Header ADS

اخر الأخبار

النظام الرئاسي الأمريكي

مقال بعنوان: التطبيقات التاريخية لفصل السلطات: النظام الرئاسي (النموذج الأمريكي)

النظام الرئاسي الأمريكي

مقدمة :
يعد النظام الرئاسي هو الآخر من التطبيقات التاريخية لنظرية فصل السلطات التي جاء بها الفقيه والمفكر الفرنسي مونتسكيو، وإن كان هذا الفصل يتخذ هنا طابعا حاسما، حيث ينفرد البرلمان بممارسة سلطة التشريع، والرئيس بالسلطة التنفيذية والمحكمة العليا وغيرها من المحاكم الدنيا التي يحدثها الكونغرس بالسلطة القضائية. هذا الأمر وإن كان يؤدي إلى وجود توازن بين السلطات المذكورة فإنه لا يقوم على أساس امتلاك كل سلطة لوسائل التأثير على الأخرى مثلما هو الحال في النظام البرلماني، الذي تحدثنا عنه من قبل، وإنما على أساس الاستقلالية التي تتمتع بها كل منها.
إذا كان النظام الرئاسي متعدد ومتنوع بحكم انتشاره في عدد من البلدان، فإن النظام السياسي الأمريكي يبقى هو نموذجه المثالي، حيث يعتبر النظام الرئاسي وليد التطور السياسي الذي عرفته الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة خلال الفترة الفاصلة بين سنة 1776، تاريخ الاستقلال عن الاستعمار البريطاني، وسنة 1787، تاريخ صدور الدستور الأمريكي[1]، الذي كان حاسما في تبني النظام الرئاسي، الذي اعتبره واضعو الدستور بأنه الأكثر مواءمة مع الشكل الفيدرالي للدولة الذي اعتمد هو كذلك بمقتضى نفس الدستور، بعدما كان هذا البلد قد مر بتجربة قصيرة جدا من الكونفدرالية[2].
فرغم الارتباط الوثيق الذي كان قائما بين هذا البلد وإنجلترا، واضطلاع واضعو الدستور الفيدرالي على ما كان يحققه النظام البرلماني في ذلك الوقت من اختراقات في الحياة السياسية الإنجليزية، فقد آثروا خلق نظام سياسي ودستوري متميز وخاص، أصبح مع مرور الوقت ملهما ومثيرا للإعجاب ليس فقط لأنه "النظام الوحيد الذي يشخص حقيقة الفصل بين السلطات"، كما يقول عنه البعض، أو لأنه نجح في وضع ميكانيزمات الحكم الجيد لبلد شاسع وشديد التنوع والاختلاف، وإنما أيضا بالنظر للدور الذي لعبه في كتابة قصة الصعود الأمريكي على المستوى العالمي. ولذلك، لم يتردد أحد كبار المعجبين بهذا النظام، أي المفكر الفرنسي أليكسي دو توكفيل، في القول عنه "إنه يشكل كشفا كبيرا في علم السياسة المعاصر"[3].
تتجلى أصالة هذا النظام، من جهة أولى، في كونه الأول من نوعه الذي يرتكز على دستور مكتوب في وقت كانت فيه القواعد العرفية الدستورية هي السائدة، ومن جهة ثانية في اعتماده للمبدأ الفيدرالي كأساس لبناء الدولة، ومن جهة ثالثة في تبنيه لنموذج جديد لتنظيم العلاقات بين السلطات العامة في الدولة، وخاصة السلطتين التشريعية والتنفيذية. هذه السمة الأخيرة هي التي سيتم التركيز عليها لأنها هي التي أدت إلى وصف النظام السياسي الأمريكي بالنظام الرئاسي. ومن أجل ذلك سنتوقف عند تحديد الخصائص التي يتسم بها هذا النظام، وكذا المرتكزات التي يقوم عليها. 

المحور الأول: خصائص النظام الرئاسي الأمريكي 

أدت الطريقة الخاصة التي عمل بها الدستور على تنظيم السلطات العامة في الدولة إلى جعل النظام الرئاسي الأمريكي ينفرد بمجموعة من الخصائص، تبرز من بينها خاصيتين أساسيتين: الأولى تتعلق بأحادية السلطة التنفيذية بكل ما ينتج عن امتلاك رئيس الدولة لها من قوة ونفوذ، وإن كان هذا النفوذ يبرز أكثر في لحظات الأزمات السياسية. أما الثانية، فتهم الفصل الحاسم بين السلطات، حيث كان إدراك واضعي الدستور لخطورة حصر السلطات في يد جهة واحدة حافزا لهم لتوزيعها على مستويات متعددة، علما أن ذلك لا يمنع من وجود استثناءات تجعل من الممكن قيام بعد آليات التأثير المتبادل، خاصة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.

الفقرة الأولى: أحادية السلطة التنفيذية 

تعني أحادية السلطة التنفيذية ببساطة أن رئيس الدولة هو نفسه رئيس الحكومة، حيث لا يتطلب الأمر، كما هو الأمر في النظام البرلماني وشبه الرئاسي، وجود سلطة تنفيذية برأسين. وهذا الأمر يجعل من رئيس الدولة المالك الوحيد للسلطة التنفيذية، وبالتالي الرجل الأقوى في الدولة، حيث أراد واضعو الدستور أن يكون قويا ليس فقط من خلال انتخابه عن طريق الشعب، بل أيضا من خلال سلطاته واختصاصاته الدستورية.
أ ـ انتخاب الرئيس الأمريكي 
من الناحية الدستورية فإن الرئيس الأمريكي ينتخب بطريقة غير مباشرة، أي من طرف هيئة ناخبة هي نفسها منتخبة لهذا الغرض من طرف الشعب، ولكن مع ذلك فإن هذه الطريقة تأخذ صبغة خاصة تؤدي في الواقع إلى انتخابه بالاقتراع العام المباشر. وهي تتوزع على ثلاثة مراحل أساسية، الأولى تتم على مستوى الأحزاب المتنافسة، وتسمى الانتخابات التمهيدية، والثانية يجسدها دور الشعب عندما يتولى انتخاب "هيأة الناخبين الرئيسيين" أو "الهيأة الناخبة للرئيس"، التي يمثل تصويتها على الرئيس المرحلة الثالثة في هذا المسلسل.
أولا: الانتخابات التمهيدية 
يتعلق الأمر بالانتخابات التي تتم على صعيد كل حزب من الحزبين المتنافسين، أي الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري. وهي مرحلة غير منصوص عليها في الدستور بل تكرست بحكم الممارسة. إذ منذ 1831 والحزبين المذكورين يتبعان هذه الممارسة في انتخاب من يتولى باسمهما خوض سباق الانتخابات الرئاسية، حيث يعقدان لهذا الغرض ندوة وطنية كبرى (convention) يتم خلالها الإعلان الرسمي عن اسم المرشح الذي يفضله أعضاء الحزبين والمتعاطفين معه.
لكن الوصول إلى هذه المحطة يتطلب ممن يرغبون في الترشح باسم الحزب خوض سابق محموم داخل كل ولاية على حدة سعيا من كل واحد منهم لإقناع أعضاء الحزب وأنصاره بالتصويت لفائدة مندوبين عنها في الندوة الوطنية يكونون موالين له، خاصة في الولايات التي تأخذ بنظام الانتخابات الحزبية علما أن هناك ولايات تعتمد فقط نظام التعيين أو ما يعرف في الولايات المتحدة الأمريكية بنظام الكوكس (caucus) [4]، الذي لا يتم عبر الاقتراع السري وإنما من خلال سلسلة من الاجتماعات التي تعقد على مستوى الولاية وتبدأ بالمستوى الأذنى، أي الدائرة، ثم المقاطعة فالولاية[5].
تكمن فائدة وقيمة هذه الانتخابات الحزبية التمهيدية، من جهة أولى، في أنها تسمح بمعرفة أكثر مرشحي الحزبين حظوظا، لأن الناخبين أعضاء الندوة الوطنية لا ينتخبون إلا على أساس دعمهم أحد مرشحي حزبهم، ومن جهة ثانية، في كونها تتيح الفرصة لمرشحين لا يتمتعون بسند الحزبين لكي يشقون لأنفسهم الطريق نحو الرئاسة عبر تكتيل قسط مهم من الرأي العام حول شخصهم وبرامجهم، بل وقد يؤدي ذلك إلى جعلهم يفرضون نفسهم على أحد الحزبين[6]، ومن جهة ثالثة، في أنها تمكن من تحديد أعضاء الهيأة الناخبة في الندوة الوطنية لكل حزب، والتي على ضوئها يتحدد المرشح الذي يتجند الجهاز الحزبي برمته لمناصرته في الانتخابات الرئاسية التي تشكل المرحلة الثانية في المسار المؤدي إلى انتخاب ساكن البيت الأبيض[7].
ثانيا: التصويت الشعبي 
يمثل التصويت الشعبي المرحلة الثانية في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، إذ في هذه المرحلة يفسح المجال للشعب للتعبير عن اختياراته فيما يخص المرشحين لسباق الرئاسة. لكن أثناء هذه العملية، التي تجري في يوم الثلاثاء الثاني من شهر نونبر بعد كل أربع سنوات، لا ينتخب الشعب مباشرة من سيتولى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية وإنما يصوت فقط على من سيمثلونه في هيأة الناخبين الرئيسيين التي ستتولى فيما بعد القيام بهذه المهمة.
يجري الانتخاب على مستوى كل ولاية من الولايات الخمسين الذين يتكون منهم هذا البلد، حيث تنتخب كل منها عددا من هيئة الناخبين الرئيسيين يعادل عدد ممثليها في مجلسي النواب والشيوخ، ليصبح العدد المطلوب انتخابه في الهيأة المذكورة هو 538 عضوا، أي ما يعادل عدد أعضاء مجلس النواب (435) وعدد أعضاء مجلس الشيوخ (100)، فضلا عن ثلاثة ممثلين لمقاطعة كولومبيا، التي يقع فيها الحكم المركزي وتوجد فيها العاصمة واشنطون[8].
يتم الاقتراع عن طريق اللوائح وبالأغلبية البسيطة، أي على أساس قاعدة أن الفائز يحصل على كل شيء (winner –take –all)، حيث يفوز المرشح الحاصل على أعلى الأصوات الشعبية في الولاية بجميع ممثليها في هيأة الناخبين الرئيسيين الذي سيصوتون في المجمع الانتخابي. وهذا الأمر قد يؤدي إلى أن يفوز بالرئاسة المرشح الذي لم يحصل على أغلبية الأصوات في الولايات المختلفة. لأن واضعو الدستور يعتبرون أن المعيار هو "أصوات المنتخبين"، أي أصوات المجمع الانتخابي وليس الأصوات الشعبية. كما أنه بسبب هذه القاعدة قد يتم إهدار ملايين الأصوات التي قد لا تترجم إلى أي شيء[9].
