Header ADS

اخر الأخبار

الناسخ والمنسوخ، التعارض والترجيح، الاجتهاد

عرض بعنوان: الناسخ والمنسوخ، التعارض والترجيح، الاجتهاد في القانون المغربي PDF

الناسخ والمنسوخ، التعارض والترجيح، الاجتهاد

مقدمة : 
منهجية استنباط الأحكام تتم كما هو معلوم وفق ضوابط و قواعد ومنهجية معينة متكاملة، تراعي الحكم محل الاستنباط و خصوصيته، وكذلك تساير مصالح الناس للحفاظ عليهم و لضمان ضبط سلوكاتهم وعلو سمات اخلاقهم.
فكما هو معلوم، أن الاحكام لا تشرع إلا من أجل تحقيق المصالح العامة أو حماية حقوق الجماعة. فالبعض قصد بها حماية حقوق الأفراد خاصة، والبعض قصد بها حماية حقوق الأفراد والجماعة على السواء، ومن ثم لا بد من مراعاة هذه الاعتبارات عند التعرض لاستنباط الأحكام الشرعية، من خلال القواعد التي يتم الاعتماد عليها في استنباط هذه الأحكام.
فالقواعد المعتمدة في استنباط الأحكام الشرعية هي قواعد كثيرة تختلف باختلاف مجال إعمالها، بحيث نجد القواعد المتعلقة بمجال الأدلة الشرعية، و القواعد المتعلقة بمجال الأحكام الشرعية، و كذا المتعلقة بالقواعد الاصولية اللغوية، دون ان ننسى القواعد الأصولية التشريعية. فهذه الأخيرة استمدها علماء أصول الفقه الاسلامي من استقراء الأحكام الشرعية ومن استقراء عللها و أحكامها التشريعية[1] و كذلك من المبادئ العامة و القواعد الكلية للشريعة.
ومنه يعتبر النسخ، والتعارض و الترجيح، والاجتهاد من القواعد الأصولية التشريعية التي تهدف إلى تحقيق مصالح الناس و العدل بينهم.
والنسخ في اصطلاح الأصوليين، هو إبطال العمل بالحكم الشرعي بدليل متراخ عنه، يدل على ابطاله صراحة أو ضمنا، إبطالا كليا أو إبطالا جزئيا لمصلحة اقتضته، أو هو إظهار دليل لاحق نسخ ضمنا العمل بدليل سابق[2].
أما التعارض، فهو اقتضاء كل واحد من الدليلين الشرعيين في وقت واحد حكما في الواقعة يخالف ما يقتضيه الدليل الآخر فيها، فلا يلتجأ الى الترجيح إلا في حالة عدم إمكانية الجمع والتوفيق بين الدليلين المتعارضين.
أما بالنسبة للإجهاد، فيتمحور مجاله على أمرين، ما لا نص فيه أصلا، وما فيه نص غير قطعي، ولا مجال للاجتهاد فيما فيه نص قطعي. والاجتهاد هو بذل الجهد للوصول إلى الحكم الشرعي من دليل تفصيلي من الأدلة الشرعية[3].
هذه القواعد الأربعة جاءت من أجل ضمان المصالح العامة للأفراد على مر العصور و كذا تحقيق العدل فيما بينهم.
ونظرا لاكتفائنا بدراسة النسخ و التعارض و الترجيح و الاجتهاد باعتبارهم قواعد تدخل ضمن القواعد الأصولية التشريعية، فإن إشكالية موضوعنا هذا سوف تتمحور حول هذه القواعد الأربعة؛ و ذلك من خلال مدى مساهمة هذه القواعد في ضمان استمرارية المصالح العامة للأفراد و تحقيق العدل فيما بينهم في ظل كل التطورات التي يعرفها المجتمع؟.
ولمعالجة هذه الإشكالية سنقسم الموضوع الى شقين:
الشق الأول، سنخصصه للناسخ والمنسوخ "المبحث الأول" أما الشق الثاني، فسنخصصه للتعارض والترجيح، و الاجتهاد "المبحث الثاني".

المبحث الأول: الناسخ والمنسوخ 


في هذا المحور سنحاول أن نشير بداية الى ماهية الناسخ والمنسوخ "المطلب الأول" ثم أقسام الناسخ والمنسوخ "المطلب الثاني". 

المطلب الأول: ماهية الناسخ و المنسوخ 

في هذا المطلب سوف نتناول دراسة تعريف النسخ و أركانه، بحيث لا يمكن معرفة الناسخ و المنسوخ دون الاشارة الى تعريف النسخ و أركانه ( الفقرة الاولى)، على أن نتناول دراسة شروط الناسخ و المنسوخ و الحكمة من النسخ في فقرة ثانية.

الفقرة الأولى: تعريف النسخ 

في إطار هذه الفقرة سوف نقوم بالتطرق لتعريف النسخ(أولا)، ثم التطرق إلى أركانه (ثانيا).
أولا: تعريف النسخ 
النسخ في اللغة له معنيان:
المعنى الأول هو الإبطال و الإزالة: مثل نسخت الريح الأثر و مثل قوله تعالى:(فينسخ الله ما يلقي الشيطان، ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم)، أو نسخ الشيب الشباب[4] بمعنى أن الشيب يبطل ويزيل فترة الشباب.
أما بالنسبة للمعنى الثاني، وهو إزالة الشيء و إحلال شيء آخر محله أو النسخ بمعنى النقل[5]. يقال مثلا نسخت الشمس الظل، و نسخ الليل النهار و نسخ النهار الليل، اي اذهبه و أزاله و حل محله، و هو نفس الأمر بالنسبة لتناسخ المواريث، وذلك من خلال انتقال المال من وارث الى وارث[6].
أما النسخ في المعنى الاصطلاحي:
عرفه الرازي و البيضاوي بأنه "بيان انتهاء أمد حكم شرعي بطريق شرعي متراخ عنه، ومعنى الانتهاء أن الحكم المنسوخ محدد عند الله بغاية ينتهي عندها".
أما ابن الحاجب عرف النسخ بأنه : هو(رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر)، أما القاضي الباقلاني عرف النسخ بأنه (رفع الحكم الشرعي بطريق شرعي متراخ عنه)[7].
أما الأستاذ عبد الوهاب خلاف في كتابه علم أصول الفقه[8] أورد تعريفا للنسخ في اصطلاح الأصوليين و الذي جاء فيه أن النسخ هو "إبطال العمل بالحكم الشرعي بدليل متراخ عنه، يدل على إبطاله صراحة أو ضمنا. إبطالا كليا أو جزئيا لمصلحة اقتضته، او هو إظهار دليل لاحق نسخ ضمنا العمل بدليل سابق.
لكن مما تجدر الإشارة إليه، أن هناك أحكام لا تقبل النسخ وهي ما نص فيه على التأبيد، وما أثبتته العقول و اتفقت على أنه غير قابل للتغيير، و اتحدت فيه الأحكام في الشرائع السماوية كلها[9].
ثانيا: أركان النسخ
من خلال التعاريف التي سبق ذكرها يتبين على ان للنسخ تتجلى في أربعة وهي: الناسخ و المنسوخ و المنسوخ عنه و أداة النسخ او المنسوخ به.
الناسخ: فالناسخ عند أهل السنة هو الله سبحانه و تعالى[10] و ذلك بدليل قوله (فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته)[11].
فالله سبحانه و تعالى هو الذي له سلطة إثبات الحكم أو رفعه، لكن في بعض الأحيان قد يطلق لفظ الناسخ مجازا على الحكم الشرعي أو على المعتقد لنسخ الحكم أو على نفس النص الناسخ[12].
المنسوخ: هو الحكم المرفوع أي الحكم الذي رفع و انقطع تعلقه بأفعال المكلفين فيما يستقبل من الزمن. سواء أكان الرفع بالقرآن أم بالسنة.
لكن مما تجدر الإشارة إليه، هو أن بعض الأحكام مثلا المتعلقة بوجود الله تعالى و بقائه و وحدانيته، فلا يجري النسخ في شيء من ذلك، ومن قبيل ذلك وجوب الإيمان بالله تعالى و البر بالوالدين و الصدق في الحديث، فلا يجري في هذه الحالات نسخ الحكم ،فالحكم يرتفع من نفسه عند انتهاء غايته مثل قول الله عز وجل: ثم أتموا الصيام الى الليل. "سورة البقرة الآية 187"، فإن الحكم الذي هو وجوب الصيام يرتفع من نفسه و ينتهي بحصول الغاية و انقضاء المدة المحددة[13].
المنسوخ عنه: وهو المكلف الذي تعلق خطاب الشارع بفعله إثباتا أو نفيا، فالمكلف بمقتضى خطاب من الشارع الذي ارتفع عنه حكم ذلك الخطاب بمقتضى خطاب آخر لاحق مع تراخيه عن السابق، ذلك هو المنسوخ عنه لأن الحكم قد أزيل عنه و ارتفع[14].
أداة النسخ أو المنسوخ به: فهي القول الدال على رفع الحكم الثابت[15]، والناسخ هو الله تعالى لأنه الرافع المطلق للحكم و فق مشيئته.
فالمنسوخ به أو أداة النسخ هو خطاب الله تعالى أو ما يدل عليه من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم و أفعاله و تقريراته، لأنها كلها تدل على خطاب الشارع الذي به يقع النسخ، إذ لا يجري النسخ إلا بخطاب الشارع لا بموت المكلف أو بجنونه أو بعجزه أو فقد محل التكليف كارتفاع وجوب غسل الرجلين في الوضوء عن من بترت رجلاه و غير ذلك من الأعذار التي قد يرتفع بها التكليف.

الفقرة الثانية: شروط الناسخ والمنسوخ والحكمة منه

في هذه الفقرة سوف نقوم بدراسة شروط الناسخ و المنسوخ (أولا)، ثم التطرق الى الحكمة من النسخ (ثانيا).
أولا: شروط الناسخ والمنسوخ 
وضع العلماء ضوابط متعددة لمعرفة الآيات الناسخة و الآيات المنسوخة.
وكما هو معلوم أن ليست كل الأحكام قابلة للنسخ فمنها ما يقبل النسخ ومنها ما لا يقبل لهذا شرط العلماء للنسخ العديد من الضوابط أو الشروط بعضها متفق عليه والبعض الاخر مختلف فيه[16].
(1) أن يكون الحكم قابلا للنسخ : بمعنى يتعين ان يكون هذا الحكم قابل للنسخ غير مقترن بعبارة أو شيء يدل على أن هذا الحكم هو حكم أبدي خالد ودائم[17]، بحيث أن مثل هذا الحكم لا ينسخ وإلا سيكون في حالة ما إذا نسخ-النص الأبدي-معارض لمضمون أصل النص فالأستاذ وهبة الزحيلي في كتابه أصول الفقه الإسلامي أعطى بعض الامثلة للأحكام التي لا يمكن نسخها من قبيل "الاعتقاد بوحدانية الله والأحكام المتعلقة بأصول الدين والاعتقاد، والأحكام المتعلقة بالإيمان بالله وغيرها من الامثلة......"[18].
(2) أن يكون الناسخ متأخرا في النزول عن النص المنسوخ ومنفصلا عنه: فالنسخ هو إنهاء لحكم النص الذي نسخ حكمه ويتعين ان يكون متأخرا عنه زمنيا حتى تتضح فيه حقيقة رفع الحكم.
(3) ان يكون الناسخ مثل المنسوخ في القوة: يتطلب في النسخ أن يكون الناسخ في نفس قوة المنسوخ أو اقوى منه بحيث لا ينسخ بأضعف منه بحيث يتم نسخ نص القران بالقران والسنة المتواترة بمثلها وخبر الآحاد بمثله.
لكن هناك من ذهب الى امكانية نسخ المتواتر بالآحاد لكن الإمام الشافعي نفى وقوع مثل هذا النسخ وقال: ("لا ينسخ القرآن بالسنة و لا السنة بالقرآن") ولا يجوز نسخ الإجماع بالإجماع ولا نسخ الكتاب والسنة بالقياس[19].
(4) أن لا يكون المنسوخ مقيدا بوقت: بحيث اذا كان المنسوخ مقيدا بوقت فلا يكون انقضاء الوقت الذي قيد به نسخا له
(5) أن لا يكون المنسوخ من الأمور التي تم الاتفاق على ثباتها: وهذا الشرط أقرب الى الشرط الأول فإذا كان الحكم يتعلق بالإيمان بالله تعالى وببر الوالدين وبالصدق والعدل وغير ذلك مما تواتر عليه الناس في كل العصور والأجيال على أنه خير مقبول أو شر مرذول، فإن هذا الحكم اتفق العلماء على أنه لا ينسخ.
ثانيا: الحكمة من النسخ 
إن النسخ وقع في التشريع الإلهي، ويقع في كل تشريع وضعي لأن المقصود من كل تشريع سواء كان إلهي أم وضعي هو تحقيق مصالح الناس سواء كانت مصالح عامة أو مصالح خاصة[20].
ومن المعروف في مجال التربية الهادفة أنه من الضروري النظر لأحوال الشخص المربى وظروفه واستعداداته وقابلية نموه وقوة ادراكه، فالأمة كالطفل لا يعطى من الغذاء إلا ما كان مناسبا لسن الحياة والنضج، فالحكم قد يتم تشريعه في زمن معين أو في فترة معينة لمصلحة معينة ومحددة، لكن بعد مرور الوقت قد تتغير أوجه المصلحة أو غاية هذه المصلحة او الهدف الأساسي منها.
فمن اجل رعاية كل من المصالح العامة والخاصة وجد النسخ، بحيث تكون مصلحة المكلفين في زمن على نحو معين، ثم يتغير بعد حين او بعد مرور مدة معينة وجه تلك المصلحة. ولأن المصلحة تختلف باختلاف الاوقات يكون من الاصلح للناس المكلفين انهاء الحكم السابق وإيجاد حكم اخر[21].
فالمثال الأوضح من الحكمة من النسخ هو ما أورده الأستاذ عبد الوهاب خلاف في مرجعه علم اصول الفقه، بحيث جاء في مضمون ما أورده الأستاذ أن الحكم قد يتم تشريعه لمصالح اقتضتها أسباب فإذا زالت هذه الأسباب فلا مصلحة في بقاء الحكم[22].
لذا يتبين لنا على ان الحكمة من النسخ هي التخفيف على المسلمين وإنزال الحكم اللائق بهم عن طريق نسخ الحكم المنسوخ السابق[23].
فالإسلام في أول عهده أبقى على إباحة الخمر لأنه كان من عادة العرب شربه، لكن بعد ما ترسخ الإيمان في قلوب المؤمنين، وبين الله سبحانه وتعالى أن في شربه إثم كبير وما قد يحققه من مفاسد مجتمعية وأمراض للذات ،كان بمثابة بداية وتمهيد للتحريم.
وما هذا إلا مثال بسيط عن الحكمة من النسخ بحيث حرم الله سبحانه و تعالى الخمر على مراحل. ابتدأت باستقباح السكر(تتخذون منه سكرا و رزقا حسنا ،سورة النحل الآية 67) ثم بيان غلبة مضاره على منافع تجارته (قل فيها إثم كبير ومنافع للناس، سورة البقرة الآية 219) تحريمه نهارا من أجل الصلاة (لا تقربوا الصلاة و أنتم سكارى ،سورة النساء الآية 43)،ثم تحريمه القاطع الوارد في سورة المائدة الآية 90 (إنما الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون).


المطلب الثاني: أقسام الناسخ والمنسوخ 

ففي هذه المطلب سنتناول الأقسام من حيث الناسخ بداية "الفقرة الاولى" ثم بعد ذلك الأقسام من حيت المنسوخ "الفقرة الثانية".

الفقرة الاولى: الأقسام من حيث الناسخ 

أولا- نسخ القرآن بالسنة 
- نسخ القرآن بالسنة المتواترة
لقد اختلف الفقه في نسخ القرآن بالسنة بين مؤيد ومانع، واختلف المؤيدون و المجيزون بين قائل بالوقوع ونفيه:
بالنسبة للقول بالجواز :
ذهب الامام مالك والحنفية وأكثر المتكلمين الى جواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة لأنه لا منع عقلا ولا شرعا في ذلك بالرغم من أن لكل من القرآن والسنة خصائصه ما يؤكد ذلك قوله تعالى " وَمَا يَنْطِق عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْي يُوحَى "[24]، وقوله صلى الله عليه وسلم "الا اوتيت القرآن ومثله معه".
أما بالنسبة للقول المانع:
فقد ذهب الامام الشافعي والإمام أحمد في احدى الروايتين عنه وأكثر أن الظاهر الى عدم جواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة وحجتهم في ذلك قوله تعالى " وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ "[25] بقولهم بحسب هذه الآية ان الله عز وجل قصر وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم في مجرد البيان لما في القرآن والنسخ ليس بيانا بل هو رفع هذا القرآن ، وقد رد المجيزون على ذلك بأن ليس هناك دليل على الحصر وان الآية المذكورة خالية من أي من كل أدوات الحصر وأنها حصرت مهمة النبي صلى الله عليه وسلم ببيانه وتبليغه لا شرحه وهذا لا يتنافى مع ان يكون النسخ بالنسبة من جملة ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ببيانه وتبليغه ،كما أن قصر مهمة النبي صلى الله عليه وسلم في البيان يفضي الى منع الاستقلال السنة بالشريعة وهذا مردود عليه ، فكثيرة هي الأحكام التي استقلت السنة بتشريعها حتى قبل :ان الكتاب ترك مجالا للسنة وان السنة تركت مجالا للكتاب".
كما ان من حجج القول المانع قوله تعالى " وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ ۙ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ *قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ " [26] ، هذه الآية جاءت في معرض الرد على منكري النسخ ووجه الاستدلال أن النسخ انما هو مما ينزل به جبريل عليه الصلاة والسلام وهو القرآن. ورد هذا أن السنة كالقرآن فهي وحي من الله وهي مما ينزل به جبريل عليه الصلاة والسلام. كما ان السنة شرع من الله والكتاب شرع منه سبحانه وقال تعالى " وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا " [27]... الى غيرها من الحجج الأخرى.
- نسخ القرآن بسنة الاحاد
هذا النوع من النسخ هو الاخر اختلف فيه بين المنع والجواز:
فأصحاب المنع قد اعتمدوا بعض الحجج لتدعيم اتجاههم من بينها، ان القرآن قطعي الثبوت على عكس الاحاد فإنه ظني الثبوت وبالتالي فكيف يرفع الظني القطعي.
اما الاتجاه المعاكس الذين يقولون بجواز نسخ القرآن بالسنة الأحادية على القرآن الظني للدلالة فاعتمدوا في حججهم أن القرآن إن لم يكن قطعي الدلالة فهو قطعي الثبوت والسنة الأحادية ظنية الدلالة والثبوت معا فهي اضعف منه فكيف ترفعه ، كما اعتمدوا على قوله تعالى " كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ "[28] فهذه الآية منسوخة على قول الكثير من اهل العلم بحيث "لا وصية لوارث" وهو على الصحيح حديث احاد .
ثانيا-نسخ السنة بالقرآن
لقد ذهب مذهب الجمهور الى جواز نسخ السنة بالقرآن والليل على ذلك ما ورد من القرآن لصلاة الخوف بعد ان ثبت بالسنة تأخيرها يوم الخندق الى ان يأمن ونسخه التوجه الى بيت المقدس بقوله تعالى " فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ "[29]، وقوله تعالى " فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ " [30]بعد ان قرر النبي صلى الله عليه وسلم رد من جاءه من المسلمين اليهم .
فمذهب الجمهور في جواز نسخ السنة بالقرآن سواء كانت متواترة او احادا هو الاصح لعدم امتناعه عقلا ولوقوعه شرعا، اذ لا يمتنع عقلا ان تنسخ السنة باعتبارها وحيا بالقرآن الطي هو وحي فقال تعالى بشأنهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم " وَمَا يَنْطِق عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْي يُوحَى "[31] فيجوز عقلا نسخ حكم أحد الوحيين بالأخر.
أما وقوعه شرعا فقد استدل له المصنف بوقائع كثيرة والوقع دليل الجواز فمن ذلك قوله رحمه الله "ما ورد من القرآن لصلاة الخوف..." فاستدل المصنف على ان تأخير الصلاة حالة الخوف الثابت بالسنة حيث ان النبي صلى الله عليه وسلم اخر الصلاة يوم الخندق "الظهر والعصر والمغرب حتى بعد المغرب يهوي من الليل فصلاهما كما يصليها لوقتها ، ثم تنسخ تأخيرها بالقرآن في قوله تعالى "فان خفتم فرجالا او ركبانا"[32] وقوله تعالى " وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ "[33].
كما مثل المصنف أيضا بالتوجه الى بيت المقدس الثابت في السنة، حيث ان الرسول صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة صلى الى بيت المقدس ستة عشرا شهرا، ثم نسخ القرآن في قوله تعالى " فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ".
أما المثال الثالث الذي ساقه المصنف فهو عليه اكثر العلماء لقوله تعالى " فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ وهو قول ناسخ لما كان عليه الصلاة والسلام عاهد عليه قريشا من انه يرد اليهم من جاءه منهم مسلما (تفسير القرطبي)، كما يذهب اخرون الى ان الآية مخصصة للعام تأخرت عنه الى وقت الحاجة ، وقت مجيء المهاجرات المؤمنات الى المسلمين بالمدينة لان لفظ صلح الحديبية عام في الرجال والنساء ،فالآية أخرجت النساء من المعاهدة وأبقت الرجال من باب تخصيص العموم وتخصيص السنة بالقرآن.
ومن امثلة ذلك تحريم مباشرة النساء في رمضان ليلا وهو ثابت بالسنة بقوله تعالى" أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ " [34]، ومن ذاك صوم عاشوراء الثابت بالسنة فنسخ بقوله تعالى "يا أيها الدين امنو كتب عليكم الصيام " [35] ، ومن ذلك الصلاة على المنافقين كان حكم جوازها ثابتا بالسنة فقد صلى الرسول صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن ابي بن سلول المنافق ثم نسخ ذلك بقوله تعالى " وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ "[36].
ثالثا- نسخ السنة بالسنة 
- نسخ السنة المتواترة بالسنة المتواترة: هذا النسخ لا خلاف عليه .
- نسخ الاحاد بالأحاد: هذا النسخ هو الآخر لا خلاف عليه، لان الناسخ والمنسوخ من درجة واحدة لا مانع من ان ينسخ أحجهما الاخر.
كما الأمثلة على ذلك حديث بريدة رضي إلهه عنه مرفوعا "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزروها"، فقوله صلى الله عليه وسلم "كنت نهيتكم" يدل بأن النهي ثابت بالسنة.
- نسخ الاحاد بالمتواتر: هذا النوع كذلك لا خلاف عليه لان المتواتر اقوى من الاحاد، وبالتالي فلا مانع من نسخ الاحاد بالمتواتر.
- نسخ المتواتر بالأحاد: إذا كان جمهور الفقهاء متفقين على جواز الأنواع الثلاثة الماضية من نسخ السنة بالسنة فقد اختلفوا في جواز نسخ المتواتر بالأحاد وتفقوا على جوازه عقلا فذهب الجمهور الى المنع وذهب الظاهرية الى الاثبات.
وقد استدل الجمهور على المنع بدليل عقلي وآخر سمعي: بالنسبة للدليل العقلي فإن المتواتر قطعي الثبوت وخبر الواحد ظني، والقطعي لا يرتفع بالظني لأنه اقوى منه والاقوى لا يرتفع بالأضعف. اما بالنسبة للدليل الثاني هو ان عمر رضي الله عنه رد خبر فاطمة بنت قيس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى مع ان زوجها طلقها وبت طلاقها ، وقد اقر الصحابة عمر على رده هذان فكانا اجماعا وما ذاك الا لأنه خبر احادي لا يفيد الا الظن، فلا يقوى على معارضة ما هو أقوى منه، وهو قوله تعالى " أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ"، وسنة رسوله المتواترة في جعل السكن حقا من حقوق المبثوثة.
والذي تطمئن له النفس ما ذهب اليه الظاهرية وذلك لان الحديث الاحاد اذ صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم فالحق انه يفيد العلم كما يوجب العمل وإذا ثبت صار قطعيا إذا ما الفرق بين المتواتر وما لم بتواتر اذ ما الفرق بين ما تواتر وما لم يتواتر اذ صح الكل عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
من أمثلة نسخ المتواتر بالأحاد، حديث عبد الله رضي الله عنهما بينا الناس بقباء في صلاة الصبح اذ جاءهم آت فقال:" ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انزل عليه القرآن، وقد امر ان يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم الى الشام فاستداروا الى الكعبة". فإن استقبال بيت المقدس انما كان ثابتا بالسنة المتواترة فنسخ بهذا الخبر وهو حديث احاد، حيث عمل الصحابة بمجرد سماعه في نسخ ما تقرر عندهم بطريق العام، والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليهم فدل على الجواز.

الفقرة الثانية: الأقسام من حيث المنسوخ 

أولا: نسخ التلاوة والحكم 
المقصود بنسخ التلاوة والحكم معا هو ن تكون التلاوة ثابتة في وقت ما وكان المسلمون يقرؤونها ويؤخذون ما فيها من أمور تشريعية فتم نسخها فبطل حكما ولم تقرأ بعد ان تركت تلاوتها[37].
من امثلة هذا النوع:
نسخ صحف إبراهيم عليه الصلاة والسلام فإننا علمنا قطعا انها كانت نازلة تقرأ ويعمل في شريعته بدليل قوله تعالى " إن هذا لفي الصحف الأولى *صحف ابراهيم وموسى " [38] ،ثم نسخت لم يتبقى شيئا منها بين الخلق لا تلاوة ولا عملا بها . اما نسخها تلاوة فبصرفها عن القلوب وصرف القلوب عنها بذلك نسخ اللفظ وتبعه نسخ الحكم.
من امثلة ذلك أيضا ما روي عن عائشة رضي الله عنها انها قالت كان فيما انزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرم من ثم نسخن بخمس رضعات معلومات فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن من يقرأ من القرآن " [39]، تريد ان النسخ بخمس رضعات تأخر انزاله حتى توفي الرسول صلى الله عليه وسلم وبعض الناس يقرأ خمس رضعات ويجعلها قرأنا متلو لكنه لم يبلغه النسخ لقرب عهده فلما بلغه النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك وأجمعوا انه لا يتلى وهذا هو النسخ من التلاوة دون الحكم[40].
ثانيا: نسخ التلاوة دون الحكم 
ويقصد بهذا النسخ ان تكون هناك اية قرآنية نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم ثم نسخت
تلاوتها ونصها اللفظي مع الاحتفاظ بما تتضمنه من احكام وهذا النوع من النسخ مرفوض لان القائل بذلك إنما يتمسك بأخبار احاد زعمها صحيحة الاسناد متغافلا عن ان نسخ اية محكمة شيء لا يمكن إثباته بأخبار آحاد التي ال تفيد سوى الظن وان الظن لا يمكن ان يغني عن الحق شيئا.
وقد مثلوا لهذا النوع من بأية الرجم التي رواها عمر بن الخطاب رضي الله عنه "الشيخ والشيخة فارجموهن البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم "حيت كانت اية في سورة النور وقيل الأحزاب ثم نسخت تلاوتها مع بقاء حكمها.
وقد تقدم ان عمر رضي الله عنه اتى بأية الرجم وادعى انها من القرآن فلم يقبل قوله المسلمون لان نقل هذه الآية كان منحصرا به ولم يثبتوها في المصاف فألتزم المتأخرون بانها أية منسوخة التلاوة باقية الحكم.
ثالثا: نسخ الحكم وبقاء التلاوة 
أجمع المسلمون على وقوع نسخ حكم الآية مع بقاء التلاوة فتقرأ الآية ولا يعمل بها إذا ثبت نسخها وهي جزء من القرآن الكريم يتلوه المسلمون فالحكم معطل لاستبداله بحكم اخر بعد مجيء الناسخ القاطع لحكمها اي بقاء الآية لفظا ونسخها حكما ومضمونا وهذا القسم هو ما اشتهر بين العلماء و المؤلفين في البحث والكتابة لكن هناك وجهات نظر مختلفة فيما يخص عدد النصوص التي خضعت للنسخ، فقسم من العلماء يقول ان النسخ في نصوص كثيرة والبعض الاخر لم يذكر إلا آيات معدودة والبعض من العلماء وهو الرأي الثالث يقف ما بين الرأي الاول والثاني.
وتوجد عدة آيات في القرآن الكريم تشتمل على حكم معين لكنه منسوخ وليس له اي دور على الصعيد التطبيق الفعلي ومن أبرز الامثلة في هذا المجال اية تقديم الصدقة امام مناجاة الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم في الآية المسماة بأية النجوى وهي الآية التي تأمر بأن يدفع كل من يناجي الرسول صلى الله عليه وسلم صدقة وهي قوله تعالى" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ۚ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ "[41]، ومنسوخة بقوله تعالى " أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ "[42] اي أن حكم الآية الاولى منسوخة بحكم الآية الثانية مع ان تلاوة كلتيهما باقية وهو أمر التزم به الامام علي رضي الله عنه ،حيث تذكر النصوص المفسرة انه مارس السلوك المشار اليه مرات متعددة ثم نسخ هذا الحكم عبر اية قرآنية كريمة[43].ويثار التساؤل ما الحكمة من بقاء بقاء التلاوة رغم نسخ حكمها؟ فالإجابة على ذلك تظهر من وجهين الأول ان القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه والعمل به فيتلى لكونه كلام الله تعالى فيثاب عليه فتركت التلاوة هذه الحكمة والثاني لان النسخ غالبا يكون للتخفيف فأبقيت التلاوة تذكيرا بالنعمة ورفع المشقة.

المبحث الثاني: التعارض والترجيح والإجتهاد 

وفي هذا المبحث سنخصص الجزء الأول منه إلى كل من التعارض والترجيح "المطلب الأول" أما الجزء الثاني سنخصصه للاجتهاد "المطلب الثاني".

المطلب الأول : التعارض و الترجيح 

إن من المواضيع القيمة التي اشتملت عليها منهجية استنباط الأحكام، موضوع التعارض و الترجيح بين الأدلة الشرعية ، حيث أن هذه الأخيرة متفاوتة في المرتبة و في القوة ، ومن ثم فإنه ينبغي على المجتهد أن يكون عالما بدرجات الأدلة و قوتها ، وأن يقف على ما يلزمه نهجه و اتباعه عند تعارض دليلين ( الفقرة الأولى ) ، كما ينبغي ان يقف على وجه الترجيح الصحيح المتفق عليه عند العلماء .[44] ( الفقرة الثانية )

