Header ADS

اخر الأخبار

مبادئ المحاكمة العادلة في المسطرة التأديبية

مثال بعنوان: مدى تأثير مبادئ المحاكمة العادلة على المسطرة التأديبية

مثال بعنوان: مدى تأثير مبادئ المحاكمة العادلة على المسطرة التأديبية PDF

مقدمة:
يعتبر الموظف في مرافق الدولة في وضعية نظامية اتجاه الإدارة ، ومن ثمة تقع عليه عدة التزامات إدارية أو وظيفة منها ما يرتبط بالجانب الأخلاقي ومنها ما يرتبط بأداء الوظيفة المسندة إليه، فالجانب الأول يوجب على الموظف أن يتحلى بأخلاق مثالية من شأنها أن تصون كرامة الوظيفة أو الجهاز الإداري الذي ينتمي إليه كأن لا يضع نفسه موضع الريبة والشبهات. والجانب الثاني من هذه الالتزامات يقتضي القيام بالعمل وفقا للضوابط القانونية المعمول بها، وأن يحترم رؤساءه وألا يفشي الأسرار الوظيفية التي تصل لعلمه بحكم وظيفته، وأن يحافظ على الأموال العمومية التي يعهد بها إليه وذلك باحترام القواعد والأحكام المالية التي تنظم النفقات العمومية[1].
من هنا يمكننا التساؤل حول الضمانات التي حولها المشرع للموظف من أجل الدفاع عن حقوقه، وكذا إسهامات القضاء لسد الفراغ القانوني خلال سريان المسطرة التأديبية ضد الموظف؟
إن الحديث عن مبادئ المحاكمة العادلة في مجال التأديب ، وما لهذه الأخيرة من دور هام في إرساء مبدأ الانضباط الواجب توافره لتمكين الإدارة من الاطلاع بما يناط من دور لتحقيق الصالح العام فهو بمثابة وسيلة للعقاب ، جزاءا لما ثبت في حقه من أفعال تشكل مخالفات تأديبية بغرض مواجهة سلوك منحرف سلوك منحرف يشكل خروجا على مقتضيات الواجب وتهديدا لمبدأ حسن سير المرافق العامة ، و الهيئات المستقلة بانتظام واطراد.
وإذا كان مبدأ فاعلية العقوبة التأديبي يتجه نحو تقوية سلطات الهيئة التأديبية تحقيقا لمصلحة الجهاز فإن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب ضمانات الشخص المتابع تأديبا ، كيف ما كان ولأي جهة هو تابع ,حيث تشكل تلك الضمانات حقوقا لهم ، تقابل سلطات الإدارة الواسعة ومن ثم ضمان محاكمة عادلة دون انحياز أو تفريط .
وفي إطار إرساء دعائم مبدأ المشروعية ، فقد قام القاضي بجهد كبير في توفير ضمانات التأديب ، وذلك باستخلاصها من المبادئ العامة للقانون سدا للنقص التشريعي في هذا الشأن وقد كان جهد القضاء منصبا على الضمانات المقرة للمتهم في المساءلة التأديبية المتمثلة في مواجهته بما نسب إليه من مخالفات ، مع تمكينه من إبداء دفاعه ،في ظل حياد تام من السلطة التأديبية ، الذي يكون بوسعها عقابه في حالة ثبوت إدانته بارتكاب الفعل المخالف للقانون المعني به ،وتابعا لتلك الضمانات , فإن بوسع من صدر ضده قرار أو حكم تأديبي التظلم منه إداريا أو الطعن عليه قضائيا حسب الأحوال.
إن موضوع مبادئ المحاكمة العادلة ,له مكانة مركزية للإبراز القواعد المدعمة للضمانات الحمائية للشخص المتابع تأديبيا كما أن طبيعة الإشكاليات الواقعية التي يشوكها الأشخاص من نظام التأديب ، ودور القضاء في تحقيق المعالجات الضرورية في تدخلاته تجعل للموضوع أهمية عملية كبيرة .
وانطلاقا من الأهمية العلمية ، فسوف يعالج الموضوع إشكالية الامتداد في تماثل مبادئ المحاكمة العادلة بين النص القانوني و الإطار الواقعي المتجلي في تدخلات القاضي الإداري المغربي ، وكذا بعض التجارب المقارنة ،ذلك عبر التماس تقيم لها (التدخلات ) ومدى مساهمتها في تكريس ضمانات ومبادئ المحاكمة العادلة.
و للوقوف أكتر حول المبادئ ارتأينا أن نقسم هذا الموضوع إلى مبحثين:

المبحث الأول : مبادئ المحاكمة التأديبية السابقة للمجلس التأديبي بين التشريع والقضاء.
المبحث الثاني : المبادئ المواكبة لعقد المجلس التأديبي

المبحث الأول : مبادئ المحاكمة التأديبية السابقة للمجلس التأديبي بين التشريع و القضاء .

يشترط توافر مجموعة من المبادئ التأديبية في المرحلة السابقة لتوقيع الجزاء حماية للشخص المؤدب من كل تعسف , وهذه المبادئ التي أقرها المشرع (المطلب الأول) وكرسها القاضي الإداري في العديد من الأحكام و القرارات (المطلب الثاني) تعتبر من المبادئ العامة و الرئيسية التي ينبغي احترامها تحقيقا لمحاكمة عادلة.

المطلب الأول : المبادئ السابقة لعقد المجلس التأديبي

الفقرة الأولى: مبدأ التواجهية

يقصد بالمواجهة لإخطار الموظف أو أي شخص مؤدب بما ينسب إليه من تهم قصد الإدلاء بأوجه دفاعه[2] وحتى يكون الإخطار مجديا يجب إعطاء المؤدب مهلة كافية حتى يستطيع أن يقدم ملاحظاته وكذا اطلاعه اطلاعا كاملا على جميع أوراق و مستندات ملفه الإداري.
ومبدأ المواجهة ضمنته جميع الأنظمة التأديبية فمثلا خص الفصل 66 من قانون الوظيفة العمومية رغم أنه خول للإدارة التي لها حق التأديب توقيع عقوبة الإنذار و التوبيخ دون استشارة المجلس التأديبي فقد ألزمها باحترام مبادئ المواجهة كوجوب إحاطة الموظف بالتهم المنسوبة إليه , أو السماح له أو توكيله بالاطلاع على أوراق الملف وكذا وجوب إجراء التحقيق بحضور المتهم و نفس الأمر أكدته المادة 65 من القانون الفرنسي حيث يحق لكل موظف يتعرض لإجراءات تأديبية حق الاطلاع على الملف[3].
ونفس المبدأ ضمن الفصل 384 من الظهير المنظم لمهنة الصيدلة لسنة 1976.
ويبتدأ مبدأ المواجهة بإعلان الشخص المؤدب ومواجهة بما ارتكب من تصرفات مخالفة و بالتهم المنسوبة إليه , وحقه بالاطلاع على ملف وقد تطور هذا المبدأ في مجال التأديب حتى أصبح من المبادئ العامة للمحاكمة العادلة المشتركة بين مختلف الأنظمة التأديبية .
أولا: إعلام المتهم
يعتبر إعلام المؤدب أو الشخص المتهم بالتهم المنسوبة إليه إجراء جوهريا .وتوجب معظم التشريعات أن يكون بخطاب موصى عليه مع علم الموصول للتأكد من إتمام هذه الإجراءات و أن إغفال هذا الإجراء قد يترتب عيبا شكليا يؤدي إلى بطلان القرار التأديبي .
الفقيه Delaubadère فإنه يعتبر أن قاعدة حق الدفاع تعطي الحق للعني بالأمر في أن يكون على علم بكل تدبير مزمع اتخاذه، وكذا أسبابه ليتسنى له تقديم دفاعه[4].
أما الأستاذ محمد الأعرج فيعرف قاعدة المواجهة بأنها ذلك التصرف الذي توجه الإدارة بمقتضاه إشعارا إلى المعني بالأمر لإخباره رسميا، بالإجراء الذي تنوي اتخاذه في حقه[5]. بمعنى ضرورة أن تحيط الإدارة المعني بالأمر بما تنوي اتخاذه في مواجهته بهدف تدارك الموقف وتصحيح وضعه وإعداد دفاعه.
ففي فرنسا لم يشترط مجلس الدول الفرنسي شكلا معينا للإعلان بل اكتفى بأن ينبه الموظف إلى الإجراء التأديبي الذي سيتخذ ضده .
وحتى في المغرب فالأصل أن هذا الإخطار و إنما يكفي إخطار المعني بأي وسيلة تمكنه من العلم بطريقة لا لبس فيها بأهداف الإدارة و المطاعن الموجهة ضده علما أنه في حالات عديدة يتم تطبيق قاعدة الإخطار المسبق من خلال نماذج عديدة منها , الخطابات الموصى عليها المصحوبة بالعلم اليقيني الشخصي أو غيرها من الوسائل التي تقدر الإدارة مدى تناسب إتباعها ,وفي حالات يتخذ الإخطار شكل رسالة مكتوبة موجهة من السلطة التأديبية إلى المعني بالأمر , إلا أنه ليس هناك ما يمنع أن يتخذ الإخطار شكل برقية تلغرافية أو مكالمة هاتفية طالما كان ذالك ممكنا , وأيا كان شكل الإخطار يتعين أن يتضمن العناصر الكافية لتحقيق العلم بالإجراء , فا قضاء الإداري لا يتردد في إلغاء القرارات التأديبية الصادرة بمخالفة الإخطار المسبق [6] .
ويجب أن تكون المهلة الفاصلة بين انعقاد المجلس وتاريخ الاستعداء كافية لإعداد دفاع المعني بالأمر, كما تلتزم السلطة التأديبية بتوجيه استفسار للمتبع تأديبيا قصد الإدلاء بجميع البيانات والتوضيحات و الوثائق المبررة للمخالفات المؤاخذ ة عليه قبل إقدامها على توقيع العقوبة التأديبية و عموما فهذا الإخطار مبدأ جوهري يتيح للمهم تقدير خطورة موقفه وتهيئة نفسه للدفاع و إثبات براءته فيما يتعلق بموضوع الاتهام الموجه إليه , فهو من المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة .
ثانيا : حق الاطلاع على الملف.
يمثل حق لاطلاع على الملف التأديبي وما يحتوي عليه من أوراق إحدى الضمانات الجوهرية المقررة تأديبيا [7] .فمثلا في مجال الوظيفة العمومية يؤكد الفصل 67 من قانون الوظيفة العمومية على ضرورة تمكين المتابع من الاطلاع على الملف التأديبي بما يحتويه من أوراق ,وتحقيقات , وأدلة و مستندات تتعلق بالاتهام الموجه إليه.
وفي فرنسا نصت على هذا الحق التشريعات الصادرة سنة 1959 الخاصة بالموظفين و التي أصبح بموجبها للموظف المتهم حق الإطلاع على ملفه و على جميع الأوراق و الوثائق الملحقة به ,وله حق الاطلاع ملف الدعوى التأديبية حتى دون وجود نص .
وهو نفس المبدأ يؤكد النظام التأديبي للقضاة من خلال نص الفصل 58 من النظام الأساسي لرجال القضاء الدين يؤكد على حق القاضي المتابع في الاطلاع على الملف و على جميع مستندات البحث باستثناء رأي المقرر.

الفرة الثانية: مبدأ حق الدفاع

يعتبر حق الدفاع من أهم الضمانات التي تمنح للمتابع , حقه في الدفاع لإتاحة الفرصة أمامه للرد على التهم المنسوبة إليه , حيث يتضمن كأصل عام تمكينه في إبداء الدفاع وأن يسمح له بالاستعانة بمحامي بالإضافة للإتاحة المجال لسماع أقوال من يتقدم بهم كشهود و الأصل أن إعطاء المتهم الفرصة لإبداء أقواله و تحقيق دفاعه والرد على التهم المنسوبة إليه يعد من الضمانات الهامة للمتابع تأديبيا لما يوفره من إمكانية لدرء التهم الموجهة إليه وإبراز ما لديه من أعذار وأسباب من شأنها أن تعفيه من المسؤولية أو تخفيف عنه العقوبة .
إذا كان مجلس الدولة الفرنسي قد كفل هذه الضمانة للموظف فقد سلك القضاء المصري والمغربي نفس المسار، حيث أصبحت المواجهة تعتبر من بين الأسس الجوهرية لضمان حق الدفاع[8]. ومن خلال منطوق الفصول من 65 إلى 75 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية المغربي نجدها لم تشر إلى قاعدة حق الإخطار المسبق، ومع ذلك تبقى قاعدة المواجهة أصلا من أصول حق الدفاع[9].
كما أن حق المتهم في توكيل محام من الضمانات الهامة المقررة للمتهم في مجال المساءلة التأديبية , فالمتابع له الحق في حضور الجلسة هو أو محاميه وله الحق في إبداء دفاعه شفاهة أو كتابة.
ومن الحقوق المستقر عليها أيضا حق المتابع في سماع شهادة الشهود و مناقشتهم و الاستشهاد بشهود الدفاع أو أي وسيلة أخرى من وسائل الإثبات ,باعتباره من مقتضيات حق الدفاع الواجبة الاحترام وفقا للقواعد والمبادئ المستقرة في إجراءات المحاكمة العادلة [10] .وهو ما أكده النظام التأديبي المتعلق برجال القضاء حيث أعطى للقاضي المتابع إمكانية الاستعانة بمحامي أو أحد زملائه للدفاع عنه .كما أعطت المادة 18 من النظام الأساسي للجامعة الملكية لسباق الدراجات المتابع إمكانية الدفاع عن نفسه و إثبات براءته أمام اللجنة التأديبية بمختلف الوسائل.
وفي فرنسا يحق للموظف المتهم الاستعانة بمحام أمام هيئات التحقيق و إبداء الرأي وذالك استنادا لما ورد في المرسوم رقم 51/311 الصادر في 24/02/1952 كما يؤكد القانون الفرنسي على أنه : "للموظف المتهم أمام مجلس التأديب أن يستشهد بالشهود هكذا يتضح أن مختلف الأنظمة التأديبية تلتقي أو تتقاطع في ضرورة احترام مبدأ المواجهة وحق الدفاع سواء كان منصوص على هذه احترام مبدأ المواجهة وحق الدفاع سواء كان منصوص على هذه المبادئ في أنظمتها الأساسية أو غير مدونة فجلها تسعى إلى ضمان مبادئ المحاكمة العادلة للشخص المؤدى من خلال الالتزام بمبدأ المواجهة بإعلام المخالف بالتهم المنسوبة إليه وإعطائه المهلة الكافية لإعداد دفاعه ثم حق في الاطلاع على ملفه , وكذا الالتزام بمبدأ حق الدفاع من خلال حقه في الحضور الشخصي أو بواسطة محاميه وكذا حريته في إثبات براءته سواء في طريق الشهود أو الإدلاء بمستندات أو أي وسيلة أخرى من الوسائل الإثبات و السلطة التأديبية تبقى خاضعة في مدى احترامها وتقيدها بهذه المبادئ لرقابة القضاء , فإلى أي حد استطاع القضاء ضمان احترام مبادئ المحاكمة العادلة[11].

المطلب الثاني : التكريس القضائي للضمانات التأديبية خارج إطار المجلس التأديبي

إن الاجتهاد القضائي لم يتوانى في إصدار قرارات و أحكام قيدت السلطة التأديبية وبسطت رقابتها على الإدارة إذ تصدت للعديد من قرارات الإنذار و التوبيخ بالإلغاء لخرقها مقتضيات الفصل 66 من القانون أو لعدم ملائمة العقوبة مع الفعل المرتكب .
وقد أكد المجلس الأعلى على وجوب احترام ما نصت عليه المادة 66 إذ أن استفسار الموظف يعد إجراءا أساسيا لأنه لا يمكن إيقاع أي توبيخ أو إنذار ضد الموظف إلا بعد استفسار لهذا ذهبت الغرفة الإدارية على أن الرسالة التي وجهتها الطاعة إلى الجهة المختصة كانت مجرد شكاية جاءت قبل أن تكون هناك أي مسطرة تأديبية فلا تعتبر بيانا عما نسب إليها ويكون القرار المطعون فيه الذي اعتبرها البيان الذي يقرره الفصل 66 متسما بالشطط في استعمال السلطة [12] ,فعلى الإدارة قبل اتخاذ أي إجراء ضد الموظف أن تحيطه بما تنوي اتخاذه في مواجهته وفق الفصل 66.
فالقضاء لم يتوان قط في إلغاء قرارات الإدارة التي لم تحترم تطبيق مقتضيات هذا الفصل ، ففي قرار للمجلس الأعلى اعتبر أن عدم ثبوت تبليغ الإنذار بالعودة إلى الوظيفة ... يجعل الاحتجاج بمقتضيات الفصل 75 من قانون الوظيفة العمومية بدون محل[13].
وقد اتجهت المحكمة الإدارية بمكناس في حكمها الصادر بتاريخ 1996/3/12 إلى أنه بمراجعة وثائق الملف تبين أن الجهة المدعى عليها قامت بتوقيع عقوبة الإنذار على المدعي دون استفساره حول المنسوب إليه ودون الإدلاء ببياناته ، و بهذا تكون قد خرقت القانون و حرمت المدعي من إحدى الضمانات الأساسية ، الأمر الذي يجعل قرارها صدر مخالفا للشكليات اللازم احترامها في مسطرة التأديب[14].
وقد اتجهت المحكمة الإدارية بمكناس في حكمها الصادر بتاريخ 1996/3/12 إلى أنه بمراجعة وثائق الملف تبين أن الجهة المدعى عليها قامت بتوقيع عقوبة الإنذار على المدعي دون استفساره حول المنسوب إليه ودون الإدلاء ببياناته ،و بهذا تكون قد خرقت القانون و حرمت المدعي من إحدى الضمانات الأساسية ، الأمر الذي يجعل قرارها صدر مخالفا للشكليات اللازم احترامها في مسطرة التأديب.
وقد أكد المجلس الأعلى حق الموظف في استفساره قبل إيقاع الجزاء التأديبي عليه في قرار الغرفة الإدارية الصادر 98/11/26 في قضية خدراني حسن ضد وزارة التعليم التي أصدرت في حقه قرار التوبيخ مؤيدة حكم إدارية وجدة اعتمادا على الحيثيات التالية: "وحيث أن الحكم المطعون فيه عندما بنى قضاءه على كون الملف خاليا مما يفيد توجيه استفسار المعني بالأمر قبل اتخاذ العقوبة في حقه يجعل القعاع مشوبا بالتّجاوز في استعماله السلطة و يكون هذا التعليل كافيا لتبرير منطوق حكمها بإلغاء العقوبة المتخذة.
و يعتبر الإشعار بالمخالفة إجراء جوهريا يترتب عن خرقه البطلان. وهذا ما أكدته إدارية وجدة في حكمها الصادر بتاريخ 2000/10/31. بالإضافة إلى ضمانة الإشعار بالمخالفة المنسوبة إليه يتمكن الموظف المتابع تأديبيا من الإطلاع على الملف التأديبي و إعداد الدفاع، وهذا ما ذهبت إليه المحكمة الإدارية بالرباط في حكمها الصادر بتاريخ 1989/3/17 حيت أن منع محامي الطاعن من الإطلاع على ملفه الإداري دعوى أنه سري و دون أن يمكن هذا الأخير من أن يدافع عن نفسه معززا في هذا الشأن بمساعدة المحامي الذي اختاره لهذه المهمة يشكل إخلالا جوهريا بحقوق الدفاع[15].
نفس الاتجاه سارت عليه المحكمة الإدارية بالبيضاء في حكم لها بتاريخ 2008/02/18 [16]حيت اعتبر ضمان حق المتهم تأديبا في الدفاع عن نفسه يقتضي تمكينه دفاعه و منحه أجلا كافيا و مقبولا لتحضير دفاعه بصفة شخصية أو بواسطة محامية و أن عدم احترام ذلك يشكل إخلالات بالضمانات الأساسية و يعرض القرار التأديبي للإلغاء.
كما أن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى بتاريخ 1989/11/26 ذهبت إلى أن الحكم المطعون فيه [17] عندما بنى قضاءه على كون الملف خال مما يفيد توجيه استفسار للمعني بالأمر قبل اتخاذ العقوبة في حقه يجعل القرار مشوبا بالتجاوز في استعمال السلطة و يكون هذا التعليل كافيا لتبرير منطوق حكمها القاضي بإلغاء العقوبة المتخذة مادام حق الدفاع قبل اتخاذ أي عقوبة بالموظف من الحقوق الأساسية و الجوهرية التي لا يمكن التغاضي عنها.
فقاعدة وجوب إعطاء الفرصة للموظف من أجل الإطلاع على ملفه التأديبي لم تقتصر على الموظف الخاضع لقانون الوظيفة العمومية بل شملت أيضا حثى المستخدمين و العاملين بمختلف الإدارات وكذا لموظفين الخاضعين لنظام خاص كما هو الشأن بالنسبة لرجال السلطة حسبما أكدت عليه الغرفة الإدارية في أحد قراراتها بتاريخ 1980/06/21 في قضية بلقاسم محمد.
و للإشارة فإن السيد الوزير الاول أصدر منشورا تحت عدد 96/1 بتاريخ 1996/02/01 حول تمثيل المحامين للموظفين المحالين على المجالس التأديبية أعطى من خلاله تعليماته لكافة الادارات لتقديم التسهيلات الضرورية للسادة المحامين الدين يؤازرون الموظفين أمام المجالس التأديبية وذلك تطبيقا لمقتضيات الفصل 67 من قانون الوظيفة العمومية و للاجتهادات القضائية التي تقر ضرورة احترام حقوق الدفاع.
إن المشرع و الاجتهادات القضائية قد خولا عدة ضمانات للموظف العمومي قبل توقيع الجزاء التأديبي عليه وكذلك انعقاد المجلس التأديبي فما هي الضمانات المخولة لهذا الاخير عند انعقاد المجلس التأديبي؟

المبحث الثاني : مبادئ المحاكمة التأديبية المواكبة لعقد المجلس التأديبي

إن الوظيفة العمومية هي خدمة وطنية شريفة تناط بالقائم عليها مجموعة من الواجبات يتحملها كمقابل للحقوق المعترف له بها، لاجتناب كل ما من شأنه أن يجعلهم مدخل العقوبات. هذا وإن قوانين الوظيفة العمومية تقرر بعض المقتضيات المحددة لواجبات الموظفين والمستخدمين. كما تقرر بعض الجزاءات التأديبية عن مخالفة الالتزامات الوظيفية التي قد تصل إلى درجة المساءلة الجنائية، وقد نص المشرع المغربي في الباب الثالث من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية[2] عن حقوق وواجبات الموظفين في الفصول 13 إلى 20، حيث ألزم الموظف باحترام سلطة الدولة والتقيد بشروط ممارسة الحق النقابي ومنع عليه ممارسة أي نشاط مهني يدر عليه مدخولا إلا بموجب قرار استثنائي، كما أوجب المشرع على الموظف كتمان السر المهني وأقر مسؤوليته خلال القيام بالأعمال والمهام المسندة إليه، وكل إخلال بالواجبات الأخلاقية والوظيفية المفروضة على الموظف في المرفق العام تشكل مخالفة تأديبية تعرضه للتأديب.
إذا كان للإدارة كامل الحرية في تحريك مسطرة تأديب الموظف عند إخلاله بواجباته المهنية، أو ارتكابه لفعل أو تصرف اعتبرته حسب سلطتها التقديرية خطأ، فإن ليس لها الحق في إحالة الموظف المتهم على المجلس التأديبي دون احترام مجموعة من المقتضيات.
من هذه الضمانات ما يهم اعضاء المجلس التأديبي الذي يجب أن يتوفر فيهم عنصر الحياد و أن يكون تشكيل الجهاز التأديبي بصفة قانونية ، ومن هذه الضمانات ما يرتبط بالقرار التأديبي الذي يجب أن يكون معللا وبأن يكون معتمدا عناصر واقعية وقانونية أدت لإدانة المتابع تأديبيا . وبالتالي فحديثنا عن هذه الضمانات يتم من خلال مطلبين رئيسيين نخصص المطلب الاول للتأسيس القانوني والقضائي للضمانات المواكبة للمجلس التأديبي على ان نتناول في المطلب الثاني التقييم النقدي لعمل المجلس التأديبي.

المطلب الأول : التأسيس القانوني و القضائي للضمانات المواكبة لعقد المجلس التأديبي

الفقرة الأولى: حياد اعضاء المجلس التأديبي

ويقصد بالحياد أن من يبدي رأيه يمتنع عليه الاشتراك للمجلس التأديبي فيها وذلك ضمانا لحياد القاضي أو عضو المجلس التأديبي الذي يجلس من المتهم مجلس الحكم وبين سلطة الاتهام حتى يطمئن إلى عدالة قاضية وتجرده من التأثر بعقيدة سبق ان كونها عن المتهم موضوع المحاكمة [18]. بمعنى أنه يجب على كل من يجلس مكان القاضي أن لا يكون قد كتب أو استمع أو تكلم عن القضية موضوع التأديب وهذا راجع إلى سبب واحد وهو صفاء نفسية الحكم من كل ما يمكن أن يكون لهذا القاضي رأي مسبق عن المتهم وبالتالي يكون هذا الأخير يعرف مصيره.فلا يجب الجمع بين أعمال التحقيق والاتهام وسلطة توقيع العقاب ، وهذا ما أكدته المحكمة الإدارية بالدار البيضاء في حكمها عدد 363 بتاريخ 20 يونيو 2001 حيث جاء فيه أنه من مقومات المحاكمة التأديبية ضرورة توفر عنصر الحياد في الجهاز التأديبي حتى يمكن الاطمئنان لقراره فحضور المسؤول الذي حرر التقرير التأديبي في مواجهة الموظف وكذا أحد الشهود على المخالفة الإدارية بصفتهم أعضاء في المجلس التأديبي يشكل مساسا بعنصر الحياد يستوجب إلغاء القرار التأديبي بسب مخالفة القواعد العامة للمحاكمات.
و إذا كان المشرع المغربي لم يتحدث عن هذا المبدأ خاصة في قانون الوظيفة العمومية وفي مرسوم رقم 200 53 2 الصادر في 5 ماي 1953 المنظم للجان الادارية المتساوية الأعضاء فانه ليس هناك ما يمنع من الاستئناس بمقتضيات الفصل 235 وما يليه من قانون المسطرة المدنية المنضم للتجريح وعلى هذا الاساس يكون عضو المجلس التأديبي ملزم بالتنحي عن حضور الجلسة التأديبية:
1- إذا كان له مصلحة شخصية في الملف التأديبي
2- إذا وجدت قرابة او مصاهرة بينه وبين المتابع تأديبيا
3- إذا قدم استشارة او ادلى بشهادة خلال إجراءات التحقيق
4- إذا وجدت صداقة او عداوة مشهورة بين احد اعضاء المجلس التأديبي.
و إذا علم أحد أعضاء المجلس التأديبي بوجود سبب من اسباب التجريح عليه أن يتنحى عن حضور المجلس ضمانا لمصداقية القرار التأديبي.
وقد ذهبت المحكمة الادارية بالرباط في احدى قراراتها[19] الى ترأس المفتش العام للمجلس التأديبي رغم انه هو الذي حرر محضر التفتيش المستند اليه في تأديب الطاعن جعل الرئيس المدكور خصما و حكما وأبعده عن الحياد و التجرد الذي كان يجب أن يتحلى به مما اضفى على القرار المطعون فيه صبغة عدم المشروعية المتجلية في فقدان الطاعن التي يوفرها القانون للموظف المتابع تأديبيا.
وقد سارت المحكمة الادارية بالدار البيضاء في احدى قراراتها في نفس التوجه السابق و اعتبرت ان مقومات المحاكمة التأديبية ضرورة توفر عنصر الحياد في الجهاز التأديبي حتى يمكن الاطمئنان لقراره [20] كما اعتبرت ادارية اكادير في حكم اخر ان "وجود نزاع شخصي بين الطاعن ورئيسه الاداري ، لا يثبت اي انحراف في السلطة بالنسبة للقرار الصادر عن الوزير بعد اقتراح المجلس التأديبي ، وهي سلطة لا تاتير للمدير على اعمالها لأنها مستقلة[21].
ونلاحظ مما سبق ان شروط الحياد في تشكيل المجلس التأديبي هو شرط ضروري وأساسي وقد حرص القضاء على احترامه وتكريسه في العديد من احكامه وقراراته وقد اشرنا الى بعضها سالفا.
وبالنسبة لمجلس الدولة الفرنسي اعتبر بان رئاسة المجلس التأديبي ينبغي ان تسند لعضو حيادي لا ضلع له في القضية المتابع فوها مرتكب الخطأ[22].
ومن مبادئ المحاكمة التأديبية العادلة ضرورة تشكيل المجلس التأديبي بصفة قانونية وشرعية بحيث يمنع قبول اي عضو داخله تقل درجته عن درجة الموظف المتهم وان يجتمع في الوقت المناسب للنضر في التقرير الكتابي الذي تقدمه الادارة المعنية بالأمر بصفة رسمية و الذي يحتوي على جميع الافعال المنسوبة للموظف.
ويتكون المجلس التأديبي من عدد متساوي من ممثلي الادارة وممثلي الموظفين العاملين في الادارة المعنية بالأمر ويوجد بجانب الاعضاء الاصليين اعضاء احتياطيون من نفس العدد.
وقد الغت الغرفة الادارية بالمجلس الاعلى في احدى قراراتها[23] عقوبة الطرد التي كان الطاعن موضوعا لها ، مستندا في دلك الى عدم قانونية تشكيل المجلس التأديبي حيت كان المجلس مركبا من ممثلين عن الادارة وممثل واحد من الموظفين الامر الذي يتنافى مع مبدأ المساواة المنصوص عليها قانونا .
كما اكدت المحاكم الادارية على ضرورة توفر عنصر التساوي في تشكيل المجلس التأديبي ، حيت قضت ادارية مراكش في احدى احكامها [24]إنه "ادا تبث ان لجنة التأديب ينقصها عنصر التساوي الذي يحرص المشرع على توفره لحقوق الموظفين ، فان ذلك يجعل القرار الاداري المرتكز على مداولات مشوبة بعدم الشرعية".
كما سبق الذكر كذلك انه لا يحق لموظف ذي رتبة اقل النضر في قضية تتعلق بتأديب موظف اعلى منه رتبة ، والإخلال بالمبدأ المدكور من شأنه ان يرتب عدم قانونية تشكيل المجلس التأديبي وبالتالي عدم مشروعية القرار التأديبي .
كما يتأكد القضاء من مراتب اعضاء المجلس التأديبي وتبعيتهم الرئاسية وقد ألغى المجلس في احدى قراراته عقوبة الطرد التي كان قد تعرض اليها المعني بالأمر معللا قراره بكون اللجنة الادارية المكونة للمجلس التأديبي كانت تضم احد المرؤوسين الامر الذي يؤدي الى امكانية تحيزه وخضوعه لتأثير خارجي.
وعلى عكس من دلك فان المحكمة الادارية بالبيضاء في احدى احكامها [25] ارتأت ان حضور ممثل الموظفين من درجة اعلى من درجة الموظف المتابع تأديبيا بدل الموظف الذي يمثل صنف الموظفين الدين ينتمي اليه الموظف المتابع في غياب اي ضرر لا يخل بالضمانات التي من اجلها سنت ضوابط تحديد ممثلي الموظفين في المجلس التأديبي بل انه يحقق زيادة في الضمانات .
وهكذا فان شروط التساوي في تشكيل المجلس التأديبي هو شرط ضروري وجوهري وقد حرص القاضى الاداري على وجوب احترامه في العديد من المناسبات كما سبق الذكر وان اي خروج عن مبدأ الشرعية الموجب للإلغاء من طرف القضاء الاداري .
كذلك من ضمانات المحاكمة التأديبية العادلة ضرورة تعليل القرار التأديبي ، إذ يجب أن تكون العقوبة معللة بمعنى إعلان الدافع وراء اتخاذ إجراءات تأديبية [26]، فيعتبر تعليل القرار الإداري من أهم ضمانات التأديب فهو العنصر القانوني أو الواقعي الذي يدفع بالإدارة لإصدار القرار التأديبي . فهو حالة واقعية ، وقانونية تحمل الإدارة على التدخل قصد إحداث أثر قانوني معين محل القرار ابتغاء تحقيق الصالح العام وهو هدف القرار ، فسبب القرار التأديبي هو ثبوت مخالفة الموظف أو العامل بمرافق الدولة للواجبات الأخلاقية والوظيفية المفروضة عليه ويكون تدخل الإدارة للمحافظة على كرامة الوظيفة أو القطاع الذي ينتمي إليه المتابع تأديبيا ويبين للموظف ما إذا كانت الأخطاء التي وقع العقاب على أساسها قد تمت مواجهته بها ،ومدى أخد السلطة التأديبية بما أبداه من دفاع ومدى التزام هاته السلطة بالاعتبارات القانونية في توقيع العقاب.

الفقرة الثانية:  المبادئ القانونية التي تحكم تطبيق الجزاءات القانونية

بصفة عامة القانون التأديبي للوظيفة العمومية يستمد مبادئه في مجال التأديب من المبادئ الاساسية المستقرة في مجال العقاب الجنائي والتي ظهرت للوجد بصدور الاعلان العالمي لحقوق الانسان والمواطن الصادر في 26 غشت 1789.والدي تضمن لأول مرة مبدأ شرعية العقوبات والجرائم ايضا دلك المبدأ كرسته مختلف الدساتير والقوانين في مختلف الدول. هده المبادئ تشكل ضمانة اساسية حقيقية يجب احترامها في كل مراحل التأديب ، ويستوجب من الادارة مراعاتها قبل الاقدام على توقيع اي عقوبة كيفما كان نوعها ، ويمكن ان نذكر منها:
- مبدأ شرعية العقوبة التأديبية :
بمعنى أنه لا عقوبة إلا بنص نظامي , وبالتالي لا يجوز للجهة المختصة بالتأديب توقيع عقوبة غير مقررة في النصوص النظامية السارية[27] .
ويقضى مبدأ الشرعية أن تتقيد سلطة التأديب بالجزاءات الواردة فى القانون على سبيل الحصر ، فهى ملزمة بتوقيع الجزاء المحدد وليس لها ابتداع جزاء جديد.
وطبقا لهذا المبدأ فانه يجب على سلطة التأديب الالتزام بالقيود الشكلية والموضوعية للتأديب ،والسلطة التي تتخذ العقوبة التأديبية في حق موظف ما مجبرة على احترام هدا المبدأ،أيضا فالقاضي يراقب المشروعية الداخلية للعقوبة التأديبية هل هي متخذة وفق النصوص القانونية، ويلغيها متى اتضح له انها خارجة عن إطار القانون.
- مبدأ شخصية العقوبة التأديبية :
فهذا المبدأ يعتبر منطقيا لتطبيق شرعية العقوبة في المجال التأديبي دلك انه لا يمكن تقرير مسؤولية الشخص إلا عن خطاه الذاتي. فالعقوبة يجب ان تقع فقط على الشخص المذنب وانه من غير المعقول ان تنعكس الاتار الضارة على غيره من الاشخاص. فخلاصة القول ان الشخص المذنب او المخطئ في المجال التأديبي هو الذي يستحق الجزاء لا غيره.
- عدم رجعية العقوبة التأديبية :
من حيث المبدأ، إن مبدأ عدم رجعية القرارات الادارية ومنها القرارات التأديبية التي تفرض عقوبة تأديبية هو من المبادئ العامة للقانون التي أوجدها الاجتهاد القضائي الاداري، Un des principes généraux de droit. وأنزلها منزلة القانون [28].
كما أن المجلس الدستوري الفرنسي أعتبر أن مبدأ عدم رجعية الأعمال الادارية ليس له منزلة النص الدستوري إلا في المسائل ذات الطابع العقابي أو التأديبي (en matière repressive)[29] دون غيرها من المسائل أو القضايا الأخرى[30].
وقد استقرت أحكام القضاء الإدارى على إلزام السلطة التأديبية رئاسية كانت أو قضائية بتوقيع العقوبات التأديبية المقررة قانونا وقت وقوع الفعل التأديبى ، الذى يجازى من اجله العامل، وعدم تطبيق أية عقوبة تأديبية لاحقة على تاريخ وقوع الجريمة التأديبية، ما لم تكن العقوبة أصلح للموظف المتهم، أو كانت حالته الوظيفية قد تغيرت عند الحكم على نحو يستحيل معه توقيع العقوبة النافذة قانونا وقت وقوع الجريمة التأديبية،فمبدأي المشروعية وعدم الرجعية بمثابة خاصيتين لا يمكن فصل احدهما عن الاخرى.
- عدم المعاقبة بعقوبتين على نفس الفعل الواحد: (مبدأ وحدة الجزاء).
عدم معاقبة الموظف عن الفعل الواحد مرتين استنادا إلى المبدأ القانوني القاضي بعدم تعدد الجزاءات على الجريمة الواحدة، ومعنى ذلك أنه إذا وقع جزاء على الموظف عن فعل ارتكبه فلا يجوز تكرار الجزاء عليه عن السلوك ذاته ما دام هو عن عين الجريمة التأديبية، ومن ثم فإن قيام السلطة الـتأديبية بمعاقبة الموظف ثانية عن الفعل المعاقب عليه يرتب إلغاء مقررها للشطط في استعمال السلطة.
- تناسب الجزاء مع المخالفة :
فإذا كانت الادارة تملك سلطة تقدير العقاب التأديبي حسب كل حالة فإنها مقيدة بعدم المبالغة وإلا كانت قراراتها غير مشروعة.
فقد نص الفصل 71 من النظام الاساسي للوظيفة العمومية فقد نص الفصل 71 من النظام الاساسي للوظيفة العمومية : لا يمكن في اي حال من الاحوال ان تكون العقوبة الصادرة بالفعل اشد من العقوبة التي يقترحها المجلس التأديبي اللهم ادا وافق على عكس ذلك رئيس الوزارة [32].
- مبدأ المساواة في العقوبة:
هو جزء لا يتجزأ من مبدأ المساواة العام بين الافراد الذي نصت عليه مختلف مواثيق حقوق الانسان [33]كذلك مبدأ اكدته مختلف الدساتير المعاصرة.وهده المساواة مقررة في جميع المجالات سواء اكانت العقوبة تأديبية ،مدنية،جنائية ودلك لتعلقها بالعدالة الاجتماعية بصفة عامة.
ولا يمكن ان يختلف الجزاء الموقع باختلاف اشخاص ومراكز الجناة.

المطلب الثاني : التقييم النقدي لتكريس مبادئ المحاكم العادلة

من خلال ما سبق يتضح ان التأكيد القضائي على الضمانات التأديبية ، تتخذ شكلا صارما وذلك بالتذكير المتواتر للقضاء لارتباط هذه الضمانات بالنظام العام مما يجعل اي اخلال بها مقترنا بإلغاء إجراءات التأديب ومنع العقوبة المنزلة.
تكتسب الاصول والمبادئ التي ترعى المحاكمة التأديبية امام السلطات التأديبية اهمية كبرى نظراً لتأثيرها المباشر على صحة القرار التأديبي المتخذ من قبل السلطة صاحبة الصلاحية التأديبية.
كذلك مراقبة صحة الضمانات السالفة الذكر ينتقد في كونه تارة يكتسي طابعا شكليا حيث ان سلطات القاضي الاداري قد لا تتجه صوب تقييم نجاعة هاته الوسائل .
و هذا ما تؤكده مجموعة من القرارات و الاحكام في هذا الاطار حيث لا يتضح وقوف القاضي على ظروف تمكن الشخص من الدفاع عن نفسه او اطلاعه على وثائق ملفه .او الطرق التي تم تمكينه من الاستعانة بالشهود.
ومن ناحية اخرى فإن التشدد المسطري من قبل القاضي الاداري في مراقبة احترام المستويات الشكلية السالفة ،يصطدم بواقع الطابع الاستشاري لهاته اللجان التي قد تؤيد الادارة المخولة لها قانونا انزال العقاب. فالإدارة من حقها انزال عقاب اشد من ذلك المفتوح من قبل اللجنة التأديبية ،و ذلك بقرار للوزير الأول بالنسبة للموظف العمومي بمرافق الدولة .و قرار وزير الداخلية فيما يتعلق بالموظف الجماعي مما يجعل هاته الضمانات التأديبية حتى ان توفرت عاجزة عن تجنيب الموظف شر عقاب،قد يكون اشد من ذلك الذي تميله مقتضيات العدالة.
لكن لا بد من الاشادة بإيجابية التدخلات القضائية في هذا الاطار و التي مكنت من تطوير وسائل الرقابة على سلطة العقاب ،وذلك في اطار ملائمة العقاب لذنب المرتكب من قبل الشخص المؤدب.كما ان رقابة القضائي الاداري تمتد الى ما يعرف بالعقوبات المقنعة،و مفهوم العقوبة المقنعة، فإنها ليست سوى تدبير اداري ذي طابع تأديبي تهدف من خلاله الادارة الى معاقبة موظف، مخالفة بذلك الاصول الواجب اتباعها في فرضها، او فرض هذا التدبير الاداري بنية زجرية او محاولة استبعاد هذه الاصول بغية عدم اعطاء التدبير الطابع التأديبي، لما يترتب على ذلك من نتائج قانونية.
وقد اعتبر الأستاذ Chapus بأن العقوبات المقنعة غير شرعية إما بسبب الانحراف في السلطة، او بسبب عدم لحظها ضمن السلم القانوني للعقوبات[34] .
كما ان القضاء يبطل كل قرار يستخدم النصوص التشريعية غير التأديبية لغايات غير التي وضعت من اجلها[35] .
فمتى اكتشف ان نقل الموظف غايته عقابية وليس المصلحة العامة فإنه يؤكد في عدة مناسبات على تجاوز الادارة للسلطة ومنه الغائها.
كذلك من الضمانات في اطار تأديب الموظف العمومي فيما يتعلق بعرض الموظف على المجلس التأديبي ،يستلزم لصحته ان يحترم الضوابط القانونية المعمول بها في التبليغ،مع الاشتراط في بعض تحقق العلم اليقينأ.
فعبارة مطلوب التي ترجع بها رسالة التبليغ تساوي بتأكيد بطلان إجراءات التبليغ. وما ينبغي التأكيد عليه هو ضرورة تقوية دور المجلس التأديبي ودلك بتجاوز اشكالية عدم توازن تمثيلة اعضائه حيث اكد القانون .... على ترجيح جهة الرئيس في حالة تعادل الاصوات مع العلم ان هدا الاخير يعين من قبل الادارة ولتدارك ذلك يقترح كما ذهب معظم الفقه اسناد وضيفة رئاسة المجلس للقاضي الشيء الذي سيكفل التوفيق بين منطق الفاعلية ومنطق الضمان.
وكذلك بغية تخفيف الضغط على القضاء الاداري الذي تشكل فيه منازعات الوضعية الفردية للموظفين احدى اهم و اكتر القضايا ترددا في اشغاله. وذلك في افق احداث قضاء تأديبي على غرار التجربة المصرية التي ابانت عن فاعلية كبيرة في الحد من طول فترة النزاع التأديبي.
وفي الاخير ننوه بالتوجه الشجاع الذي نهجه الاجتهاد القضائي المغربي نحو مراقبة الملائمة مستفيدا من التجربة المصرية والفرنسية لبسط الرقابة على ذلك المجال المحظور تشريعيا اي السلطة التقديرية.
----------------------------------------
هوامش:
[1] عبدالغني يفوت، الضمانات الأساسية في مجال التأديب، مجلة المحاكمة ص55– العدد الممتاز 7-8 الصادر سنة 2010