ثالثا: تصويت هيأة الناخبين الرئيسيين 
دستوريا تبدو هذه المرحلة الثالثة التي يتم فيها اجتماع هيأة كبار الناخبين يوم الاثنين الثاني من شهر يناير الموالي في إطار ما يعرف ب"المجمع الانتخابي" هي التي تمثل يوم الحسم في المرشح الذي سيتولى قيادة الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يكون مطلوبا فيما سيظفر بهذا المنصب أن يحصل على الأغلبية المطلقة من أصوات الهيأة المذكورة. ولكن بما أن الناخبون الرئيسيون لا يحصلون على أصوات الشعب في المرحلة الثانية إلا لأنهم يؤيدون مرشحا معينا، ويلتزمون بالتالي باحترام تفضيلات الشعب في اقتراع شهر يناير، فإن هذه المرحلة الثالثة تصبح شكلية ليس إلا. فالناخبون الكبار لا يكون لهم الخيار في التصرف خارج نطاق الاختيار الذي حدده لهم الشعب لحظة تصويته عليهم، فهو الذي يكلفهم بطريقة "الوكالة الآمرة" لكي يقوموا مقامه في انتخاب من يراه أصلح المرشحين، كما يقول أحد الفقهاء[10].
على هذا الأساس يجوز القول إن انتخابات الرئيس الأمريكي هي انتخابات مباشرة حتى وإن جرت على درجتين. بحيث إذا كان واضعو الدستور قد سعوا إلى كبح جماح الإرادة الشعبية عن طريق "خلق نظام يعطي الجماهير الحق في التعبير عن نفسها ومصالحها، وفي نفس الوقت وضع ذلك التعبير دوما تحت السيطرة من جنب نخبة أكثر حكمة قادرة على اتخاذ قرارات أفضل"[11]، فإن الممارسة قلصت بشكل كبير من دور هذا النظام، وجعلت الشعب هو صاحب الاختيار.
يزكي ذلك أن الناخبون الأمريكيون وكذا الأحزاب المتنافسة ووسائل الإعلام اعتادوا على التعامل مع نتائج الانتخابات الرئاسية التي يتم الإعلان عنها في اقتراع شهر نونبر باعتبارها النتائج الرسمية والنهائية بدون حاجة إلى انتظار تزكيتها من طرف الناخبين الكبار في شهر يناير. وإن كان تصويت هذه الهيأة يبقى مطلوبا حتى ولو كان بمثابة تحصيل حاصل، إذ لا بد منه قبل المرور إلى محطة أو حفل، تنصيب الرئيس الذي يتم بمقر الكابطول، أي مقر الكونغرس، بالعاصمة واشنطون في العشرين من شهر يناير.
لكن هذه المسطرة الخاصة بانتخاب الرئيس قد لا تتم دائما بهذه الكيفية. ذلك أن عدم تمكن أي من المرشحين للرئاسة على الأغلبية المطلقة من أصوات الناخبين في الحالة التي يكون فيها التنافس يتم بين أكثر من مرشحين اثنين، يعطي الدستور[12] الحق لمجلس النواب للقيام بمهمة انتخاب الرئيس بين المرشحين الثلاثة الحاصلين على أكبر عدد من الأصوات. بحيث يصوت أعضائه في هذه الحالة بنسبة صوت واحد لكل نائب علن الولاية، على أن يكون الفائز بالرئاسة هو الحاصل على الأغلبية المطلقة من أصوات النواب.
هذه الحالة وإن كان من الصعب حصولها في ظل الهيمنة التي يمارسها الحزبين الرئيسيين على الحياة السياسية والانتخابية في هذا البلد، وقدرتهما في كل وقت على فرض أحد مرشحيهما كرئيس للبلد، فإنها يجب أن تظل مستحضرة على الأٌقل من الناحية النظرية والقانونية، سيما وأنها حصلت من قبل مرتين، الأولى سنة 1800، مع الرئيس طوماس جيفرسون، والثانية سنة 1825، مع الرئيس جون أدامس.
مع الإشارة في الأخير إلى أن الرئيس ينتخب لمدة أربع سنوات غير قابلة للتجديد إلى مرة واحدة. وهو تقليد درج الأمريكيون على اتباعه منذ أن كان جورج واشنطون، أول رئيس للولايات المتحدة الأمريكية، قد رفض الترشح لولاية ثالثة. ولم يتم تكسير هذه القاعدة العرفية إلا مرة واحدة في عهد الرئيس فرانكلين روزفلت، الذي فرضت عليه ظروف الحرب العالمية الثانية أن يظل رئيس لأكثر من ولايتين (1933 ـ 1945)، قبل أن يتولى الدستور هذه المرة، من خلال التعديل الثاني والعشرين الذي أدخل عليه سنة 1951، منع تجديد انتخاب الرئيس لأكثر من ولايتين.
ب ـ اختصاصات الرئيس الأمريكي 
لا تظهر قوة نفوذ الرئيس في الحياة السياسية الأمريكية فقط من خلال طريقة انتخابه وإنما أيضا بالنظر لطبيعة الصلاحيات والاختصاصات التي يضطلع بها. فالأمر يتعلق باختصاصات واسعة ومتنوعة، حيث تشمل فضلا عن ممارسة السلطة التنفيذية التي تتركز بصفة أصلية ومباشرة في يديه، اختصاصات أخرى لها علاقة بالسلطتين القضائية والتشريعية.
أولا: الاختصاصات ذات الطابع التنفيذي 
تتخذ صلاحيات الرئيس في مجال السلطة التنفيذية عدة أبعاد، بحيث يعد هو المهمين الوحيد والفعلي عليها، كما يظهر ذلك في الجوانب التالية:
ـ رئاسة الحكومة، بحيث لا يوجد مجلس وزراء له كيان مستقل عن الرئيس، بل إن الوزراء، أو كتب الدولة كما يطلق عليهم، يخضعون خضوعا تاما له، إذ هو الذي يعينهم ويعزلهم ويحدد اختصاصاتهم كيفما يشاء، ولا يلتزم عند وضعه لسياسة الدولة باستشارتهم، كما أنهم مسؤولين أمامه وليس أمام البرلمان. هذا الواقع هو الذي تجسده هذه الكلام المنسوب لأبراهام لينكولن عندما قال بينما كان يرد على اختلاف وزرائه معه: "إن سبعة في هذا المجلس يقولون لا وأن واحدا (يقصد نفسه) يقول نعم، إذ نعم هي التي ستفوز على لا".
ـ تنفيذ القوانين، بحيث تنص المادة الثانية من الدستور الأمريكي على واجب رئيس الجمهورية في "السهر على تنفيذ القوانين" التي يضعها الكونغرس تنفيذا كاملا. ولكي يتمكن من القيام بهذه المهمة يعطيه الدستور بصفته رئيس الحكومة صلاحية ممارسة السلطتين التنظيمية والإدارية، إذ بموجب الأولى يتولى إصدار أوامر تنفيذية تسمح بجعل القوانين الصادرة عن الكونغرس قابلة للدخول حيز التطبيق. أما الثانية فتسمح له بمراقبة سير الإدارة العامة الفيدرالية وتعيين الموظفين والمسؤولين في الإدارات المختلفة، وإن كان تعيين سامي الموظفين يتطلب موافقة مجلس الشيوخ.
ـ قيادة القوات المسلحة، وتوجيه العمليات العسكرية، إذ رغم أن الدستور قد قيد سلطاته في المسائل الحربية والعسكرية بالصلاحيات التي منحها إلى الكونغرس، خاصة على مستوى إعلان الحرب والتجنيد وإنشاء القوات المسلحة ووضع القواعد اللازمة لتنظيمها، فإن الرئيس بصفته قائدا للقوات المسلحة يستطيع أن يتخذ بعض التدابير العسكرية دون الرجوع إلى الكونغرس، كما حصل، مثلا، مع ترومان عندما بعث بعض أفراد القوات المسلحة إلى كوريا، وجون كينيدي حين فرض الحصار على كوبا فيما عرف بقضية خليج الخنازير، وليندون جونسون لما عمل على قنبلة فيتنام، وريتشارد نيكسون من خلال تدخله عسكريا في كامبودج، وأيضا جيمي كارتر، الذي نظم عملية فاشلة كانت تتوخى إنقاذ الرهائن الأمريكيين في إيران[13].
ـ مباشرة السياسة الخارجية للدولة، بمساعدة كاتب الدولة في الخارجية، بكل ما يعنيه ذلك من حقه في قيادة المفاوضات الدبلوماسية وتوقيع المعاهدات الدولية، والاعتراف بالدول والحكومات الأجنبية، وتعيين السفراء والقناصل لدى مختلف الدول، وتلقي أوراق اعتماد سفراء وقناصل الدول الأخرى...
ثانيا: الاختصاصات ذات الطابع التشريعي 
لئن كانت صلاحيات الرئيس في المجال التنفيذي تبقى هي الأهم، فإن دائرة تدخله لا تتوقف عند هذا المجال فقط بل تمتد لتشمل دائرة التشريع أيضا، وإن كان ذلك يبقى استثناء على مبدأ الفصل الحاسم بين السلطات الذي يقوم عليه النظام السياسي الأمريكي. حيث يسمح الدستور للرئيس بممارسة بعض الاختصاصات التشريعية المحدودة جدا، والتي يمكن حصرها في اختصاصين اثنين:
1ـ إثارة انتباه الكونغرس إلى بعض التدابير التشريعية اللازمة لسير البلاد، ويتم ذلك في شكل توصيات تشريعية تتضمنها خطابات الرئيس الموجهة، من حين لآخر، إلى الكونغرس أو الخطاب السنوي للرئيس حول حالة الاتحاد، الذي أصبح تقليدا سائدا في هذا البلد. وفي ذلك نصت الفقرة الثالثة من المادة الثانية من الدستور على أنه "للرئيس من وقت لآخر أن يبلغ الكونغرس معلومات عن حالة الاتحاد ويوصيه بأن يبحث الإجراءات التي يراها ضرورية وناجحة". مع العلم أن هذه الرسائل لا تلقى دائما تجاوبا معها من طرف الكونغرس، الذي قد يتصرف على خلافها، كما حصل مع الرئيس كليفلاند، عندما طالب في رسالته الموجهة إلى الكونغرس سنة 1887 بتخفيض التعريفة حيث كان موقف الكونغرس هو الرفع من قيمتها، وكان من نتاج ذلك عدم تمكن الرئيس من إعادة ترشيح نفسه لولاية ثانية[14].
2 ـ حق الرئيس في الاعتراض على القوانين التي أقرها الكونغرس بمجلسيه. وهذا الاعتراض ليس الغرض منه إعدام القانون الصادر تماما، بل مجرد إيقاف إصدار القانون وإرجاعه للبرلمان لكي يعيد النظر فيه وفقا لملاحظات الرئيس حوله، بحيث يبقى بإمكان الكونغرس أن يتجاوز هذا الاعتراض الرئاسي ويسقطه إذا ما صوت على نفس القانون بصيغته الأولى بأغلبية ثلثي الأعضاء في كل من المجلسين. ففي هذه الحالة يكون الرئيس ملزما بالتوقيع على القانون كما صادق عليه الكونغرس، ويصبح القانون واجب النفاذ. وإن كانت الممارسة أثبتت أن إسقاط الكونغرس للفيتو الرئاسي تبدو مهمة صعبة إن لم نقل غير ممكنة.
ثالثا: الاختصاصات ذات الطابع القضائي 
تعتبر اختصاصات الرئيس في المجال القضائي أيضا استثناء على مبدأ الفصل المطلق بين السلطات، مع أن هذه الصلاحيات تبدو محدودة، وتتجلى بصفة خاصة في تعيين القضاة الفيدراليين وفي مقدمتهم قضاة المحكمة العليا الاتحادية التسعة، ولكن باشتراك مع مجلس الشيوخ الذي تكون تزكيته لاقتراحات الرئيس ضرورية، وحق إصدار العفو المشروط لأي محكوم عليه بخرق قانون فيدرالي، إلا في حالة الاتهام البرلماني. وتشمل صلاحياته في مجال العفو هذا إمكانية اختصار مدة عقوبة السجن وتخفيض الغرامات[15].

الفقرة الثانية: الفصل الحاسم بين السلطات 

بجانب ثنائية السلطة التنفيذية، يشكل الفصل الحاسم بين السلطات الخاصية الثانية الأساسية من خصائص النظام الرئاسي الأمريكي. إذ أن واضعو الدستور الأمريكي وإن كانوا هم أيضا قد تأثروا أيما تأثر بنظرية فصل السلطات، فإنهم، على خلاف صناع النظام البرلماني الإنجليزي، فهموا هذه النظرية على نحو مغاير، حيث اتجهت إرادتهم نحو تكريس فصل تام بين السلطات العامة في الدولة، وإن كانت ترد عليه بعض الاستثناءات.
أـ مظاهر الفصل الحاسم بين السلطات 
يتجلى هذا الفصل التام في استقلال كل سلطة عن السلطة الأخرى، فالرئيس، أي السلطة التنفيذية، هو الذي يتولى تحديد سياسة الدولة داخليا وخارجيا، ويشرف على تنفيذها عن طريق المساعدين الذين يختارهم لهذا الغرض، وهو الذي يتصرف في كافة هياكل وأجهزة الدولة ومرافقها، ويتمتع بالسلطة التنظيمية، ولكن ليس له الحق في المبادرة بالتشريع بكيفية مباشرة ورسمية، حتى وإن كان يمارس ذلك بطريق غير مباشرة، كما سنرى.
بالمثل فإن السلطة التشريعية، التي يجسدها البرلمان بمجلسيه هي التي تنفرد بمهمة التشريع دون أن يكون باستطاعة الرئيس أن يتدخل في عملها هذا على الأقل على المستوى الدستوري، باستثناء الحالتين التين ذكرناهما من قبل. فلا يكون من حق رئيس السلطة التنفيذية مثلا أن يحل الكونغرس، بما أن هذا الأخير ليس له الحق أيضا في الإطاحة بالرئيس ووضع حد لمهامه لأنه غير مسؤول سياسيا أمامه.
أما السلطة القضائية، التي تتمثل في مختلف الأجهزة التي تشكل التنظيم القضائي في الدولة الفيدرالية، وفي قمتها المحكمة العليا، فهي، كذلك، مستقلة في ممارسة وظيفتها لأن القضاة الفيدراليون، وإن كانوا معينين من طرف الرئيس، فإن بقائهم، أحيانا، في مناصبهم مدى الحياة يؤدي إلى شعورهم بالاستقلالية والحرية، ويجعلهم ذلك يتمتعون بالحصانة .
عموما، فإذا ما حاولنا تلخيص مظاهر هذا الفصل التام خاصة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، يمكن القول إن ذلك يتجلى في الجوانب التالية:
1ـ عدم الجمع بين المنصب الوزاري والعضوية في البرلمان، إذ أن كتاب الدولة يختارون بالضرورة من خارج أعضاء مجلسي الكونغرس.
2ـ عدم جواز دخول الوزراء إلى البرلمان لشرح سياسة الرئيس أو الدفاع عنها أو حتى لمناقشتهم من جانب البرلمان. 
3ـ عدم امتلاك رئيس الجمهورية حق المبادرة باقتراح مشاريع القوانين على الكونغرس، إذ يعد هذا الاختصاص حقا مطلقا لهذا الأخير.
4ـ تولي الكونغرس إعداد مشروع الميزانية عن طريق لجانه الفنية، قبل أن يقوم بمناقشتها وإقرارها، وكل ما يسمح به للسلطة التنفيذية في هذا المجال هو تقديم تقرير سنوي يبين الحالة المالية للدولة ونفقات الحكومة في السنة المنقضية واحتياجاتها برسم السنة الجديدة.
5ـ عدم مسؤولية رئيس الجمهورية والوزراء من الناحية السياسية أمام الكونغرس. بحيث لا يكون الرئيس في حاجة إلى تقديم برنامجه الحكومي أمام الكونغرس لكي يصوت عليه، وليس لهذا الأخير حق توجيه أسئلة أو استجوابات للرئيس وزراءه، أو إثارة مسؤوليتهم السياسية عن طريق ملتمس الرقابة. وإن كانت هذه الحصانة السياسية لا تمتد لتشمل حصانتهم من الناحية الجنائية، حيث يمكنهم أن يكونوا موضع اتهام ومحاكمة أمام البرلمان عن الجرائم التي يرتكبونها، كما سنوضح فيما بعد.
6 ـ غياب أدوات تأثير السلطة التنفيذية، أي الرئيس، على الكونغرس. فليس له حق دعوة البرلمان لعقد اجتماعات عادية، كما ليس له الحق في حله، كمقابل عدم مسؤولية الرئيس وحكومته أمام الكونغرس.
هكذا، يظهر أن النظام الرئاسي في صيغته الأمريكية يعمل على إقامة نوع من الفصل التام بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، مستهدفا من ذلك تحقيق المساواة الكاملة بينها. لكن هذه القاعدة ليست بدون استثناءات...
ب ـ الاستثناءات الواردة على مبدأ الفصل الحاسم بين السلطات 
إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية تأخذ بالفصل التام بين السلطات، ففي الواقع العملي لا يوجد تطبيق حرفي لهذا المبدأ، بل ترد على ذلك استثناءات بعضها جاء بفعل الدستور نفسه وبعضها الآخر فرضته الظروف السياسية.
أولا: الاستثناءات التي كرسها الدستور 
تتجلى هذه الاستثناءات التي كرسها الدستور الاتحادي في عدة جوانب، تسمح للسلطة التنفيذية بالتدخل في شؤون السلطة التشريعية أو العكس. 
فتدخل السلطة التنفيذية في السلطة التشريعية، يتخذ أربعة أبعاد تتجلى في ترأس نائب رئيس الجمهورية لمجلس الشيوخ، وحق الرئيس في الاعتراض على القوانين أو الاعتراض التوقيفي، الذي يقول عنه القه الدستوري الأمريكي بأنه "بات من أمضى الأسلحة التي يملكها رئيس الجمهورية في مواجهة الكونغرس"، وحقه في دعوة الكونغرس لانعقاد في بعض الحالات الاستثنائية بغية النظر في بعض القضايا التي تستدعي ذلك[16]، ثم حقه في إخطار الكونغرس من وقت لآخر بأحوال الاتحاد وتقديم توصيات بالإجراءات التشريعية التي يراها ضرورية لسير البلاد.
أما تدخل السلطة التشريعية في السلطة التنفيذية، فتتمثل في موافقة مجلس الشيوخ بأغلبية ثلثي أعضائه على المعاهدات الدولية التي يبرمها الرئيس، وحقه في الموافقة على اقتراحات الرئيس فيما يخص تعيين سامي الموظفين في الدولة، فضلا عن سلطة الاتهام الجنائي والعزل التي يمارسها الكونغرس في حق الرئيس وسامي الموظفين، حيث يعطيه الدستور سلطة "عزل الرئيس ونائبه وجميع الموظفين المدنيين للولايات المتحدة الأمريكية من مناصبهم وإدانتهم بعدم الولاء أو الخيانة أو الرشوة أو سواها من الجنايات والجنح الخطيرة"[17]. بحيث يقوم مجلس النواب توجيه الاتهام إليهم على أن يتولى مجلس الشيوخ محاكمتهم.
على أن دور مجلس الشيوخ في تطبيق هذا الإجراء، الذي يطلق عليه (Impeachment)، فيما يخص عدم الولاء ينحصر فقط في العزل من المنصب، والحرمان من ممارسة مهام سياسية في المستقبل، بحيث يصبح المعزول مجرد مواطن عادي يقع تحت طائلة القانون. وهو الإجراء الذي طبق سنة 1968 على الرئيس أندرو جونسون، لكنه أفلت من العزل لكون الأغلبية المطلوبة لذلك (أي الثلثين) كان ينقصها صوت واحد فقط. كما تم الشروع في تطبيقه مرة أخرى سنة 1974، وإن كانت المسطرة لم تكتمل، إذ بعد أن صوتت لجنة العدل بمجلس النواب على قرار اتهامه في قضية فضيحة ووترغيت، التي كان قد أخفاها ونفاها عندما فجرتها الصحافة، عجل بتقديم استقالته وطلب العفو، الشيء الذي اعتبره مجلس النواب كافيا لعدم متابعة الموضوع مادام الرئيس قد أدان نفسه، وما دام أن القرار الذي كان سيتخذه المجلس، أي العزل، قد تحقق بالاستقالة.
ثانيا: الاستثناءات التي فرضتها الظروف السياسية 
فضلا عن الاستثناءات الدستورية المذكورة، تكرس الممارسة السياسية السائدة في الولايات المتحدة الأمريكية وجود بعض الإمكانيات التي تخفف نسبيا من حدة تأثير الفصل الجامد بين السلطات الذي تبناه، من حيث المبدأ، المشرع الدستوري الأمريكي. ويتجلى ذلك في ثلاثة نقاط أساسية:
ـ الدور الذي يلعبه نظام الثنائية الحزبية، خاصة في الحالة التي يكون فيها رئيس الجمهورية من نفس الحزب الذي يتوفر على الأغلبية في الكونغرس بمجلسيه .
ـ تأثير اللجان البرلمانية في تقوية الصلة بين السلطتين، إذ عن طريقها تلعب الجماعات الضاغطة دورا مهما في التأثير على عمل البرلمان ودفعه إلى إًصدار قوانين أو اتخاذ مبادرات قد يكون للجهاز التنفيذي هو من يقف ورائها.
ـ إقدام الكونغرس على إحداث لجان للتحقيق في بعض الاتهامات التي تنسب لأعضاء السلطة التنفيذية. 

المحور الثاني: مرتكزات النظام السياسي الأمريكي 

تتجلى ركائز النظام السياسي الأمريكي في ثلاثة مؤسسات رئيسية، وهي الرئيس، باعتباره رئيسا للسلطة التنفيذية، والكونغرس، باعتباره صاحب السلطة التشريعية، ثم المحكمة الدستورية العليا، التي توجد في قمة الهرم القضائي في هذا البلد. وبما أننا قد تعرضنا من قبل لدور الرئيس وصلاحياته وطريقة انتخابه فتفاديا للتكرار سنكتفي بالتوقف هنا عند كل من الكونغرس والمحكمة العليا.

الفقرة الأولى: الكونغرس في النظام السياسي الأمريكي 

إذا كان نظام الثنائية البرلمانية قد ارتبط بصفة خاصة بالتمايز على مستوى الطبقات الاجتماعية في المجتمع الإنجليزي، والمجتمعات الأوروبية عموما، فإن عدم وراثة المجتمع الأمريكي لهذه البنية الطبقية كان من الممكن أن يجعل الآباء المؤسسين للنظام السياسي في هذا البلد في حل من التفكير في تبني نظام الثنائية البرلمانية. لكنهم إذا كانوا قد تبنوه في نهاية المطاف، فإن ذلك لم يكن لأسباب طبقية وإنما تجنبا لاحتكار السلطة التشريعية من قبل مجلس واحد. وقد شجع هذا التوجه الطابع الفيدرالي للدولة ذاته، الذي اقتضى الحرص على ضمان تمثيلية متكافئة لمختلف الولايات في مجلس الشيوخ.
هكذا، يتكون الكونغرس الأمريكي من مجلسين، أحدهما (مجلس النواب) يمثل الشعب الأمريكي، حيث يتم انتخابه بالاقتراع العام المباشر على أساس التمثيل السكاني لكل ولاية، حيث يكون نصيب كل ولاية في المجلس منسجما مع الحجم السكاني لها، مع مراعاة أن يكون نصيب كل ولاية نائب على الأقل[18]، ويتكون من 435 عضوا، ومدة نيابته سنتين فقط قابلة للتجديد بالكامل. أما الآخر (مجلس الشيوخ ) فيمثل الولايات، إذ يتكون من 100عضوا ينتخبون على صعيد كل ولاية من الولايات الخمسين التي يتكون منها الاتحاد الأمريكي بمعدل عضوين لكل منها بغض النظر عن أهميتها الاقتصادية أو عدد سكانها أو حجمها الجغرافي، ومدة ولايته هي ست سنوات، ولكن يتم تجديد ثلث أعضاءه (33عضوا) كل سنتين.
بينما يرأس مجلس الشيوخ دستوريا نائب رئيس الجمهورية، الذي لا يكون له حق التصويت إلا في حالة تعادل الأصوات داخل المجلس، فإن رئيس مجلس النواب، الذي يطلق عليه (the speaker of house)، ينتخب من بين الأعضاء المكونين للمجلس المذكور. علما أن عمل المجلسين معا يرتكز أساسا على عمل اللجان الدائمة، التي تتمتع بسلطات كبيرة في الكونغرس الأمريكي، لكونها هي "المطبخ السياسي للبرلمان" (policy kitchen)، والساحة المناسبة لإجراء المنقاشات التفصيلية ولتوزيع الأعضاء حسب ميولاتهم وخبرتهم. ولذلك فقد سبق للرئيس الأمريكي وودرو ويلسون أن أطلق عليها اسم "المجالس التشريعية المصغرة".
الأصل أن مجلسي الكونغرس يشتركان معا في ممارسة السلطة التشريعية، حيث يتم إقرار القانون في المجلسين معا بالأغلبية المطلقة. وإن كان مجلس الشيوخ ينفرد ببعض الاختصاصات التي لا يشاركه فيها مجلس النواب، من قبيل موافقته الضرورية على تعيين رئيس الجمهورية لكبار الموظفين، وعلى المعاهدات التي برمها الرئيس. وهو امتياز يبدو مثيرا للانتباه بالنظر إلى أن الأنظمة الدستورية عادة ما تعطي التفوق لمجلس النواب بالنظر إلى أنه هو الذي يعكس الإرادة العامة للأمة المعبر عنها بواسطة الاقتراع المباشر.
بيد أن انتخاب أعضاء مجلس الشيوخ هو كذلك بالاقتراع المباشر من طرف سكان كل ولاية[19]، وتمثيله للولايات، التي تشكل أساس النظام الفيدرالي الأمريكي، ومحدودية عدد أعضائه مقارنة بأعضاء مجلس النواب، وطول مدة ولايته، كلها عوامل أعطت أهمية خاصة لهذا المجلس وجعلت مكانته في الحياة السياسية الأمريكية تبدو أقوى من مكانة مجلس النواب.

الفقرة الثانية: المحكمة الدستورية العليا 

يبدو واضحا من خلال المكانة التي يتمتع بها النظام القضائي في الولايات المتحدة الأمريكية، أن واضعي الدستور الأمريكي قد تأثروا بالتصور الذي أعطاه صاحب نظرية فصل السلطات للسلطة القضائية. فانطلاقا من دراسته لوضعية القضاء في النظام الإنجليزي كان مونتسكيو قد أكد على أهمية القضاء كسلطة مستقلة، خلافا لجون لوك الذي دفعه يأسه من فساد النظام القضائي في بلده انجلترا وخضوعه التام للملك في تلك الفترة إلى إهمال الحديث عنه بل والإحجام عن اعتباره سلطة.
وقد ترجم هذا التأثر من جانب واضعي الدستور الأمريكي في النص على إنشاء المحكمة العليا التي تعد الركيزة الثالثة في النظام الدستوري الأمريكي، والتي كان يقال عنها في وقت ما، خاصة في ارتباط بمعارضتها الشديدة للسياسة الاقتصادية الجديدة التي كانت قد طرحت كجواب على أزمة 1929 العالمية، إن قضاتها هم من يحكمون هذا البلد وليس البيت الأبيض أو الكونغرس[20]. وبدون شك، فإن الأخذ بالنظام الفيدرالي ساهم هو الآخر في جعل هذه المحكمة مسألة ضرورية، إذ أن هذا النظام يتطلب بدوره وجود هيئة قضائية تتولى الفصل في النزاعات المحتملة بين الولايات المكونة للاتحاد.
تمتاز تشكيلة المحكمة العليا باستقرار عدد أعضائها، حيث ظلت تتكون من 9 قضاة منذ 1869، ولذلك فإن عدد القضاة الذين تعاقبوا على العضوية في هذه المحكمة لم يتجاوز المائة قاض[21]. وهؤلاء القضاة وإن كان يتم تعيينهم من طرف رئيس الجمهورية فإن الأخير ليس حرا بشكل مطلق في هذا التعيين، بل إن اختياراته في هذا المجال تحتاج إلى موافقة مجلس الشيوخ، فضلا عن أنها يجب أن تنطلق من مراعاة نوعا من التوازن بين مختلف مكونات الأمة الأمريكية.
يتمتع قضاة المحكمة الدستورية العليا باستقلال كبير عن السلطات الأخرى، وقد يعود الشعور بهذا الاستقلال من جانب هؤلاء، من جهة، إلى كونهم معينين مدى الحياة، الأمر الذي ينمي في نفوسهم الإحساس بأنهم يمثلون المجتمع الأمريكي، ويجسدون، من جهة أخرى، فكرة استمرارية الدولة.
تتحدد اختصاصات هذه المحكمة في "حل النزاعات التي تكون الدولة أو الولايات طرفا فيها" والبث في "القضايا الخاصة بالشخصيات الرسمية الأجنبية"، ثم مراقبة دستورية القوانين، التي كانت المحكمة هي التي اجتهدت في خلقها في قضية ماربوري ضد ماديسون بعدما تجاهل الدستور التنصيص عليها، وفقا لما سبق أن فصلنا فيه عند حديثنا عن "سمو الدستور ومراقبة دستورية القوانين". أَضف إلى ذلك أنها تتصرف كهيئة استئناف فيما يخص القضايا المطروحة أمام المحاكم الفدرالية، وبعض القضايا المطروحة أمام محاكم الولايات.
على العموم، فإن النظام الرئاسي الأمريكي يقدم لنا نموذجا فريدا وخاصا لتنظيم السلطات العامة في الدولة، يقوم أساسا على احترام الكثير من مظاهر المساواة بين السلطات العامة في الدولة، بالشكل الذي لا يسمح لأي منهما أن تطغى على باقي السلطات أو تخضع لها. وإن كان ذلك لم يمنع في الواقع العملي من اختلال هذا التوازن في ارتباط ببعض الظروف السياسية التي عرفها هذا البلد. إلى درجة أن وودرو ويلسون، أستاذ القانون الدستوري، الذي أصبح رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية ما بين 1913 و1923، ذهب إلى حد القول "إن نظام فصل السلطات لم يعرف قط تطبيقه في الولايات المتحدة، معتبرا، في نفس الوقت، أن الحكم انتقل بين السلطات الثلاثة على حساب اختلاف الظروف"[22].
فعندما تكون شخصية الرئيس قوية أو عندما تجتاز البلاد أزمة تتطلب تدابير حازمة يتخذها رئيس قوي، وخاصة عندما يتمتع هذا الرئيس بسند الرأي العام فإن الكونغرس، يقول صحاب هذا التحليل، لا يملك إلا أن يترك زمام الأمور لهذا الرئيس ويصبح الحكم حكمه. 
كما حصل في ظل حكم جورج واشنطون، وأبراهام لينكولن وتيودور روزفلت وويلسون، وبعدهم فرانكلين روزفلت وهاري ترومان وجون كينيدي، وريغان، وبيل كلينتون وجورج بوش الإبن..
أما عندما تكون على رأس الدولة شخصية ضعيفة أو لا تتوفر في المجلسين على أغلبية تسندها، ولا تملك تعويض سند البرلمان بالسند الشعبي، يكون الكونغرس هو الحاكم الفعلي ويصبح الرئيس ومساعديه واقعين تحت رحمته، بحيث يتحول النظام إلى ما يشبه النظام المجلسي، الذي لا تشكل فيه الحكومة ورئيسها إلا أداة لتنفيذ سياسة الكونغرس.
وفي فترات معينة لا يكون المتحكم في دواليب الأمور لا رئيس الجمهورية ولا الكونغرس وإنما قضاة المحكمة العليا، بحيث تتحول الولايات المتحدة الأمريكية إلى ما يشبه "دولة القضاة". وهي الوضعية التي عرفها هذا البلد في الثلاثينيات من القرن الماضي نجاح المحكمة العليا في فرض إرادتها على الرئيس فرانكلين روزفلت في قضية السياسة الاقتصادية الجديدة التي سبقت الإشارة إليها من قبل.
-----------------------------
الهوامش : 
[1] ـ تم التصويت على الدستور الأمريكي بتاريخ 17 شتنبر 1787، ودخل حيز التنفيذ في 4 مارس 1789، قبل أن يشهد 27 تعديلا فيما بعد، آخرها يعود إلى سنة 1992، حيث نص على أنه "يجب ألا يدخل قانون، يغير التعويضات المالية لأعضاء مجلس الشيوخ والنواب لقاء خدماتهم، حيز التنفيذ إلى أن يكون قد تم انتخاب مجلس نواب جديد".
[2] ـ تمت هذه التجربة ما بين 1777 ـ 1787، من خلال الاتحاد التعهدي الذي أبرم بين الولايات الشمالية الثلاثة عشر المستقلة عن بريطانيا.
[3] ـ أليكسي ذو توكفيل، الديمقراطية في أمريكا، ؟؟؟؟؟
[4] ـ هي كلمة مستمدة من لغة الهنود الحمر، أي السكان الأصليين للولايات المتحدة الأمريكية، وتعني مؤتمر لزعماء القبائل.
[5] ـ بصدد هذا النظام يراجع منار الشوربجي في "كيف ينتخب الرئيس الأمريكي؟، منشورات مكتبة الشروق الدولية،الطبعة الأولى 2008، ص 62 و63.
[6] ـ يمكن أن نسوق كمثال على ذلك ما حصل سنة 1976 حينما اضطر الحزب الديمقراطي إلى تبني جيمي كارتر كمرشح للحزب منذ أن ظهرت حظوظه الأولى في الانتخابات التمهيدية لولايتي نيو هامفاير وفلوريدا .
[7] ـ أنظر عبد الهادي بوطالب، مرجع سابق، ص 57 و58.
[8] ـ تم بمقتضى التعديل 23 الذي أدخل على الدستور الأمريكي سنة 1961، وخصص لإعطاء مقاطعة كولومبيا حق التمثيل في هيأة الناخبين الكبار وفي مجلس النواب (ثلاثة في هيأة الناخبين الكبار، وممثل واحد في مجلس النواب لا يشارك في التصويت).
[9] ـ منار شوربجي، مرجع سابق، ص 22.
[10] ـ أنظر عبد الهادي بوطالب، مرجع سابق، ص 59.
[11] ـ منار الشروبجي، مرجع سابق، ص 24.
[12] ـ جرى تنظيم هذه الحالة بمقتضى التعديل الدستوري الثاني عشر الذي دخل حيز التنفيذ سنة 1803.
[13] ـ عبد الهادي بوطالب، مرجع سابق، ص 62.
[14] ـ حميد حنون خالد، "العلاقة بين الرئيس الأمريكي والكونغرس"، دراسة منشورة على الرابط الإلكتروني التالي: http://www.iasj.net/iasj
[15] ـ أنظر "موجز نظام الحكم في أمريكا" (بالعربية)، كتيب من إصدار وكالة الإعلام الأمريكية، ص 68.
[16] ـ الفقرة الثالثة من المادة الثانية من الدستور الفيدرالي.
[17] ـ الفقرة الرابعة من المادة الثانية من الدستور الفيدرالي.
[18] ـ بحيث إذا لم تكن ولاية ما تتوفر على العدد الكافي من السكان أو الناخبين الذي يجعلها تصل إلى القاسم الانتخابي الوطني يعطى لها الحق في انتخاب نائب واحد في مجلس النواب.
[19] ـ كان انتخاب المجلس يتم من طرف المجالس التشريعية لكل ولاية، ولكن التعديل الدستوري السابع عشر غير هذه الطريقة وأصبح المجلس ينتخب مباشرة من لذن سكان الولايات.
[20] ـ أنظر ما سبق أن كتبناه عن المحكمة وأهميتها عند حديثنا عن "سمو الدستور ومراقبة دستورية القوانين".
[21] ـ أنظر "نظام الحكم في أمريكا"، مرجع سابق، ص 115.
[22] ـ عبد الهادي بوطالب، مرجع سابق، ص 70.    

إرسال تعليق

0 تعليقات