آخر مقالات

حدود اختصاص النيابة العامة في المادة الجنائية

عرض بعنوان: حدود اختصاص النيابة العامة في المادة الجنائية PDF

عرض بعنوان: حدود اختصاص النيابة العامة في المادة الجنائية PDF

تقديم:
تعتبر النيابة العامة قضاء خاص، قائم لدى المحاكم الجنائية، لتمثيل المجتمع وهي مكلفة بإقامة الدعاوى العمومية، ومباشرتها وحمل المحاكم على جعل أحكامها منطبقة على القوانين النافذة، ثم تنفيذ هذه الأحكام بعد اكتسابها الدرجة القطعية[1].
وقد اختلف المؤرخون في تحديد التاريخ الحقيقي الذي ظهرت فيه مؤسسة النيابة العامة، فذهب البعض إلى أن زمن ظهورها يعود إلى القانون الروماني، لكن ذلك يبقى محل نظر خصوصا عند مجابهتها بالوثائق التي عثر عليها بعض المؤرخين في القرن 14 الميلادي، من بينها رسالة وجهها ملك فرنسا فيليب الخامس إلى وكلائه، يمنع عليهم فيها صراحة الانتصاب كطرف في الدعوى التي لا تمس حقوق الملك ولا مصالحه المالية.
وقد عرفت هذه المؤسسة في ذلك العهد "برجال الملك "، وكانت مهمتهم الأساسية تنحصر في الدفاع عن حقوق الملك، والسهر على حماية الأملاك الملكية، وكان رجال الملك يأخذون مواقعهم في قاعات المحاكم وهم وقوف على بلاطة خشبية، منفصلين عن الخصوم، وعن هيئة الحكم، ومن هنا سمو بالقضاء الواقف، لكونهم كانوا يقفون عند مخاطبتهم للمحكمة.
وبعد تطورات تاريخية، أصبح رجال الملك يشكلون جزءا من تشكيلة هيئة المحكمة، ثم أصبحت مهامهم أخذة في إسناد اختصاصات جديدة شيئا فشيئا، مما جعل النيابة العامة تحتل موقعا متميزا داخل المحكمة.
أما في المغرب، فالنيابة العامة تشكل جهازا موحدا على رأسه الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض حسب التعديلات الأخيرة التي جاء بها قانون 13 - 100، فهي تمثل المجتمع أمام المحاكم الزجرية[2]، وهي جزء من هذه الأخيرة وتختص أساسا بتحريك الدعوى العمومية، ومباشرة سيرها حتى نهايتها. وهو ما أشارت إليه المادة 36 من قانون المسطرة الجنائية "تتولى النيابة العامة إقامة وممارسة الدعوى العمومية ومراقبتها، وتطالب بتطبيق القانون، ولها أثناء ممارسة مهامها الحق في تسخير القوة العمومية مباشرة".
والنيابة كطرف أصلي في الدعوى العمومية تنعت –كما سلف- بالقضاء الواقف في الفقه الجنائي، وذلك لأن ممثلها يقف لزاما حين يأخذ الكلمة أمام المحكمة، لبسط مطلب الادعاء الشفوية أو المناقشة أوجه إسناد التهمة إلى المتهم، على عكس قضاة الأحكام الذين لا يقفون أبدا ولذلك يسمون بالقضاء الجالس.
كما تنعت النيابة العامة بالطرف الشريف في الدعوى، لأنه لو جرت العادة على أن تلتمس دائما إدانة المتهم وتشديد العقوبة، سعيا منها إلى الدفاع عن المجتمع من كيد المجرمين والأشرار، فإنها مع ذلك تنبهت إلى لأن التماسها بإدانة المتهم يتعارض مع العدالة بسبب غلبة أدلة البراءة إلى جانب المتهم، فإنها تعدل عن ملتمساتها السابقة –ولو كانت مكتوبة- وتدافع عن الأصل الذي هو البراءة.
ويمثل النيابة العامة أمام المحاكم الابتدائية وكيل الملك أو بواسطة نوابه[3]، وهم يخضعون لإشرافه ومراقبته، وإليه يرجع الاختصاص في تحريك ومتابعة الدعوى العمومية بالنسبة للجنح والمخالفات التي تختص المحكمة الابتدائية بالنظر فيها.
أما لدى محكمة الاستئناف فتتكون النيابة العامة من الوكيل العام للملك بوصفه رئيسا للنيابة العامة، وممثلا لها ويساعده نواب يخلفونه في حالة حدوث مانع[4]، وإليه يرجع الاختصاص في تحريك الدعوى العمومية في الجنايات[5] كما يكون مختصا في متابعة الجنح التي تكون مرتبطة بها.
أما النيابة لدى محاكم النقض فيمثلها الوكيل العام للملك يساعده في ذلك محامون عامون وفق الفصل 11 من ظهير التنظيم القضائي، وفيما يخص أقسام قضاء القرب، فإن النيابة العامة تختص بإحالة المحاضر المنجزة من طرف الشرطة القضائية، والمتعلقة بالجرائم المنصوص عليها في المواد 15 و16 و16 من قانون رقم 10-42 المتعلق بأقسام قضاء القرب.
وبخصوص المحاكم الاستثنائية أو المتخصصة، فالنيابة العامة فيها ممثلة أمام المحكمة الدائمة للقوات المسلحة الملكية بمندوب للحكومة[6]، أما المحاكم المالية فيمثل النيابة العامة لديها الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات ووكيل الملك لدى المجالس الجهوية للحسابات.
انطلاقا مما سلف يتضح أن النيابة العامة مؤسسة قائمة بذاتها تتولى مهمة تمثيل المجتمع خاصة أمام المحاكم الزجرية، وهذا ما سنقوم بدراسته من خلال طرح الإشكالية التالية المتعلقة بمدى صلاحيات النيابة العامة في الميدان الجنائي،
وتتفرع أسئلة من هذه الاشكالية المحورية وهي كالتالي:
- ما هي النيابة العامة؟
- خصائص النيابة العامة؟
- الطبيعة القانونية للنيابة العامة؟
وكرد على التساؤلات، والاجابة عن الاشكالات المطروحة، يتطلب منا الموضوع معالجته
وفق التصميم التالي:
v المبحث الاول: ماهية النيابة العامة الخصائص والصلاحيات.
- المطلب الاول: ماهية النيابة العامة وخصائصها
- المطلب الثاني: صلاحية النيابة العامة
v المبحث الثاني: استقلال النيابة العامة
- المطلب الاول: الوضعية القانونية للنيابة العامة
- المطلب الثاني: حدود استقلالية النيابة العامة

المبحث الأول: ماهية وخصائص النيابة العامة وصلاحياتها

بمجرد ارتكاب الجريمة، ينشئ حق الدولة في العقاب، عن طريق النيابة العامة التي تمثل المجتمع، وذلك لكي لا يتم النيل من حقوق وحرية الافراد. وذلك عن طريق تنظيم استعمال حق العقاب لتحقيق العدالة الجنائية.
وعليه، سنتناول في هذا المبحث ل ماهية النيابة العامة وخصائصها (المطلب الاول)، ثم (المطلب الثاني) صلاحيات النيابة العامة.

المطلب الأول: ماهية النيابة العامة وخصائصها

سنعالج في الفقرة الاولى ماهية النيابة العامة، على أن نتطرق في الفقرة الثانية لخصائص النيابة العامة.

الفقرة الأولى: ماهية النيابة العامة

يطلق مصطلح النيابة العامة في النظام القضائي المغربي على فئة من رجال القضاء، يوحدهم جميعا الجهاز القضائي[7] ويشملهم النظام الأساسي لرجال القضاء[8] فهم يشكلون الهيئة المهنية الثانية في التنظيم القضائي المغربي[9]، ويقوم بمهام النيابة العامة قضاة بمختلف درجات المحاكم كما جاء في تأليفها وتنظيمها الظهير الشريف رقم 1.74.338 المؤرخ في 15 يوليوز 1974 المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة الفصول 10, 6, 2.
وبالنسبة للجلسات التي تعقدها هيئة الحكم في القضايا الجنائية، يعد حضور القاضي في الممثل للنيابة العامة دائما –وذلك دون مشاركته في المداولة وإصدار الأحكام-عنصرا أساسيا في تشكيلها، وضروريا لصحة انعقادها.[10]
وهكذا فإن النيابة العامة تقوم بمساعدة ضباط الشرطة القضائية بالتثبت من وقوع الجريمة وجمع الأدلة عنها والبحث عن مرتكبيها ثم بعد ذلك إقامة الدعوى العمومية ضد من يكتشف عن ضلوعه في ارتكاب الجريمة كفاعل أصلي أو مشارك أو مساعد لتطبيق عليه العقوبة المقررة في القانون الجنائي، ومن ثم فالنيابة العامة تنوب عن المجتمع في الدفاع عن حقه في حياة آمنة[11].
وقد عرفها المشرع المصري على أنها شعبة من شعب السلطة القضائية وهي النائبة عن المجتمع والممثلة له وتتولى تمثيل المصالح العامة وتسعى إلى تحقيق موجبات القانون[12].
ونص المشرع المصري على أنها تخص أساسا تحريك الدعوى الجنائية وتتابع إجراءاتها أمام المحاكم حتى يصدر فيها حكم بات...
ولما كانت النيابة العامة تتشكل من فئة القضاء فإن المشرع قد خصها بمجموعة من الخصائص لتمييزها عن قضاة الحكم.

الفقرة الثانية: خصائص النيابة العامة

تمتاز النيابة العامة بعدة خصائص هي:
أولا: صفة الوحدة.
مضمون هذه الخاصية أن النيابة العامة واحدة لا تتجزأ13، ويقصد بذلك أنه يحق لكل عضو من أعضائها وفي محكمة من نوع ودرجة واحدة يمكن أن يقوم بأي إجراء من إجراءات الدعوى العمومية، [13]عوض عضو أو أعضاء آخرين في هذه الهيأة، ويكون هذا الإجراء صحيحا ومنتجا لآثاره، كتكليف أحد ممثلي النيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية زميلا له بنفس هيأة نيابة المحكمة بأن يقدم ملتمساته الكتابية أو الشفوية عوضا عنه في قضية من القضايا، بل وفي الجلسة الواحدة يمكن أن يخلف أحد أعضاء النيابة العامة زميله والمحاكمة جارية لا تتوقف[14].
ولعل ما يفسر هذا أن قضاة النيابة العامة ليست لهم شخصية مستقلة عن الهيئة التي ينتمون إليها، فهم يمثلونها وأعمالهم تتم باسمها ولحسابها، وهم على خلاف قضاة الحكم في الحكمة الواحدة، الذين لا تحكمهم ميزة الوحدة، بحيث يمتنع تبعا لذلك تناوبهم في الجلسات، أو حلول البعض محل البعض الآخر نزولا عند صراحة المادة 297 من ق.م.ج التي صرحت بأنه "يشترط لصحة انعقاد الجلسات أن تشكل كل هيئة قضائية طبقا للقانون المؤسس لها.
يجب تحت طائلة البطلان أن تصدر مقرراتها من القضاة شاركوا في جميع المناقشات.
إذا تعذر حضور قاض أو أكثر أثناء النظر في القضية، تعاد المناقشات مـــن جديد...".
ومع أن أعضاء النيابة العامة غير مستقلين شخصيا من الهيأة التي يمثلونها، بحيث أن أعمالهم تعتبر صادرة من جهاز قضائي، إلا أن هذا الأمر مشروط باحترام حدود الاختصاص، الترابي والنوعي والولائي العائد للنيابة العامة أمام كل محكمة من المحاكم الموجودة.
ثانيا: صفة الاستقلالية.
تتميز النيابة العامة باستقلالها عن كل الخصوم والمحكمة والإدارة.
فاستقلالها عن الخصوم مؤكد في سلطة الملاءمة الثابتة لها بقوة القانون[15] في تحريكها للدعوى العمومية أو تركها بسبب ما تراه يحقق المصلحة العليا للمجتمع.
أما استقلالها من المحكمة فثابت حيث لا يجوز لقاضي الحكم أو التحقيق أن يضع يده على القضية مباشرة – ما لم يجز القانون صراحة ذلك[16]- دون أن تقام دعوى من النيابة العامة. كما لا يجوز للمحكمة أن تقوم بانتقاد سلك النيابة العامة في تسرعها في إقامة الدعوى، ولا أثناء المحاكمة عن طريق توجيه اللوم من رئيس الجلسة شفويا لممثل النيابة العامة أو فيصلب الحكم كتابة، لأن ذلك إن وقع، فهو يكون سببا للطعن في الحكم الوارد فيه هذه الملاحظات والانتقادات.[17][18]
أما استقلالها تجاه الادارة، فنابع من طبيعتها التي تسمح بنعتها بأنها هيئة قضائية من نوع خاص، فأعضاؤها قضاة ينتمون للسلك القضائي، ومع أنهم يخضعون لإشراف وسلطة وزير العدل، فإن هذا لا يجعل من مؤسسة النيابة العامة جهازا إداريا صرفا، فخضوع النيابة لسلطة وزير العدل مقتصر فقط على ما تقدمه من ملتمسات كتابية، أما المداخلات الشفوية التي تجب للنيابة العامة، فيحقق لها قدرا من الاستقلال اتجاه السلطة الرئاسية التي يخضع لها أعضاؤها.
ثالثا: صفة عدم المسؤولية.
تعني هذه الخاصية عدم مسؤولية أعضاء النيابة العامة من أعمالهم أثناء ممارستهم لمهامهم في المتابعة والمراقبة في معدنها الأصيل اقتضتها ضرورة تمكين هذه الهيأة من أداء مأموريتها النبيلة التي هي الدفاع عن المجتمع من الأشرار وحفظه من الجريمة. لذلك فإذا انتهت متابعة شخص ما إلى التبرئة مثلا فات يسوغ والحالة هذه أن يقوم هذا المبدأ، ويطالب بتعويضه شخصيا من عضو النيابة العامة الذي قد يكون اتخذ الإجراء طبقا لقواعد المسؤولية المدنية، وأيضا لا يسوغ متابعته جنائيا أمام قاضي التحقيق لكون عضو النيابة العامة قد اعتدى على حق الشخص المبرأ في الحرية المكفولة دستورا.
رابعا: صفة عدم القابلية للتجريح
المقصود بها حسب بعض الفقه[19] هو عدم سماح النيابة العامة لخصومها بتقديم طلبات ترمي إلى نزع صلاحية أعضاء النيابة العامة في ممارسة إجراء متعلق بالخصومة الجنائية عموما مخافة تحيزا أو تحامل إلى غير ذلك من الأسباب التي قد يراها المدعى عليه قائمة لصداقة هذا العضو لأحد الأطراف أو لدائنيه...
وبوجوب المادة 273 من ق.م.ج نجد أن المشرع قد نص على إمكانية تجريح قضاة الحكم وكذا قضاة التحقيق، دون قضاة النيابة العامة، الذي نص صراحة على منع تجريحهم بموجب المادة 274 من ق.م.ج ويرى بعض الفقه الغربي[20] أنه كان لزاما على المشرع وهو بصدد إعداد المسطرة السماح بتجريح قضاة النيابة العامة مثلما سمح بتجريح قضاة الحكم، وشدهم في ذلك أن قضاة النيابة العامة في القانون المغربي لهم علميا من السلطات القضائية والتحقيقية النصيب الكبير يفتقد فيه المشبوه فيه إزاءها لأبسط الضمانات التي ينبغي أن تكون للأعمال القضائية الماسة بالحرية وهو قرينة البراءة إلى أن يثبت العكس.
إن مبدأ عدم قابلية النيابة العامة للتجريح ينسجم مع مبدأ الاستقلالية طالما أن مؤسسة النيابة العامة طرف وخصم محايد وشريف في الدعوى العمومية، هدفه الأسمى تتبع الأفعال والتروك المجرمة والضارة بالمجتمع وتطبيق مقتضيات القانون الجنائي من شأنها[21][22].
خامسا: التدرج والخضوع الرئاسي.
مفهوم هذه الخاصية أن كل عضو من أعضاء النيابة العامة مرؤوس خاضع لرئيس الهيئة التي يتبعها في حدود الدائرة القضائية التي تختص بها هذه الهيئة، بحيث يتلقى منه التعليمات مباشرة ويكون واجبا عليه تنفيذها وإلا عرض نفسه للجزاءات التأديبية، لكن ما مدى صحة الإجراء الذي يتخذه أحد أعضاء هيئة النيابة العامة خلافا لتعليمات التي يتلقاها من رئيسه؟
ونسوق مثلا كأن يأمر الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض لأحد وكيل الملك بإحدى المحاكم بعدم إثارة المتابعة وحفظها، أو بعدم التماس تحقيق أو ممارسة الطعن لكن رغم ذلك تم تحريك الدعوى العمومية أو التمس تحقيق أو مورس الطعن من قبل الوكيل العام للملك... فإن جميع الإجراءات التي يخولها القانون مباشرة لهذه الأخير ومن دون تدخل من أحد تمضي وتكون صحيحة نافذة تنتج كل آثارها القانونية[23]، وبالتالي لا يحق للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، طلب إلغاء الإجراءات المتخذة، أو التراجع عنها وتبقى بالتالي صحيحة ومنتجة لآثارها.
وإذا انتهينا الى أن المرؤوس يتقيد بأوامر الرئيس وذلك على الأقل في اطار كل هيئة على حدة: فما هو مدى هذا الخضوع؟ هنا توجد قاعدة القلم أسير واللسان حر. وهي تقضي بأن عضو النيابة العامة إذا كان يتقيد بالموقف الذي اتخدته الهيئة أي النيابة العامة من القضية وينقله كما هو الى هيئة الحكم، فإنه لا شيء يمنعه من التصرف بحرية وعند بسط الملاحظات الشفوية، لأن الموقف الرسمي للنيابة العامة يكون مكتوبا ويسمى بملتمسات النيابة العامة.[24]
سادسا: صفة الطرف الأصلي في الدعوى العمومية.
ما لا شك أن النيابة العامة مؤسسة تمثل المجتمع أمام المحاكم الزجرية، ناهيك عن أدوارها الأخرى والتي حددتها الفصول من 6 الى 10 من قانون المسطرة المدنية، والمادة 3 من مدونة الاسرة، الى ان دورها الاصيل يتمثل أساسا بإقامة الدعوى العمومية.[25]
حيث أنه، بمجرد إثارة الدعوى العمومية، تصير النيابة العامة طرفا أصليا فيها، فصفة الطرف الأصلي، الثابت للنيابة العامة في الدعوى العمومية يجعل منها طرفا ليس ككل الأطراف، فحضورها واجب في إجراءات المحاكمة باعتبارها جزءا من المحكمة الزجرية، إذا تغيب ممثلها أو عاقه عائق من حضور الجلسة، يعني نائب آخر من قضاة النيابة العامة للقيام بمهام هذا الأخير المادة 46.
وقد دأب العمل القضائي على ذكر اسم النيابة العامة بالأحكام الصادرة في الدعوة الزجرية علما أنه لا يشارك في المداولات ولا يوقع مع هيئة الحكم في نسخ الأحكام.[26]
وعدم حضور النيابة العامة يجعله عرضة للنقض، وهذا ما جاء في قرار للمجلس الأعلى رقم 103 سنة 1962 حيث قضى تشكيل محكمة الجنايات لا يكون صحيحا وتاما إلا بحضور ممثل النيابة العامة، وأن صحة ذلك التشكيل يجب أن يوجد البرهان عليها في الحكم نفسه، وحيث لا ذكر في الحكم المطعون فيه لممثل النيابة العامة، ففي ذلك خرق صريح لقاعدة جوهرية من قواعد المسطرة.
سابعا: عدم ارتباط النيابة العامة بمطالبها.
إن النيابة العامة تمثل المجتمع، وتبحث عن الحق والعدالة. ولذلك كان من حقها أن تتراجع عن طلب تقدمت به، إذا وجدت نفسها مخطئة.[27]
وعليه، تعتبر النيابة العامة خصما أصليا في الدعوى العمومية، وقد تم وصفها بالخصم الشريف لكونها تسعى إلى تحقيق العدالة المؤسسة على الحقيقة المجردة، والمجتمع قد أودع بيدها أمانة عظيمة هي السهر على تطبيق القانون الجنائي ومعاقبة المجرمين وإحقاق العدالة الجنائية.
فالنيابة العامة لا حرج عليها ولا جرم لها إذ هي طالبت في ملتمساتها من المحكمة توقيع عقوبة ما على المتهم الماثل أمامها بناء على حجج اعتقدت صحتها وسلامتها أو العكس كما أنه من الممكن أن تطالب النيابة بالبراءة الكاملة لشخص وقعت متابعته وفقا للأصول أمام المحكمة أو مؤاخدته مخففة ويصدر الحكم وفق طلباتها لكنها تطالب بالإدانة أو التشديد في العقوبة عند طلبها الاستئناف لكونها اكتشفت أسبابا للإدانة أو التشديد لم تطلع عليها قبلا[28].

المطلب الثاني: صلاحيات النيابة العامة.

إذا كانت النيابة العامة تقيم الدعوى العمومية وتمارسها وفقا للشروط والكيفيات المنصوص عليها قانونا فإنها تتوفر على صلاحيات أخرى بعضها يرتبط بممارسة الدعوى العمومية وبعضها الأخر يعد بديلا لتلك الدعوى كما أن المشرع خولها صلاحيات أخرى بمناسبة إجراء البحث التمهيدي، ترتبط بسير البحث أو بمراقبة عمل الشرطة القضائية ومن الواجب علينا أن نتطرق لصلاحيات أخرى للنيابة العامة من خلال استعراض الصلاحيات المخولة لوكيل الملك لدى المحمة الإبتدائية ( الفقرة الأولى ) ثم الصلاحيات الممنوحة للوكيل العام للملك لدى محكمة الإستئناف ( الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: وكيل الملك.

