آخر مقالات

السياسة العقابية الواقع و الآفاق

عرض بعنوان: السياسة العقابية الواقع و الآفاق PDF

السياسة العقابية الواقع و الآفاق PDF

مقدمة :
تعد الجريمة ظاهرة اجتماعية قديمة قدم البشرية، فأول جريمة ارتكبت في تاريخ الإنسانية كانت قتل قابيل لأخيه هابيل، وحسب "دوركايم" فإنه لا يمكن تصور مجتمع بدون جريمة والتي تختلف فقط من حيث درجة جسامتها وتأثيرها على الأفراد.
ومن أجل مواجهة الظاهرة الإجرامية وجدت العقوبة والتي تهدف إلى غرضين أساسين : الأول المحافظة على كيان المجتمع بضمان أمنه واستقراره، والثاني توفير الحماية لحقوق الأفراد وحرياتهم، وكما يقول الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت : "إن أي نظام لا يمكن فهمه إلا من خلال تاريخه" فإن دراسة موضوعنا لا يستقيم دون إلقاء نظرة على المحطات التاريخية وتطور السياسة العقابية التي عرفت عدة تحولات، حيث مرت العقوبة بمراحل في تطورها التاريخي من المجتمعات القديمة إلى المجتمعات الحديثة حيث كان الغرض منها في المجتمعات القديمة هو الانتقام ومقليلة العنوان بالعدوان.
وفي المجتمعات الشرقية فقد كان التبرير الديني هو اساس العقاب وقد تجسد ذلك واضحا في قانون حمورابي وقانون مانو الهندي والقانون المصري القديم، حيث يعد الجرم خطيئة دينية يحكمها مبدأ القصاص فالجزاء من جنس العمل والعقاب يعادل الاعتداءه. ولم يظهر الطابع السياسي للعقاب إلى جانب الطابع الديني إلا في مجتمع أثينا القديم فالهدف من العقوبة لم يعد منحصرا في مرضاة الإله بل أصبح يهدف إلى الحفاظ على النظام الاجتماعي أيضا، وفي القرن الثامن عشر عرفت أوربا موجة فكرية شملت كل جوانب الحياة ومهدت كتابات المفكرين الثورين أمثال مونتيسكيو وفولتير وروسو لقيام الثورة ومراجعة الأسس التي يقوم عليها البنيان الاجتماعي وفي مجال التجريم والعقاب توالت المذاهب وتعددت المناهج لكن بدايتها العلمية تؤرخ بكتاب العالم الإيطالي بيكاريا الذي ظهر عام 1764 ووضع الأساس النظري للمدرسة التقليدية في سياسة التجريم والعقاب التي انتقدت من طرف المدرسة الوضعية وبين الطرفين وجدت مذاهب تتوسط بينهما مثل المدرسة الفنية أو تعزف عنها جميعا مثل حركة الدفاع الاجتماعية. 
أما في الشريعة الإسلامية فان دفع الضرر مقدم على جلب المصلحة، ذلك أن العقوبة تهدف إلى تحقيق العدالة بين أفراد المجتمع وذلك عن طريق الردع بنوعية العام و الخاصة.
والمغرب قبل سنة 1913 لم يكن يعرف نظاما جنائيا بالمفهوم الحالي بل كانت احكام الشريعة في المطبقة إلى أن صدر ظهير 24 اکتوبر 1953 المتعلق بالقانون الجنائي والمسطرة الجنائية المطبقة على المغاربة الخاضعين لاختصاص المحاكم المخزنية وبعد حصول المغرب على استقلاله قام بتوحيد القوانين وصدر اول قانون المسطرة الجنائية بتاريخ 1959/ 2/10 والتهن ونائب بتاريخ 11/26/1962 وقد طرا على هذين القانونين عدة تعديلات أهمها قانون رقم 03.03 المتعلق بمكافحة الإرهاب وقبله قانون المسطرة الجنائية الجديدة قانون رقم 22-01 الصادر بتنفيذه بتاريخ 2002/10/3 وصولا إلى مشروعي القانون الجنائي والمسطرة الجنائية الجديدان اللذان ينتظران المصادقة عليهما، وكل هذا جاء منسجما مع التحولات والأوراش الكبرى الإصلاحية التي يعرفها المغرب. وبدورها فالسياسة العقابية كانت في صلب اهتمامات المشرع الجنائي الذي سعی إلى تطويرها وملائمتها مع القوانين والقواعد الدولية في ظل تنامي ثقافة حقوق الإنسان وتزايد الاهتمام بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان ومعاملة السجناء وصدور العديد من القواعد الخاصة بمعاملة السجناء على صعيد المنتظم الدولي منها قواعد طوكيو الخاصة بقواعد الأمم المتحدة الدنيا النموذجية للتدابير الاحترازية، وقواعد بانكوك الخاصة بقواعد الأمم المتحدة المعاملة النساء السجينات والمنحرفات قواعد نلسون مانديلا الخاصة بقواعد الأمم المتحدة الدنيا لمعاملة السجناء . 
ويمكن القول إجمالا أن السياسة العقابية كانت تقوم عموما على تحقيق الأمن وسط المجتمع من خلال عقاب مرتكب الفعل الإجرامي وذلك دون الحيلولة دون استفحال الظاهرة الإجرامية، وبعد أن كانت العقوبة تتسم بالشدة المفرطة وتستخدم كوسيلة للتعذيب والترهيب أضحت تضطلع في العصر الحاضر بدور إصلاحي يروم تقويم وتأهيل المحكوم عليهم للاندماج في وسطهم الاجتماعي بعد الإفراج عنهم مع الحرص على صيانة حقوقهم وكرامتهم. لذلك وبعد أن أثبتت التجربة والواقع العملي عن قصور السياسة العقابية الكلاسيكية التي تركت مساوئ على شخصية المعتقلين حيث فشلت في إصلاح وتقويم سلول الجالحين لتر اید حالات العود، وأمام معضلة اكتظاظ السجون وارتفاع كلفة إقامة السجين على الدولة. 
فقد س جل التشريعات إلى البحث عن عقوبات بديلة تحقق مبدأ أنسنة العقوبة وتحد من معضلة اكتظاظ السجون وتعطي للمحكوم عليه فرصة للتقويم وإصلاح الذات دون الزج به في السجن والمشرع المغربي لم يحد عن هذا التوجه إذ لم تقف رغبته في المضي قدما في البحث عن حلول أخرى بغية تجاوز مواطن قصور السياسة العقابية الكلاسيكية وهو ما أفضى بإقرار المشرع من خلال المشروعين الموضوعي والمسطري لجملة من العقوبات البديلة محاولا تبني رؤية ذات أبعاد متعددة من حيث التخفيف على مالية الدولة ومن ناحية إعطاء فرصة للمحكوم عليه من اجل الإصلاح و التقويم الذاتي.
ودراسة موضوع السياسة العقابية تفرض علينا تحديد الإطار المفاهيمي للموضوع بتميزه عن السياسة الجنائية ذلك إن هاته الأخيرة تكتسي مجالا واسعا وتخص مجموعة الإجراءات التي تشكل حلولا للحد من ظاهرة الإجرام، وتختص وزارة العدل والحريات بوضع السياسة الجنائية في حين تتولى رئاسة النيابة العامة تنفيذها كما جاء بالمادة 51-2 من مشروع القانون الجنائي وكما جاء على لسان وزير العدل جوابا على سؤال شفوي بمجلس النواب حول موضوع القانون الجنائي والسياسة الجنائية فان هاته الأخيرة تنقسم إلى ثلاثة أقسام أساسية:
 السياسة التجريمية، السياسة العقابية، سياسة الوقاية من الجريمة.
والمعنى الشائع اليوم للتعريف بالسياسة الجنائية يعني الطرق المستعملة من طرف المجتمع لإيجاد أجوبة لظاهرة الجريمة وقد ورد هذا المعنى للفقيه الفرنسي مارك انسل بقوله "إنها مجموعة المبادئ والتدابير والإجراءات التي يواجه بها المجتمع ظاهرة الجريمة بهدف الوقاية منها ومكافحتها ومعاملة المجرمين ، في حين أن السياسة العقابية تعني مجموعة التدابير والعقوبات المتخذة من قبل المشرع الجنائي لمواجهة الطاهرة الإجرامية، وبذلك فان الأخيرة جزء من الأولى التي تعد شاملة لها.
ترتكز السياسة العقابية على أساسين اثنين يعدان الدعامتان التي تستند عليها، أولهما مبدأ الشرعية بسبب ما يمثله من ضمانة أساسية من ضمانات الحرية الفردية في مجال التجريم والعقاب وهو المبدأ الذي تم تكريسه في المادة 3 من القانون الجنائي بل جعله مبدا دستوريا بالنص عليه في المادة 10 من الدستور، وثانيهما مبدأ تفريد العقاب باعتباره الوسيلة الناجعة والتي بفضلها بدا يؤخذ بعين الاعتبار كل الظروف المحيطة بالجريمة، بعيدا عن النظرة الأحادية والعقوبة الواحدة والتي لا تأخذ بعين الاعتبار شخصية الجاني وظروف ارتكاب الجريمة وهو ما نصت عليه المادة 141 من القانون الجنائي المغربي.
والموضوع الذي بين أيدينا لا يخلو من أهمية على اعتبار أنه هذا من المواضيع التي حظيت باهتمام كبير من لدن المنتظم الدولي وبالنظر إلى تطور الفكر الإنساني وتغير النظرة إلى العقوبة وأهدافها، فلم يعد الهدف الأساسي من العقوبة هو الانتقام أو الشدة، بل أصبحت الغاية هو محاولة إصلاح الجاني وإعادة إدماجه داخل المجتمع، مما حدا بالجميع إلى التفكير في بدائل ناجعة من شأنها تطويق الظاهرة الإجرامية، كما أن أهمية الموضوع تبرز من خلال ارتباطه الویت بأمن المجتمع، وبالتالي انعكاسه على حياة الأفراد.
ولعل أبرز إشكالية يثيرها الموضوع هو هل بالفعل السياسة العقابية الحالية أصبحت متجاوزة ولا تحقق الأهداف المرجوة منها، وكيف السبيل لتجاوز ذلك؟ وهاته الإشكالية الجوهرية تتفرع عنها عدة تساؤلات فرعية أهمها:
ما هي ملامح السياسة التربية الحيوانات ومواجهة الظاهرة الإجرامية وما هي مظاهر فشلها ؟
وهل استطاع المشرع المغربي استشراف آفاق جديدة لسياسة عقابية حديثة من خلال مشروعي مدونة القانون الجنائي والمسطرة الجنائية ؟
وما هي ملامح هاته السياسة العقابية الحديثة ؟
ومن أجل الإجابة على هاته التساؤلات سيتم تناول الموضوع من خلال التصميم التالي:

المبحث الأول : واقع السياسة العقابية بالمغرب 
المبحث الثاني: آفاق السياسة العقابية بالمغرب
_________________________
لائحة المراجع :

+ الكتب :
- نور الدين العمراني : "شرح القسم العام من القانون الجنائي المغربي"، طبعة2012، مطبعة سجلماسة 
- جلال ثروت : "الظاهرة الإجرامية - دراسة في علم العقاب"، أكاديمية نايف العربية
للعلوم الأمنية الرياض، طبعة 1999. 
- جلال ثروت : "الظاهرة الإجرامية - دراسة في علم العقاب"، مطبعة مؤسسة الثقافة الجامعية - الإسكندرية. 
- فتوح عبد الله الشادلي : "أساسيات علم الإجرام والعقاب"، مطبعة منشورات الحلبي
الحقوقية، الطبعة الأولى 2006. 
- عبد العلي حفيظ صلاحيت تطبيق العقوبة في القانون المغربي"، مطبعة وراقة الوطنية، زنقة أبوبيان. الي السحي تراس، الطبعة الأولى 2005.
- رؤوف عبيد : "أصول علمي الإجرام والعقاب"، مطبعة دار الفكر العربي، الطبعة الرابعة 1977. 
- يوسف ابن ناصر : "أزمة السياسة الجنائية بالمغرب (ظاهرة الجنوح البسيطنموذجا)"
- الموسوعة القانونية، بدون طبعة » جعفر العلوي : "شرح القانون الجنائي العام المغربي"، مكتبة المعارف فاس، بدون طبعة. 
- أبو المعاضي أبو الفتوح : "شرح القانون الجنائي المغربي القسم العام"، الطبعة الأولى، 1980. 
- نور الدين العمراني : "شرح القسم العام من القانون الجنائي المغربي"، طبعة 2015، مطبعة سجلماسة مكناس. 
- عبد العالي حفيظ : "صلاحيات قاضي تطبيق العقوبات في القانون المغربي"، المطبعة والوراقة الوطنية مراكش، 2005.

+ الرسائل والأطروحات :
- الحسين زين الاسم : "إشكالية العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة والبدائل المقترحة"، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، جامعة عبد المالك السعدي۔ طنجة 2006
- 2005 / لمياء بلمير : "بدائل العقوبات السالبة للحرية قصيرة الأمد"، شهادة لنيل الماستر في العلوم القانونية تخصص علوم جنائية وحقوق الإنسان، جامعة محمد الخامس، كلية أكدال، الموسم الجامعي: 2009 -2010. 
- مريم سعيد : "قاض تطي العقوبات في ضوي قانون المسطرة الجنائية"، رسالة النيل دبلوم الماستر في اللون الخاص، ماستر العلوم الجنائية، جامعة القاضي عياض، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية مراكش، السنة الجامعية.

+ المجلات :
- علم بوطاهري عبد الرزاق : "هل العقوبات البديلة كفيلة بتحقيق الأهداف المرجوة من وضعها"، مجلة المنارة للدراسات القانونية والإدارية، عدد خاص. 
- عبد العزيز العنزي : "نظام العقوبات وتنفيذها في قانون الجزاء الكويتي والقوانين المقارنة"، مجلة الحقوق، ملحق العدد الرابع، السنة 26 دجنبر 2002. 
- نور الدين العمراني : "العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة وتكريس أزمة السياسة العقابية بالمغرب"، مجلة الملف، العدد 18 أكتوبر 2011 
- نور الدين العمراني: "منظومة التجريم والعقاب : مظاهر الاختلال وآفاق الإصلاح"، المجلة المغربية للقانون الجنائي والعلوم الجنائية العدد 2 ، 2015
- محمد العروصي : "العمل لأجل المنفعة العامة وفقا لمسودة مشروع القانون الجنائي"، مجلة العلوم الجنائية، العدد الثاني 2015. 
- بوجمعة الزناكي : "بدائل العقوبات السالبة للحرية الشغل من أجل المنفعة العامة"، مجلة الإشعاع، يونيو العدد 24. 
- د صفاء اوتاني : "العمل للمنفعة العامة في السياسة العقابية المعاصرة دراسة مقارنة"، مجلة القضاء الجنائي، عدد 6/5 خريف 2017. 
- عبد الكافي ورياشي : "أبحاث في الفقه الجنائي"، منشورات مجلة الحقوق، الإصدار رقم 30. 
- مصطفى دحام : "دور النشاط الرياضي في إعادة تأهيل السجين تربويا وأخلاقيا"، مجلة إدماج، العدد السادس، 2003. 
- مصطفى دحام : "التعليم والتكوين كوسيلة للإدماج والوقاية من الانحراف"، مجلة إدماج، العدد السابع، 2004. 
- إدريس الحياني : "الإشراف القضائي على تطبيق العقوبات البديلة"، المجلة المغربية للحكامة القانونية والقضائية، مجلة نصف سنوية، مطبعة الأمنية الرباط، 2017.

+ الندوات :
- محمد عبد النباوي : "تأملات في السياسة الجنائية بالمغرب"، المجلد الأول الأعمال التحضيرية للمناظرة الوطنية التي نظمتها وزارة العدل بمكناس أيام 9 -10 و11 دجنبر 2004، الطبعة الثانية، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الندوات والأيام الدراسية، العدد 3 سنة 2014
- مصطفی مداح : "الوضع العقابي القائم العقوبات للحرية وسياسة الإصلاح (معطيات إحصائية وتقييمية)"، ندوة السياسة الجنائية بالمغرب واقع وآفاق، المجلد الثاني، الطبعة الأولى. 

+ المواقع الإلكترونية :
www . justice . gov . ma actualitesact تاریخ و منشور بموقع 752- الاطلاع 2018/ 12 / 12 .
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -