56 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية . 
[4] فااضل جبير : الطعن القضائي لضمانة للموظفين في مواجهة سلطات التأديب .ص 246 
[5] مرجع سابق .ص 247 . 
[6] نفس المرجع ص 249 
[7] المادة 15 من قانون مجلس الدولة المصري سنة 1972. 
[8] 22 قانون مجلس الدولة سنة 1972 . 
[9] تأديب الموظف العمومي بالمغرب أشغال ندوة نظمت بكلية الحقوق بسلا 2007 ص 14 . 
[10] نفس المرجع .ص 16 
[11] حكم عدد 327 غير منشور . 
[12] الفصل 81 من القانون الأساسي لمستخدمي الصندوق الوطني للقرض الفلاحي 
[13] م 1 من ق 01-03 إلزام الإدارات بتعليل قراراتها . 
[14] حكم إدارات البيضاء .غير منشور 
[15] حكم إدارية الرباط عدد 1271 بتاريخ 7 يونيو 2007 رقم 94/06 
[16] تأديب الموظف في القانون المغربي مرجع سابق ص 24 
[17] ثورية لعيوني 
[18]. م 8 من ق 41/90 
[19]حكم إدارية أكادير 1789 – غير منشور


تعليقات