تنص المادة 39 على أن وكيل الملك يمثل شخصيا أو بواسطة نوابه النيابة العامة في دائرة نفود المحكمة المعين بها، وهو يمارس عدة مهام أهمها:
أولا: ممارسة الدعوى العمومية.
يمارس وكيل الملك الدعوى العمومية تحت مراقبة الوكيل العام للوكيل للملك، من الناحية المبدئية فإن وكيل الملك يمارس الدعوى العمومية بكيفية تلقائية أي أنه يتدخل كلما بلغ إلى علمه خبر ارتكاب جريمة ليبحث أو يكلف الشرطة القضائية للبحث في شأنها.
غير أنه من الممكن أن يتم تكليف وكيل الملك من قبل رؤسائه من أجل إقامة الدعوى العمومية في حدود معينة كما يمكن أن يتدخل بناء على شكاية يرفها إليه المتضرر من الفعل الجرمي ولا تعتبر في هذه الحالة الشكاية أمرا ملزما لوكيل الملك لإقامة الدعوى العمومية وإنما يقرر فيها وفقا للقانون وتبعا لتقديره لمدى ملائمة المتابعة[29] وممارسة الدعوى العمومية تقتضي حضور وكيل الملك أو نائبه في جميع الجلسات الزجرية ولا يمكن عقد جلسة جزرية الا بحضور ممثل النيابة العامة لأنه يعتبر عضوا تحث طائلة عدم قانونية الحكم الصادر عن المحكمة إضافة الى كونها تعتبر باطلة.[30]
وهذا ما ذهب اليه قرار صادر عن المجلس الاعلى عدد 96 بتاريخ 14/11/1968. وكل ذلك لأن تشكيل المحكمة بدون حضور ممثل النيابة العامة لا يكون قانونيا".
إلا أن النيابة العامة لا تحضر في بعض القضايا الزجرية وتكتفي فقط بتقديم ملتمسات كتابية كما هو الشأن بالنسبة لمقتضيات المادة 383 من قانون المسطرة الجنائية المتعلقة بالأمر القضائي في الجنح.
وممارسة الدعوى العمومية من طرف وكيل الملك تشمل مطالبته بتطبيق العقوبات، وتقديمه جميع المطالب التي يراها صالحة باسم القانون.
وتعتبر النيابة العامة في القضايا الزجرية، طرفا أصليا في الدعوى، ولوكيل الملك أن يستعمل طرق الطعن في المقررات التي يصدرها قضاء التحقيق، أو قضاء الحكم حسب الشكليات المنصوص عليها قانونا.
ثانيا: تلقي الشكايات والوشايات.
يمكن تعريف الشكايا الى أنها "وصول خبر اقترف الجريمة بواسطة المعتدى عليهم، الى أجهزة العدالة الجنائية مستنجدين بها طالبين الاختصاص لهم من المعتدين على الحقوق المحمية قانونا لهم..."[31].
فالشكاية عادة تكون في شكل تظلم صادر من الشخص الذي لحقه ضرر من الجريمة، أما الوشاية فتكون في العادة على شكل اخبار بوقوع جريمة يقوم بها شخص ليس هو الضحية المباشرة لتلك الجريمة. كما انها قد تكون مجهولة المصدر وقد عرف بعض الفقه المغربي الوشاية" هي القيام بالتبليغ لأجهزة العدالة الجنائية لكل خرق للقانون الجنائي إما كتابتا وإما شفويا وهي في هذا كلها تشبه الوشاية لأنه بهما معا يقع ايصال خبر وقوع الجريمة الى الجهة المكلفة بالبحث فيها ومتابعتها، الا ان وجه الخلاف بينهما يظهر أنه في الشكاية يكون الذي يبلغ هو الضحية المباشرة من الجريمة، في حين انه في الوشاية يكون القائم بها في الغير".[32]
و في حالة توصل وكيل الملك بشكاية أو وشاية فإنه يتخذ بشأنها ما يراه ملائما، وفي الغالب ما تتم دراسة الشكاية من طرف قاضي من قضاة النيابة العامة لتأكد من الطابع الجرمي للأفعال المذكورة. ثم يقوم وكيل الملك شخصيا أو أحد نوابه إجراء البحث بشأنها الا أنه في الواقع العملي، غالبا ما يأمر أحد ضباط الشرطة القضائية بالقيام بذلك.
ثالثا: الأمر بالضبط والأمر بالتقديم.
لم يعرق قانون المسطرة الجنائية الأمر بالضبط، لكن يمكن القول ان المقصود منه هو البحث عن الشخص وتوقيفه من أجل القيام بإجراء من اجراءات القانونية بشأنه، كالاستماع اليه أو القاء القبض عليه أو إيداعه بالسجن. أو لأجل تقديمه أمام جهة قضائية معينة.
وقد جاء في المادة 40 في فقرة ثانية حيث نصت أن "وكيل الملك يباشر بنفسه، أو يأمر بمباشرة الاجراءات الضرورية للبحث عن مرتكبي المخالفات للقانون الجنائي، ويصدر الامر بضبضهم وتقديمهم ومتابعتهم".
وليس المقصود بأن تكون هذه الاجراءات مترابطة فيما بينها، بل إنها قد تكون مرتبط. كتقديم شخص ثم تقديمه الى وكيل الملك الذي يقرر متابعة، وقد لا تكون مرتبطة كتقديم الشخص أمام وكيل الملك، والذي يقرر حفظ القضية أو يتم الاستماع اليه واخلاء سبيله.
رابعا: استقبال المحاضر والتقارير.
المحاضر هي الصكوك الكتابية التي ينظمها الموظف والمختص، لإثبات شكوى أو وشاية شفهية، أدليت اليه أو ليسجل مشاهداته المباشرة بالنسبة الى جريمة واقعة أو تحرياته أو الأدلة التي حصل عليها إما باستجواب المشتبه بهم، أو الشهود أو الخبرة أو إما بما قام به رجال الشرطة القضائية كتحري الشخص وتفتيش بيته.[33]
عرفت المادة 24 من قانون المسطرة الجنائية المحضر بكونه هو" الوثيقة المكتوبة التي يحررها ضابط الشرطة القضائية أتناء ممارسة مهامه ويضمنها ما عاينه أو ما تلقه من تصريحات، أو ما قام به من عمليات ترجع لاختصاصه".
و لم يعرف المشرع المغربي التقرير، وقد اختلف في وضع تعريف موحد، حيث يرى البعض منه، ان التقرير هو الوثيقة التي يحررها عون الشرطة القضائية، ورغم صحة هذا الطرح، إذ أن الوثائق التي يحررها هؤلاء الاعوان تسمى تقارير إلا أن بعض الموظفين والاعوان الذين يخول لهم القانون ممارسة مهام الشرطة القضائية يحررون تقارير تكون لها نفس الحجية المقرة للمحاضر كما هو الشأن بالنسبة لتقارير المحررة من طرف أعوان المياه والغابات مثلا.[34]
و قد ألزم المشرع ضباط الشرطة القضائية لإخبار وكيل الملك أو الوكيل العام للملك المختص فورا بما يصل الى علمهم من جنايات وجنح، كما يجب عليهم توجيه أصول المحاضر التي حررها مرفقة بنسختين مشهود بمطابقتهما للأصل الى وكيل الملك أو الوكيل العام للملك. [35]
وبعد الاطلاع على مضمون المحضر، ودراسة محتواه يتخذ وكيل الملك القرار الذي يراه مناسبا، ومن جهته أيضا فوكيل الملك يحيل ما يتلقاه من محاضر وشكايات ووشايات، وما يتخده من اجراءات بشأنها الى هيئات التحقيق أو هيئات الحكم المختصة، او قيام بحفظها بناء على المقرر.
خامسا: قرار الحفظ
لا يحد النص سلطة وكيل الملك في حفظ القضية من القضايا بأية حدود، ولذلك فإن وكيل الملك يمكنه حفظ القضية لعدة أسباب أهمها:
- إذا كانت الوقائع موضوع الشكاية أو الوشاية أو المحضر، لا تكتسي ضابع جرمي:
فالأصل هو قاعدة لا جريمة ولا عقوبة الا بنص وبالتالي لا يمكن، لوكيل الملك اقامة الدعوى العمومية لعدم وجود نص يجرم الفعل ويقرر بالتالي حفظها.
- إذا كانت الادلة غير كافية: فقد يكون الفعل مجرم بمقتضى نص القانون لكن توجد أي أدلة من أجل اقامة الدعوى العمومية، وبالتالي يتقرر حفظها.
- عدم معرفة الفاعل: إذا تم ارتكاب فعل مجرم ولم يكن التوصل الى مقترفيه، وفي حالة كون القضية غير قابلة للتحقيق فلا يمكن اقامة الدعوى العمومية ضد مجهول، وفي هذه الحالة يضظر وكيل الملك الى حفظ القضية.
- سقوط الدعوة العمومية: قد تسقط الدعوى العمومية بأحد أسباب السقوط، ففي هذه الحالة فلا فائدة من رفع الامر للقضاء طالم أن النتيجة معروف مسبقا وبالتالي فوكيل الملك يكون مضطر لحفظ القضية نظرا لوجود سبب من أسباب سقوط الدعوى المنصوص عليها في المادة 4 من قانون المسطرة الجنائية[36].
- توفر الشخص على حصانة قضائية: في حال توفر المشتبه فبه على حصانة قضائية فهذه الاخيرة تحول دون متابعته ومن امثلة الحصانة، الحصانة الممنوحة للبعثات الدبلوماسية الاجنبية المعتمدين بالمغرب، الحصانة الممنوحة لأعضاء البرلمان.
- وجود مانع قانوني يحول دون المتابعة: كعدم وجود شكاية في الحالات التي تكون فيها الشكاية شرطا واجبا لإقامة الدعوى العمومية (مثل جنح القذف، الخيانة الزوجية، إهمال الاسرة).
إن الحالات المشار اليها أعلاه هي مذكورة على سبيل المثال لا الحصر، إذ أن وكيل الملك قد يضطر لحفظ القضية لعدة أسباب أخرى، إلا أن قرار الحفظ عادة ما يتم تعليله، واشعار المشتكين به وقد ألزمت المادة 40 في فقرتها الاخيرة النيابة العامة بإشعار المشتكي بقرار الحفظ وقد نصت على ما يلي:
"يتعين على وكيل الملك إذا قرر حفظ الشكاية، أن يخبر المشتكي أو دفاعه بذلك خلال 15 يوما تبتدأ من تاريخ اتخاده لقرار الحفظ".
غير انه ليس المقصود بالإشهار بحفظ الشكاية، الشكاية المكتوبة المقدمة الى النيابة العامة وحدها، بل كل شكاية يتقدم بها المتضرر، سواء الى وكيل الملك مباشرة أو الى الشرطة القضائية، فغاية المشرع هنا ليس فرض اجراء شكلي وإنما تحقيق غاية فضلى، هي تحسيس المتضرر بالاهتمام بتظلمه من طرف الجهة الموكول اليها حق التقرير فيه.
سادسا: إشعار الوكيل القضائي للمملكة بالدعوى العمومية
كان قانون المسطرة الجنائية الملغى في فصله الثاني يعتبر الدعوى العمومية غير مقبولة إذا لم يتم إشعار الوكيل القضائي للمملكة في القضايا التي تقبل الاشعار[37].
نصت الفقرة الاخيرة من المادة الثالثة [38]من قانون المسطرة الجنائية" إذا أقيمت الدعوى العمومية في حق قاضي أو موظف عمومي أو عون او مأمور للسلطة او القوة العمومية فتبلغ اقامتها الى الوكيل القضائي للملكة".
و يتعين على النيابة العامة اشعار الوكيل القضائي إضافة الى اشعار الإدارة التي ينتمي اليها الاشخاص سواء كانوا قضاة او موظفين أو أعوان تابعين للسلطة أو للقوة العمومية، وهذا الاشعار لا يتعين الا إذا تبين احتمال قيام مسؤولية الدولة من اعمال تابعها.
سابعا: تسيير ومراقبة الشرطة القضائية.
تعتبر مراقبة تسيير الشرطة القضائية من بين الاختصاصات التقليدية لجهاز النيابة العامة، فقد نصت المادة 16 من فقرتها الثانية" يسير وكيل الملك أعمال الشرطة القضائية في دائرة نفوذه".
كما نصت المادة 45 على أنه: يسير وكيل الملك في دائرة نفوذ محكمته أعمال ضباط الشرطة القضائية، ويقوم بتنقيطهم في نهاية كل سنة".
و مرد هذه السلطة التي يملكها الوكيل الملك على الشرطة القضائية هي أنهم يستمدون سلطاتهم منه وينوبون عنه ويمثلونه، وهذه المراقبة تشمل جميع أعمال ومهام الشرطة القضائية وذلك من خلال تتبع ورصد الأعمال والاجراءات المتعلقة بالبحث وتنفيذ الاوام القضائية مع كل ما يترتب عن ذلك من أثار قانونية عن كل إخلال أو تقصير في قيامهم أو تنفيدهم لتعليمات النيابة العامة.[39]
سلطة التسيير والمراقبة غير مقتصرة فقط على وكيل الملك وإنما أيضا تمتد الى نوابه، طالما أنهم أيضا يعتبرون ضباط سامين للشرطة القضائية.
و سلطة الاشراف المخولة لوكيل الملك، باعتباره السلطة الفعلية للإدارة، تقوم أيضا الى توجيه ضباط الشرطة القضائية في تعليماتهم وتزويدهم أيضا بمعلومات واجبة التنفيذ.
و المشرع المغربي نظرا لحساسية بعض المجالات المرتبطة بحقوق الانسان، حددوا دور وكيل الملك في بعض الامور كالتالي:
1_ الحراسة النظرية
نصت المادة 45 من قانون المسطرة الجنائية في فقرتها الخامسة أن وكيل الملك يسهر على احترام اجراءات الحراسة النظرية وأجلها وعلى مباشرتها في الأماكن المعدة لهذه الغاية الموجودة في دائرة نفوذه، كما يصهر على احترام التدابير الكافلة لإحترام ظروف الاعتقال.....
وقد عرف بغض الفقه المغربي الوضع تحت الحراسة النظرية بكونه اجراء اشتر عه القانون المغربي في المادتين 66 و80 من ق م ج بمقتضاه يسمح لضابط الشرطة القضائية ابقاء شخص او عدة اشخاص (الذين تم تعدادهم حسب المادة 65 )[40] رهن اشارته لحاجيات يقتضيها البحث التمهيدي.
إلا ان اجراء وضع الشخص تحت الحراسة النظرية يبقى موضوع تقدير من طرف ضابط الشرطة القضائية يلجا اليه بحسب قناعته الشخصية، لذا فهذا إجراء خطير خصوصا على الأبرياء لذا تم وضع شروط له من بينها:
- ضابط الشرطة القضائية لا يوقع الحراسة النظرية على الاشخاص بمناسبة البحث التمهيدي بنوعيه[41]، إلا اذا كان هذا الاخير متعلقا بجناية أو جنحة يكون القانون قد عاقب عليها بعقوبة سالبة للحرية في النصوص المجرمة لها، وبذلك فإن كانت الجريمة مخالفة أو جنحة ضبطية معاقبة بالغرامة فقط، فإن ضابط الشرطة القضائية لا يحق له قانونا اللجوء إلى إجراء الوضع تحت الحراسة النظرية، إلا أن بعض الفقه نادى بالمساواة بين العقوبة السالبة للحرية، وكذا المخالفة والجنحة الضبطية من حيث الوضع تحت الحراسة النظرية[42]
- أن يكون البحث التمهيدي قد اقتضته ضرورة البحث التي يقوم بها ضابط الشرطة القضائية، وذلك وفق ما جاء في المادة 66 وكذا المادة 80 من ق. م. ج.
- ينبغي احترام المدد التي حددها القانون للوضع تحت الحراسة النظرية –خصوصا وأن بعض الفقه وجمع على أنها طويلة بالمقارنة مع بعض القوانين الأخرى - وهذا شرط حيوي لا ينبغي التفريط أو التسامح في ضرورة مراعاته.
و في هذا الصدد فالمادة 66 من ق م ج حددت مدة الوضع تحت الحراسة النظرية في الجرائم العادية في 48 ساعة تحتسب ابتداء من ساعة التوقيف، تكون قابلة للتمديد مرة واحدة لمدة 24 ساعة بناء على إذن كتابي من النيابة العامة.[43]
أما إذا تعلق الأمر يتعلق بالمس بسلامة الدولة الداخلي أو الخارجي، فمدة الحراسة النظرية تكون 96 ساعة، قابلة للتمديد مرتين لمدة 96 ساعة في كل مرة بناء على إذن كتابي من النيابة العامة.[44] ونظرا لخطورة هذا الإجراء، فقد ألزم المشرع في المادة 45 وكيل الملك بزيارة الأماكن المخصصة للحراسة النظرية متى دعت الضرورة وفي أي وقت شاء على أن لا يقل عدد زياراته لهذه الأماكن عن مرتين في الشهر، مع مراقبته لسجلات الحراسة النظرية والتأشير عليها بطابعه وتوقيعه، ويحرر تقريرا بمناسبة كل زيارة يقوم بها.