الفقرة الأولى: التعارض 

إن الطريق الأول لنعرف حكم الشارع هو النصوص ، وكل ما عداهـا محمول عليها ، أو مقتبس منها بما تقرره من قواعد وكليات . وبالتالي فإن التعارض غير متصور في النصوص؛ وذلك لوحدة الشارع الذي قررها ، و إنما التعارض يأتي فيها من ناحية الظاهر فقط ، ومن ناحية خفاء وجه التوفيق ، ومن ناحية توهم ما ليس بدليل دليلا ، فالتعارض في عقل المجتهد ، لا في النص و لا في مدلوله . [45] ذلك أنه لا تعارض في الشريعة ، لأن التعارض معناه التناقض ومن المستحيل أن يصدر عن الشارع دليلان متناقضان في وقت واحد وفي موضوع واحد ، لأنه أمارة العجز ، وهو محال على الله سبحانه و تعالى.[46]
أولا : ماهية التعارض 
1 - تعريف التعارض
التعارض في اللغة هو اعتراض كل واحد من الأمرين الآخر، مأخوذ من كل أمر أصبح في عرض الاخر دون طوله .
والتعارض في اصطلاح الأصوليين: اقتضاء أحد الدليلين حكماً في واقعة يخالف ما يقتضيه الدليل الآخر فيها.
مثلاً: قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ وقوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾
فالآية الأولى تجعل عدة الوفاة أربعة اشهر وعشرة أيام ،سواء أكانت المرأة حاملاً أم غير حامل، و الثانية تحدد أجل انتهاء عدة الحامل بوضع الحمل ، سواء أكانت المرأة متوفى عنها زوجها أم مطلقة ، فيكون النصان متعارضان في نظر المجتهد .
2 – مجال التعارض :
يصح أن يجري التعارض في الأدلة القطعية و الظنية من مرتبة واحدة على السواء ، وحينئذ يحمل أحدهما على غير ما يحمل عليه الآخر، و لا يتحقق التعارض بين دليلين شرعيين إلا اذا كانا في قوة واحدة ، فلا يصح جريان التعارض بين قطعي و ظني ، ولا بين نص وإجماع أو قياس ، ولا بين إجماع و قياس ، لأنه لا يتحقق معنى التعارض حينئذ لأن الأضعف ينتفي بالأقوى ، والظن ينتفي بالقطع بالنقيض .
وقد ذهب جماعة من الأصوليين إلى أن التعارض لا يجري بين الدليلين القطعيين، وإلا لزم منها اجتماع المتناقضين وثبوتهما وهما نقيضان بالنسبة للشخص المكلف لأن القطعيين محققان يقينيان، ولا يعقل ترجيح علم وعلم .
وقد رد عليهم أن اقتصار محل التعارض على الأدلة الظنية تحكم ، لأن التعارض يحدث في الظاهر فقط ، وكما يصح أن يطرأ على الأدلة الظنية فقد يطرأ على الأدلة القطعية .[47]
3 - شروط التعارض :
1 - أن يكون الدليلين متضادين ، لأنهما إن اتفقا في الحكم فلا تعارض بل يكون كل منهما مؤيدا للآخر و مؤكدا له .
2 – أن يتساوى الدليلان في القوة وذلك حتى يتحقق التقابل و التعارض .
3 – أن يكون تقابل الدليلين في محل واحد ، لأن التضاد و التنافي لا يتحقق بين الشيئين في محلين .
4 – أن يكون تقابل الدليلين في وقت واحد ، فلا بد من اتحاد الزمن لأنه لو اختلف الزمن انتفى التعارض ، فمثلا الصوم يجب في وقت و الفطر في وقت آخر ، ولا يتحقق معنى التعارض و التضاد بينهما باختلاف الوقت .[48]
ثانيا : طرق دفع التعارض 
إذا وجد نصان ظاهرهما التعارض وجب الاجتهاد في صرفهما عن هذا الظاهر والوقوف على حقيقة المراد منهما تنزيهاً للشارع العليم الحكيم عن التناقض في تشريعه[49] ، ولقد وضع علماء الأصول طرقا لدفع هذا التعارض فمذاهب الشافعية و المالكية و الحنابلة و الظاهرية توجب على المجتهد البحث و الاجتهاد وفق المراحل الآتية على الترتيب :
1 – الجمع والتوفيق بين المتعارضين بوجه مقبول : و المقصود به إزالة التعارض الظاهري بين النصين بالجمع والتوفيق بينهما والعمل بهما معا، و وذلك لأنه إذا أمكن ذلك ولو من بعض الوجوه ، كان العمل به متعينا ، ولا يجوز الترجيح بينهما ، لأن اعمال الدليلين أولى من اهمال أحدهما بالكلية بترجيح الآخر عليه ، لكون الأصل في الدليل اعماله لا اهماله .[50]
مثال : قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾، وقوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، ويمكن التوفيق بينهما بأن الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بأبعد الأجلين، فإن وضعت حملها قبل أربعة أشهر وعشرة أيام من تاريخ الوفاة ، تربصت حتى تتم أربعة أشهر وعشرة أيام، وإن أمضت أربعة أشهر وعشرة أيام قبل أن تضع حملها تربصت حتى تضع حملها.[51]
ومن طرق الجمع و التوفيق اعتبار أحد النصين مخصصا لعموم الآخر ، أو مقيدا لإطلاقه مثل آية '' حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ... '' في سورة المائدة و آية '' ..إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا ... " في سورة الأنعام فاللفظ المطلق في الآية الأولى ‘’ الدم ‘’’ محمول على المقيد في الآية الثانية ، ويكون الدم المحرم هو الدم المسفوح .[52]
2 – الترجيح بين الدليلين عند تعذر الجمع بين المتعارضين وذلك بوجه من وجوه الترجيح كما سيأتي تفصيلها .
3 – النسخ لأحد الدليلين و العمل بالآخر إذا كان مدلولها قابلا للنسخ ، وعلم تقدم أحدهما و تأخر الاخر ، فيجعل المتأخر ناسخا للمتقدم.
4 – تساقط الدليلين اذا تعذرت الوجوه السابقة ، فيترك العمل بهما معا ، ويعمل بغيرهما من الأدلة ، كأن الواقعة حينئذ لا نص فيها . وهذه صورة فرضية لا وجود لها . ولقد ذهب بعض العلماء إلى القول بالتخيير بدلا من السقوط وذلك إن كان الدليلان مما يمكن فيه التخيير ، وإلا يحكم بالسقوط والرجوع إلى البراءة الأصلية .[53]
و تجدر الإشارة إلى أن مسلك الحنفية يختلف من حيث ترتيب طرق دفع التعارض حيث يرتبها بالشكل التالي : 1- النسخ 2 - الترجيح 3- الجمع 4 - تساقط الدليلين.

الفقرة الثانية : الترجيح 

إن العالم حين يظهر له أن هناك تعارض بين الأدلة الشرعية، لا بد أن يتأكد أولا من وجود ذلك التعارض ، فيسعى إلى إزالة ذلك اللبس أو التعارض الظاهري من خلال محاولته الجمع والتوفيق بين النصين والعمل بهما معا ، فإن تعذر ذلك فإنه يلجأ حينها إلى الترجيح بين الدليلين وذلك بوجه من وجوه الترجيح كما سيأتي تناولها .
أولا ماهية الترجيح 
1 – تعريف الترجيح
الترجيح لغة هو التمييل و التغليب، ومنه قولهم: رجح الميزان : إذا مال.
و قد اختلفت آراء علماء أصول الفقه حول التعريـف الاصـطلاحي للتـرجيح لاختلاف نظرتهم في تكييف الترجيح، من حيث اعتباره من فعل المجتهد أو أنه وصف قائم بالـدليل الراجح، أم أنه كلاهما. هذا الاختلاف ينحصر في اتجاهات ثلاثة هي:
الاتجاه الأول : ويمثله بعض الأصوليين من الشافعية و المعتزلة والحنابلة، ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الترجيح فعل المجتهد، فعرفه الإمام الرازي بقوله : " الترجيح تقوية أحد الطريقين على الآخر ليعلم الأقوى فيعمل به ويطرح الآخر.''
الاتجاه الثاني : ويمثل هذا الاتجاه الكثير من الأصوليين من مذاهب فقهيـة مختلفـة منها المالكية والشافعية وغيرهما. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الترجيح هو بمعنى رجحان الدليل لوجود قوة كامنة فيه، وصفة قائمة به . حيث عرفه ابن الحاجب المالكي، بقولـه " الترجيح هو اقتران الأمارة بما تقوى به على معارضها"
الاتجاه الثالث : ويمثل هذا الاتجاه بعض الأصوليين حيث جمع أصحاب هذا الاتجاه بين أصحاب الاتجـاه الأول والثاني ، حيث ذكر في تعريفهم بأنه وصف قائم بالدليل ويقوم المجتهد ببيان ذلـك، أي بيان الترجيح فهو إذا من فعل المجتهد، فقـال التفتـازاني: '' التـرجيح بيـان الرجحان أي القوة التي لأحد المتعارضين على الآخر’’. [54]
2 - حجية الترجيح
استدل الجمهور على وجوب العمل بالدليل الراجح :
أولا : بإجماع الصحابة و من بعدهم من السلف على تقديم بعض الأدلة الظنية على البعض في وقائع مختلفة ، إذا اقترن به ما يقوى به على معارضه . إذ كان الصحابة رضي الله عنهم يوجبون العمل بالراجح من الظنين دون أضعفهما .
ثانيا : بالمعقول: إن العقلاء يوجبون بعقولهم العمل بالراجح في الحوادث ، و الأصل تنزيل التصرفات الشرعية منزلة التصرفات العرفية ، ورد في الأثر عن ابن مسعود أنه قال : ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن . فإذا ظهر الترجيح لأحد الدليلين، أو لإحدى البينات، كان العمل بالراجح هو الواجب، قال الطوفي رحمه اللَّه تعالى : " لأن العمل بالأرجح متعين عقلًا وشرعًا، وقد عملت الصحابة بالترجيح مجمعين عليه، والترجيح دأب العقل والشرع، حيث احتاجا له"
3- شروط الترجيح
حتى يستطيع المجتهد من إجراء التـرجيح في حالة تعارض الأدلة بكيفية تقوده إلى الوصول إلى إثبات أحد الدليلين على الآخـر ، فلا بد من توافر مجموعة من الشروط وأهمها:
- التساوي في الثبوت : وذلك بأن يكون الدليلان ثابتين بدرجة واحدة ، من حيث القطعية و الظنية كآيتين، فهما متواترتان في الثبوت ، وآية وحديث متواتر.
- التساوي في القوة : وذلك بأن يكون الدليلان في قوة واحدة ، فلا تعارض بين حديث صحيح وآخر شاذ أو منكر؛ لأن الحديث الشاذ أو المنكر لا يعتبر معارضًا للحديث الصحيح.
-الاتفاق في الحكم مع اتحاد الوقت والمحل والجهة : فإذا اختلف الحكم بحسب الوقت أو المحل أو الجهة، فلا تعارض، ولا ترجيح، فلا تعارض مثلًا بين النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة والترغيب بها في وقت آخر.
- عدم إمكان الجمع بين الدليلين : إذا ورد دليلان متعارضان فيشترط للترجيح بينهما عند جمهور الأصوليين عدم إمكان الجمع بينهما.
- عدم النسخ : يشترط في الترجيح ألا يكون أحد الدليلين ناسخًا للآخر؛ لأنه إذا تحقق النسخ، فلا مجال للترجيح، ويعمل بالناسخ ويترك المنسوخ.
ثانيا : طرق الترجيح 
تنقسم طرق الترجيح إلى ثلاثة أقسام، وهي: الترجيح بين النُّصوص، والترجيح بين الأقيسة، والترجيح بين نصّ وقياس. قال ابن النجار رحمه اللَّه تعالى : "ويكون الترجيح بين دليلين منقولين كنصّين، وبين معقولين كقياسين، وبين منقول ومعقول، كنصّ وقياس، فهذه ثلاثة أقسام.’’
1 - الترجيح بين النصوص :
للترجيح بين النصوص حالات أربع فقد يكون باعتبار السند، وقد يكون باعتبار المتن، وقد يكون باعتبار مدلول اللفظ ، وقد يكون باعتبار أمر خارج .
أ - الترجيح باعتبار السند
السند هو الطريق الذي وصل به الحديث الشريف إلى الأمة بالإخبار عن المتن وهو قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفعله وتقريره وصفته. ويكون الترجيح باعتبار السند بأربعة أشياء: الراوي، والرواية، والمروي، والمروي عنه.
· ترجيح السند باعتبار الراوي
- الترجيح لعدالة الراوي المتفق عليها : إذا ورد حديثان صحيحان متعارضان، وكان راوي أحدهما متفقًا على عدالته، والآخر مختلفًا في عدالته، فيرجح الحديث الذي اتفق على عدالة راويه على الحديث الآخر.
- الترجيح بكثرة الرواة : يرجح الحديث الذي رواته أكثر على ما رواته أقل؛ لقوة الظن به عند الجمهور، خلافًا للحنفية الذين لا يرجحون بكثرة الرواة ما لم تصل حد الشهرة.
- الترجيح بوصف في الراوي : إذا كان أحد الراويين راجحًا على الآخر في وصف يغلب على الظن صدقه فيرجح، كالأزيد ثقة، أو فطنة، أو علمًا، أو ضبطًا، أو لغة، أو نحوًا...
· ترجيح السند باعتبار الرواية
- يرجح الحديث المسند على الحديث المرسل لتحقق المعرفة برواته، و جهالة بعض رواة الثاني .
- يرجح مرسل التابعي على مرسل غيره؛ لأن الظاهر أن التابعي رواه عن صحابي، والصحابة كلهم عدول .
- يرجح الحديث المسند إلى كتاب موثوق بصحته ، كمسلم و البخاري ، على ما هو مسند إلى كتاب غير مشهور بالصحة.[55]
· الترجيح باعتبار المروي
- يرجح الحديث المسموع من النبي - صلى الله عليه وسلم - على المنقول من كتاب؛ لأن السماع فيه دقة، ويبعد عن احتمال التصحيف والغلط.
- يرجح الحديث المسموع من النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله، على المروي من صحابي حاكيًا عما جرى في مجلسه أو زمانه أو سكت عنه، فيرجح قوله - صلى الله عليه وسلم - على فعله، وفعله على تقريره.
· الترجيح باعتبار المروي عنه
- يرجح الخبر الذي لم يتردد فيه الأصل في رواية الفرع، على الرواية التي يتردد الأصل في رواية الفرع عنه، وكذا كل خبر لم يقع فيه إنكار لرواية المروي عنه الحديث على الخبر الذي وقع فيه إنكار.
- يرجح الخبر الذي وقع فيه إنكار من الأصل على الفرع إنكار نسيان، على ما فيه إنكار تكذيب وجحود.
- يرجح الخبر الذي سمعه الراوي شفاهًا من المروي عنه، عن الخبر الذي سمعه من وراء حجاب، فالمشافهة تقدم على رواية الآخر.
ب - الترجيح باعتبار المتن
المراد من المتن هو اللفظ الثابت بالنصوص، وهي الكتاب والسنة، ويلحق بها الإجماع،.
ويتم الترجيح في ذلك بوجوه عدة، من بينها :
- يرجح النهي على الأمر؛ لشدة الطلب في النهي واقتضائه للدوام؛ ولأن دفع المفاسد في مقدم على جلب المصالح.
- ترجيحُ الخبر الدالّ على المراد من وجهين على الخبر الدالّ عليه من جهةٍ واحدةٍ: مثل تقديم حديث: '' إنما الشفعةُ فيما لم يُقسمْ، فإذا وقعت الحدودُ وصُرِّفت الطرقُ فلا شُفعة" )متفق عليه عن جابر( على حديث "الجارُ أحقُّ بصَقَبِه)’’ البخاري عن أبي رافع)[56]
- تُرجح الحقيقة على المجاز؛ لأنها الأصل، وعدم حاجتها لقرينة، وهي التي تتبادر للذهن، ولذلك قالوا: الأصل في الكلام الحقيقة.
ت - الترجيح من جهة الحكم أو المدلول
إن الترجيح بين النصوص المنقولة يتم بحسب ما دلّ عليه اللفظ من الأحكام الخمسة، وهي: الإباحة، والكراهة، والتحريم، والندب، والوجوب، ويتم الترجيح في ذلك بوجوه عدة، من بينها :
- يُرجح الحظر على الإباحة والكراهة والمندوب والوجوب، عند جماهير العلماء لأن فعل المحظور يستلزم مفسدة، بخلاف غيرها، فالإباحة لا يتعلق بفعلها ولا بتركها مصلحة ولا مفسدة، وفي الكراهة كذلك؛ لتغليب الحرام على الحلال؛ لأنه أحوط، ولأن الندب لتحصيل مصلحة، والحظر لدفع مفسدة، ودفع المفسدة أهم من تحصيل المصلحة في نظر العقلاء، ويرجح الحظر على الوجوب ؛ لأن إفضاء الحرمة إلى مقصودها أتم لحصوله بالترك، وللاعتناء بدفع المفاسد.[57]
- يُرجح الخبر النافي للحد والعقاب على الموجب لهما؛ لأن العقاب ضرر، والضرر منفي في الإسلام، ولأن الحدود تدرأ بالشبهات.
ج - الترجيح بأمر خارج
وهو الترجيح بين الدليلين بدليل لا يتعلق بالسند ولا بالمتن، وإنما بوجود دليل آخر خارج عن الدليلين المتعارضين، وفيه وجوه كثيرة، من بينها :
- يرجح أحد الدليلين بموافقة دليل آخر له من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قياس، أو عقل، أو حسّ؛ لتأكد غلبته بقصد الشارع مدلوله.
- يرجح الدليل الذي عمل به الخلفاء الراشدون، أو أهل المدينة، لأن أهل المدينة أعرف بالتنزيل و أخبر بمواقع الوحي و التأويل ، و لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم حث على اتباع الخلفاء الراشدين رضي اللَّه عنهم، و الاقتضاء بهم .
- يرجح القول على الفعل المجرَّد:لأن الفعلَ إذا لم يصحبْه أمرٌ احتمل الخصوصيةَ للرسول صلى الله عليه وسلم بخلاف القول.[58]
2 - الترجيح بين الأقيسة
وهي الأدلة المعقولة سواء كانت أقيسة أو استدلالات، ويكون الترجيح من وجوه كثيرة، وتصنف إلى أربعة، وهي الترجيح من جهة الأصل، والترجيح من جهة الفرع، والترجيح بحسب العلة، والترجيح من جهة أمر خارج.
أ - الترجيح من جهة الأصل
المراد من الأصل هو الحكم المنصوص عليه، ويقاس عليه غيره، فإذا وجد قياسان، فينظر إلى الأصل المقيس عليه، فإن وجد فيه ما يرجّحه بكون دليل أصله أقوى، ترجح على القياس الثاني، و في ذلك أنواع كثيرة، من بينها :
- يرجح القياس الذي يكون حكم أصله قطعيا ، على ما كان حكمه ظنيًّا؛ لأن القطعي لا يتطرق إليه الخلل، فيقدم على الظني، مثل لعان الأخرس، فيقاس على يمينه أو على شهادته، والأرجح قياسه على اليمين التي تصح من الأخرس بالإجماع، وأما شهادته ففيها خلاف بين الفقهاء فيجيزها المالكية، ويمنعها الجمهور.[59]
- يرجح القياس الذي يكون دليله أقوى؛ لأن صحته أغلب في الظن.
ب - الترجيح من جهة الفرع:
الفرع هو المسألة أو القضية التي لم يثبت حكمها بنص، وإنما يؤخذ حكمها بقياس على الأصل المنصوص عليه، وإذا وجد قياسان متعارضان فيرجح أحدهما على الآخر بحسب الفرع بوجوه، منها:
- يرجح القياس الذي يكون فرعه متأخرًا في الوجود عن أصله على القياس الذي يكون فرعه متقدمًا؛ لسلامة الأول عن الاضطراب، وبعده عن الخلاف بين العلماء كما في الثاني.
- يرجح القياس الذي يقطع فيه بوجود العلة في فرعه على القياس الذي يكون وجود العلة مظنونًا في الفرع؛ لأن الأول أغلب عن الظن.
- يرجح القياس الذي يكون حكم الفرع فيه ثابتًا بالنص جملة لا تفصيلًا، على قياس غيره؛ لأن الأول أغلب على الظن.
ت : الترجيح بحسب العلة:
العلة هي الوصف الظاهر المنضبط الذي دل الدليل الشرعي على كونها معرّفة لحكم شرعي، وتتوفر هذه العلة في الفرع، فيشترك الأصل والفرع فيها، فيكون حكم الأصل حكمًا للفرع لهذا الاشتراط. و يمكن الترجيح بين الأقيسة بحسب العلة في وجوه كثيرة، من بينها :
- إذا تعارض قياسان، وكانت علَّة أحدهما قاصرة،وعلة الآخر متعدية: فإنه ترجح العِلَّة المتعدية؛ لأن العِلَّة المتعدية أتم فائدة من العلَّة القاصرة، وأكثر منفعة؛ لأنها تفيد تعميم الأحكام، وهو الأصل.[60]
- يرجح القياس الذي تكون علته قطعية بالنص أو الإجماع عليها على القياس الذي تكون علته ظنية.
- يرجح القياس المعلل بالوصف الحقيقي الذي هو مظنة الحكمة كالسفر، على القياس المعلل بوصف إقناعي اعتباري كالمشقة.
ج : الترجيح بين الأقيسة بأمر خارج
إن الأمور الخارجة التي يترجح بها قياس على آخر هي نفسها التي تُرجح فيها النصوص مما ذكرناه سابقًا، ، ومن بينها :
- موافقة أصول العلة: يرجح القياس التي يشهد لعلته أصول كثيرة على القياس الذي يشهد لعلته أصل واحد؛ لأن موافقة العلة لعدة أصول دليل على قوة اعتبارها في نظر الشرع، مثل الترجيح بكثرة الأدلة.
- موافقة أصول في الحكم: يرجح القياس الذي يكون حكمه دلّت عليه أدلة كثيرة، أو كان جنس الحكم ثابتًا في أصول متعددة على القياس الذي يكون حكمه قد دلَّ عليه دليل واحد، أو كان ثابتًا في قياس واحد.
- الاطِّراد في الفروع: يرجح القياس الذي تكون العلة فيه مطردة فـي الفـروع ، أي مثبتـة للحكم في كل الفروع على القياس الذي لا تكون العلة فيه مطردة بل مثبتة للحكـم في بعض الفروع، دون بعض، لأن المطردة مجمع عليها بخلاف المنقوض[61]
3 - الترجيح بين نصّ وقياس
إذا وجد تعارض بين نص منقول في الكتاب والسنة، وقياس، فيرجح النص المنقول الخاص الذي دل على المطلوب بنطقه؛ لأن النص أصل بالنسبة للقياس، ومقدمات النص للاستنباط والاستدلال أقل من مقدمات القياس، فيكون أقل خللًا. وإذا لم يدل النص المنقول بنطقه على المطلوب، فتكون دلالته ظنية وعلى درجات، فقد يكون الظن الحاصل منه أقوى من الظن الحاصل من القياس، أو مساويًا له، أو أضعف منه، ويكون الترجيح بحسب ما يقع للمجتهد، فيرجح الظن الأقوى.[62]

المطلب الثاني: الاجتهاد 

أصبح مبدأ الاجتهاد مقررا في الشرع، ومنهجا للأمة والعلماء منذ عهد النبوة، حيث أراد رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم – أن يبعث مُعاذَ بن جَبَل رضي اللَّه عنه إلى اليمن، وسأله: "كَيْفَ تقضي إنْ عَرَضَ لك القضاءُ يا معاذُ؟ " فأجابَ: أقضي بكتابِ اللَّه تعالى، قالَ: "فإنْ لم تجِدْ في كتاب اللَّه؟ " قال: فبسنَّةِ رسولِ اللَّه، قال: "فإنْ لم تجدْ في سنهِ رسولِ اللَّه؟ "، قال: أجتهدُ برأي، فضرب رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - على صدر معاذ، وقال: " الحمدُ للَّه الذي وَفَّق رسولَ رسولِ اللَّه، لما يُرْضي اللَّهَ ورسولَه"[63].
كما شجع الرسول - صلى الله عليه وسلم – على الاجتهاد، فمن الاحاديث العظيمة الهادية له، نجد حديث النبي- صلى الله عليه وسلم – المروي في الصحيحين وغيرهما : " إذَا حكمَ الحاكمُ فاجْتَهَدَ ثم أصابَ فلهُ أجْران، وإذا حَكَم فاجتهد، ثم أخطأ فله أجرٌ"[64]، فالحديث صريح في تجويز الاجتهاد والدعوة إليه والترغيب فيه.
ومشروعية الاجتهاد في الإسلام ، دلت عليه أيضا آيات القرآن الكريم، لقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ}[65]، فهذه الآية تتضمن إقرار الاجتهاد بطريق القياس[66]، وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}[67]، وما ورد بعدها: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}[68]، وغير ذلك مما ورد فيه قوله تعالى: {يَعْقِلُونَ}.
إلا أنه ليس كل مسلم مؤهلًا للاجتهاد، وليس كل المسلمين علماءَ وفقهاء لبذل الجهد لمعرفة حكم اللَّه تعالى، ولم يكلفهم الشرع -أصلًا- بذلك، بل قرر المبدأ الإسلامي الخالد، والعام الشامل، وهو وجوب سؤال أهل العلم والاختصاص، وهم المجتهدون والعلماء والفقهاء[69]، لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}[70]، وقوله تعالى: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا}[71].
لدراسة هذا الموضوع يقتضي منا بدءا تناول تعريف الاجتهاد ومجاله (الفقرة الأولى)، ثم شروط الاجتهاد وحكمه (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: تعريف الاجتهاد ومجاله 

أولا: تعريف الاجتهاد 
الاجتهاد لغة، من جَهَد أي: جدَّ وطلب الأمر حتى بلغ المشقة، ووصل إلى الغاية[72]، بمعنى بذل الجهد، واستفراغ الوسع في تحقيق أمر لا يكون إلا بكلفة ومشقة، ولهذا يقال : اجتهد في حمل قنطار من القمح مثلا، ولا يقال : اجتهد في حمل عصاه[73].
وفي اصطلاح الأصوليين، هو بذل الجهد للوصول إلى الحكم الشرعي من دليل تفصيلي من الأدلة الشرعية[74].
ثانيا: مجال الاجتهاد 
إن الأحكام الشرعية بالنسبة للاجتهاد نوعان، ما يجوز الاجتهاد فيه وما لا يجوز الاجتهاد فيه.
ما لا يجوز الاجتهاد فيه : إذا كانت الواقعة التي يراد معرفة حكمها قد دل على الحكم الشرعي فيها دليل صريح قطعي الورود والدلالة فلا مجال للاجتهاد فيها، والواجب أن ينفذ فيها ما دل عليه النص، لأنه ما دام قطعي الورود فليس ثبوته وصدوره عن الله أو رسوله موضع بحث وبذل جهد، وما دام قطعي الدلالة فليست دلالته على معناه واستفادة الحكم منه موضع بحث واجتهاد. وعلى هذا فآيات الاحكام المفسرة التي تدل على المراد منها دلالة واضحة، ولا تحتمل تأويلا يجب تطبيقها، ولا مجال للاجتهاد في الوقائع التي تطبق فيها، ففي قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ }[75]، لا مجال للاجتهاد في عدد الجلدات. وفي قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}[76]، لا مجال في الاجتهاد في المقصود بالصلاة والزكاة بعد أن فسرت السنة الفعلية المراد منهما. وكذلك احاديث الزكاة المتواترة لا مجال للاجتهاد فيها، كحديث الأموال الواجبة فيها الزكاة ومقدار النصاب من كل مال منهما ومقدار الواجب فيه[77].
وأما التي يجوز الاجتهاد فيها : إذا كانت الواقعة التي يراد معرفة حكمها قد ورد فيها نص ظني الورود والدلالة أو أحدهما ظني فقط ففيهما للاجتهاد مجال[78].
فإذا كان النص ظني الثبوت، كان موضع بحث المجتهد في سنده وطريقة وصوله إلينا، ودرجة رواته من العدالة والضبط، وفي ذلك يختلف تقدير المجتهدين للدليل، فبعظهم يأخذ به لاطمئنانه إلى ثبوته، وبعضهم يرفض الأخذ به لعدم اطمئنانه الى روايته، مما يؤدي إلى اختلاف المجتهدين في كثير من أحكام الفقه العملية[79].
وإذا كان النص ظني الدلالة، كان البحث في تفسيره أو تأويله وفي قوة دلالته على المعنى المقصود، وفي سلامته من المعارضة، أو معارضته بما يؤثر فيها، وفي خصوصه أو عمومه، وما يدخل فيه من الجزئيات وما لا يدخل[80]. فالأمر وان كان في الأصل للوجوب فربما يراد به الإباحة، والنهي وإن كان حقيقة في التحريم فربما يصرف للكراهة... وهكذا[81].
وإذا كانت الواقعة لا نص فيها ولا إجماع فيها، فمجال الاجتهاد فيها هو البحث عن حكمها بأدلة عقلية كالقياس أو الاستحسان أو الاستصحاب أو المصالح المرسلة أو العرف، ونحوها من الأدلة المختلف فيها، وهذا باب واسع للخلاف بين الفقهاء[82].
فالخلاصة أن مجال الاجتهاد أمران، ما لا نص فيه أصلا، وما فيه نص غير قطعي، ولا مجال للاجتهاد فيما فيه نص قطعي.

الفقرة الثانية: شروط الاجتهاد وحكمه 

أولا: شروط الاجتهاد 
كما هو معلوم أن مرتبة الاجتهاد في أي علم هي أعلى مراتب الخوض فيه وأخطر درجات التعاطي مع قضاياه، فهي – من ثم - تتطلب أعلى درجات الإحاطة به والتمكن فيه، فمن لم يكن كذلك وجب عليه أن يعرف حدود قدره ومقدار باعه، وألا يحمل نفسه فوق طاقتها، كما يفعل اليوم كثير من الكتاب والمفكرين من ذوي القراءات الجديدة والنظريات التجديدية، في مجال العقائد والفقه والأصول والتفسير والحديث...، ومن ثم لابد من توفر شروط المجتهد إذ لا يصح الاستخفاف بها أو إلغاؤها[83].
فمن أهم الشروط التي اتفق عليها علماء الأصول، نذكرها إجمالا كالآتي :
- العلم باللغة العربية :
أن يعلم المجتهد علوم اللغة العربية من لغة ونحو وصرف ومعان وبيان وأساليب، لأن القرآن والسنة جاءا باللغة العربية، فلا يمكن استنباط الأحكام منهما إلا بفهم كلام العرب إفرادا وتركيبا أو معرفة معاني اللغة وخواص تركيبها[84]، إلى الحد الذي يميز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله، وحقيقته ومجازه، وعامه وخاصه، ومحكمه و متشابهه، ومطلقه ومقيده، ونصه وفحواه ولحنه ومفهومه، وهذا لا يحصل إلا لمن بلغ في اللغة درجة الاجتهاد[85].
- العلم بالقرآن الكريم :
إن القرآن هو عمود الشريعة ومصدرها، وحبل الله الممدود إلى يوم القيامة[86]، لذا يشترط في المجتهد أن يكون عالمًا بمعاني آيات الأحكام المذكورة في القرآن الكريم لغة وشرعا، ولا يشترط حفظه لها عن ظهر قلب ولا حفظ سائر القرآن، وإنما يكفي أن يكون عالمًا بموضعها حتى يرجع إليها في وقت الحاجة[87].
بحيث إذا عرضت له واقعة كان ميسورا له أن يستحضر كل ما ورد في موضوع هذه الواقعة من آيات الأحكام في القرآن، وما صح من أسباب نزول كل اية منها، وما ورد في تفسيرها وتأويلها من اثار وعلى ضوء هذا يستنبط حكم الواقعة[88].
- العلم بالسنة النبوية :
وذلك بأن يعرف أحاديث الأحكام لغة وشرعًا، كما سبق بالنسبة القرآن، ولا يشترط حفظها، وإنما أن يكون متمكنا من الرجوع إليها عند الاستنباط وذلك بمعرفة موقعها، وأن يعلم صحة الحديث وضعفه سندًا ومتنًا[89].
فالعلماء قاموا بجمع أحاديث الأحكام، وترتيبها حسب أبواب الفقه وأعمال المكلفين، بحيث يتيسر للمجتهد أن يرجع إلى الآيات والاحاديث التي وردت في موضوع واحد من موضوعات الأحكام، وعلى ضوئها يفهم الحكم الشرعي، ومن خير الكتب التي يرجع إليها في هذا كتاب "نيل الأوطار" للإمام الشوكاني[90].
- معرفة الناسخ والمنسوخ :
يشترط في المجتهد معرفة الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنّة، وهي محصورة في آيات وأحاديث، حتى لا يعتمد المجتهد على منسوخ متروك في القرآن والسنة، وذلك عند الاجتهاد والفتوى[91]، فيؤديه اجتهاده إلى ما هو باطل، ويكفي أن يرجع إلى ما كتب في هذا الموضوع، مثل كتاب ابن خزيمة وأبي جعفر النحاس وابن الجوزي والحازمي وابن حزم والطحاوي في معاني الآثار وغيرهم، ولا يشترط معرفة جميعه وحفظه، وإنما يكفيه في كل واقعة يفتي بها بآية أو حديث أن يعلم أن ذلك الحديث وتلك الآية محكمان[92].
- العلم بمسائل الإجماع :
أن يكون متمكنا من معرفة مسائل الإجماع؛ ليكون رأيه موافقًا للإجماع، ويجتنب الاجتهاد والفتوى بخلاف ما أجمع عليه، فيكون قد خرق الإجماع، وبالتالي يكون رأيه باطلًا[93].
ولا يلزم المجتهد حفظ جميع مسائل الإجماع، ولكن يشترط أن يعلم أن المسألة التي يجتهد فيها ليس فيها إجماع، وأن فتواه ليست مخالفة للإجماع، بل موافقة لمذهب من مذاهب العلماء أيهم كان، أو يغلب على ظنه أن هذه الواقعة ناشئة في عصر لم يكن لأهل الاجماع فيها خوض[94].
ويتفرع عن ذلك أن يعرف المجتهد المسائل الخلافية التي اختلفت فيها وجهات النظر عند الاجتهاد فيها، وبيَّن الإمام الشافعي رحمه اللَّه تعالى الحكمة من ذلك، فقال:
"ولا يكون لأحد أن يقيس (يجتهد) حتى يكون عالمًا بما مضى قبله من السنن وأقاويل السلف، وإجماع الناس واختلافهم ... ، ولا يمتنع من الاستماع ممن خالفه؛ لأنه قد يتنبه بالاستماع لترك الغفلة، ويزداد به تثبيتًا فيما اعتقد من الصواب، وعليه في ذلك بلوغ غاية جهده، والإنصاف من نفسه، حتى يعرف أين قال ما يقول، وترك ما يترك، ولا يكون بما قال أعنى منه بما خالفه، حتى يعرف فضل ما يصير إليه على ما يترك إن شاء الله"[95].
- معرفة القياس :
يشترط في المجتهد أن يكون عارفًا بوجوه القياس وشرائطه المعتبرة، وأن يعرف علل الأحكام وطرق استنباطها من النصوص ومصالح الناس وأصول الشرع الكلية، لأن القياس مناط الاجتهاد والذي تبنى عليه أحكام كثيرة تفصيلية[96]. حتى إذا لم يجد في القياس سبيلا إلى معرفة حكم الواقعة، سلك سبيلا أخرى من السبل التي مهدتها الشريعة الإسلامية للوصول إلى استنباط الحكم فيما لا نص فيه[97].
- أن يكون عالما بعلم أصول الفقه :
يشترط في المجتهد أن يكون عالمًا بعلم أصول الفقه، لأنه عماد الاجتهاد وأساسه الذي تقوم عليه أركان بنائه، إذ أن الدليل التفصيلي يدل على الحكم بواسطة كيفية معينة، ككونه أمرا أو نهيا أو عاما أو خاصا ونحوها، وعند الاستنباط لابد من معرفة تلك الكيفيات وحكم كل منها[98].
- العلم بمقاصد الشارع :
ان معرفة مقاصد الشارع تنير الطريق عند استنباط الأحكام، حتى لا يجمد العقل والفكر على الظاهر، وحرفية النص، مما يساعد على تحديد المراد من النصوص، وترجيح أحد المعاني التي تتفق مع المقاصد دون غيرها، والمحققة لمصالح الناس، بجلب النفع لهم ودرء المفاسد عنهم[99].
صحيح أن شروط المجتهد قد وقع تعسيرها وتعقيدها على مر العصور، حتى كادت أن تصبح شروط تعجيزية، وأنها قد أضحت اليوم في أمس الحاجة إلى نوع من التيسير، ولكن هذا لا يسوغ أبدا إسقاطها أو تجاوزها. فهي أمر ضروري من حيث الأصل والمبدأ، وهي شروط صحيحة ووجيهة في جملتها، فهذا من بديهيات البحث العلمي والاجتهاد في أي علم من العلوم، إذ لا ينبغي أن نقبل التسيب والتطفل والتطاول في العمل العلمي، وخاصة إذا ادعى صاحبه الاجتهاد[100].
ثانيا: حكم الاجتهاد
إذا توافرت شروط الاجتهاد السالفة الذكر عند الشخص، وحصلت له ملكة استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، فهل يجب عليه الاجتهاد أم لا ؟.
إذا وقعت حادثة لشخص أو لجماعة، وسئل الفقيه العالم عنها، فإن حكم الاجتهاد في حقه يكون فرضا عينيا، وقد يكون فرضا كفائيا، وقد يكون مندوبا، وقد يصير حراما[101].
- يكون الاجتهاد فرضًا عينيًّا عليه في الحالات التالية:
الحالة الأولى: 
يكون الاجتهاد فرض عين على المجتهد في حق نفسه في ما طرأ له من حوادث، فإذا وصل اجتهاده إلى حكم لزمه العمل به، لأن حكم المجتهد هو حكم اللَّه تعالى في المسألة التي اجتهد بها بحسب ظنه الغالب، وينبغي عليه العمل بما غلب على ظنه أنه حكم اللَّه تعالى، ولا يجوز له أن يقلد مجتهدًا آخر[102].
الحالة الثانية: 
يكون الاجتهاد فرض عين على المجتهد إذا كان قاضيًا وتعين عليه الحكم في المسألة؛ ليفصل فيها، وينهي النزاع والخصومة، ويصدر حكمًا بينهما[103].
الحالة الثالثة: 
يكون الاجتهاد فرض عين على المجتهد إذا سئل عن حادثة وقعت، وخاف فوتها على غير وجهها الشرعي، ولم يوجد غيره؛ لأن عدم الاجتهاد يقضي بتأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو ممنوع شرعًا[104].
- يكون الاجتهاد فرض كفاية على المجتهد في حالتين:
الحالة الأولى: إذا وجد عدد من المجتهدين عند وقوع الحادثة، فيكون الاجتهاد فرضًا كفائيًّا على كل منهم، فإن اجتهد أحدهم ووصل إلى الحكم، سقط الطلب عن الباقي، وإن تركه الجميع أثموا جميعا[105].
الحالة الثانية: إذا كان المجتهد واحدًا، وعرضت عليه قضية واقعة، ولكنها ليست على الفور، ولم يخف فوت الحادثة، ولم يوجد غيره، فيكون الاجتهاد فرضًا كفائيًّا في الحال، وله التأخير[106].
- يكون الاجتهاد مندوبًا إذا عرضت على المجتهد حادثة لم تحصل، سواء سئل عنها أم لم يسأل[107]، فيندب له الاجتهاد لبيان حكم اللَّه تعالى فيها.
- يكون الاجتهاد حرامًا على المجتهد فيما لا يجوز الاجتهاد فيه، كالاجتهاد في مقابلة نص قطعي، أو سنة متواترة قطعية الدلالة، أو في مقابلة الإجماع الذي سبق الحادثة، وتسمية هذا النوع اجتهادًا إنما هو من قبيل التجوز والمجاز، لأنه في الحقيقة أمر باطل، وليس اجتهادًا أصلًا، كما يحرم الاجتهاد على من فقد شروطه، ولم يكن له أهلًا[108].
ومما ينبغي التنبه إليه:
- أن الاجتهاد لا يتجزأ[109]: أي أنه لا يتصور أن يكون العالم مجتهداً في أحكام الطلاق وغير مجتهد في أحكام البيع، أو مجتهد في أحكام العقوبات، وغير مجتهد في أحكام العبادات، لأن من توافرت فيه شروط الاجتهاد وتكونت له هذه الملكة لا يتصور أن يكون قادراً على الاجتهاد في هذا الموضوع من الأحكام دون آخر. ولأن عماد المجتهد في اجتهاده فهم المبادئ العامة وروح التشريع التي بثها الشارع في مختلف أحكامه وبني عليه تشريعه. وهذه الروح التشريعية والمبادئ العامة لا تخص باباً دون باب من أبواب الأحكام، وفهمها حق فهمها لا يتم إلا بأقصى ما يستطاع من استقراء الأحكام الشرعية وحكمها في مختلف الأبواب. فلا يكون مجتهداً إلا إذا كان على علم تام بأحكام القرآن والسنة حتى يصل من مقارنة بعضها ببعض، ومن مبادئها العامة إلى الاستنباط الصحيح.
- أن الاجتهاد لا ينقض بمثله[110]: فلو اجتهد مجتهد في واقعة وحكم فيها بالحكم الذي أداه إليه اجتهاده، ثم عرضت عليه صورة من هذه الواقعة فأداه اجتهاده إلى حكم آخر، فإنه لا يجوز له نقض حكمه السابق، كما لا يجوز لمجتهد آخر خالف في اجتهاده أن ينقض حكمه، لأنه ليس الاجتهاد الثاني بأرجح من الأول، ولا اجتهاد أحد المجتهدين أحق أن يتبع من اجتهاد الآخر، لأن نقض الاجتهاد بالاجتهاد يؤدي إلى أن لا يستقر حكم وإلى أن لا تكون للشيء المحكوم به قوة، وفي هذا مشقة وحرج.
وقد ورد أن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه قضى في حادثة بقضاء، ثم تغير اجتهاده فلم ينقض ما قضى به أولاً، بل قضى في مثل هذه الحادثة بالحكم الآخر الذي أداه إليه اجتهاده الثاني، وقال: "ذلك على ما قضينا وهذا على ما نقضي".
وقد قضى أبو بكر رضي اللَّه عنه في مسائل وخالفه بعده عمر فيها ولم ينقض حكمه، وعلى هذا المعنى ينبغي أن يفهم قول عمر بن الخطاب في عهده لأبي موسى الأشعري حين ولاه القضاء: "لا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل".

الخاتمة : 
صفوة القول، من خلال دراستنا لكل من النسخ، و التعارض و الترجيح، و الاجتهاد، تبين لنا أن هذه القواعد من بين أهم القواعد الأصولية التشريعية، التي يتم الاعتماد عليها و الأخذ بها في منهج استنباط الأحكام الشرعية.
فالنسخ، كما أوردنا أعلاه من خلال مختلف التعاريف هو إبطال العمل بالحكم الشرعي بدليل متراخ عنه، يدل على إبطال الحكم الأول صراحة أو ضمنا، و سواء كان هذا الإبطال كليا أو جزئيا، لمصلحة اقتضت هذا الإبطال، من خلال نسخه وفق ضوابط محددة، و كذلك وفق الأليات المحددة أعلاه؛ من أجل مراعاة مصالح العباد، وعدم تكليفهم بأحكام قد تفوق قدرهم و استطاعتهم، وكذلك التخفيف عليهم.
أما بالنسبة لمجال التعارض، بحيث اذا تعارضت أحكام مع بعضها البعض، فإن الباحث أو العالم يسعى إلى إزالة اللبس أو التعارض الظاهري، من خلال محاولته الجمع و التوفيق فيما بين الدليلين المتعارضين، ، و إذا لم يتيسر جمعهما، يتم اللجوء إلى الترجيح فيما بين الدليلين؛ للوصول الى الدليل الأقوى و العمل به، و طرح الدليل الأضعف منه، و كل هذا من أجل ضمان مصلحة العباد، و الترجيح يكون من خلال إعمال العالم للإجتهاد.
فكما هو معلوم، بأن الاجتهاد أصبح مبدأ مقررا في الشرع ، و منهج الأمة و العلماء منذ عهد النبوة؛ يرمي من خلاله العالم الوصول إلى حكم غاية معينة، و الحصول على الدليل التفصيلي من الأدلة الشرعية، الذي يناسب هذه الغاية محل البحث، وفق الاعتماد على الضوابط المحددة للمجتهد من أجل إعمال اجتهاده، وعدم المساس بما ليس مقررا الاجتهاد فيه، و معرفة حدوده و مقدار و محل اجتهاده لكي لا يحمل نفسه ما فوق طاقته، و بالتالي يحقق الاجتهاد الهدف المرجو منه.
و تجدر الإشارة إلى أنه إذا كانت كل هذه القواعد تدخل ضمن أهم القواعد الأصولية التشريعية، التي يرمي من خلالها التشريع إلى تحقيق أهم غاياته و أهدافه و أن لكل من هذه القواعد ضوابط و أسس معينة، فإن الأهم من هذا كله هو التقاؤها في غاية و مقصد واحد؛ ألا وهو تحقيق و ضمان مصالح الناس فيما بينهم، و بالأخص المصالح العامة، و تحقيق العدل، بما يكفل لهم الاستقرار والانضباط داخل المجتمع.
----------------------------
الهوامش :
[1] عبد الوهاب خلاف ، المرجع السابق ، الصفحة 188.
[2] عبد الوهاب خلاف ،المرجع السابق ، الصفحة 211.
[3] عبد الوهاب خلاف ، المرجع السابق ، الصفحة 205.
[4] وهبة الزحيلي: أصول الفقه الإسلامي ، مرجع سابق ، الصفحة 932.
[5] ابن حزم الأندلسي ، تحقيق الدكتور عبد الغفار سليمان البنداري ، الناسخ و المنسوخ في القرأن الكريم ، دار الكتب العلمية بيروت لبنان الطبعة الأولى 1986 الصفحة 7.
[6] وهبة الزحيلي: أصول الفقه الإسلامي ، مرجع سابق ، الصفحة 933
[7] وهبة الزحيلي: المرجع السابق ، الصفحة 933
[8] عبد الوهاب خلاف: علم أصول الفقه ، مرجع سابق ، الصفحة 211.
[9] محمد ابو زهرة ، أصول الفقه ، مرجع سابق ، الصفحة 190.
[10] العربي علي اللوه: أصول الفقه .مطابع الشويخ ديسبريس .تطوان ، الصفحة 245
[11] سورة الحج الآية 52
[12] وهبة الزحيلي: أصول الفقه الإسلامي ، مرجع سابق ، .الصفحة 936.
[13] العربي علي اللوه ، أصول الفقه ، مرجع سابق ، الصفحة 246.
[14] العربي علي اللوه. المرجع السابق .الصفحة 247.
[15] وهبة الزحيلي: أصول الفقه الإسلامي ، مرجع سابق ، الصفحة 936.
[16] وهبة الزحيلي: أصول الفقه الإسلامي ، مرجع سابق ، الصفحة 953.
[17] محمد ابو زهرة. أصول الفقه. مرجع سابق الصفحة 190
[18] للتفصيل اكثر ، وهبة الزحيلي: أصول الفقه الإسلامي ، مرجع سابق ، الصفحتين 953/954
[19] وهبة الزحيلي: أصول الفقه الإسلامي ، مرجع سابق ، الصفحة 963
[20] عبد الوهاب خلاف: علم أصول الفقه ، مرجع سابق ،الصفحة 211
[21] العربي علي اللوه ، أصول الفقه ، مرجع سابق ، الصفحة 938.
[22] عبد الوهاب خلاف ، علم أصول الفقه ، مرجع سابق ، الصفحة 211.
[23] فضل الله كسكس وأبي حسن هشام المحجوبي الميسر في علم أصول الفقه ، .الطبعة الأولى سنة 2012 ، .الصفحة 101.
[24] سورة النجم، الآية 3-4.
[25] سورة النحل، الآية 44.
[26] سورة النحل، الآية 101-202.
[27] سورة الحشر، الآية 7.
[28] سورة البقرة، الآية 179.
[29] سورة البقرة الآية 144.
[30] سورة الممتحنة، الآية 10.
[31] سورة النجم، الآية 3-4.
[32] سورة البقرة، الآية 148.
[33] سورة النساء، الآية 1-2.
[34] سورة النساء الآية 187،
[35] سورة البقرة 183.
[36] سورة التوبة، الآية 84.
[37] محمد عباس نعمان الدبوري، إشكالية النسخ في القرآن عند العلماء ماهيته وأثره في تفسير النص القرآني، دامعة بابل، كلية الدراسات القرآنية، مقال منشور في مجلة كلية التربية الأساسية لعلوم التربية والإنسانية، العدد 18، كانون الأول 2004، الصفحة:193.
[38] سورة الأعلى، الآية 18-19.
[39] صحيح مسلم 4-167.
[40] محمد عباس نعمان الدبوري، إشكالية النسخ في القرآن عند العلماء ماهيته وأثره في تفسير النص القرآني، مرجع سابق، الصفحة:193.
[41] سورة المجادلة، الآية 12.
[42] سورة المجادلة، الآية 13.
[43] محمود البستاني، مناهل العرفان، الجزء الثاني، دراسات في علوم القرآن، الصفحة:157.
[44] محمد ابراهيم محمد الحنفاوي ، التعارض و الترجيح عند الاصوليين و أثرهما في الفقه الإسلامي ،دار الوفاء المنصورة ، الطبعة الثانية ،1987 ، الصفحة 8 .
[45] محمد أبو زهرة ، أصول الفقه ، مرجع سابق ، الصفحة 309 .
[46] وهبة الزحيلي: أصول الفقه الإسلامي ، مرجع سابق ، الصفحة 1174 .
[47] وهبة الزحيلي: أصول الفقه الإسلامي ، مرجع سابق ، الصفحة 1175 .
[48] محمد ابراهيم محمد الحنفاوي، التعارض و الترجيح عند الاصوليين و أثرهما في الفقه الإسلامي ،مرجع سابق ، الصفحة 51.
[49] عبد الوهاب خلاف: علم أصول الفقه ، مرجع سابق ، الصفحة 230.
[50] وهبة الزحيلي: أصول الفقه الإسلامي ، مرجع سابق ، الصفحة 1182 .
[51] عبد الوهاب خلاف: علم أصول الفقه ، مرجع سابق ، مرجع سابق ، الصفحة 231.
[52] وهبة الزحيلي: أصول الفقه الإسلامي ، مرجع سابق ، الصفحة 1179 .
[53] محمد ابراهيم محمد الحنفاوي ، التعارض و الترجيح عند الاصوليين و أثرهما في الفقه الإسلامي ، مرجع سابق ، الصفحة 65.
[54] رابح مراجي ، التعارض والترجيح : دراسة في الجدل والمناظرة في علم اصول الفقه ، الســـــنة الجامعیـــــة 2007/2008م ، كلية العلوم الانسانية والعلوم الاجتماعية ، جامعة منتوري قسنطينة .
[55] وهبة الزحيلي: أصول الفقه الإسلامي ، مرجع سابق ، الصفحة 1190.
[56] عياض السلمي ، كتاب أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله ، دار التدمرية ، الطبعة الأولى ، 2005 ، الصفحة 436 .
[57] محمد مصطفى الزحيلي ، كتاب الوجيز في أصول الفقه الإسلامي ، دار الخير للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق - سوريا الطبعة: الثانية 2006 م الصفحة 439.
[58] عياض السلمي ، كتاب أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله ، مرجع سابق ، الصفحة 436.
[59] محمد مصطفى الزحيلي ، كتاب الوجيز في أصول الفقه الإسلامي ، مرجع سابق ، الصفحة 443.
[60] عبد الكريم النملة ، الْمُهَذَّبُ في عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ الْمُقَارَنِ (تحريرٌ لمسائِلِه ودراستها دراسةً نظريَّةً تطبيقيَّةً) ،دار الرشد - الرياض الطبعة الأولى ، 1999 م ، الصفحة .464 
[61] رابح مراجي ، التعارض والترجيح : دراسة في الجدل والمناظرة في علم اصول الفقه ، مرجع سابق ، الصفحة 251 .
[62] محمد مصطفى الزحيلي، كتاب الوجيز في أصول الفقه الإسلامي ، مرجع سابق ، الصفحة 447.
[63] هذا الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي والدارمي والبيهقي وغيرهم.
[64] هذا الحديث رواه البخاري و مسلم وأبو داود وابن ماجه والشافعي عن عمرو، وهذا لفظ البخاري ومسلم، ورواه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة، وفي رواية دار قطني "فلك عشرة أجور". 
[65] سورة النساء، الآية 105. 
[66]القياس نوع من الاجتهاد. 
[67] سورة الرعد، الآية 3. 
[68]سورة الرعد، الآية 4، سورة النحل، الآية 12.  
[69] محمد مصطفى الزحيلي، الوجيز في أصول الفقه الاسلامي، مرجع سابق، الصفحة: 269. 
[70] سورة النحل، الآية 43، سورة الأنبياء، الآية 7. 
[71] سورة الفرقان، الآية 59. 
[72] محمد مصطفى الزحيلي، الوجيز في أصول الفقه الاسلامي، مرجع سابق، الصفحة: 275. 
[73] علي حسب الله، أصول التشريع الإسلامي، الطبعة الخامسة، القاهرة، دار المعارف، سنة 1986، الصفحة: 87.  
[74] عبد الوهاب خلاف، علم أصول الفقه، مرجع سابق، الصفحة: 205  
[75] سورة النور، الآية 2.
[76] سورة البقرة، الآية 43. 
[77] عبد الوهاب خلاف، علم أصول الفقه، مرجع سابق، الصفحة: 205. 
[78] عبد الوهاب خلاف، علم أصول الفقه، مرجع سابق، الصفحة: 205  
[79] وهبة الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، مرجع سابق، الصفحة: 1053.
[80] علي حسب الله، أصول التشريع الإسلامي، مرجع سابق، الصفحة: 87. 
[81] وهبة الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، مرجع سابق، الصفحة: 1053. 
[82] وهبة الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، مرجع سابق، الصفحة: 1053. 
[83] أحمد الريسوني، الاجتهاد بين النص والمصلحة والواقع : في كتاب حوارات لقرن جديد : الاجتهاد النص، الواقع، المصلحة، الطبعة الأولى. بيروت، دار الفكر المعاصر، سنة 2000، الصفحة:21. 
[84] وهبة الزحيلي، أصول الفقه الاسلامي، مرجع سابق، الصفحة: 1047.
[85] محمد أبو زهرة، أصول الفقه، مرجع سابق، الصفحة: 380. 
[86] محمد أبو زهرة، أصول الفقه، مرجع سابق، الصفحة: 381. 
[87] وهبة الزحيلي، أصول الفقه الاسلامي، مرجع سابق، الصفحة: 1044. 
[88] عبد الوهاب خلاف، علم أصول الفقه، مرجع سابق، الصفحة: 207.
[89] محمد مصطفى الزحيلي، الوجيز في أصول الفقه الاسلامي، مرجع سابق، الصفحة: 288. 
[90] عبد الوهاب خلاف، علم أصول الفقه، مرجع سابق، الصفحة: 208. 
[91] محمد مصطفى الزحيلي، الوجيز في أصول الفقه الاسلامي، مرجع سابق، الصفحة: 289.  
[92] وهبة الزحيلي، أصول الفقه السلامي، مرجع سابق، الصفحة: 1046. 
[93] محمد مصطفى الزحيلي، الوجيز في أصول الفقه الاسلامي، مرجع سابق، الصفحة: 290. 
[94] وهبة الزحيلي، أصول الفقه السلامي، مرجع سابق، الصفحة: 1046 و 1047. 
[95] الامام الشافعي، الرسالة، الطبعة الأولى، لبنان، دار الكتب العلمية، سنة 1940، الصفحة: 510-511.
[96] وهبة الزحيلي، أصول الفقه الاسلامي، مرجع سابق، الصفحة: 1047. 
[97] عبد الوهاب خلاف، علم أصول الفقه، مرجع سابق، الصفحة: 208. 
[98] وهبة الزحيلي، أصول الفقه السلامي، مرجع سابق، الصفحة: 1048. 
[99] محمد مصطفى الزحيلي، الوجيز في أصول الفقه الاسلامي، مرجع سابق، الصفحة: 292. 
[100] أحمد الريسوني، الاجتهاد بين النص والمصلحة والواقع، مرجع سابق، الصفحة: 21 و 22. 
[101] وهبة الزحيلي، أصول الفقه الاسلامي، مرجع سابق، الصفحة: 1055. 
[102] وهبة الزحيلي، أصول الفقه الاسلامي، مرجع سابق، الصفحة: 1055.  
[103] محمد مصطفى الزحيلي، الوجيز في أصول الفقه الاسلامي، مرجع سابق، الصفحة: 280. 
[104] وهبة الزحيلي، أصول الفقه الاسلامي، مرجع سابق، الصفحة: 1055. 
[105] وهبة الزحيلي، أصول الفقه الاسلامي، مرجع سابق، الصفحة: 1056.
[106] محمد مصطفى الزحيلي، الوجيز في أصول الفقه الاسلامي، مرجع سابق، الصفحة: 281. 
[107] محمد الخضري، أصول الفقه، الطبعة السادسة، مصر، المكتبة التجارية الكبرى، سنة 1969، الصفحة: 367.
[108] محمد مصطفى الزحيلي، الوجيز في أصول الفقه الاسلامي، مرجع سابق، الصفحة: 281 و 282.
[109] عبد الوهاب خلاف، علم أصول الفقه، مرجع سابق، الصفحة: 208 و 209.
[110] عبد الوهاب خلاف، علم أصول الفقه، مرجع سابق، الصفحة: 209 و 210. 

إرسال تعليق

0 تعليقات