Header ADS

اخر الأخبار

المفهوم القضائي للمرفق العام

مقال بعنوان: المفهوم القضائي للمرفق العام

مقال بعنوان: المفهوم القضائي للمرفق العام PDF

مقدمة:
إن فكرة المرفق العام تعتبر من الاسس التي انبنى عليها القضاء الاداري سواء فيما يتعلق بالمفهوم الذي أعطي إليه أو المجال الذي يشمله في القانون الاداري ،وهنا تطرح إشكالية قوة فكرة المرفق العام ومفهومه خاصة وأن التركيز عليها كان أساسيا من طرف الاجتهاد القضائي، وهذا يفسر لنا ما أثارته الفكرة من نقاش ناتج عن هذا الاجتهاد مما أدى الى الالتباس في المفهوم خاصة شموليته واعتباره ركيزة القانون الاداري الذي استلهم مواقفه من الاصل الذي هو القضاء الاداري، ففكرة المرفق العام احتلت مكانة خاصة في القضاء الاداري بل وفي القانون الاداري ككل الى درجة اعتبار الفكرة هي أساس المعيار العام الذي يستند عليه القضاء الاداري الفرنسي في اختصاصه.
فالاقتصار على هذا المعيار العام لا يشمل العديد من النوازل أو القضايا التي تعتبر من اختصاص القضاء الاداري ولكنها ترتبط مباشرة بالمرفق العام مثل استعمال المال العام واستغلاله وجزء من أنواع العقود الادارية.
وهذا ما دفع الى نقد الفكرة ذاتها "فكرة المرفق العمومي" باعتبار أن المرفق العام يمكن اعتباره معيار لفظي Critère purement verbal كما عبر عن ذلك "فالين"، أي مجرد عبارة لم يحدد مفهومها بدقة وأن القضاء استعملها سنين طويلة دون أن يحدد مدلولها، حيث أن المصطلح "فكرة المرفق" يمكن أن يدل على معاني متعددة وقد تتعارض كأن يدل على منظمة معينة (Organisme) أو على نشاط محدد وهما مفهومين متعارضين.
لذلك يرى هذا الفريق اعتماد التمييز بالنسبة لنشاط الادارة بينما يتم في شروط مماثلة للنشاط الفردي فيكون الاختصاص فيه للقضاء العادي ،وبينما يتم في شروط مخالفة للنشاط الفردي فيكون من اختصاص القضاء الاداري .
بينما يرى الاستاذ الكبير "اندري دولابادير " « André de LAUBADERE » تطور الفكرة من منظور آخر قد يكون أقرب للواقع وأكثر انسجاما مع روح القضاء الاداري الفرنسي، حيث ذهب الى أن معيار المرفق العام ذو أهمية قصوى لكنه عرف تطورا تبعا للظروف والاحداث التي عرفها المجتمع الفرنسي خاصة من الحرب العالمية الاولى الى بعد الحرب العالمية الثانية.
ذلك أن معيار المرفق العام ومنذ أن أسست له محكمة النزاعات في حكمها الشهير في قضية بلانكو في سنة 1873/2/8 يكفي وحده لتحديد اختصاص القضاء الاداري، وقد أدى ذلك الى اتساع نطاق القضاء الاداري مما دعا الى التضييق من هذا النطاق مراعاة لما تستوجبه المصلحة العامة، وذلك لكون الادارة يمكنها اللجوء الى القانون الخاص ،وقد عبر عن هذا المعنى المفوض "روميو" « Romio » وهو من رواد المرفق العام – في تقريره المتعلق بحكم « Terrier » ، وقد ذهب مجلس الدولة الفرنسي في هذا الاتجاه في حكمه الصادر بتاريخ 31 يوليو 1912 في قضية Société des granits des Vosges .
وهكذا تبلورت فكرة الادارة الخاصة La gestion privée à l’association du service public في نطاق المرافق العامة ثم لحقتها فكرة المرافق العامة الصناعية والتجارية والتي أصبح من المفروض أن يكون نشاطها خاضعا للقانون الخاص، لتتمكن من منافسة المشاريع الخاصة التي تعمل الى جانبها في نفس المجال، وبالتالي بعد أن كان النشاط المرفقي قائم بذاته ليكون النزاع من اختصاص القضاء الاداري أصبح غير كاف، الامر الذي استوجب معايير أخرى في نطاق المرفق العام.
وبذلك أصبح دور هذه المعايير ينحصر عمليا في تطبيق مجال نشاط المرفق الذي يختص به القضاء الاداري، هذا ما اذى الى تكريس مسؤولية الدولة والموظفين على الاخطاء الناتجة عن تسيير المرافق العمومية ، والمغرب شانه شان فرنسا عمد المشرع الى تحديد مجموعة من النصوص المنظمة للنزاعات الادارية للمرافق العامة .
في اطار تطرقنا للموضوع اعتمدنا على المنهج التاريخي والقانوني والتحليلي لمعالجة الاشكالية المطروحة فيكيفية تعامل القضاء الإداري مع مفهوم المرفق العام والتي تتفرع عنها مجموعة من التساؤلات:
- كيف ساهم القضاء الاداري في ابراز مفهوم المرفق العام ؟
- ماهي الاسس والمبادئ التي جاء بها ؟
- كيف ساهم القضاء في تطوير مفهوم المرفق العام وما التعريف الحالي له ؟
- كيف ساهمت المنازعات الادارية في تعميق مسؤولية المرفق العام وتطويرها ؟
للاجابة على هذه الاشكالية اعتمدنا التصمييم التالي: 

- المبحث الاول: دور الاجتهاد القضائي في تطور مفهوم المرفق العام
- المبحث الثاني: دور الاجتهادات القضائية في المنازعات الادارية المرتبطة بالمرافق العامة 


المبحث الاول: دور الاجتهاد القضائي في تطوير مفهوم المرفق العام
المطلب الاول :التأصيل التاريخي لمفهوم المرفق العام

لقد ارتبط مفهوم المرفق العام في بداية ظهوره بمفهوم السلطة العامة تبعا للمفاهيم التي كانت سائدة في ذلك الوقت ، ففي تلك المرحلة كان أساس تطبيق القانون الإداري يستند الى فكرة السلطة العامة لان السلطة السياسية تمسك كل الامتيازات الضرورية لتمارس الإدارة مهامها ، و من تم كان من الطبيعي ان تخضع لنظام قانوني متميز يساعدها على أداء وظيفتها ( القانون الإداري ) ، و الذي ينبغي ان يتضمن شروطا و أوضاعا غير مألوفة في القانون الخاص، إلا أن هذه الوضعية انتقدت من طرف الفقه و القضاء وأصبح أساس تطبيق القانون الإداري لا يكمن في السلطة العامة ، و انما في المصلحة العامة لان الدولة لم تعد تجسد مظهر السلطة و القوة فقط ، بل أصبحت رمز التماسك و التضامن الاجتماعي ، و أنها ( الدولة ) منبع الخدمات الاجتماعية التي يحتاج إليها المواطنون من جهة، و من جهة أخرى يوجد جزء كبير من النشاط الإداري غريبا عن فكرة السلطة العامة و يمكنه ان يخضع للقانون الخاص ، بمعنى انه يوجد مفهوم جديد بمقتضاه اصبح المرفق العمومي يشمل كل أنواع الأنشطة الإدارية و لم يعد مقتصرا على الفكرة الضيقة المتمثلة في السلطة العمومية، و بذلك يكون مفهوم المرفق العام منذ ظهوره قد تعرض لتطورات عميقــة و هامــة جعلت الغموض و الالتباس من السمات المميزة لهذا المفهوم ، مما جعل المهتمون يصادفون صعوبات كبيرة لصياغة تعريف دقيق و محدد للمرفق العمومي ليصبح مجالا واسعا للاجتهادات القضائية حيث اعتبر حكم بلانكو الصادر عن محكمة التنازع في 8 فبراير 1873 ، الحكم الأساسي الذي اعتمد معيار المرفق العام كمعيار جديد لتحديد اختصاص القضاء الاداري، كما يعتبر حكم روتشيلد الصادر عن مجلس الدولة بتاريخ 6 ديسمبر 1855 ،أول حكم يتبنى فكرة المرفق العام كأساس لتحديد اختصاص القضاء الإداري، غير أن الأمر كان يتعلق بما يعرف بنظرية "الدولة المدينة" أو بعبارة أدق النظرية التي أكدت اختصاص القضاء الإداري في المنازعات المتصلة بتصرفات الإدارة العادية و التي ثم تكريسها في حكم بلانكو[1].
سنقوم أولا بعرض وقائع قضية بلانكو ثم نعلق على الحكم فيما بعد:

الفقرة الاولى: ما جاء به حكم بلانكو الصادر عن محكمة التنازع بتاريخ 1873/02/08

1- وقائع ومنطوق الحكم
تتلخص وقائع قضية بلانكو في وجود مصنع فرنسي للتبغ بمدينة بوردو، يضم هذا الأخير بنايتين يفصل بينهما شارع ، كانت البضاعة تنقل من المصنع الى المخزن عبر هذا الشارع بواسطة عربة يدفعها أربعة عمال تابعين للمصنع، وصادف أن صدمت إحدى هذه العربات " انيس بلانكو" طفلة السيد بلانكو و عمرها آنذاك 5 سنوات فانكسر ساقها ، مما دفع بوالد الضحية إلى رفع دعوى التعويض على الأضرار التي أصابت ابنته أمام المحاكم العادية ضد الدولة اعتمادا على المواد 1382 إلى 1384 من القانون المدني الفرنسي بنفس المدينة، معتبرا أن الدولة هي المسؤولية مدنيا على منح التعويض للمتضرر، إلا أن المحكمة دفعت بعدم الإختصاص في حكمها الصادرفي 17 يوليوز 1872.
فرفعت القضية أمام محكمة التنازع التي قضت في النازلة باختصاص القضاء الإداري معبرة أن الإدارة كسلطة عامة لا يمكن أن تحكمها مبادئ القانون المدني و المخصصة أصلا لعلاقات الأفراد، حيث إعتمدت محكمة التنازع في حكمها الصادر في 8 فبراير 1873 على معيار جديد لتطبيق القانون الإداري و تحديد اختصاص القضاء الاداري وهو معيار المرفق العام.
2- التعليق على الحكم
يعتبر موضوع مسؤولية الدولة من أهم موضوعات القانون الإداري التي يترتب عنها عدة مشاكل قانونية، منها تحديد القاضي المختص بالنظر في هذا النوع من الدعاوي، وكذا القانون الواجب التطبيق و المعيار المعتمد لذلك و طبيعة قواعد مسؤولية الدولة هل هي مستقلة عن قواعد المسؤولية المدنية أم لا ؟ وحدود هذه المسؤولية ؟
للتعليق على هذا الحكم سنتبع الخطة التالية:
أ- الإطار العام لحكم بلانكو
المبدأ الذي كان سائدا قبل صدور حكم بلانكو هو عدم مسؤولية الدولة باعتبارها صاحبة السلطة العامة و السيادة عملا بالقول المشهور " الملك - او الدولة ممثلة في شخصه – لا يخطئ " ، غير أن هذا المبدأ بدأ يندثر شيئا فشيئا و بدأت تتقرر مسؤولية الدولة و أصبح القضاء العادي بعد صدور قانون 16 – 24 غشت 1790 يميز بين أعمال السلطة وأعمال الادارة، و تخضع أعمال الإدارة لإختصاصه دون أعمال السلطة التي كان الإختصاص بالنظر في المنازعات المتعلقة بها موكولا للإدارة باعتبارها قاضية « l’administration- juge » ، غير أنه بصدور قانون 24 ماي 1872 أصبحت المنازعات الإدارية من اختصاص مجلس الدولة ، و بعد صدور حكم بلانكو في 08/ 02 /1873 بدات مرحلة جديدة في تحديد الجهة المختصة بالمنازعات التي تكون الإدارة طرفا فيها، اذ عهد بالنظر في هذه المنازعات للقضاء الإداري الذي سيطبق عليها قواعد القانون الإداري و ذلك متى اتصلت المنازعة بمرفق من مرافق الدولة.
ب-المبادئ التي جاء بها حكم بلانكو:
لقد أرسى حكم بلانكو مجموعة من المبادئ و التي يمكن اعتبارها علامة في تاريخ القانون الإداري الفرنسي وهي كالتالي
أولا - ربـــط الإختصــاص بالقانــون الواجــب التطبيــق:
القانون الواجب التطبيق هو الذي يحدد الإختصاص ، فكلما كانت القواعد القانونية الواجبة التطبيق ذات طبيعة خاصة غير تلك التي يقررها القانون المدني فإن الإختصاص يكون للقضاء الاداري و هو ما جاء به حكم بلانكو الشهير .
ويرتكز هذا المبدأ على القاعدة الأساسية التي تقول بأن " الموضوع يحكم الإختصاص وأن الإختصاص يتبع الموضوع".
و يرى بعض الفقهاء أن هذا المبدأ يعتبر العنصر الأساسي في تحديد إختصاص كل من الجهتين القضائيتين الإدارية والعادية ، ومن بينهم نذكر الفقيه ريفيرو RIVERO وأوبي AUBY ، لكن جانبا آخر من الفقهاء يرى أن الإعتماد على هذا المعيار وحده لم يصبح كافيا و من بينهم شابيCHAPUS ، الذي إنتقد في أطروحته المبدأ المتعلق بربط الإختصاص بالموضوع حيث يقول ،" أن هذا التعبير ظل غامضا لعدم تحديد معنى موضوع القانون ، و المفهوم الذي يعطيه الفقه لعبارة ربط الإختصاص بالموضوع هو أن هناك علاقة بين الإختصاص و القانون الواجب التطبيق، فالاختصاص القضائي يعني تطبيق القانون الخاص و الإختصاص الإداري يعني نظام خاص بالقانون العام"
ثانيا - فكرة المرفق العام كمعيار لتطبيق قواعد القانون الإداري
لقد وضع حكم بلانكو ضابطا جديدا للتمييز بين القضايا التي تطبق عليها قواعد القانون الإداري و القضايا التي تطبق عليهـــا قواعد القانون المدني، و هذا الضابط هو إرتباط المنازعـــة بالمرفـــق العام، و مناط إخضاع قضية الطفلة بلانكو للقضاء الإداري هو كونها ترمي الى إقرار مسؤولية الدولة عن الضرر الذي ألحقته عربة مملوكة لمصنع التبغ التابع للدولة بالطفلة، و عليه تكون المحاكم الإدارية مختصة في النزاع إذا كان هذا الأخير متعلقا بمرفق عام . وبالتالي فإن المسؤولية الإدارية أصبحت قائمة بعد صدور حكم بلانكو و يعود الفضل له في إبتكار الحلول الناجعة بسبب إثارة مسؤولية المرافق العامة عن نشاطها الضار بحقوق الخواص .
ثالثا – مسؤولية الدولة ليست عامة و لا مطلقة
إن صدور حكم بلانكو جاء في وقت لم تكن مسؤولية الدولة واردة على الإطلاق، اوعلى الأقل كانت هذه المسؤولية مقررة لكن في حدود ضيقة جدا ، و لم يكن من الممكن تقرير هذه المسؤوليــة بيـــن عشية و ضحاها بشكل عام و مطلق ، و لذلك ثم إقرار هذه المسؤولية في حدود ضيقة للغاية.
وهو ما عبر عنه مفوض الدولة في تقريره عن هذه القضية إلى أن " الدولة تقوم بتسيير المرافق العامة للمصلحة العامة ويجب أ ن يأخذ بعين الاعتبار اتساع مجال هذه المرافق و تنوعها ، وتنوع علاقات الأفراد بالدولة بناءا على ذلك ، الشيء الذي يحد من حرية الإدارة في العمل ......." و كان هذا الفهم هو السر الكامن وراء موقف مجلس الدولة في اعتماد مجموعة من النظريات الحادة من نطاق ومدى رقابة القضاء لبعض أعمال الإدارة، مثل أعمال السيادة والسلطة التقديرية للإدارة و اشتراط حدوث خطأ جسيم لمسائلة الموظف في مجال الشرطة الإدارية ..... الخ. وبذلك تكون محكمة التنازع الفرنسية بموجب قرار بلانكو قد قررت من جهة مسؤولية الدولة عن الأضرار الناجمة عن المرافق العامة ، و من جهة أخرى اختصاص القضاء الإداري بالفصل في المنازعات المتعلقة بها.

الفقرة الثانية : دور الاجتهادات القضائية الأخرى في ارساء مفهوم المرفق العام.

لقد كان صدور حكم بلانكو فاتحة خير على القانون الإداري بحيث من بعده توالت عدة أحكام و من بينها حكم تيري ، حكم فوتري و حكم تيروم و غيرهم، كل هذه الأحكام عززت قواعد القانون الإداري و أرست معيار المرفق العام .
اولا : حكم السيد تيري terrier الصادر عن مجلس الدولة بتاريخ 06/02/1903[2].
على اثر صدور هذا الحكم توسعت فكرة المرفق العام لتشمل كذلك المرافق العامة المحلية و هو ما سنبرزه من خلال التطرق لعرض موجز للوقائع و منطوق الحكم أولا و بالتعليق عليه ثانيا .
ا- موجز الوقائـــــع و منطوق الحكم .
تتلخص قضية تيري في ان مجلس العام لإقليم " الصاون و اللوار " قد خصص جوائز لكل من يقتل الأفاعي ، تسدد من ميزانية العمالة، و بالنظر لحماس الصيادين في قتل الأفاعي فقد نفذ رصيد العمالة ، مما جعلها عاجزة عن دفع الجوائز مكتفية بالاعتذار ، فكان السيد تيري من بين اللذين لم يتمكنوا من الحصول على الجائزة المعلن عنها ، مما دفع به الى رفع القضية الى مجلس الدولة مدعيا بان العمالة قد أخلت بالتزاماتها التعاقدية ، و ذلك بخرق بنود العقد المبرم بين المجلس البلدي و صيادي الأفاعي ،و بذلك قضى مجلس الدولة الفرنسي بوجود نزاع ما بين الأطراف (السيـــد تيري و المجلس البلدي لعمالة الصاون و اللوار )، وانه كان من الضروري لهذا الأخير ان يبث فيه بالرغم من كون فكرة المرفق لم تستعمل مباشرة ،فإنها تستخلص من الموضوع و من المصطلحات التي اتخد بها مقرر المجلس العام بتخصيص جوائز من اجل القضاء على هذه الحيوانات الضارة و التصويت على الاعتماد المسجل لهذه الغاية بميزانية العمالة برسم السنة المالية 1900.
لكل هذه الأسباب حكم مجلس الدولة الفرنسي بتوجيه السيد تيري أمام عامل إقليم الصاون و اللوار من اجل اتخاذ التدابير اللازمة لتصفية الدين المستحق للمعني بالأمر[3].
و من خــلال التطرق لظروف و ملابسات قضية تيري تظهر أهمية هذا الحكم من خلال مستنتجات مفوض الحكومـــة السيد روميـــو و التي شكلـــت آنذاك أهم المبــادئ بالنسبة للدولة و الجماعات المحلية فيما يتعلق بتحديد الاختصاصات الإدارية و القضائية، رغم ان فكرة المرفق العام لم تكن تستعمل في ذلك الوقت.
فما هي اذن النتائج التي جاء بها حكم تيري ؟.
ب- نتائج حكم تيري .
باستقرائنا لمنطوق الحكم و مستنتجات السيد مفوض الحكومة يمكن استخلاص النتائج التي جاء بها كما يلي:
- اولا : إن حكم تيري كان له الفضل للقول بعدم تمييز قضاء الجماعات المحلية عن قضاء الدولة و بذلك ثم التخلي عن الفكرة السائدة آنذاك التي كانت تقوم على خضوع العقود المبرمة من طرف الجماعات المحلية للقانون الخاص، و ان المنازعات المتعلقة بها كانت من اختصاص المحاكم العادية.
- ثانيا : كل الأعمال التي تنشا ما بين الهيئات العامة و الخواص او ما بين الهيئات العامة بعضها البعض و المتعلقة بتنفيذ او عدم تنفيذ او سوء تدبير المرفق العام تدخل ضمن الاختصاص الإداري و ان هذا الاختصاص يشمل و يمتد إلى الجماعات المحلية .
و هكذا بناءا على ما سبق فإننا نلاحظ انه رغم صدور الأحكام التي تطرقنا لها في موضوع بحثنا و التي كان لها صدا كبيرا في إرساء مفهوم نظرية المرفق العام فإنها لم تصل الى المبتغى المتوخى منها ، لان نشاط الدولة يتطور بتطور المجتمع على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي والسياسي ،هذا التطور لم تستطع الدولة مواكبته خصوصا مع ظروف الحرب العالمية والازمة الاقتصادية مما ادى الى ظهور ازمة مفهوم المرفق العام.

المطلب الثاني: تطور المفهوم القضائي المرفق العام

لم يكن اخضاع الادارة للقانون الاداري يثير اية اشكالية بسب محدودية نشاط الدولة، غير ان واقع الحياة في الدولة الحديثة خاصة مع الحرب العالمية الثانية [4] جعلها مجبرة على القيام بالوظيفة الصناعية والتجارية، فبفضل هذه الاحداث السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية ثم انشاء(المرافق العامة الصناعية و التجارية) التي تقوم بتسييرها الاجهزة العمومية ، [5]تخضع في جلها للقانون الخاص مما ادى الى ازمة تعريف المرفق العام من الناحية المادية و العضوية.

الفقرة الأولى : أزمة تعريف المرفق العام

من الناحية المادية ترجع بوادر ازمة تعريف المرفق العام مع صدور"حكم ناقلة الوكا "عن محكمة التنازع في 2 يناير 1921 حيث تعلق هذا النزاع بناقلة بحرية في ساحل العاج، هذه الاخيرة تعرضت لحادث تسبب في غرق مسافر وإلحاق أضرار بمجموعة من العربات، مما جعل احد المتضررين [6] يتقدم بدعوى التعويض ضد الادارة المسؤولة عن استغلال ذلك المرفق لدى المحكمة القضائية لتقضي بعدم اختصاصها مستندة على حكم بلانكو،وبعد ذلك ثم عرض القضية على محكمة التنازع هذه الاخيرة قضت على انه في غياب نص صريح يجعل الاختصاص للقضاء الاداري فان السلطة القضائية تصبح هي المختصة بالنطر في المنازعات المتعلقة بالأضرار التي تلحق بالأفراد، وبالتالي يكون القانون الواجب تطبيقه هو القانون الخاص بالرغم من ان النزاع يتعلق بمرفق عام يسير من قبل اجهزة عامة. ولعل من اهم ما جائت به قضية " ناقلة الوكا" هو تحد يد عناصر التفرقة بين انواع المرافق العامة الادارية والصناعية والتجارية سواء من حيث نشاطها، اي ان المرافق التي يهدف نشاطها الى تحقيق مصلحة عامة تكون مرافق عامة و المرافق التي لا تحقق المصلحة العامة لا تعتبر مرافق عامة ، او من حيث عنصر اسلوب تسيير المرفق،[7]الذي يقصد به ان المرفق العام يكون صناعيا او تجاريا عندما يكتسي طابع المقاولة وقد تم تعريفها من خلال الحكم الصادربتاريخ 16 نونبر 1956، اومن حيث عنصر مصدر مدا خيل المرفق ، ويقصد به ان مداخيل المرفق عبارة عن رسوم يتقاضاها من المنتفعين من خلال الخدمات التي يقدمها لهم، فالمرفق تكون له طبيعة صناعية وتجارية عند تحقيقه للارباح . ليستعين الاجتهاد القضائي في الأ خير على ثلاث عناصر يعمل من خلالها على تحديد طبيعة نشاط المرفق العام و تحديد الاختصاصات التي تدخل في القضاء الاداري ، و التي تتمثل في العنصر العضوي المرتبط بنشاط الادارة والعنصر الموضوعي المتعلق بنشاط المرفق العام و العنصر الاخير المتعلق بالسلطة العامة اي و سائل القانون العام.
هذا من جهة، اما فيما يخص ازمة التعريف العضوي للمرفق العام، فقد انطلقت من خلال الأدوار المتعددة التي يلعبها المرفق العام من كونه معيار لتطبيق القانون الاداري و وسيلة لتحديد الاختصاص، ذلك لأن مجال المنازعات الادارية اصبح يطرح اشكالا في حالات التسيير الخاص للمرفق، فمع ظهور المرافق العامة الاقتصادية اصبح مجلس الدولة يؤمن بفكرة اللجوء الى التسيير الخاص للفصل بين المرفق العام عن القانون العام "حكم شركة الكرانيت الصادر عن مجلس الدولة بتاريخ 31 يوليوز 1912" ، كما ان المغرب هو ايضا عرف صدور مجموعة من القرارات (قرار معمر بلقاسم وقرار احمد الشرقاوي الصادرعن مجلس الاعلى بتاريخ 30 ابريل 1959) التي من خلالها ثم تكريس امكانية ثشغيل الاعوان في المرافق العامة الاقتصادية . هذا مما يجعلنا نلاحظ ان هناك بعض الانشطة تكون بشكل من الاشكال تابعة للنظام الخاص، و ذلك من خلال اشراك الخواص في تسيير المرفق العام كوسيلة لتجاوز ازمة المرفق العام ليصبح الاهتمام بالجانب المادي اكثرمن العضوي.

الفقرة الثانية :التعريف القضائي الحالي للمرفق العام

إزاء الإنتقادات التي تعرض لها المدلول الشكلي أو العضوي للمرفق العام نتيجة لعجزه عن مواجهة التطورات والتغيرات التي طرأت على الدولة، والتي من أبرزها عجزها عن إشباع الحاجات العامة للأفراد وتحقيق المصلحة العامة بشكل مباشر, الأمر الذي إستوجب على الدولة أن تعهد الى الأفراد بمهمة تلبية هذه الحاجات مقابل تمتعهم ببعض امتيازات القانون العام ,هذا التغيير دفع الإجتهاد القضائي إلى تحديد المفهوم الحالي للمرفق العام في ثلاثة عناصر:
1-عنصر المصلحة العامة
يعد تحقيق المصلحة العامة من أهم العناصر المميزة للمرافق العمومية, ذلك أنه لا يعتبر مرفقا عاما نشاط الأشخاص العمومية الذي لا يستهدف تحقيق المصلحة العامة كما جاء في حكم مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 30أكتوبر1953في قضية bossuyt.
نفس الشئ بالنسبة للمرافق العمومية التي تدارمن قبل الاشخاص الخاصة كما يستشف ذلك من حكم مجلس الدولة الصادر بتاريخ 22 ماي 1954 المتعلق بنقل الأطفال بالمجان من قبل جمعية خاصة, وتحقيق المصلحة العامة قد يكون بالمجان أو مقابل ربح معين.
ذلك أن تحصيل المرافق العمومية للربح لا يعني حتما فقدها صفة المرفق العام طالما أن هدفها الرئيسي ليس الربح وإنما تحقيق النفع العام, فالربح يكون فقط نتيجة تبعية لنشاطها الاقتصادي, ويعود للدولة وحدها تقدير المجالات والأنشطة التي ترى أن من المصلحة العامة أن تجعل منها مرفقا عاما, وليس من اللازم أن يكون كل مشروع تنشئه الدولة مرفقا عاما, لأن المعيار الذي يحقق المصلحة العامة في المرفق العام هو سبب إنشائه, ولهذا يتعين البحث في كل حالة عن إرادة المشرع فقد يفصح عن قصد في نصوص صريحة باضفاء الصبغة العمومية على المشروع وفي هذه الحالة لا يكون ثمة خلاف في تحديد طبيعة المشروع وكونه مرفقا عاما أم لا, أما إذا لم يكشف عن نية المشرع فيمكن الإستعانة ببعض القرائن لتحديد طبيعة المشروع ولإثبات وجود المرفق العام, لأن النظرية التقليدية للمرفق العام التي كانت ترتكز على تطبيق نظام قانوني يخالف قواعد القانون الخاص, أصبحت حاليا متجاوزة بسبب ظهور مرافق تدبر من قبل الخواص.
2- استعمال امتيازات السلطة العامة
إن خضوع المرافق العمومية للقانون العام يعتبر كنتيجة لا كشرط, ذلك أن وجود المرفق العام هو الذي يقضي بتطبيق قواعد القانون العام كليا أو جزئيا, وأن من خصائصه إمكانية الإستفادة من امتيازات السلطة العامة كنزع الملكية, اتخاذ قرارات إجبارية للأغيار, إلزامية الإنضمام لهيئة معينة أو كحق الإحتكار المعهود به إلى بعض المؤسسات العمومية الصناعية والتجارية ,كالمكتب الوطني للسكك الحديدية أو المكتب الوطني للماء الصالح للشرب او المكتب الوطني للشاي والسكر...
3- مراقبة الدولة للنشاط
المرافق العامة تخضع لوصاية السلطات الادارية من أجل تحقيق تجاوب بين نشاط المرفق العام وأهداف الدولة, فاذا عهدت إلى أحد الأشخاص العامة أو الخاصة بادارة المرافق العمومية فان هذا لا يعني تخليها عن ممارسة رقابتها وإشرافها عليه من حيث تحقيق المصلحة العامة وإشباع الحاجات العامة للأفراد.
إن القاضي الفرنسي إستعان بالعناصر السابقة الذكر لتحديد المفهوم القضائي الحالي للمرفق العام كما يتضح ذلك من حكم مجلس الدولة الصادرفي 28 يونيو 1963 في قضية narcy حيث عرفه بالعناصر التالي:
- المرفق العام يؤدي مهمة ذات مصلحة عامة - الإدارة تمارس حق الرقابة على إنجاز هذه المهمة - الجهاز المكلف بالمرفق العام يتميز بامتيازات السلطة العامة.
وبالتالي على أساس هذه العناصر يمكننا تعريف المفهوم الحالي للمرفق العام كالتالي:
"المرفق العام هو ذلك النشاط الذي يهدف إلى تحقيق المصلحة العامة يدارمن قبل الأشخاص العمومية أو الأشخاص الخاصة أو هما معا, ويتمتع ببعض امتيازات السلطة العامة فهو يخضع كليا أو جزئيا للقانون العام كما يخضغ لمراقبة سلطة الوصاية[8]".
وعليه من خلال ماسبق يمكن القول أن أحكام القضاء الفرنسي أصبحت تأخذ بالمدلول المادي للمرفق العام ,ذلك أن مجلس الدولة الفرنسي إنتقل من المدلول العضوي في تحديد مفهوم المرفق العام عندما قضت محكمة التنازع باختصاصه بالنظر في دعوى التعويض التي أقامها السيد بلانكو عام 1873, إلى المدلول المادي في حكمه الصادر في قضية تيريه سنة 1903, إذ أنه إعتبر النشاط المتمثل في قتل الأفاعي مرفقا عاما بالرغم من غياب العنصر الشكلي المتمثل في عدم وجود جهاز إداري مختص بممارسته, وكذلك أخذ بالمدلول المادي في العديد من أحكامه كمثلا في قضية فوتري سنة 1908 وقضية تيرون سنة 1910, كما أنه من الأحكام المهمة التي تعرض لها في هذا الخصوص هو حكمه الصادر في 19 يناير 1938 والذي أضفى بموجبه صفة المرفق العام على نشاط الهيئات الخاصة في مجال التأمينات الإجتماعية, معتمدا في ذلك على هذف النشاط المتمثل في تحقيق التضامن الإجتماعي بالرغم من اختفاء العنصر العضوي[9].

المبحث الثاني: دور الاجتهادات القضائية في المنازعات الإدارية المرتبطة بالمرافق العامة

ان قواعد المسؤولية الادارية كانت من ابتداع الاجتهاد القضائي خصوصا من طرف حكم بلانكو الذي يعود له الفضل في ابتكار مسؤولية الدولة عن اعمالها الضارة بحقوق الافراد ،في الوقت الذي لم تكن فيه مسؤولية الدولة مقررة على الاطلاق ، لتلعب الاجتهادات القضائية دورا مهما في تكريس مسؤولية الدولة من خلال الفصل في المنازعات الادارية للمرفق العام وذلك نظرا لتنوع المرافق وتنوع أنشطتها و مبادئها، فقد يحدث المرفق نزاعات أثناء تأدية وظيفته الأمر الذي يؤدي بنا لتحديد مسؤولية المرفق العمومي وذلك عن طريق التمييز بين الخطأ المرفقي (المطلب الأول) و الخطأ الشخصي (المطلب الثاني) مع توضيح موقف القضاء الإداري من ذلك.

المطلب الاول: الخطأ المرفقي

الخطأ المرفقي أو المصلحي هو كل خطأ غير شخصي ينسب إلى المرفق وذلك طبقا للمادة 79من قانون الالتزامات والعقود " الدولة والبلديات مسؤولة عن الاضرار الناتجة مباشرة عن تسيير ادارتها و عن الاخطاء المصلحية لمستخدميها " . و يتجلى الخطأ المرفقي في عدم قيام المرفق بالخدمات التي يقدمها على الوجه القانوني الصحيح، و هذا الخطأ يمكن أحيانا تحديد مرتكبيه من العاملين بالمرفق، و لكن أحيانا يكون من الصعب معرفة مرتكب الفعل الضار فينسب الخطأ إلى المرفق نفسه[10].
هذا ما جاء في حكم رقم 40/98 بتاريخ 2 دجنبر 1998 بالمحكمة الإدارية بوجدة في قضية مضمض نزهة ضد وزير التجهيز بأن " عدم قيام الإدارة بوضع علامات و إشارات تدل على قطع الطريق (...) يعتبر خطأ مصلحيا من شأنه قيام المسؤولية اتجاه ما يصيب الغير من أضرار نتيجة ذلك"[11].
حيث ترفع دعوى التعويض عن الضرر الذي تسبب فيه المرفق ضد الجماعة و تطبق عليه قواعد القانون الإداري و يكون الاختصاص فيه للمحاكم الإدارية،و حسب هذا التعريف لابد من تحديد صور الخطأ المرفقي (الفقرة الأولى) و الهيئة التي يخول لها تقدير الخطأ المرفقي (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : صور الخطأ المرفقي

تتجلى صور الخطأ المرفقي التي حددها القضاء في ثلاث صور:
عدم أداء المرفق للخدمة بالمرة -أداء المرفق للخدمة على نحو سيء -ثم تأخير المرفق في أداء الخدمة و هذا ما تأكد في الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بوجدة بتاريخ 1999 الذي جاء فيه "إن المجمع عليه فقها و قضاءا أن الأخطاء المرفقية تتمثل في حالة عدم أداء المرفق للخدمة بالمرة أو حالة أداء المرفق للخدمة ولكن على نحو سيء أو حالة تأخر المرفق في أداء ألخدمة.
أ – عدم أداء المرفق للخدمة
هنا تمتنع الإدارة عن القيام بعمل يجب عليها القيام به بحيث يترتب على موقفها السلبي ضرر يصيب الأفراد و بالتالي تتحدد مسؤوليتها، كامتناع الإدارة عن القيام بالأعمال الضرورية لوقاية المواطنين من الفيضانات، [12] أو عدم قيامها بوضع علامة تنبئ بالقرب من بعض المخالفات الخطيرة الموجودة بالطريق العام، أو بتقاعسها عن القيام بمهام الشرطة الإدارية و منع الأنشطة المضرة بالسكن والبيئة. فالإدارة تكون قد ارتكبت خطأ مرفقيا يتمثل في عدم القيام بالخدمة المطلوبة منها. و هذا ما جاء في الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 2010 حيث جاء في هذا الحكم "حيث تعد الإدارة مسؤولة عن الأضرار الناشئة عن قيامها بالأشغال العامة أي الأعمال الإيجابية المنطوية على الخطأ أو المنظمة للخطأ، كما تسأل أيضا عن امتناعها عن تنفيذ هذه الأشغال و صيانة المنشأة العامة، وحيث ما دام أن امتناع الإدارة عن وضع علامة تنبيه بالقرب من الحفرة الموجودة بالطريق العام يرتب قيام مسؤوليتها في التعويض عن الضرر الناتج عنه.
ب – أداء المرفق للخدمة على نحو سيء
تتجلى في أعمال الإدارة الإيجابية و المنطوية على خطأ والتي تقع من المرفق أثناء أدائه للخدمة ،سواء كانت مادية أم قانونية[13] و من أمثلة قضاء مجلس الدولة الفرنسي في مجال الخطأ المادي الواقع من أحد رجال الشرطة الذي أطلق رصاصة على ثور هائج في الطريق العام فأصاب أحد الأفراد داخل منزله.
كما قضت محكمة الاستئناف بمراكش بتاريخ 11 مارس 1985 في ملف جنحي عدد 3811/84 بتحديد الجماعة المسؤولة عن الأضرار التي لحقت بالشخص من جراء إصابته برصاص بندقية لما كان أحد أعوان الإدارة يقوم بقتل الكلاب[14] و يرجع سوء الخدمة بالأساس إلى سوء تنظيم و سير المرفق.
ج – تأخر المرفق في أداء الخدمة
إن تأخر المرفق في أداء المهام الموكولة إليه من شأنه أن يلحق أضرارا بالأفراد ومن شأنه إقرار المسؤولية للإدارة، و هذا ما أكده مجلس الدولة الفرنسي، حيث أقر مسؤولية الإدارة إذا ما تأخرت عن أداء خدمتها بصورة تخرج عن المألوف فينتج عن ذلك الحاق الضرر بالأفراد كما لو تأخرت في ترميم بعض الآثار التاريخية [15]أو تأخرت في توصيل إحدى الشكاوي إلى المسؤولين[16]

الفقرة الثانية : تقدير الخطأ المرفقي

يشترط القضاء لتقرير مسؤولية الإدارة أن يكون الخطأ ذا جسامة يحددها وفقا للاعتبارات التالية:
أ – وقت وقوع الخطأ:
أكد مجلس الدولة الفرنسي على ضرورة الفصل بين الخطأ المرفقي الذي يقع في الظروف الاستثنائية كحالة قيام حرب أو انتشار وباء، ففي مثل هذه الظروف لا يمكن تسيير المرفق بنفس الدقة واحترام قواعد العمل، لذلك فما يعتبر خطأ في الظروف العادية قد لا يعتبر كذلك في الظروف الاستثنائية، ولقيام الخطأ في حالة الظروف الاستثنائية يجب أن يكون على قدر كبير من الجسامة تتناسب وخطورة هذه الظروف[17].
ب- مكان وقوع الخطأ:
قام مجلس الدولة الفرنسي بالتمييز بين الأماكن القريبة الواقعة في المجال الحضري مكان عمل المرفق وبين الأماكن النائية الواقعة في خارج المجال الحضري ففي هذه الحالة الأخيرة يتطلب المجلس درجة من الخطأ أكبر جسامة.
ج – أعباء المرفق المخطئ:
يشدد مجلس الدولة في درجة جسامة الخطأ في أنه كلما زادت أعباء المرفق وقلت وسائله وإمكانيته ،ومن بين أمثلة قضايا المجلس في هذا الخصوص أنه رفض تقرير مسؤولية الإدارة لأنها لم ترفع حاجزا وضعه مجهول في الطريق العام ليلا مما ترتب عليه إصابة راكب دراجة بجراح، وذلك لأن الحادث وقع عقب وضع الحاجز مباشرة وفي أثناء الليل، كما أن مراقب الطريق كان عليه مراقبة عدة كيلومترات من هذا الطريق.
د – طبيعة المرفق المخطئ:
يؤكد القضاء الفرنسي الذي يرتب المسؤولية بالنسبة لبعض المرافق نظرا لأهمية وظيفتها خاصة بالنسبة لمرفق البوليس ومرفق الصحة خاصة مستشفيات الأمراض العقلية.
ه- علاقة المتضرر بالمرفق:
فصل مجلس الدولة بين ما إذا كان المتضرر قد استفاد من المرفق الذي سبب له الضرر أم لم يستفيد ، لذلك فهو يتطلب درجة من الخطأ أكبر فيما لو كان المتضرر قد استفاد من المرفق ،لكنه يتساهل إذا كان المتضرر لا علاقة له بالمرفق ،لأن المجلس في الحالة الأخيرة يقدر أن المتضرر لم يستفد أي شيء مقابل الضرر الذي لحقه من نشاط المرفق.

المطلب الثاني : الخطأ الشخصي

الفقرة الاولى :دور القضاء و التشريع في تطوير الخطا الشخصي

يقصد بالخطأ الشخصي "...الإخلال بالتزام قانوني يرتكبه الموظف العام بغرض تحقيق مصلحة شخصية لا وظيفية عن قصد ويحدث ضررا بالغيراثناء قيامه بتسيير المرفق العام ،هذا الاخير يعتبر في مثل هذه الأحوال صلة وصل بين رجل الإدارة والشخص المتضرر ، فالضرر الذي يوقعه الموظف العمومي خلال قيامه بنشاطه في المرفق يترتب عنه المسؤولية الشخصية هذه الا خيرة عرفت تطورا كبيرا في النظام الإداري الفرنسي، ذلك أنه في بداية الأمر لم يكن من الممكن قبول الفكرة بسهولة على أساس أن الدولة بإعتبارها صاحبة السيادة لا يمكن أن ترتكب الخطأ . وعليه لكي يكون بالإمكان مسائلة الإدارة عن الأضرار التي تسبب فيها موظفيها كان لا بد من وجود نصوص قانونية تسمح لها بذلك . مما أدى إلى ظهور مجموعة من القوانين خلال القرنين 19 و 20 و التي تتعلق بالتعويض عن الأضرار التي يمكن أن بتسب فيه الموظف.
منها قانون 28 للسنة 8 بعد ثورة 1789 و المتعلق بالأضرار الناتجة عن الأشغال العمومية ، ثم مرسوم 10 للسنة 4 والذي يهم الأضرار الناتجة عن الإضطرابات وبالاضافة الى هذه القوانين، لعب الإجتهاد القضائي دورا هاما في تأسيس المسؤولية الشخصية للموظف ، حيث اعتبر قرار بلانكو أهم منطلق للإجتهاد القضائي ثم من خلاله تطور فكرة هذه المسؤولية.
اضافة إلى قرار "أنكي" وقرار "لومينيي" الصادرين عن مجلس الدولة الفرنسي و اللذان يشكلان مرحلة أساسية في تطور الإجتهاد القضائي في مجال المسؤولية الشخصية للموظف حيث جاء فيهما ما يلي
1- قرار "أنكي" الصادر بتاريخ 3 فبراير 1911 والذي جاء فيه بأن الباب المخصص للعموم في مكتب البريد رقم ... قد أقفل يوم 11 يناير 1908 قبل الموعد القانوني وقبل إنتهاء السيد أنكي الموجود بالمكتب من عملياته أمام أحد الشبابيك ، حيث إنه بناء على إرشاد أحد المستخدمين ونظرا لإنعدام أي مخرج آخر، إضطر السيد أنكي إلى إستعمال الباب الخاص بأعوان المرفق ، مما جعله عرضة للطرد العنيف هذ ا ما ادى الى المسؤولية الشخصية للعون المذنب بسبب الطرد المذكور بدافع تسيير المرفق العام .حيث انه في هذه الحالة كان من حق السيد أنكي مطالبة الدولة بتعويضه عن الأضرار التي تعرض لها نتيجة هذه الحادثة ،وبناءا عن ذلك ثم تقدير هذه الاضرار بإصدار قرار ضد الدولة بأداء مبلغ 2000 فرنك كتعويض للسيد أنكي ..."
2- قرار لومينيي الصادر بتاريخ 26 يوليوز 1918 والذي جاء محتواه كالتالي :
إن الجماعة المحلية ل"روكوكوغب" بمدينة تولوز نظمت بتاريخ 9 أكتوبر 1910 حفلها السنوي ، وكانت الرماية على أهداف عائمة على نهر صغير بالجماعة المذكورة إحدى الألعاب التي تتم ممارستها أثناء الحفل ، وقد كان يوجد على الشاطئ الموازي ممر مغروس بالأشجار مخصص للنزهة ، سبق للمنتزهين أن إشتكوا للعمدة من أخطاء طلقات الرصاص ، حيث إكتفى فقط بإدخال تغيير على شروط ممارسة الرماية ولكن بصورة غير كافية، مما ترتب عليه أن السيدة لومينيي التي كانت تقوم بنزهة رفقة زوجها قد أصيبت برصاصة في خدها وبإشعار عمدة المدينة السيد "لور" عمد هذا الاخير إلى توقيف الرماية .
وقد تقدم الزوجان لومينيي بدعوى أمام المحكمة الا بتدائية التي صرحت بعدم إختصاصها في النازلة وذلك بتاريخ 9-11-1911 مما إضطر معه الزوجان في 4 مايو 1912 بتقديم طلب للتعويض أمام المجلس البلدي للجماعة المحلية، حيث رفض هذا الأخير طلبهما، الشيئ الذي دفعهما إلى التقدم بطلب الطعن أمام مجلس الدولة.
لكن في نفس الوقت كان على محكمة الإستئناف بتولوز أن تقول كلمتها في الحكم الذي أصدرته المحكمة الإبتدائية والقاضي بعدم الإختصاص ، فأكدت عدم إختصاصها في البث في المسؤولية الإدارية ، لكنها خلافا للمحكمة الإبتدائية إعترفت بالمسؤولية الشخصية لعمدة المدينة وأصدرت في حقه حكما بالتعويض لصالح السيدة لومينيي ، وفي نفس الوقت كان على مجلس الدولة أن يبث في طلب الطعن الذي تقدم به الزوجان لومينيي والرامي إلى الحكم بالتعويض بسبب الضرر الناتج عن الإدارة ، حيث أكد أن السلطة البلدية المكلفة بالسهر على أمن الطرق العمومية قد إرتكبت خطأ جسيم وذلك بإعطائها الإذن بتنظيم هذه الرماية دون أن تتأكد من مدى توفر الضمانات الكافية للحفاظ على سلامة و أمن المواطنين . وأنه بسبب هذا الخطأ يجب التصريح بمسؤولية الجماعة المحلية عن الحادثة، حيث تكون مطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحق الزوجين ومنحهما ما قدره 12000 فرنك .[18]

الفقرة الثانية : صور الخطا الشخصي

وبالموازاة مع الاجتهادات القضائية والتشريعية الفرنسية االتي ادت الى ابراز المسؤولية الشخصية للموظف العمومي فقد عمد المشرع المغربي ايضا الى تحديد بعض الاخطاء الشخصية للموظف.
ونشيرفي هذا الصدد إلى الفصل 80 من ظهير الالتزامات و العقود الذي ينص على ان"مستخدمو الدولة و البلديات مسؤولون شخصيا عن الأضرار الناتجة عن تدليسهم أو عن الأخطاء الجسيمة الواقعة منهم في أداء وظائفهم ولا تجوز مطالبة الدولة و البلديات بسبب هذه الأضرار ، إلا عند إعسار الموظفين المسؤولين عنها.
-الفصل 81 "القاضي الذي يخل بمقتضيات منصبه يسأل مدنيا عن هذا الإخلال اتجاه الشخص المتضرر في الحالات التي تجوز فيها مخاصمته"
-الفصل 85 مكرر:" يسأل المعلمون و موظفوا الشبيبة و الرياضة عن الضرر الحاصل من الأطفال و الشبان خلال الوقت الذي يوجدون فيه تحت رقابتهم و الخطأ أو عدم الحيطة أو الإهمال الذي يحتج به عليهم ، باعتباره السبب في حصول الفعل الضار ، يلزم المدعي إثباته وفقا للقواعد القانونية العامة.
و في جميع الحالات التي تقوم فيها مسؤولية رجال التعليم العام و موظفي إدارة الشبيبة نتيجة ارتكاب فعل ضار أو بمناسبة إما من الأطفال أو من الشبان الذين عهد بهم إليهم بسبب وظائفهم و إما ضدهم في نفس الأحوال ، تحل مسؤولية الموظفين السابقين ، الذين لا تجوز مقاضاتهم أبدا أمام المحاكم المدنية من المتضرر أو من ممثله.
ويطبق هذا الحكم في كل حالة يعهد فيها بالأطفال أو الشبان إلى الموظفين السابق ذكرهم قصد التهذيب الخلقي أو الجسدي الذي لا يخالف الضوابط ،و يوجدون بذلك تحت رقابتهم ،دون اعتبار لما إذا وقع الفعل الضار في أوقات الدارسة أم خارجها .
الفصل 86 من قانون الالتزامات وعقود "كل شخص يسأل عن الضرر الذي تسبب فيه الحيوان الذي تحت حراسته ولو ظل هذا الحيوان أو تشرد مالم يثبت:
1)أنه اتخذ الاحتياطات اللازمة لمنعه من إحداث الضرر و لمراقبته.
2)أو أن الحادثه نتجت من حادث فجائي أو قوة قاهرة أو من خطأ المتضرر."
لذلك فإن الموظف العمومي بحكم وظيفته قد يقوم بحراسة حيوان معين مثل الكلاب التي يمكن الاستعانة بها في اداء مهامه كالمحافظة على الأمن او مكافحة المخدرات، إلا أن هذا الحيوان قد يهرب و يثيه و يلحق اضرار بالغير ولم يتخذ الموظف الاحتياطات اللازمة لمنعه أو مراقبته وهنا نكون امام الخطأ الشخصي للموظف.
كما تعرض المشرع المغربي للمسؤولية الشخصية للموظف المترتبة على حراسة الشئ الفصل 88 من ق.ل.ع"كل شخص يسأل عن الضرر الحاصل من الأشياء التي في حراسته ، إذا تبين أن هذه الأشياء هي السبب المباشر للضرر ، وذلك ما لم يثبت:
-1انه فعل ما كان ضروريا لمنع الضرر
-2ان الضرر يرجع إما لحادث فجائي ، أو لقوة قاهرة ، أو لخطأ المتضرر"
فصل 85 من ق.ل.ع " لا يكون الشخص مسؤولا عن الضرر الذي يحدثه بفعله فحسب ، لكن مسؤولا أيضا عن الضرر الذي يحدثه الأشخاص الذين هم في عهدته".
وبالتالي من خلال ما سبق يمكن القول ان الاحكام القضائية في اطار المنازعات الادارية قد لعبت دورا هاما في تكريس واقرار مسؤولية المرافق العامة ،هذا دون ان ننسى الدور الفعال الذي لعبه ايضا التشريع في هذا المجال.

خاتمة:
يمكننا استخلاص أن فكرة المرفق هي من وضع قضاء مجلس الدولة الفرنسي فهو الذي تبنى اساسها قبل أن يتولاها الفقهاء وظل مجلس الدولة يبني أحكامه والمبادئ التي يستند عليها على فكرة المرفق العام، كما ان محكمة النزاعات رغم النقاش الفقهي بقيت محافظة على ما استندت عليه في حكم بلانكو الشهير، وبذلك فخصوم الفكرة لم يستطيعوا انكارها واعترفوا بكون القضاء الاداري لا يزال على ولائه لمعيار المرفق العام.
وهكذا نشأت الفكرة في أول الامر كمعيار لتحديد مجال اختصاص القضاء الاداري وبالتالي بتحديد نطاق تطبيق القانون الاداري لكون اساس فكرة المرفق العام بنى عليه القضاء الاداري مختلف نظرياته الاساسية التي يقوم عليها. هذا وإن المرفق العام كنظام قانوني يعتبر أنجع أداة لتدخل الادارة في الحياة العامة إذا اختارت اللجوء الى وسائل القانون العام، لكن المتتبع لقضاء مجلس الدولة الفرنسي يجد أن الاستناد الى هذا المعيار لا يكون لوحده، فاختصاص القضاء الاداري الفرنسي يتحدد وفق معايير لا يجمعها أصل واحد، وهكذا فالقضاء الاداري مختص للبث في النزاعات المتعلقة بالسلطات الادارية في قيامها بنشاط مرفقي يشترط فيه أن تتبع الادارة أسلوب القانون العام وهذا ايضا ما ثم تكريسه ايضا من طرف القضاء الاداري المغربي.
كما هو الامر كذلك في المرافق الصناعية والتجارية التي أغلب نشاطها في مجال القانون الخاص واستثناءا القانون العام. وهكذا لم يعد هناك نوع واحد من المرافق العامة وإنما تعددت أنواعها مع التطور الذي عرفته وقد أنتج ذلك بالضرورة خضوع كل نوع منها لنظام يتفق وطبيعته، فإذا كانت كلها تخضع للقواعد الاساسية المتعلقة بالكيفية التي تؤدي بها خدماتها للمواطنين والتي تفرض سيرها بانتظام واضطراد، (مبدأ استمرارية المرفق العمومي) ومساواة المنتفعين أمامها وقابلية للتغير والتبديل، فإن القضاء الاداري قد فرق بين المرافق الادارية وغيرها فيما عدا ذلك. حيث عمل على إخضاع المرافق غير الادارية لقواعد القانون الخاص خاصة فيما يتعلق بمنازعاتها مع عملائها، وكذا منازعاتها مع عمالها الذين لا يشغلون مراكز رئيسية في إدارة منازعاتها مع كل من يلحقهم ضرر من نشاطها أي المسؤول عن الاعمال الضارة.
------------------------------------------
هوامش:
[1] ذ أحمد بوعشيق- المرافق العامة الكبرى على ضوء التحولات المعاصرة -الطبعة السابعة 2002 ص15
[2] ذ عبد الله حداد -الوجيز في القانون المرافق العمومية الكبري- ص31
[3] ذ احمد بوعشيق- المرافق العامة الكبرى- دار النشر المغربية طبعة 2004 ص 46-47
[4] محمد الراجي سؤال و جواب حول المرافق العمومية ص60
[5] ذ احمد بوعشق -مرجع سابق- ص 50
[6] ذ احمد بوعشق مرجع السابق ص 51
[7] المجلة المغربية للادارة المحلية و التنمية د حسن الحوات (اية استمرارية للمرافق العامة الصناعية و التجارية) ص 94
[8] الدكتور احمد بوعشيق- مرجع سابق – ص60 - 58
[9] مارسولون-احكام المبادئ في القضاء الاداري الفرنسي-ترجمة الدكتور احمد يسري-منشاة المعارف الاسكندرية 1991- ص12
[10] دة. ثورية لعيوني، القضاء الإداري ورقابته على أعمال الإدارة دراسة مقارنة، الطبعة الأولى 2005، ص 203.
[11] أحمد بوعشيق، المرافق العامة الكبرى، ص 431.
[12] C.E. 30/1/1923 ; Berthier ; Rec, p. 253.
[13] دة. ثورية لعيوني، مرجع سابق، ص 204.
[14] Tomasco – Gréco ; Rec, p : 140
[15] أحمد بوعشيق، مرجع سابق، ص 43 C.E 10/02/1905 ;
[16] C.E 25/11/1921. Malou-Dupré ; Rec p : 97
[17] دة.ثورية لعيوني: نفس المرجع السابق 205
[18] ذ.مولاي إدريس الحلابي الكتاني، سلوكات رجل الإدارة على ضوء المفهوم الجديد للسلطة ص50

إرسال تعليق

0 تعليقات