وفي حالة وجود عدة إ خلا لات تعتري هذه الأماكن يشعر الوكيل العام بذلك، ثم يقوم بوضع تدابير وإجراءات كفيلة بوضع حد للاختلالات ثم يرفع تقريرا لوزير العدل.
كما مكن المشرع الشخص الذي ألقي عليه القبض، أو وضع تحت الحراسة النظرية الاستفادة من المساعدة القضائية، ومن إمكانية الاتصال بأحد أقربائه، وله الحق في تعيين محام، وكذا الحق في طلب تعيينه في إطار المساعدة القضائية.
2- مراقبة الحالة الصحية للأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية
إضافة إلى الزيارات التي يقوم بها وكيل الملك إلى أماكن الحراسة النظرية، قصد التقصي عن أماكن الاعتقال وكذا أحوال الموضوع تحت الحراسة النظرية، يتم تقديم هذا الاخير إلى وكيل الملك من أجل استنطاقه، ووفقا للمادة 74 من ق.م.ج. يتعين عليه أن يخضعه لفحص طبي إما تلقائيا إذا عاين ما يوجب ذلك، أو إذا طلب المعني بالأمر أو دفاعه الخضوع لهذا الفحص.
والمشرع لم ينص على جهة مختصة بإجراء الفحص الطبي، مما يفيد أنه يمكن أن يكلف به أي طبيب، ولو تعلق الأمر بطبيب السجن إذا سمحت الإمكانيات بذلك.
وإذا تعلق الأمر بحدث تقدم بشكاية هو او محاميه تهم وقوع عنف عليه فوكيل الملك يأمر بإحالة الحدث على طبيب لإجراء الفحص، علما بأن الأحداث لا يوضعون تحت الحراسة النظرية، وإنما يتم الاحتفاظ بهم في أماكن خاصة.
3- تنقيط ضابط الشرطة القضائية
تنص المادة 45 أنه يقوم وكيل الملك بتنقيط ضابط الشرطة القضائية في نهاية كل سنة فبمقتضى هذه المادة اصبح وكيل الملك من ضمن اختصاصاته تنقيط الضابط رغم أن المشرع لم يحدد المعايير والمقاييس المعتمدة للتنقيط، لكن في الغالب يتم تقييم الضابط بناء على الجهد المبذول من طرفه، إضافة إلى المؤهلات التي يمتلكها ضابط الشرطة.
ويوجه وكيل الملك، لائحة التنقيط إلى الوكيل العام للملك قصد إبداء وجهة نظره وإحالتها على السلطة المشرفة على ضابط الشرطة القضائية.
كما يقوم الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بتنقيط ضابط الفرقة الوطنية أو الجهوية للشرطة القضائية التي يقع بدائرته مقرها.
ثامنا: دور النيابة العامة في مسطرة تسليم المجرمين [45]
هناك مسطرة تسمى مسطرة المجرمين حيث يحق للوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف وكذا وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية ولضرورة تطبيق مسطرة تسليم المجرمين اصدار اوامر دولية بالبحث والقاء القبض [46].
فهذه الاوامر تشكل الانطلاقة في البحث، والاساس القانوني لكل الاجراءات الموالية لمسطرة تسليم المجرمين، فباستعراض طلبات التسليم الصادرة عن السلطات القضائية المغربية يلاحظ بانها صادرة اما لتنفيذ احكام قطعية او معتمدة على اوامر بإلقاء القبض صادرة عن قضاء التحقيق بمناسبة التحقيق الاعدادي في الجنايات والجنح المرتبطة بها.
تاسعا: دور النيابة العامة في القضاء على الجريمة
إن للنيابة التامة دورا محوريا في القضاء على الجريمة، وإرجاع الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل ارتكابها، ويتجلى الدور الجديد للنيابة العامة في إجراءين سريعين كانا مناطين بقضاء الحكم، ويتعلق الأمر بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه إذا تعلق الأمر بالاعتداء على الحيازة، وبرد الأشياء المحجوزة لمن له الحق فيها.
1 - رد الأشياء المضبوطة أثناء البحث
يعرف الرد اعادة الحالي الى ما كانت عليه قبل الجريمة، فإذا كان الجرم سارقة وجب على السارق أن يعيد الاشياء التي سرقها.[47]
وعليه هو اجراء يمكن ذوي الحقوق من أن يتسلموا فورا ممتلكاتهم المنقولة التي سلبت منهم من جراء فعل جرمي كالسرقة وخيانة الأمانة، وتجنب حرمانهم منها أو تلفها أو تضررها بمستودعات المحاكم، في انتظار صدور حكم نهائي، وذلك ما لم تكن محل نزاع، أو لازمة لسير الدعوى أو خطيرة أو قابلة للمصادرة [48].
ويتم رد الاشياء التي ضبطت اثناء البحث لمن له الحق فيها من طرف وكيل الملك وذلك في حالة توفر الشروط التالية:
• ألا توجد منازعة جدية.
• عدم خطورة الأشياء.
• ألا تكون الأشياء قابلة للمصادرة: أما إن نص القانون على قابلية الأشياء للمصادرة إما وجوبا أو اختيارا، فلا مجال لردها لصاحب الحق فيها، إذ في هذه الحالة قد يتغير استردادها لتنفيذ الحكم الذي قد يصدر بمصادرتها.
ولعل اسناد هذا الاختصاص للنيابة العامة سيعمل على توفير الثقة في فعالية القضاء، وإرضاء الضحايا الذين يستردون منقولاتهم دون انتظار حكم قضائي.
2-إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه في حالة الاعتداء على الحيازة
هي سلطة تمكن النيابة العامة من ارجاع الحيازة الى الاشخاص الذين كانت لهم، ثم انتزعتم نهم بسبب فعل جرمي.
وقد نصت الفقرة الثانية من المادة 40 من قانون المسطرة الجنائية انه يجوز لوكيل الملك أن يأمر باتخاذ اي اجراء تحفظي يراه ملائما لحماية الحيازة، وارجاع الحالة الى ما كانت عليه اذا تعلق الامر بانتزاع الحيازة بعد تنفيذ حكم ويتطلب الامر توفر الشروط الاتية:
- ارتكاب جريمة انتزاع حيازة: لم يوضح المشرع ما اذا كان الامر يتعلق بحيازة عقار او منقول، وفي نظر بعض الفقه فهو يهم النوعية معا حيازة العقار وكذا المنقول.
- انتزاع الحيازة بعد ما يكون الشخص الذي انتزع العقار او المنقول من يده، قد حصل على تلك الحيازة بناء على حكم قضائي سبق تنفيذه.
- أن يعرض مقرر النيابة العامة القاضي بالإجراء التحفظي او بإرجاع الحالة على المحكمة التي ستنظر في الدعوى العمومية او هيئة التحقيق التي ستتولى التحقيق فيها داخل 3 ايام على الأكثر، لتقرر بشأن تأييده او إلغائه أو تعديله م 40 من ق. م. ج.
عاشرا: سحب الجوازات وإغلاق الحدود
اضافة الى امكانية المتاحة امام هيئة الحكم وهيئة التحقيق بمقتضى المادة 182، يمكن للنيابة العامة اذا اقتضت ضرورة البحث التمهيدي ان تسحب جواز سفر المشتبه فيه وتغلق الحدود في وجهه لمدة لا تتجاوز شهرا واحدا ويمكن تمديد هذا الاجراء لغاية انتهاء البحث التمهيدي اذا كان المعني بالأمر هو المتسبب في تأخير اتمامه وينتهي مفعول الاجرائين بإحالة القضية على هيئة الحكم او التحقيق او باتخاذ قرار بحفظ القضية م 40 و49 من ق م ج
ويحق لوكيل الملك اغلاق الحدود وسحب جواز السفر وفقا للشروط الاتية
• أن يتعلق الآمر بالبحث في جنحة يعاقب عليها القانون بسنتين حبسا نافذا أو أكثر
• أن تقتضي ضرورة البحث التمهيدي اتخاذ هذا القرار
• ألا تتجاوز مدة السحب أو الاغلاق شهرا واحدا
• انتهاء اجرائي اغلاق الحدود وسحب الجواز بمجرد انتهاء البحث التمهيدي أو احالة القضية على قاضي التحقيق أو على المحكمة أو اذا قررت النيابة العامة حفظ القضية
• بم جرد انهاء الاجرائين يتعين اعادة جواز السفر لصاحبه ومطالبة السلطات المختصة بفتح الحدود في وجهه.
و عليه يمكن اتخاذ اجرائي سحب جواز السفر وإغلاق الحدود تلقائيا من طرف النيابة العامة، أو بناء على طلب الضابطة القضائية الذي توجهه الى وكيل الملك متى كان الفعل المرتكب يشكل خطورة يعاقب عليها القانون بسنتين حبسا أو أكثر[49].
حادي عشر: مسطرة الصلح
ذهب بعض الفقه الى تعريف الصلح بأنه " يلاقي ارادة المتهم وارادة المجني عليه" وعرفه البعض الاخر بكونه الاجراء الذي بمقتضاه تتلاقا ارادة المجني عليه مع ارادة المتهم في وضع حد للدعوة الجنائية، ويخضع هذا الاجراء للتقييم الجهة القائمة على الأخذ به، فإن قبلته ترتب عليه انقضاء الدعوى الجنائية دون تأثير على حقوق المتضرر من الجريمة[50].
من المهام التي أناطها المشرع بوكيل الملك هو مسطرة الصلح بين طرفي الخصومة لا النزاع وتنص المادة 41 من ق م ج بإمكانية اجراء صلح على يد وكيل الملك قبل اقامة الدعوى العمومية كلما تعلق الأمر بجنحة من الجنح المعاقب عليها بسنتين حبسا أو أقل أو بغرامة مالية لا يتجاوز حدها الأقصى 5000 درهم.
ويتم الصلح اما باقتراح من الأطراف أو من وكيل الملك.
1 - الصلح باقتراح من الأطراف
يمكن للمتضرر أو المشتكى به أن يطلب من وكيل الملك تضمين الصلح الحاصل بينهما في محضر وفي حالة الموافقة وتراضي الطرفين على الصلح يحرر وكيل الملك بحضورهما وحضور دفاعهما ما لم يتنازلا أو يتنازل دفاعهما عن ذلك ويتضمن المحضر ما اتفق عليه الطرفين اضافة الى اشعار وكيل الملك الطرفين أو دفاعهما بتاريخ جلسة غرفة المشورة ويتم توقيعه من قبل وكيل الملك والطرفان.
ويحيل وكيل الملك المحضر على رئيس المحكمة الابتدائية أو من ينوب عنه للتصديق عليه بحضور ممثل النيابة العامة والطرفين أو دفاعهما بغرفة المشورة.[51]
2 - الصلح باقتراح من وكيل الملك
اذا لم يحضر المتضرر امام وكيل الملك، [52] وتبين من وثائق الملف، وجود تنازل مكتوب صادر عنه أو في حالة عدم وجود مشتك، يمكن لوكيل الملك أن يقترح على المشتكى به أو المشتبه فيه صلحا يتمثل في أداء نصف الحد الأقصى للغرامة المقررة للجريمة وإصلاح الضرر الناتج عن أفعاله، وفي حالة الموافقة يحرر وكيل الملك محضرا يتضمن ما تم الإتفاق عليه وإشعار المعني بالأمر أو دفاعه بتاريخ جلسة المشورة، ويوقع وكيل الملك والمعني بالامر على المحضر، الذي يحال على رئيس المحكمة الابتدائية للتصديق عليه.
مما تقدم يتبين أن الامكانية التي تم إحداثها تجسد رغبة المشرع في الحد من تراكم القضايا البسيطة التي تعرفها المحاكم وكذا طول انتظار البت النهائي في القضايا، لذا فالمشرع - خير فعل - عندما نص على هذه المسطرة ضمن اختصاصات وكيل الملك.
الثاني عشر: السند القابل للتنفيذ في المخالفات
يتم اللجوء الى هذه المسطرة كل ما تعلق الأمر بمخالفة يعاقب عليها القانون بغرامة فقط، والتي تكون مثبتة بمقتضى محضر مثبت أو تقرير وأن لا يظهر فيها متضرر أو ضحية[53].
هو عبارة عن اقتراح مكتوب توجهه النيابة العامة الى المخالف والى الموكل المدني، لأداء غرامة جزافية توازي نصف الحد الأقصى المقرر للغرامة المنصوص عليها قانونا.
فإذا تمت الموافقة أصبح هذا السند قابلا للتنفيذ، وفي حالة رفضه ترفع القضية الى المحكمة ليبث فيها قاضي الحكم في جلسة علنية.
ومن شروط اصدار السند:
• أن يتعلق الأمر بمخالفة معاقبة بالغرامة فقط.
• أن تكون المخالفة مثبتة بمقتضى محضر أو تقرير.
أما تبليغه الى المعني بالأمر فيكون بواسطة رسالة تسمى رسالة التبليغ، وذلك بأداء الغرامة في أي كتابة ضبط من محاكم المملكة، والا تم رفع القضية للمحكمة للبث فيها في تاريخ يجدد في الرسالة نفسها
أما في حالة أداء المبلغ، يتعين على كتابة الضبط المذكورة أن توجه اشعارا بالأداء للنيابة العامة التي أصدرت السند القابل للتنفيذ داخل أجل أسبوع من الأداء.
أما اذا لم يعبر المعني بالأمر برغبة صريحة، فانه يعتبر قد قبل بالسند القابل للتنفيذ بعد مرور عشرة أيام على تبليغه به أو من رفضه التوصل به.
وفي هذه الحالة يعتبر السند قابلا للتنفيذ نهائيا، ويسلم كاتب الضبط ملخصا منه للجهة المكلفة بتنفيذ الغرامات قصد العمل على تنفيذه، وفقا لطرق التنفيذ العادية، أما اذا لم يقبل المعني بالأمر المقترح الذي يتضمنه السند القابل للتنفيذ، فانه ينبغي عليه أن يضمن ذلك كتابة على هامش رسالة التبليغ، وارسلها للنيابة العامة، وهذه الاخيرة تعرض القضية على الجلسة العلنية.[54]
الثالث عشر: الأمر القاضي في الجنح:
يقصد بالأمر القضائي أن يصدر القاضي حكما في غيبة الأطراف ة لاسيما المتهم، ويكون هذا الحكم نافذا بعد تبليغه وعدم التعرض عليه من قبل هذا الأخير.
وقد أوجد القانون مسطرة مبسطة للجنح البسيطة التي يعاقب عليها فقط بغرامة لا تتجاوز 5000 درهم، ولا يظهر فيها مطالب بالحق المدني اذا كانت ثابتة بمقتضى محضر أو تقرير.
وتمكن هذه المسطرة القاضي من اصدار أمر بأداء الغرامة بناء على ملتمس النيابة العامة والبث في غيبة المتهم والمسئول عن الحق المدني بأمر يمكنها التعرض عليه بعد تبليغه ويتيح التعرض فرصة المحاكمة الحضورية العادية م. 383 [55]من ق. م. ج.
الرابع عشر: ايقاف سير الدعوى العمومية
للنيابة العامة وحدها سلطة التماس إيقاف سير الدعوى العمومية، وبناء على هذا الملتمس تقرر هيئة الحكم إيقاف النظر في الخصومة الجنائية وسحب الملف من الجلسة وحفظه، لكن هذا الأمر مشروط بتنازل الطرف المتضرر من الفعل الجرمي عن شكايته وفق ما نصت عليه المادة 372 من قانون م. ج.
و يشترط لإيقاف سير الدعوى العمومية ما يلي:
• أن تكون الدعوى العمومية مقامة من أجل جريمة من الجرائم التي تجوز فيها مسطرة الصلح المنصوص عليها في م 41 من ق. م. ج.
• أن يتنازل الطرف المتضرر من الجريمة عن شكايته.
• أن لا تكون الدعوى العمومية قد تم البث فيها بحكم نهائي.
• في حالة ظهور عناصر جديدة تمس الدعوى العمومية نفسها، أمكن مواصلة النظر في الدعوى العمومية.
• عدم سقوط الدعوى العمومية بالتقادم وبسبب اخر من أسباب السقوط.
• في حالة وقف الدعوى المحكمة مطالبة بالإفراج عن المتهم أو بوضع حد للمراقبة القضائية.

الفقرة الثانية: الوكيل العام للملك

يأتي الوكيل العام للملك بمنطق التسلسل الاداري، بعد وكيل الملك لدى محكمة النقض، الذي حافظ في إطار القانون المسطرة الجنائية الجديدة على المهام التقليدية، تحت اضافة مهام جديدة تميزه عن وكيل الملك ويمارسها بصفة أساسية في الجنايات.
وتعتبر ممارسة الدعوى العمومية من أهم صلاحيات الوكيل العام للملك، اضافة الى أن المشرع أعطاه اختصاصات جديدة.
أولا: الصلاحيات التقليدية:
تمت المحافظة في اطار القانون الجديد على جل الصلاحيات التقليدية للوكيل العام للملك، المتجلية أساسا في[56]:
• اقامة الدعوى العمومية.
• السهر على تطبيق القانون الجنائي في مجموع دائرة نفود محكمة الاستئناف.
• الاشراف على قضاة النيابة العامة وضباط الشرطة القضائية التابعين لدائرة نفوذه.
• البحث على مرتكبي الجنايات وضبطهم وتقديمهم ومتابعتهم.
• اصدار أوامر دولية بالبحث والقاء القبض لضرورة تطبيق مسطرة تسليم المجرمين.
• ممارسة الدعوى العمومية وكذا الطعن.
• تلقي الوشايات والشكايات.
• تمثيل النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف والتقدم بملتمسات.
ثانيا: الصلاحيات الجديدة:
تم التنصيص في قانون المسطرة الجنائية الجديد على مهام جد مهمة بالنسبة للوكيل العام للملك وهي:
1 - رد الأشياء:
يمكن للوكيل العام للملك برد الأشياء التي ضبطت أثناء البحث لمن له الحق فيها، وذلك وفقا لنفس المقتضيات المتعلقة بوكيل الملك
وذلك وفق ما أتت به المادة 49 من ق. م. ج. يجوز له في حالة عدم وجود منازعة جدية أن يأمر برد الأشياء التي ضبطت أثناء البحث لمن له الحق فيها ما لم تكن لازمة لسير الدعوى أو خطيرة أو قابلة للمصادرة.
2 - ارجاع الحالة الى ما كانت عليه:
يمكن للوكيل العام للملك أن يأمر بإرجاع الحالة الى ما كانت عليه وذلك وفق المادة 49 من ق. م. ج.، أو اتخاذ أي اجراء تحفظي لازم لحماية الحيازة، وارجاع الحالة الى ما كانت عليه، على أن يعرض هذا الأمر على المحكمة أو هيئة التحقيق التي رفعت اليها القضية أو التي سترفع اليها خلال ثلاثة أيام على الأكثر لتعديله أو تأييده أو الغائه
3 - سحب الجواز واغلاق الحدود:
يمكن للوكيل العام للملك أيضا أن سحب جواز سفر الشخص المشتبه فيه، واغلاق الحدود في حقه لمدة لا تتجاوز شهرا واحدا، ويمكن تمديد هذه المدة الى غاية انتهاء البحث التمهيدي، وكلما تعلق الأمر بجناية أو جنحة يعاقب عليها القانون بسنتين حبسا أو أكثر[57].
4 - التقاط المكالمات الهاتفية والاتصالات الموجهة بوسائل الاتصال عن بعد:
هذه الامكانية مخولة لقضاء التحقيق كلما اقتضت ضرورة التحقيق، ويمكن للوكيل العام للملك، اذا اقتضت ذلك ضرورة البحث أن يلتمس من الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف الاذن له كتابة بالتقاط المكالمات وكافة الاتصالات المرسلة بواسطة وسائل الاتصال المختلفة وتسجيلها وذلك تحت سلطته ومراقبته، وقد تم التطرق لمدة وشكليات هذا الاجراء بكل دقة وأحاطه المشرع بقيود صارمة تكفل حماية حرية الاشخاص وعدم استغلال هذه الامكانية خلافا للقانون، وفرض عقوبات على مخالفتها.
وهو يعتبر اجراء استثنائيا، اذ أن الأصل هو أن هذه الامكانية مخولة لقاضي التحقيق، متى كانت القضية معروضة عليه غير أنه يمكن للوكيل العام للملك، اذا اقتضت ضرورة البحث أن يأمر كتابة بالتقاط المكالمات الهاتفية، وذلك اذا كانت الجريمة تمس بأمن الدولة أو جريمة إرهابية أو تتعلق بالعصابات الاجرامية أو بالقتل أو التسميم أو بالاختطاف واخذ الرهائن أو بتزييف أو تزوير النقود أو سندات القرض العام أو بالمخدرات أو المؤثرات العقلية أو بالأسلحة والذخيرة والمتفجرات أو بحماية الصحة، كما تمت بمقتضى القانون رقم 03.03 المتعلق بالإرهاب اضافة الجريمة الارهابية.
الا أنه يجوز وفي حالة الاستعجال القصوى للوكيل العام للملك دون الرجوع للرئيس الأول أن يأمر بالتقاط المكالمات كتابة متى كانت ضرورة البحث تقتضي التعجيل خوفا من اندثار وسائل الاثبات، مع اشعار الرئيس الأول بالأمر الصادر عنه وهذا الأخير قد يؤيد قرار التقاط المكالمات، أو يعد له، أو يتم الغاؤه، ويصدر هذا القرار خلال أجل 24 ساعة [58].
5 - حماية الضحايا:
يقوم وكيل الملك أو الوكيل العام للملك أو قاضي التحقيق كل فيما يخصه باتخاذ تدابير الحماية الكفيلة لتأمين سلامة الضحية وأفراد أسرته أو أقاربه أو ممتلكاته من كل ضرر قد يتعرض له جراء تقديم شكاية.[59]
6 - حماية الشهود والمبلغين:
يمكن الملك أو الوكيل العام للملك أو قاضي التحقيق تلقائيا بناء على طلب إذا تعلق الأمر بجريمة الرشوة واستغلال النفوذ أو الاختلاس أو التبديد أو الغدر أو غسيل الأموال؛ أو إحدى الجرائم المنصوص عليها في المادة 108 أن يتخذ تدابير من أجل حماية الشاهد أداء المبلغ إما عن طريق إخفاء هويته، أو إعطاء هوية مستعارة أو عدم الإشارة إلى العنوان الحقيقي....
7 - التسليم المراقب:
يقصد بالسماح المراقب حسب منطوق المادة 1-749 هو السماح بعبور شحنة غير مشروعة أو يشتبه في كونها كذلك إلى داخل المغرب أو عبره أو إلى خارجه دون ضبطها، أو بعد سحبها أو استبدالها كليا أو جزئيا تحت مراقبة السلطات المختصة، بقصد التعرف على الوجهة النهائية لهذه الشحنة، والتحري عن هوية مرتكبيها والأشخاص المتورطين فيها وإيقافهم.
ويمنح الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف الإذن بالتسليم المراقب، وعلى ضابط الشرطة القضائية تنفيذ بهذا الإذن إضافة إلى ضرورة إخبار الوكيل العام للملك بكل إجراء تقوم به، وهذا الأخير، لا يتخذ أي إجراء من إجراءات البحث المرتبطة بعملية التسليم المراقب أو إيقاف مرتكبي الجريمة والمتورطين فيها إلا حين علمه بالشحنة إلى وجهتها النهائية م 2-749 من ق.م.ج..

المبحث الثاني: استقلال النيابة العامة

النيابة العامة بالمغرب أي استقلال؟
يوحي العنوان بالتشكيك في استقلال النيابة العامة، والواقع أن هذا التشكيك مشروع، فمن جهة تعتبر النيابة العامة خصما في الدعوى العمومية، وجهازا يخضع للتسلسل الإداري ولسلطة الرئيس في مواجهة المرؤوس، وكذا لرئاسة الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض في الوضع الحالي [60]، لكن ومن جهة أخرى يعتبر أعضاء النيابة العامة قضاة مثلهم مثل قضاة الحكم لهم ما لهم وعليهم ما عليهم من الحقوق والواجبات، بحيث يخضعون في الغالب لنظام أساسي موحد، وهم مطالبون بتطبيق القانون وفقا لنصوص الدستور الفصل 110 وفق الفقرة الثانية من قانون المسطرة الجنائية بالفصل 96، كما أن المبادئ الدولية متفق على مبدأ استقلال النيابة العامة.[61]
يعتبر استقلال القضاء من بين المبادئ الأساسية بكل نظام قضائي حديث، بل لنظام الحكم السياسي، ويفرض إيلاء مؤسسته ورجاله مكانة متميزة بين سلط الدولة الأخرى، ذلك أن استقلال السلطة القضائية باعتباره مبدأ دستوريا تفرضه طبيعة القضاء ذاته [62]، فبدون هذا الاستقلال لا يمكن للمحاكم أن تنال ثقة المتقاضين، ولا أن يفرضوها للنظر في أمور تتعلق بأشخاصهم وشرفهم وأموالهم، فموضوع استقلال القضاء بصفة عامة قد حظي بدراسات واقية وندوات متعددة فإنه غالبا ما ينصب الاهتمام على استقلال القضاء الجالس، بينما الدراسات التي تتناول جهاز النيابة العامة على هذا المستوى فهي قليلة لا تتجاوز مسألة اختصاصاتها ودورها في تحريك الدعوى العمومية أو خصوصية تدخلها في القضايا المدنية، في حين أن الضمانات التي يجب أن تحكم عمل القضاء هي تلك الضمانات التي تمكن القاضي أن يعمل في إطار محكم من الاستقلال، سواء تعلق الأمر بقضاء التحقيق أو قضاة الحكم أو ممثلين النيابة العامة.
وعليه نقترح من هذا المنطلق الاشكالية التي يطرحها هذا الموضوع، تتعلق بمجال استقلالية النيابة العامة في المغرب، والإطار القانوني والوظيفي الذي تتجدد به هذه الاستقلالية.
ومنه نقترح أن نبحث هذا العرض في مطلبين نتناول في المطلب الأول الوضعية القانونية للنيابة العامة مع التركيز على المقتضيات التي تساهم في تحصين استقلالهم أو على العكس من ذلك يكون لها تأثير سلبي على هذا الاستقلال بشكل أو بآخر، على أن نتناول في المطلب الثاني مجال استقلال النيابة العامة أثناء قيامها بمهامها سواء في اطار علاقتها بقضاء الحكم أو قضاء التحقيق أو علاقتها مع أطراف الدعوى العمومية، خصوصا أنها تعتبر بدورها طرفا رئيسيا في هذه الدعوى.

المطلب الأول: الوضعية القانونية للنيابة العامة

ان الوضعية القانونية للنيابة العامة تتميز بازدواجية صفتها فهي من جهة تعتبر ممثل مباشر للسلطة التنفيذية وطرف رئيسي في الدعوى ومن جهة أخرى تعتبر جزءا لا يتجزأ من الهيئة القضائية، ولهذه الازدواجية أثرها على النظام القانوني للنيابة العامة، .....و على الصلاحيات المنوطة بها.

الفقرة الأولى: ارتباط النيابة العامة بالسلطة التنفيذية.