[2] عبدالقادر باينة، الموظفون العموميون في المغرب، دار النشر المغربية، طبعة 2002، ص 225.
[3] Jean MARTIE AUBY et Robert donc-Adere :droit Administratif Ref 1977 p : 188
[4] André delaubadère, traité de droit administratif, Tome 1, 14ème édition, 1996, P : 316.
[5]محمد الأعرج، المساطر الإدارية غير القضائية، دراسة قانونية لفاعلية قواعد الإجراء والشكل في القرارات الإدارية، المجلة المغربية للإدارة المحيلة والتنمية، سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية، العدد 47، 2003، ص 65 و 79.
[6] محمد الأعرج "قاضي المحكمة الإدارية و حماية حقوق الموظف ن خلال الرقابة على مسطرة حق الدفاع " REMALD سلسلة مواضيع الساعة عدد 47 ص: 107.
[7] نايف راجي العميان "المسؤولية التأديبية للموظف في القانون الأردني " رسالة لنيل دبلوم الماجستير المدرسة الوطنية للإدارة العمومية 1993-1994 ص : 209
[8] مريم بنغضيفة، ضمانة حق الدفاع في الوظيفة العمومية، بين النص القانون والاجتهاد القضائي، رسالة لنيل شهادة الماستر في القضاء الإداري، السنة الجامعية 2010-2011، ص 20.
[9] أنظر الفصول 67 و 68 و 69 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية
[10] نايف راجي العميان , مرجع سابق ص : 211.
[11]ذ. عبدالغني يفوت، الضمانات الأساسية في مجال التأديب، مجلة "محاكمة"، العدد الممتاز 7-8 فبراير-أبريل 2010، ص.62
[12] - قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى الصادر بتاريخ 27/04/1987 ملف عدد 7213/86 منشور بمجلة المجلس الأعلى.
[13] قرار المجلس الأعلى الصادر بتاريخ 2003/12/11 ملف عدد 906
[14] رفع عبد الوهاب : نزاعات الوضعية الفردية لموضفين و العاملين بالإدارة العمومية من خلال العمل القضائي ص 52
[15] المجلة المغربية للإدارة و التنمية العدد 47 مقال الأستاذ الأعرج محد حول حماية حقوق الموظف من خلال الرقابة على مسطرة الدفاع
[16] حكم إدارة البيضاء عدد 1301 الصادر بتاريخ 2008/02/18 ملف عدد 04/406 قضية عمر بن الفتاح
[17] قرار الغرفة الإدارة بالمجلس الأعلى عدد 1059 الصادر بتاريخ 1998/11/26 قضية خضراي حسن ضد وزير التربية الوطنية منشورات المجلة المغربية لإدارة المحلية و التنمية عدد 84ــ85 ص 49
[18] طعن رقم 438 لسنة 2008 اشار اليه عبد الغني يفوت في مقالة "الضمانات الاساسية في ميدان التأديب " م.م.ا.م.ت عدد مزدوج 84
[19] اشار اليه محمد نميري "دور القضاء في حماية حقوق الدفاع بالنسبة للموظفين وفي مراقبة ملائمة العقوبة " مجلة المحاكم الإدارية العدد الثاني ص 91
[20] حكم عدد 363 بتاريخ 20/6/2001
[21] حكم المحكمة الادارية باكادير عدد 71 الصادر في 28/10/1999 نجار ابراهيم م.م.ا.م عدد 31 2000 ص55
[22] ذ.مولاي ادريس الحلابي الكتاني "التطور القضائي لمبدأ حقوق الدفاع" ص23
[23] قرار المجلس الاعلى عدد 195 بتاريخ 12/06/1973
[24] حكم المحكمة الادارية بمراكش عدد 194 بتاريخ 29/9/200
[25] ملف رقم 217/05 حكم بتاريخ 11/5/2005 تحت عدد 328 قضية اديب محمد ضد وزير الصحة
[26] ليلى المعوج "الرقابة القضائية على النظام التأديبي للوظيفة العمومية بالمغرب " رسالة لنيل شهادة الماستر نوقشت بكلية سلا 2007
[27] عبدالجليل عيسوني، رقابة القضاء الإداري على النظام التأديبي للموظف العمومي، مجلة القانون المغربية، العدد 17 أبريل 2011، ص 57.
[28] C.E. 27 sept 1991 Sarl. Soc. Diffusion Rhône-Alpes Rec p 31
[29] C.C.F. Arrêt no 82/155, 30 dec 1982, D.C. Rec p 88. RDP 1983 p 333 note: Favoreu.
[30] C.C.F. Arrêt bo 109/79, 9 janv 1980 D.C. Rec p 29, Dalloz 1980 p 249 Note: J.M. Auby.
[31] Alain-Plantey opcit: 402 no 974; C.E.Docummun, 20-7-1951 Rec p 422; C.E Jouzier, 28-11-1994 Rec p 955
[32] سمير ابراهيم سعادة الضمانات التأديبية في الوظيفة العمومية ص 143
[33] قرار الاعلان العالمي لحقوق الانسان والمواطن لسنة 1789
[34] Chapus-René.opcit p339 no 400.
[35] Plantey-Alain opcit p 402 no 972. C.E Pouteau Ronsamvallon 20-1-1947 Rec p36.

إرسال تعليق

0 تعليقات