تعتبر النيابة العامة هيئة من نوع خاص ووسط بين السلطتين التنفيذية والقضائية، وواقع الأمر أن القول بأن النيابة العامة جزء بين السلطة التنفيذية بناء على عملها يتضمن جانبا اداريا متيسرا لما تتسم به من استقلال مطلق في اتخاذ القرار الذي يعد سمة وضمانة للقاضي في مهمته الخاصة في قول كلمة القانون [63].
ولهذا سوف نتطرق الى بسط اراء القائلين بتبعية النيابة العامة للسلطة التنفيذية، والذي اثار نقاشا مستفيضا وخلافات بين الفقهاء والباحثين.
الاتجاه الأول يرى أن النيابة العامة هي جزء من السلطة القضائية، لأن أعضاء النيابة ليسو في نهاية المطاف سوى قضاة يخضعون للنظام الأساسي لرجال القضاء، ولهذا فهم عادة ما يتأرجحون في مهامهم بين مهام القضاء الجالس ومهام القضاء الواقف.
الاتجاه الثاني يغلب فيه الصفة الادارية للنيابة العامة على صفتها القضائية ودليله على ذلك أن النيابة العامة تخضع لتسلسل رئاسي تحت اشراف ورئاسة الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض خلافا لقضاء الحكم.
الاتجاه الثالث يرى أن هناك حل وسط بين الرأيين، بحيث نجده يقوم على فكرة أن النيابة العامة وان كانت جزءا من السلطة القضائية فانه في نفس الوقت لا يمكن أن نغض الطرف عن حقيقة أنها تربطها علاقات وطيدة بالسلطة التنفيذية سيما هذا الاتجاه اعتبرها قضاء من نوع خاص أو قضاء مختلط [64].
فبعد أن ذهب جانب كبير من الفقه الفرنسي القديم الى ان النيابة العامة جزء من السلطة التنفيذية وأن أعضائها هم رجال السلطة التنفيذية لدى المحاكم، وذهب اخرون الى القول بأن تنفيذ القانون هي من وظائف السلطة التنفيذية، واضطلاع أعضاء النيابة العامة بهذه الوظيفة يجعلهم جزءا من هذه السلطة.
وترتيبا على هذه المواقف فإن السلطة التنفيذية هي التي تقوم بتعيين أعضاء النيابة العامة ولا يتبعون غيرها، ويتدرج ضمن سلطتها توجيه الأوامر إليهم لتنفيذها، ومن المنطلق حسب هذا الرأي أن يكون لهذه السلطة من الوسائل الفعالة ما يخولها إستبعاد عضو النيابة العامة واستبداله بغيره لمجرد مخالفته لإرادتها.[65]
يتضح مما سبق أن أعضاء النيابة العامة في المغرب جزء من السلطة القضائية، فهم مستقلون عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، غير أنه يجوز لهذه الأخيرة –عبر الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض_ أن تأمرهم بالتصرف طبقا لما تقتضيه فكرة الإشراف على السياسة الجنائية الأمر الذي يتصف نوعا ما بنوع من التبعية للحكومة.
أولا: خضوع النيابة العامة لتسلسل الرئاسي.
بمقتضى المادة 56 من النظام الأساسي لرجال القضاء يوضع قضاة النيابة العامة تحت رئاسة الوكيل العام لدى محكمة النقض، هو قمة الهرم الإداري الذي تنصب فيه النيابة العامة مزاولة مهامها.
إن مبدأ خضوع النيابة العامة لسلطة الرئاسة يعني أن على عضو النيابة العامة الامتثال لأوامر والتعليمات التي يواجهها إليه رؤسائه المباشرون، وهكذا فإن نواب وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية يفرض عليهم القانون الالتزام بتوجيهات رئيسهم المباشر الذي هو وكيل الملك، كما أن للوكيل العام للملك سلطة إعطاء تعليمات يتعين على نوابه وكذا وكيل الملك أو الوكلاء العاملين بالدائرة القضائية لمحكمة الاستئناف احترامها والعمل بها كما أن للوكيل العام للملك بمحكمة النقض سلطة مباشرة على المحامين العامين وعلى الوكلاء العامين بمحاكم الإستئناف ووكلاء الملك.
إن خضوع النيابة العامة إلى رئاسة الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، أوجب احترام التسلسل الترتيبي يمكن أن نستشفه من عدة مقتضيات منصوص عليها في ق.م.ج وهكذا فإن المادة 38 تنص على أنه" يجب على النيابة العامة أن تقدم ملتمسات كتابية طبقا لتعليمات التي يتلقاها، ضمن الشروط المنصوص عليها في المادة 51" والمادة 49 في الفقرة 4 تنص صراحة على أن الوكيل العام للملك يتلقى الشكايات والوشايات والمحاضر الموجهة إليه ويتخذ بشأنها ما يراه ملائما من الإجراءات أو يرسلها مرفقة بتعليمات إلى وكيل الملك المختص".
وتتجلى أيضا رئاسة الوكيل الملك لدى محكمة النقض المادة 103 من قانون التنظيمي المتعلق للمجلس الاعلى للسلطة القضائية رقم 13.100. بشروط وكيفية تنقيط القضاة وترقيتهم، الوكيل الملك لدى محكمة النقض هو الذي يسهر على تنقيط الوكلاء العامين لدى محاكم الاستئناف، وهذا يعني أنه هو الذي يتحكم إلى حد بعيد في زمام السرعة التي تتم بها ترقيتهم إلى درجات أعلى[66] بالرغم من أن هذه المقتضيات تدل دلالة قوية على مدى خضوع النيابة العامة لنظام التسلسل الرئاسي، فإنه يمكن مع ذلك أن نتصور إمكانية التحقيق من صراحة هذا المبدأ.
ثانيا: الاستثناءات الواردة على خضوع النيابة العامة للسلطة الرئاسية.
باعتبار النيابة العامة تابعة لسلطة التنفيذية، لا يمنع من اتصافها بمميزات خاصة بها نظرا لوظيفتها المتصلة بالسلطة القضائية، ذلك لأن النيابة العامة بصفتها ممثلة الحق العام، تتوخى تطبيق القانون في إطار المصلحة العامة، بما فيها الفائدة التي برجوها الخواص من جناة ومجني عليهم، الشيء يتطلب توفر صفات هي من صميم شخصية القاضي من إلمام بالقانون وتبحث عن الموضوعية وتعرف باستقلال وحرية وفق ما يميله ضمير الإنسان الحر وقناعته التي يكون من متابعته للقضايا والملفات.
وهكذا فإن مبدأ خضوع النيابة العامة للسلطة الرئاسية يمكن أن تجده مجموعة من الاعتبارات أو الاستثناءات التي يمكن أن تجعلها فيما يلي:
_ إن الإجراءات التي يقوم بها عضو من النيابة العامة تكون صحيحة وسليمة، بالرغم من أنها قد تباشر بالشكل الذي تتعارض معه أوامر وتعليمات رئيسه ويمكن أن نتصور هذه الحالة عندما يتسلح عضو النيابة بالثقة اللازمة أثناء قيامه بمهامه وبالجرأة في الدفاع عن مواقفه وقناعته، ومع ذلك فإن الرئيس الذي يكون معارضا لتوجهه يمكن له أن يغيره بأحد زملائه لإتمام باقي الإجراءات وفق توجهاته، أو يعطي تعليماته لعضو آخر من أعضاء النيابة العامة لكي يمارس بشأنها الإجراءات الأولى طرق الطعن المخولة له أن يمارسها أو تمارسها بنفسه.
- كما يمكن للنيابة العامة أن تمارس حريتها وأن تتحرر من التقيد بتعليمات الرؤساء من خلال استغلال الرخصة الخولة لها في المادة 38 من ق. م.ج التي نص على أنها: وهي حرة في تقديم الملاحظات الشفهية التي ترى أنها ضرورية لفائدة العدالة، وذلك بالإقتصار على تنفيذ التعليمات من خلال الملتمسات الكتابية، والإفصاح عن قناعتها الخصية شفويا أثناء جلسات الحكم، وفق منطوق المثل الفرنسي القائل بأن القلم عبد والكلمة حرة.

الفقرة الثانية: نسبية الضمانات القانونية لأعضاء النيابة العامة.

بالرغم من أن أعضاء النيابة العامة يخضعون كزملائهم قضاة الحكم لظهير 11 نونبر 1974 بمثابة القانون الأساسي لرجال القضاء مع ذلك تتميز الضمانات الممنوحة[67] لهم بسمات خاصة ناجمة عن خضوعهم لسلطة الوكيل الملك لدى محكمة النقض ومراقبة وتوجيه رؤسائهم وذلك سواء فيما يتعلق بضمانات التعيين والترقية أو فيما يتعلق بتأديبهم.
بالرجوع إلى مرسوم 1915 المنظم لشروط وكيفية تنقيط نجد أن الوكيل الملك لدى محكمة النقض هو المختص بتنقيط الوكلاء العامين للملك ومن هنا يمكننا أن نخلص إلى أن هرم السلطة أو مصدر القرار في عمل النيابة العامة ينطلق بشكل رأسي وعمودي من وزير العدل مرورا بالوكلاء العامين للملك وانتهاء بوكلاء الملك، علما أن اختصاص وكيل العام للملك لدى محكمة النقض يظل إلى غاية الآن محددا بنصوص خاصة، ومن هنا تظهر وتبرز دقة وحساسية مهمة رجل النيابة العامة، الذي يجب أن تتوفر فيه صفات الانضباط لرؤسائه في العمل.
أولا: الضمانات القانونية بشأن التعيين والترقية.
بخصوص موضوع تعيين وترقية أعضاء النيابة العامة وبالرجوع لظهير 1974، فهو لا يقيم أي فرق بين قضاة الحكم وقضاة النيابة العامة، وهكذا فإن القانون الأساسي لرجال القضاء ينص على طريقتين لتعيين، طريق المباراة وطرق التعيين المباشر.
فالطريقة الأول يخضع له الملحقين القضائيون الحاصلون على الإجازة والناجحون في مباراة المعهد العالي للدراسات القضائية ولمجتازون لفترة التدريب فيه، حيث تعينهم بظهير شريف باقتراح من المجلس الأعلى للقضاء، أما الطريق الثاني المتعلق بالتعيين المباشر
فيخص أساتذة الحقوق، الذين درسوا مادة أساسية لمدة 10 سنوات، أو المحامين الذين زاولوا مهمة الدفاع لمدة 15 سنة، يعين هؤلاء أيضا بظهير باقتراح من المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
وملاحظ في الطريقتين معا هو هيمنة الوكيل الملك لدى محكمة النقض التي تتحكم في كل مراحل هذه المسطرة، بحيث يقتصر دور المجلس الأعلى للقضاء على تزكية التعيين ليس إلا[68]. باعتبار أن الوكيل الملك لدى محكمة النقض هو نائب رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي هو الملك، وهو الأمر الذي يثير جملة من التساؤلات والملاحظات تصب في صلب مسألة استقلال القضاء بصفة عامة، وليس فقط استقلال النيابة العامة.
وكذا فإن ترقية القضاة تتم بصورة أساسية من خلال التسجيل في لائحة الأهلية للترقي، فإن وضع هذه اللائحة يتم من طرف الوكيل الملك لدى محكمة النقض بعد استشارة المجلس الأعلى للسلطة القضائية استنادا إلى معيار واسع وغير دقيق وهو ما تقتضيه المصلحة، وقد تعرضت هذه المسألة لانتقادات كبيرة من طرف الباحثين والفقهاء، لأنه في نظرهم إذا اعمدنا على اعتبار المشرع، التسجيل في لائحة الترقية شرطا ضروريا للترشح للترقية من جهة، وإعطاء الوكيل الملك لدى محكمة النقض السلطة المطلقة من جهة ثانية، في حصر هذه اللائحة، فإن المشرع بذلك قد وضع " حق منع جواز السفر" للترقية بيد السلطة التنفيذية التي يمثلها الوكيل الملك لدى محكمة النقض [69]، وهذا ما يتعارض مع مبدأ استقلال القضاء الذي يفرض على أن يتولى المجلس الأعلى للسلطة القضائية إعداد هذه اللوائح وفق معايير محددة وموضوعية منصوص عليها في القانون.
إن الوكيل الملك لدى محكمة النقض يملك حق حذف من لائحة الأهلية للترقي بعد حصرها كإجراء تأديبي، وهو الحق يجعل منه التحكم كليا من زمام ترقية القضاة سواء كانوا قضاة حكم أو قضاة النيابة العامة.
ثانيا: نسبة حصانتي العزل والنقل بالنسبة لقضاة النيابة العامة.
إن عدم قابلية القضاء للنقل والعزل تعتبر من أهم ضمانة دستورية للقضاء على الإطلاق غير أن هذه الحصانة خاصة بقضاة الاحكام وحدهم بنص دستور. ولا تشمل قضاة النيابة العامة طبقا للفصل 82 من الدستور الذي ورد فيه أنه "لا يعزل قضاة الاحكام ولا ينقلون إلا بمقتضى القانون".
و من خلال هذا يتضح جليا أن قضاة النيابة العامة لا يتمتعون بهذه الحصانة الدستورية، بالشكل الذي يجعلون معرضون للنقل لأي سبب من الاسباب بل وحثى بدون مبرر، وبذلك يمكن التأثير عليهم أكثر لإتباع الاوامر والتعليمات الموجهة إليهم كما يتأتى لرؤسائهم بسهولة اختيار ممثل النيابة العامة، ووضعه في المكان المناسب[70].مادام أنه خاضع للسلطة الرئاسية، غير أنه بالرجوع الى القانون الاساسي لرجال القضاء تبين أن هذه الملاحظة تنسحب أيضا على قضاة الاحكام، ذلك أنه إذا كان النقل الذي يكون نتيجة لترقية القاضي أو تكيفه بمهام معينة أو بناء على طلبه لا يثير أي إشكال بشان مدى احترام مبدأ عدم قابلية القاضي أو النقل في اطار الانتداب يبرز تدخلا واضحا للسلطة التنفيذية ممثلة في الوكيل الملك لدى محكمة النقض [71].
و بذلك نجد ان وضعية القاضي الجالس والقضاء الواقف متماثلة تقريبا اللهم الاختلاف الموجود على مستوى الشكل، ذلك ان قاضي الحكم يتم نقله بظهير باقتراح من المجلس الاعلى ( ف 55 من ن.أ) في حين أن قاضي النيابة العامة يتم نقله بظهير باقتراح من وزير العدل بعد استشارة المجلس الاعلى للقضاء (56 من ن.أ) ولو انه من الناحية العملية ليس لهذا الاختلاف أثر يذكر مادام ان استشارة الوكيل الملك لدى محكمة النقض للمجلس الاعلى للقضاء ليس لها أي طابع الزامي بحكم أنه هو الذي ينوب عن جلالة الملك في رئاسة الفعلية.
و نعتقد ان الامر ينطبق كذلك على مسألة عزل القضاة، حيث يتمتع الوكيل الملك لدى محكمة النقض بالصلاحيات كبير في مجال المسائلة والتأديب سواء تعلق الامر بقضاة النيابة العامة أو قضاة الاحكام[72]. بخلاف الرأي الذي يذهب اليه الاستاذ محمد عياض من ان قضاة النيابة العامة خلافا لقضاة الحكم يتمتعون بحصانة العزل دون حصانة النقل.
و لقد جعل المشرع تحريك مسطرة المتابعة التأديبية بيد الوكيل الملك لدى محكمة النقض، فهو الذي يحيل الوقائع المنسوبة الى القاضي على المجلس الاعلى للقضاء، وهو الذي يعين القاضي المقرر بعد استشارة أعضاء المجلس المعينون بقوة القانون فقط دون غيرهم من الاعضاء المنتخبين.

المطلب الثاني: حدود استقلالية النيابة العامة

رغم ما تمت الاشارة اليه من مظاهر ارتباط النيابة العامة بالسلطة التنفيذية في شخص.
الوكيل الملك لدى محكمة النقض، فإنه لا يجيب أن يفهم من ذلك أن الامر يتعلق بذلك الخضوع المطلق الذي ينتفي معه كيان النيابة العامة. إذ انه لا محالة من الاعتراف بالاستقلال النظامي الذي يتمتع به النيابة العامة في علاقتها بالسلطة التنفيذية ومع المحكمة واتجاه الاطراف الخواص بل ومع نفسها.
إلا أنه من جهة أخرى في بعض أعمال النيابة العامة تخضع لنوع من الرقابة القضائية مما يفقدها استقلاليتها.

الفقرة الاولى: مجال استقلال النيابة العامة في قيامها بالمهام المنوطة بها.

تكمن مظاهر استقلال النيابة العامة في علاقتها مع القضاء الجالس بما فيه قضاء الحكم وقضاء التحقيق، ثم مع أطراف الدعوى.
أولا: استقلال النيابة العامة واتجاه القضاء الجالس
يتعين لإيضاح صورة هذا الاستقلال تجاه القضاء الجالس أن نتعرض في البداية لقضاء الحكم ثم بعد ذلك لقضاة التحقيق.
1- استقلالها عن قضاة الحكم
يتضح جليا استقلال النيابة العامة تجاه قضاء الحكم في ان هذا الاخير ليس بمقدوره ان يوجه لها تعليمات ولو حثى ملاحظات تنطوي على تقييم لمواقفها، وغدا كان لا يحق لها أن توجه لها تعليمات فإنه من غير الممكن تصور أن توجه اليها لوما او توبيخا بصدد القيام من غير الممكن تصور أن توجه اليها لوما أو توبيخا بصدد القيام بمهامها سواء كان ذلك بصفة رسمية او غير رسمية أو سرية.
هذا علاوة على ان قضاء الحكم ليس من صلاحياته حق المتابعة بمعنى أنه لا يجوز له أن يضع يده تلقائيا على القضايا قصد البت فيها ما لم توجهها اليه النيابة العامة، باستثناء ما تم التنصيص عليه بنص صريح كحالة جرائم الجلسات حيث ينعقد الاختصاص هنا لقضاء الحكم.
2ـ استقلالها عن قضاء التحقيق
يمكن استقلال النيابة العامة عن قاضي التحقيق في عدم امكانية هذا الاخير بوضع يده على النوازل الجنائية من تلقاء نفسه، وذلك ناتج أساسا عن استقلال التحقيق عن المتابعة.
إلا انه من جهة أخرى فإنه يحق لقاضي التحقيق وضع يده على القضية إذا سمح له بذلك بموجب نص قانوني صريح كما هو الشأن بالنسبة للفصل 75 من ق.م.ج. الذي يقضي بانه بمجرد حضور قاضي التحقيق بمكان وقوع الجريمة المتلبس بها فإن الوكيل العام للملك أو وكيل الملك وضابط الشرطة القضائية يتخلون له عن القضية بقوة القانون.
ثانيا: استقلالها تجاه أطراف الدعوى العمومية
يجد استقلال النيابة العامة تجاه الاطراف الدعوى العمومية أساسه في تلك الصفة التي تميز النيابة العامة وهي كونها طرف رئيسي في الدعوى تحركها وتمارسها من بدايتها الى نهايتها مادامت أنها المسؤولة عن الدفاع على المصلحة العامة وأمن المجتمع,
و لا يقتصر هذا الاستقلال على طرف دون الاخر وإنما ينسحب على جميع اطراف الدعوى العمومية سواء كانوا من الجناة او المجني عليهم أو من الجهات التي نصبت نفسها طرفا مدنيا للمطالبة بتعويض الضرر اللاحق بها من جراء الجريمة.
و من مظاهر الاستقلالية عن الاطراف كذلك نجد انه حتى عندما تبادر النيابة العامة بإقامة الدعوى وتحريك المتابعة فإنها تظل حرة إزاء موقف واراء المجني عليه، أي أنها تظل حرة في متابعة اجراءات الدعوى بغض النظر عن عدم تدخل الطرف المدني للمطالبة بحقه المدني. أو أنه تدخل ثم تنازل بعد ذلك عن تاك المطالبة بعد تحريك الدعوى. و ذلك نتيجة لصلح قد يبرمه من الجاني مادام ان المشرع قد أوجد هذه الامكانية وذلك في نطاق المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية، إلا أنه تجدر الاشارة الى أن المشرع لم يجعل من هذا الصلح مجردا وإنما جعله مشروطا بموافقة وكيل الملك ومصادقة رئيس المحكمة الابتدائية.
و فضلا عن ما تمت الاشارة اليه واعمالا لمقتضيات الفقرة الاخيرة من المادة 372 من قانون المسطرة الجنائية فإنه يبقى للنيابة العامة حق مواصلة الدعوى كلما ظهرت عناصر جديد تمس الدعوى العمومية، هذا ما لم تكن قد سقطت بالتقادم او بسبب اخر.
كما انه وحثى نضطر النيابة العامة لمتابعة الدعوى العمومية بعد مبادرة المجني عليه بمسطرة الاستدعاء المباشر أو تكوين الطرف المدني، فغنها تبقى لها كامل الحرية في تكييف الوقائع، ولا شيء يلزمها باعتماد التكييف الذي يؤسس عليه الطرف المدني طلباته.

الفقرة الثانية: حدود استقلال النيابة العامة

مما سبق يمكن القول بان المشرع قد أولى عناية خاصة لمؤسسة النيابة العامة بالنظر الىطبيعة وظيفتها وسلطتها باعتبارها عنصرا قابلا وجوهريا في لقامة الدعوى العمومية ولذلك فإن المشرع وان حافظ على الدور التقليدي للنيابة العامة فإنه أضاف لها مهام جديد بمقتضى مجموعة من التعديلات كان اخرها في سنة 2011 بمقتضى القانون رقم 35-11 إلا انه قد أخضع مباشرة النيابة العامة لهذه الصلاحيات لرقابة قضاء الموضوع، وهي تكون إما رقابة قبلية أو رقابة بعدية وهذا علاوة على الرقابة القضائية التي منحت صلاحية مباشرتها لقاضي تطبيق العقوبات.
أولا: الرقابة القضائية على عمل النيابة العامة
نميز في هذا الاطار بين الرقابة القبلية التي تتم قبل ممارسة الاجراءات والتي تمارس غالبا عن طريق الاذن والإشعار أو رقابة بعدية عن طريق الاحالة أو بناء على طلب.
1ـ الرقابة القبلية
يقصد بالرقابة القبلية كما سبق وأن مر بنا تلك الرقابة التي تكون قبل ممارسة النيابة العامة لصلاحيتها الجديدة وهي كما قلنا إما عن طريق الاذن أو عن طريق الاشعار.
وهكذا يعتبر الاذن مسطرة تمكن قضاء الموضوع من ممارسة رقابته على أعمال النيابة العامة قبل ممارسة الاجراء.
و كأمثلة على ذلك نجد ما نصت عليه المادة 108 من قانون المسطرة الجنائية في فقرتها الثالثة، حيث خول المشرع المغربي للوكيل العام للملك إذا اقتضت ذلك ضرورة البحث أن يلتمس كتابة من الرئيس الاول لمحكمة الاستئناف اصدار أمر بالتقاط المكالمات الهاتفية المنجزة عن بعد.
فتكمن هذه الرقابة إذن في ذلك الملتمس الذي يقدم من طرف الوكيل العام للملك الى الرئيس الاول لمحكمة الاستئناف لإصدار أمر بالتقاط المكالمات الهاتفية، ولعل السبب الذي جعل المشرع يخول هذه الرقابة لقضاء الموضوع يكمن في حرصه على احترام الفصل 11 من الدستور الذي ينص على أنه "لا تنتهك حرمة المراسلات" ولهذا جعل هذا الاذن ضمانة كبيرة لسرية الاتصالات إذ يتأكد الرئيس الاول من أن ضرورة البحث تقتضي ذلك وان الامر يتعلق بإحدى الجرائم الواردة في المادة 108 من قانون المسطرة الجنائية، كالجرائم التي تمس أمن الدولة والنظام العام كجرائم الارهاب والمخدرات.
و تدر الاشارة الى أنه حثى في الحالة التي يسمح فيها المشرع للوكيل العام للملك في حالة الاستعجال القصوى بصفة استثنائية ان يأمر بالتقاط المكالمات الهاتفية وذلك للحيلولة دون اندثار وسائل الاثبات فغنه يجب على الوكيل العام للملك أن يشعر فورا الرئيس بالامر الصادر عنه، هنا إذن تكمن الصورة الثانية التي تستلزم ضرورة إشعار الرئيس الاول الذي يصدر خلال أربع وعشرين ساعة مقررا بتأييد أو تعديل قرار الوكيل العام للملك.
و لا يكون هذا المقرر الصادر عن الرئيس الاول قابلا لأي طعن.
2ـ الرقابة البعدية
تتجلى صورة هذه الرقابة في الصلاحيات المخولة للنيابة العامة في المجالات الاتية:
أـ رقابة قضاء الموضوع لعمل النيابة العامة في الاشراف على الصلح
من الصلاحيات الحديدة التي أنيطت بالنيابة العامة نجد الاشراف على الصلح بين الخصوم، وذلك يمقتضى المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية حيث أن وكيل الملك هو الذي أنيطت به سلطة الاشراف على الصلح من خلال محضر يتضمن من اتفق عليه الطرفان واشعارهما أو دفاعهما بتاريخ جلسة المشورة ثم بعد يتم احالة المحضر على رئيس المحكمة الابتدائية لييقوم بالتصديق عليه بغرفة المشورة وذلك بحصور النيابة العامة أو دفاعهم بموجب أمر قضائي لا يقبل أي طعن.
و ذلك بكون المشرع قد تبنى مبدأ الصلح كأسلوب مرن لفض النزاعات وسد باب الشقاق بصفة نهائية، وجعل ذلك تحث إشراف النيابة العامة الا أنه قد أخضعها لرقابة القضاء سواء على المستوى الشكل أو على مستوى الموضوع.
فعلى مستوى الشكل، يراقب رئيس المحكمة أو من ينوب عنه مدى احترام الشكليات التي حددتها الفقرة الثانية من المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية والمتمثلة في:
ـ التحقق من هوية الاطراف أو دفاعها ما لم يتنازلا عنه.
ـ توقيع وكيل الملك والاطراف على محضر الصلح.
ـ إشعارها بتاريخ جلسة غرفة المشورة.
و على مستوى الموضوع، يراقب رئيس المحكمة ما إذا كان الصلح قد انصب على الجرائم المحددة في المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية أم لا ؟ ثم يراقب ما اتفق عليه الطرفان لأنه لا يجب أن يكون في اتفاقهما مساس بالنظام العام ويراقب مبلغ الغرامة كما يراقب أجال تنفيذ الصلح.
ب ـ رقابة قضاء الموضوع لأمر النيابة العامة بارجاع الحالة الى ما كنت عليه
أعطى المشرع النيابة العامة من خلال المواد 40و49 من قانون المسطرة الجنائية صلاحية ارجاع الحيازة الى الاشخاص الذين كانت لديهم بموجب حكم قضائي ثم انتزعت منهم بفعل اعتداء جرمي بعد تنفيذ الحكم باسترداد الحيازة وهو إجراء سيكون من شانه تلافي استقرار أثر الجريمة قائما في انتظار صدور حكم قد تطول اجراءاته غير أن هذه السلطة التي منحها المشرع للنيابة العامة قد أحاطها بضمانة أساسية جسدها في الرقابة القضائية، إذ لا بد من أن يعرض الامر على المحكمة أو هيئة التحقيق التي رفعت اليها القضية أو التي سترفع اليها خلال ثلاثة أيام الاكثر لتأييده أو تعديله أو إلغائه.
ثانيا: الرقابة القضائية على عمل النيابة العامة من خلال مؤسسة قاضي تطبيق العقوبات
يعتبر قاضي تطبيق العقوبات من المؤسسات الجديدة التي جاء بها القانون الجديد بحيث أنه لم تكن هناك من قبل أي مقتضيات تهم قاضي تطبيق العقوبة.
و لعل العلة من اقراره لهذه المؤسسة تكمن في رغبته في اضفاء الصبغة القضائية على تنفيذ العقوبات وجعلها تحث المراقبة وذلك حفاظا على حرية الأفراد وتجدر الاشارة أيضا الى أنها مؤسسة مقتبسة من القانون الفرنسي الذي تتمتع فيه بأهمية خاصة، إذا علمنا ان لها دور اقتراحي فقط كتقديم مقترحات حول الافراج المقيد بشروط العفو، وتتبع تنفيذ العقوبات المحكوم بها من طرف المحاكم وتتبع مدى تطبيق القانون المتعلق بتنظيم المؤسسات السجنية.
هكذا إذن يتضح من بعض الصلاحيات المشار اليها أعلاه أن السلطات التي كانت تتمتع بها النيابة العامة وتباشرها بصفة منفردة دون مراقبة أي جهة أصبحت الان تمارس تحت رقابة قاضي تطبيق العقوبات.

خاتمة
إن المشرع ولئن كان قد عزز دور النيابة العامة التقليدي ووسع صلاحيتها وكرس امتيازها على حساب قضاء التحقيق، فإنه قد حد من سلطتها فيما يتعلق بعلاقتها مع قضاء الحكم إذ يلاحظ أن المشرع لم يمكن النيابة العامة بآليات جديدة وصلاحيات واسعة وجعلها بيده على سبيل الإطلاق، بل قيدها برقابة القضاء الذي يرجع له القول الأخير في إقرار ما اتخذته النيابة العامة من إجراءات أو إلغائها، فلقد رأينا أن الصلح المنصوص عليه في المادة 41 لا يتم ولو سعت إلى ذلك النيابة العامة إلا بعد مصادقة رئيس المحكمة محضر الصلح كما أن إيقاف سير الدعوى العمومية يقرره قضاء الحكم ولا تملك النيابة العامة طلب ذلك إلا بناء على معطيات محددة ورأينا كذلك أن إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه في انتزاع الحيازة رهين بإقرار القضاء أيضا وإلا اعتبر ما قررته كأن لم يكن.
-------------------------------------------------
هوامش:
[1] أـ عبد الوهاب حومد، الموجز في المسطرة الجنائية المغربية، مكتبة التومي، الرباط، ص04.
[2] - ولها ايضا أدوار مهمة حتى أمام المحاكم المدنية نص عليها المشرع في الفصول 8و9و04 من ق.م.م, بل أكثر من ذلك جعل المشرع الغربي النيابة العامة طرفا أصليا في جميع القضايا الرامية إلى تطبيق نصوص المدونة.
[3] - الفصل 2 من ظهير التنظيم القضائي, والمادة 99 من ق.م.ج.
[4] - الفصل 08 من ق.م.ج والفصل 6 من ظهير التنظيم القضائي.
[5] - إلا إذا وجدت مقتضيات مخالفة تمنع عليه ذلك, كما هو الحال بالنسبة لما يسمى بالامتياز القضائي الذي أفرد له المشرع بابا خاصا.
[6] -الفصول 29 و20 من قانون العدل العسكري.
[7] - عبد الحق الذهبي, الأدوار والمهام الجديدة المسندة للنيابة العامة في ضوء قانون المسطرة الجنائية الجديد.
[8] - الظهير الشريف بمثابة قانون الصادر في 00 يوليوز 0990.
[9] - لطيفة الداودي,"دراسة في قانون المسطرة الجنائية وفق أخر التعديلات" الطبعة الخامسة، 2402، ص 069
[10] - الفصول 0, 9, 00 من الظهير السابق.
[11] - عبد الحق الذهبي,مرجع سابق.
[12] - المادة الأولى من قانون الإجراءات الجزائية المصري.
- لم ينص المشرع صراحة على هذه الخاصية, على عكس بعض التشريعات المقارنة كالتشريع الكويتي الذي نص في المادة 79 من قانونتنظيم الجزاء الكويتي على أن "النيابة العامة لا تتجزأ وأي عضو من أعضائها يقوم مقام الآخر إلا إذا نص القانون على ذلك ".
[13] عبد الوهاب حومد، الوجيز في القانون المسطرة الجنائية المغربية.م س ص 00.
[14] - عبد الواهب حومد, الوسيط في شرح قانون الإجراءات الكويتي, ص 68
[15] - المادة 04 من قانون المسطرة الجنائية بالنسبة لوكيل الملك والمادة 09 بالنسبة للوكيل العام للملك.
[16] - كجرائم الجلسات المنصوص عليها في المادة 269 من ق.م.ج.
[17].
[18] عبد الواحد العلمي" شرح قانون الجديد المتعلق بالمسطرة الجنائية" الجزء الاول، الطبعة الرابعة، 2400، مطبعة النجاح الجديدة، ص 94،
[19] -الدكتور عبد السلام بنحدو" الوجيز في شرح المسطرة الجنائية المغربية," الطبعة الثالثة 0999، ص 020.
الدكتور عبد الوهاب حومد, مرجع سابق, ص 92 و99.
[20] -راجع الدكتور عبد الواحد العلمي, مرجع سابق، ص 90.
[21]، ص 044.
[22] احمد قليش، ماجيدي السعدية، سعاد حميدي، محمد زنون "الشرح العملي لقانون المسطرة الجنائية" مكتبة المعرفة، مراكش، الطبعة الثالثة
[23] -الدكتور عبد الواحد العلمي, مرجع سابق, ص 96.
[24] عبد السلام بنحدو، م س، ص 020.
[25] أحمد قيلش، مجيدي السعدية، سعاد حميدي، محمد زنون.م س، ص 99.
[26] أحمد قيلش، مجيدي السعدية، سعاد حميدي، محمد زنون.م س، ص 98.
[27] عبد الوهاب حومد، الموجز في المسطرة الجنائية المغربية، م س ص 74
[28] جاء لقرار لمحكمة التمييز السورية بأنه" ولما كان من حق النيابة العامة أن تستأنف الحكم لخلال تراه، ولو جاء وفق لطلبتها إذ أنها لا تتقيد مطلقا بطلبها السابق، بل لها أن ترجع عنه الى غيره إذا ما بد لها وجود مصلحة قانونية في الرأي الثاني المعاكس" (أورده الحكم عبد الوهاب حومد مرجع سابق ص 92).
[29] ـ قد تكون الشكاية شرطا لازما للمتابعة ( كجريمة إهمال الأسرة وجريمة الخيانة الزوجية واجريمة السرقة المرتكبة ضد الأصول).
[30] المادة 299 البند الثاني من المادة 994
[31] عبد الواحد العلمي"شرح قانون المسطرة الجنائية" م س، ص 966.
[32] عبد الواحد العلمي المرجع السابق، ص 968.
[33]عبد الوهاب حومد" الوجيز في المسطرة الجنائية المغربية" م س، ص 99.
[34]المراد من 289 الى 292 من قانون المسطرة الجنائية.
32 [35] المادة 29 من قانون المسطرة الجنائية التي تقضي"يجب على ضباط الشرطة القضائية أن يحرروا محاضر بما أنجزه من عمليات وأن يخبروا وكيل الملك أو الوكيل العام للملك المختص فورا بما يصل الى علمهم من جنايات وجنح.
يجب على ضابط الشرطة القضائية بمجرد انتهاء عمليتهم، أن يوجهوا مباشرة الى وكيل الملك أو الوكيل العام للملك أصول المحاضر التي يحررونها مرفقتا بنسختين منها مشهود بمطبقتهما للأصل، وكذا جميع الوثائق والمستندان المتعلقة بها.
توضع الأشياء المحجوزة رهن إشارة وكيل الملك أو الوكيل العام للملك.
يجب أن تشير المحاضر الى أن لمحررها صفة ضابط الشرطة القضائية.
[36] تنص المادة 0 من قانون المسطرة الجنائية ب " تسقط الدعوة العمومية بموت الشخص المتابع، وبالتقادم وبالعفو الشامل، وبنسخ المقتضيات الجنائية التي تجرم الفعل، وبصدور مقرر اكتسب قوة الشيئ المقضي به.
و تسقط بالصلح عندما ينص القانون على ذلك.
تسقط أيضا بتنازل المشتكي عن شكايته، إذا كانت الشكاية شرطا ضروريا للمتابعة، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.
[37] أحمد قيلش، مجيدي السعدية، سعاد حميدي، محمد زنون.م س، ص 000.
[38] نفس المقتضى نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 99 من قانون المسطرة الجنائية والتي تقضي ".... تقوم النيابة العامة باشعار الوكيل القضائي للمملكة بالمتابعات المقامة في حق القضاة أو الموظفين أو الأعوان التابعين للسلطة أو القوة العمومية وتشعر كذلك الادراة التي ينتمون اليها."
نفس المقتضى ينص عليه الفصل 700 من قانون المسطرة المدنية والذي يقضي" كلما كانت الطلبات تستهدف التصريح بمديونية الدولة أو إدارة عمومية أو مكتب أو مؤسسة عمومية للدولة في قضية لها علاقة لها بالضرائب والأملاك المخزنية، وجب ادخال العون القضائي في الدعوة والا كانت غير مقبولة".
و هي مؤسسة تابعة لوزارة المالية.و الوكيل القضائي للمملكة هو مصلحة تابعة لوزارة المالية أناط بها القانون مهمة تمثيل حق الدولة أمام القضاء للدفاع عن حقوقها.
[39] أحمد قيلش، مجيدي السعدية، سعاد حميدي، محمد زنون.م س، ص 002.
[40] -المادة 67 من قانون المسطرة الجنائية.
[41] -المادة 66 و80 من قانون المسطرة الجنائية.
[42] - عبد الواحد العلمي"شرح قانون المسطرة الجنائية" م س، ص 002.
[43] - عبد الواحد العلمي"شرح قانون المسطرة الجنائية" م س، ص 009.
[44] -انظر المادة 5 من القانون رقم 30. 03 المتعلق بمكافحة الارهاب
[45] تنص المادة 908 من قانون المسطرة الجنائية ب" تخول مسطرة تسليم المجرمين لدولة أجنبية الحصول من الدولة المغربية على تسليم متهم أو محكوم عليه غير مغربي يوجد في أراضي المملكة ويكون موضع متابعة جارية باسم الدولة الطالبة أو محكوم عليه بعقوبة صادرة من احدى محاكمها العادية.
غير أن التسليم لا يقبل الا إذا كانت الجريمة التي يستند عليها الطلب قد ارتكبت:
ـ إما بأرض الدولة الطالبة من طرف أحد مواطنيها أو من شخص أجنبي.
ـ وإما خارج أراضيها من أحد مواطنيها.
ـ وإنما خارج أراضيها من أجنبي غير مغربي، إذا كانت الجريمة المنسوبة اليه تدخل في عداد الجرائم التي يوجز التشريع المغربي اجراء متابعة في شأنها بالمغرب ولو ارتكبها أجنبي في الخارج.
بالاضافة الى المواد 909 الى 907.
[46] -المادة 4 من قانون المسطرة الجنائية.
[47] عبد الوهاب حومد" م س، ص89.
[48] -المادة 40 و49
[49] احمد قيلش، مجيدي السعدية، سعاد حميدي، محمد زنون، م س ص 007.
[50] د.عوض محمد عوض" المبادئ العامة لقانون الاجراءات الجنائية" دار المطبوعات الجامعية، 0999، ص 090.
[51] د.الحبيب بهي"شرح قانون المسطرة الجنائية الجديد" الجزء الثاني، دار النشر المغربية، الطبعة الاولى، 2446، ص 90.
[52] د.عوض محمد عوض" المبادئ العامة لقانون الاجراءات الجنائية" م س، ص 99.
[53] تنص المادة 997 من قانون المسطرة الجنائية أنه " يجوز للنيابة العامة في سائر الاحوال التي ترتكب فيها مخالفة يعاقب عليها القانون بغرامة مالية فقط ويكون ارتكابها مثبت في محضر أو تقرير ولا يظهر فيها متضرر أو ضحية أن تقترح على المخالف بمقتضى سند قابل للتنفيذ أداء غرامة جزافية تبلغ نصف الحد الأقصى للغرامة المنصوص عليها قانونا.
[54] - راجع المواد 999؛998؛999؛984 و980 من قانون المسطرة الجنائية
[55] يمكن للقاضي في الجنح التي يعاقب عليها القانون بغرامة فقط لا يتجاوز حدها الاقصى 7444 درهم ويكون ارتكابها مثبتا في محضر أو تقرير ولا يظهر أن فيها متضررا، أن يصدر استنادا على ملتمس كتابي من النيابة العامة أمرا يتضمن المعاقبة بغرامة لا تتجاوز نصف الحد الأقصى المقرر قانونا، وذلك بصرف النظر عن العقوبات الاضافية والمصاريف ورد ما يلزم رده.
يكون هذا الامر قابل للتعرض أمام نفس المحكمة داخل أجل 04 أيام من تبليغه وفقا لمقتضيات المادة 948 أعلاه. ويكون الحكم الصادر بعد التعرض قابل للإستئناف.
و في حالة تعرض المتهم، يصبح الأمر الصادر غيابيا كأن لم يكن وتبث المحكمة وفق القواعد العامة.
[56] المادة 49 من قانون المسطرة الجنائية المغربية.
[57] - 49 من قانون المسطرة الجنائية.
[58] - المادة 108 من قانون المسطرة الجنائية.
[59] - 32 /7 من قانون المسطرة الجنائية.
[60] المادة 049 من قانون التنظيمي المتعلق للمجلس الاعلى للسلطة القضائية رقم 044009.
[61] - هشام العماري، مجرد رأي لتقديم وثيقة المطالبة باستقلال النيابة العامة.
[62] طبقا للفصل 049 من الدستور المغربي ب"السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية.
الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية".
[63] - محمد عبد الغريب، مرجع سابق، ص.: 267.
[64] -انظر هذا الرأي عند محمد عياط، دراسة في المسطرة الجنائية المغربية، ج 0، الطبعة 0، سنة 0990، ص.:90.
[65] - محمد عبد الغريب، مرجع سابق، ص.: 069 -094.
[66] ـ أنظر في هذا الشأن محمد الادريسي العلمي المشيشي، المسطرة الجنائية، الجزء الاول، المؤسسات القضائية، منشورات جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائئية، طبعة 0990 ص 69.
[67] أورده محمد عياط، مرجع سابق ص 92.
[68] أنظر في هذا الشان عبد العزيز حضري، القانون الخاص، مطبعة الحيوز، وجدة، الطبعة الثالثة، 2442، ص 02.
[69] في هذا الشأن عبد العزيز حضري، مرجع سابق ص 02.
[70] أنظر في هذا الشأن عبد القادر، حول استقلال القضاء والدفاع بالمغرب، مجلة القانون والاقتصاد.كلية الحقوق فاس، عدد 6 0994 ً، 60.
[71] عبد العزيز الحضري، القانون الخاص، مرجع سابق، ص 09.
[72] عبد العزيز حضري، القانون الخاص، مرجع سابق، ص 09.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -