حدود مراقبة النيابة العامة للمهن القانونية و القضائية

رسالة بعنوان: حدود مراقبة النيابة العامة للمهن القانونية و القضائية PDF

رسالة بعنوان: حدود مراقبة النيابة العامة للمهن القانونية و القضائية PDF

مقدمة :
اعتمدت الدول الإرساء أنظمتها و استتباب الأمن بشتى مظاهره داخل مجتمعاتها إلى وضع قوانين تحكم سلوك الأفراد و الجماعات، علاوة على إحداث مؤسسات تعمل على تأطير المواطنين و معه ضمان احترام القانون الموضوع من قبل المؤسسات الحاكمة، وذلك كله يبرز الاستراتيجية الوطنية للدولة المتجهة إلى وضع تصور للعلاقة التعاقدية بين الحاكم و المحكوم، و في هذا الصدد فإن تعدد المؤسسات القانونية المساهمة بدورها تروم ضمان حقوق الأفراد و حرياتهم و تحصين تعاملاتهم، و من بين هذه المؤسسات التي أرست دعائمها المملكة المغربية نجد السلطة القضائية، فإذا كان قضاة الأحكام هم المسئولون عن التطبيق العادل للقانون في مختلف القضايا المعروضة أمامهم، فإن الأمر لا يختلف مطلقا بالنسبة للنيابة العامة الحريصة على تطبيق القانون و إتباع التعليمات القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها كمبدأ دستورية، و هذه الأخيرة التي تستمد صلاحياتها بموجب قانوني المسطرة المدنية و المسطرة الجنائية و أيضا نصوص خاصة كما هو الحال بالنسبة قوانين المهن القانونية و القضائية. 
والتشريع المغربي لم يعرف نظام النيابة العامة كمؤسسة قائمة الذات إلا عندما احتك بأوروبا عن طريق فرض الحماية على المغرب، فهذا النظام يعد من ضمن التراث القانوني الذي حملته فرنسا باعتبارها دولة حامية للمغرب ابتداء من معاهدة فاس المبرمة في 30 مارس 1912، ذلك أن القضاء الإسلامي لم يعرف هذه المؤسسة إلى أن دخلت أول مرة إلى المغرب بمقتضى ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالتنظيم القضائي للحماية الفرنسية بالمغرب، وقد اختلف المفكرون القانونيون حول تاريخ طهور هذه المؤسسة، لكن بعضهم اتفق على أن ظهورها يرجع إلى القرن الرابع عشر مساعدين في ذلك على الرسالة الملكية للملك فيليب الخامس الموجهة إلى وكلاء المحاكم الفرنسية، و التي تضمنت أمرا ملكيا من هذا الأخير بالمنع من الانتصاب كطرف في الدعاوى التي لا تمس بمصالحه وحقوقه. 
أما في وقتنا الحاضر فقد شهد المغرب إصلاحات تهم السلطة القضائية و بالأساس جهاز النيابة العامة، حيث عمل على فك ارتباطها بالسلطة التنفيذية بشكل مطلق أي عن وزير العدل.
و لعل إصلاح نظام القضاء بالمغرب و تطوير أساليب سيره لا يهتم فقط بالمحاكم والقضاة والموظفين الإداريين و التقنيين، و إنما أولى المشرع المغربي عناية مهمة لباقي مكونات أسرة العدالة من المهن القانونية والقضائية، و التي تساهم بدورها على كافة المستويات في تصريف العدالة و مساعدة القضاء في تحقيق الأمن القانوني و القضائي وتكريس الحكامة القضائية، الأمر الذي يفسر اهتمامه الكبير بهذه المهن الحرة، وذلك من خلال مراجعة القوانين المنظمة لمهنهم في مسلسل تحديث المنظولة القانونية، ووعيا منه أن صناعة العدالة وجعل القضاء في خدمة المواطن و أداء الخدمة القضائية على الوجه الحسن، لا يتحمل مسؤوليتها القاضي لوحده، و إنما تساهم فيه مجموعة من المتدخلين المساعدين له، والذين يتفاوت دورهم في ذلك بحسب موقع كل واحد منهم". 
و من بين هذه نجد ممارسي المهن القانونية و القضائية التي عمل المشرع المغربي على تنظيمها تنظيما قانونيا، نجد كل من المحاماة ومهنة المفوضين القضائيين والموثقين 20 و العدول 21 و التي اقتصرت دراستنا على الإحاطة بهم في علاقة بتدخل النيابة العامة، إلى جانب كل التراجمة المحلفين و الخبراء القضائيين 23 و مهنة النساخة24 
وقد أكد التشريع المهني المغربي المنظم للمهن موضوع دراستنا، على تحديده لجملة من الضوابط و الأحكام الواجب إتباعها و استحضارها من قبل المهني، أثناء أدائه لمهمته المنوط القيام بها من قبل كل من المحامي و الموثق و العدل و المفوض القضائي، بمسؤولية و أمانة وكذلك في احترام الأصول و أعراف و تقاليد هذه المهن الموضوعة من قبل الأجهزة المهنية المسيرة لها و الساهرة على حفظها، و تجنب كل ما من شأنه الإطاحة بعراقة و نبل رسالة هذه المهن المفوضة إليها من قبل الدولة، خدمة للمتقاضين بشكل خاص و لكافة المواطنين بشكل أعم، و كذلك إتقاءا لكل محاسبة أو إثارة للمسؤولية المهنية القانونية في أبعادها المدنية و التأديبية و الجنائية حسب خطورة الفعل الخارق للقانون المهني المغربي، و لعل مطلب التخليق يبقى أيضا مطلبا مهما يستدعي القطع مع كافة الممارسات المهنية التي قد يأتيها استثناء بعض الممارسين الذين لا يستحضرون الضمير المسئول و المهني، و أيضا الوازع الديني و القيم الأخلاقية، الأمر الذي لم يفت على المغرب أن قطع فيه أشواطا كبيرة لمحاربة الفساد و تخليق منظومة العدالة ببلادنا، مما قد يشكل معه مستقبلا إلى زعزعة الثقة المشروعة في هذه الفئة القريبة إلى القضاء كمرفق عمومي له وظيفته العظيمة في صيانة الحقوق والحريات . 
وتبعا لذلك فإن العنصر الذي يتحكم في الثقة التي يوليها المواطنون والشركاء الأجانب النظام حكم معين، ويساهم بشمال في في التنمية الإقتصادمقوط عدالة الاجتماعية من خلال الإحساس بالأمن والاعتقاد الراسخ بأن القانون يطبق على الجميع وبشكل عادل لا يعرف الإسثناء، و عليه فقد عمل المشرع المغربي على إنفاذ هذا الدور بواسطة تفعيل الرقابة القانونية الإدارية أو القضائية أو المهنية المفروضة على المهن و هيئاتها الخاصة بها، حيث جعلها متعددة، كما هو الحال بالنسبة للمؤسسات الرقابية الإدارية كوزارة العدل و وزارة المالية و غيرها، إضافة إلى مؤسسات قضائية كالنيابة العامة التي مكنها المشرع المغربي من عديد الصلاحيات و المهام إلى جانب غرفة المشورة ذات الاختصاص التأديبي و أيضا القضاء الزجري و المدني وفقا لما سنأتي على دراسة غاياته و حدوده، كما لا يفوت التأكيد على دور الرقابة المهنية التي تفرضها الهيئات و المجالس المهنية، من خلال إحياء الضمير المهني لممارسيها باعتبارها المحرك الرئيسي في المجتمع والوطن، لما فيه من ضمان للأمن المهني للمهن و حفظ للنظام العام القانوني و القضائي بالمغرب . 
و في ضل تنامي أدوار النيابة العامة في شتى المجالات القضائية، و تعدد مهامها بين القضائية أو الشبه القضائية أو الإدارية، فإن المشرع المغربي استحضر من خلال فرض رقابة من نوع خاص على المهن القانونية و القضائية عن طريق القضاء الواقف، تراعي في ذلك المصلحة العليا للدولة التي فرضت اختصاصاتها و نقلته إلى هذا القطاع المهني الخاص، فهذه المراقبة في أبعادها تفرض نفسها أيضا صزنا لحقوق المتقاضين والحد من تشكيل هذه المهن لأي ضغط على السلطة القضائية نفسها2. 

أولا: أهمية موضوع البحث
إن أهمية موضوع بحثنا المتعلق بحدود رقابة النيابة العامة على المهن القانونية والقضائية من المنطلق المدني ذو الطبيعة الرقابية و كذلك من الجانب التكاملي بين النطاقين التأديبي والزجري، تكمن في اعتباره من أهم موضوعات القانون الخاص ، وذلك راجع لكون الدراسة فيه تمزج بين عديد القوانين المؤطرة له في شقها الموضوعي وأيضا المسطري، إضافة إلى ما يكتسيه الأمر من تلاقح مع جدل المنظور الفقهي و تطبيقات العمل القضائي. 
و من جهة أخرى فإن محاولة تسليط الضوء على الأدوار الموكولة لجهاز النيابة العامة بمقتضى قوانين هذه المهن ذات الطبيعة الحرة و مدى تمازجه مع الإطار العام للقواعد العامة من جهة الاختصاص لهذا الجهاز، الأمر الذي يضفي أهمية خاصة من حيث التشريع المهني و ذلك فيما أحسن المشرع المغربي منحه لهذه الأخيرة من أدوار بارزة وعيا منه، لضمان تطبيق و احترام قواعد القانوقلة وتوفر الأمن المهني لممارسيها و أيضا الأمن القانوني و الاجتماعي للمتعاملين معها. 

ثانيا: دوافع وأسوابه اختيار الموضوع 
لا ريب أن رغبتنا الملحة في الاطلاع على أدوار النيابة العامة في القضايا المرتبطة بالمهن القانونية و القضائية، دفعتنا لمحاولة الوقوف على المكانة الهامة التي أولاها المشرع المغربي للنيابة العامة في جانب تدخلها و معه فرض رقابة وازنة لحسن إنفاذ القانون المهني كما أوجبه القانون، و أيضا فإن تعدد مجالات تدخل النيابات العامة بمحاكم مملكتنا تبقى متعددة و متشابكة المساطر و الأدوار، الأمر الذي طرح بذهننا و بقوة عن جدوى هذا التدخل لبيان نطاقه و حدوده القانونية و القضائية. 
فموضوع مراقبة النيابة العامة على المهن الحرة ذات الطبيعة القانونية و القضائية، لم ينل مكانته في الدراسات القانونية الحديثة رغم أهميته الكبرى، فالميدان الإجرائي المهني يخلو من الكتابة في هذا الموضوع الشائك، عدا بعض الكتابات العامة بطبيعتها والشارحة  لقانون المسطرة المدنية والجنائية فهذا النقص في الخزانة القانونية المغربية دفعنا إلى الخوض فيه لعلنا نهتدي فيه إلى إنارة البحوث و أيضا القراء لفتح مجالات البحث الباحثين آخرین. 
و نظرا لصعوبة البحث في موضوع حدود تدخل النيابة العامة في قوانين المهن القانونية و القضائية و حصرها في أربع مهن مجتمعة و محاولة المقارنة التشريعية بين أنظمتها القانونية، و كذلك محاولة لربط جميع مناحي هذا التدخل المؤسساتي في أبعاده الرقابية و التأديبية و الزجره، فكي امور دفينا الیومحاولیه سط توازن تدخل القضاء الواقف لحفظ النظام العام المهني، و حتى لا يبقى الاقتصار على النظريات الفقهية ومواقف كل جهة على حدى ذات نظرة خاصة، فإن أساس الدراسة القانونية تقتضي إيجاد العلاقة الترابطية بين كافة المتدخلين في منظومة العدالة، فيبقى تناول أحكامه التطبيقية أمرا ضروريا لقياس مدى تطبيق القواعد القانونية على أرض الواقع و مدى جودتها في ظل التطور السريع للمجتمع المغربي. 
ولا يخفى علينا أيضا أنه نظرا للأدوار الكثيرة الملقاة على كاهل النيابة العامة التي تعنى بتطبيق القانون و الحفاظ على ضمان احترام إرادة التشريع، فإن الأمر قد يشهد بعض الاختلالات و الإشكالات العملية أثناء التنزيل قد ترجع إلى عدة مسببات حاولنا تسليط الضوء عليها من خلال هذا العمل العلمي الجاد. 
و أخيرا يبقى أهم دافع لاختيار موضوعنا هو شغفنا و حبنا الكبير للمادة العلمية في شقها القانوني، و أيضا في الاطلاع على أكبر عدد ممكن من الكتابات القانونية في جميع مناحيها التنظيمية و من خلالها الشق المتعلق بالمهن القانونية والقضائية، فلم نتردد مطلقا في اختياره كمجال مستقبلي بإذن الله اول و کا موضوع بحث، بالرغم من مزجنا بين تخصصنا في المادة الجنائية و كافة الجوانب الأخرى ذات الطبيعة المدنية التي لا يمكن الفصل بينهما، فالنظرة السليمة للقانون تقتضي الإلمام بجميع جوانبه و مناحيه حسب رأينا، و معه ففعلا نجد أن موضوعنا يستحق أن يكون موضوعا للرسالة الجامعية المحترمة الضوابطها الأكاديمية. 

ثالثا : الإشكال الذي يثيره الموضوع 
تكمن إشكالية البحث في الوقوف على حدود التدخل الرقابي و التأديبي و الزجري للنيابة العامة في ضوء التشريع المهني المغربي، لكل من مهن المحاماة؛ والتوثيق؛ وخطة العدالة والمفوضين القضائيين، في ظل المتغيرات الراهنية التي تشهدها بلادنا وآفاقها. 
و هذا الإشكال الرئيس الذي يتفرع عنه جملة من التساؤلات التالية نجملها في التالي: 
- ما الغاية التي دفعت المشرع المغربي وراء عمله على فرض الرقابة المؤسساتية في شخص القضاء الواقف على المهن القانونية والقضائية ؟ 
- إلى أي حد مکن تدخل النيابة العامة من ضمان الأمن المهني و زرع الطمأنينة و الأمن المرفقي للمتعاملين معها ؟
- أي أثر للتحولات التشريعية المتمثلة في استقلال السلطة القضائية بموجب دستور 2011 و الذي تمقطعة فك ارتباط والنيابة العامة عن السلطة الحكومية المكلفة بالعدل بمقتضى القانون 33 . 17 الذي نقلت بموجبه سلطات الإشراف على النيابة العامة من وزير العدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة، ومعه ضمان التدخل المؤسساتي الرقابي على كل من مهنة المحاماة والتوثيق وخطة العدالة و المفوضين القضائيين موضوع دراستنا ؟ 
- مدى نجاعة تدخل النيابة العامة في مسطرة تأديب أشخاص المهن القانونية و القضائية، و دورها في ضمان استقرار ثقة المتعاملين معها ؟ 
- هل يشكل تمركز صلاحيات المراقبة و التأديب بيد النيابة العامة إخلالا للتوازن في تحقيق الغاية المرجوة لحفظ الأمن المهني للهيئات و المجالس المهنية، و ما موقف هذه الأخيرة من ذلك ؟ 
أي دور للقضاء التأديبي باعتباره سلطة للتأديب و الزجر في حماية المهن وضمان نجاعة أدائها ؟ 
- هل الخصوصية تعدد المقتضيات الزجرية القانونية المتصلة بصفة المهن القانونية و القضائية، أثر إيجابي أم سلبي على مزجها بين صفة الموظف العمومي في تطبيقات العمل القضائي ؟ 
- ما الداعي الذي جعل المشرع المغربي يوفر حماية قانونية في شقها الإجرائي أثناء إثارة المسؤولية الجنائية المهنية في مهنة دون الأخرى، أثناء تحريك الدعوى العمومية ضد كل من المحامي و المفوض القضائي و الموثق و العدل وما يتبعه خلال مرحلة البحث التمهيدي أو التحقيق الإعدادي أو أثناء المحاكمة؟ 
- هل تؤدي المتابعة الجنائية إلى حرية المتابعتهم العكس صحيح، ومدى ارتباط الاثنين على إثارة المسؤولية القانونية لاشخاص المهن القانونية و القضائية موضوع دراستنا ؟ 
فكل هذه التساؤلات الفرعية تخدم الإشكالية الرئيسية لبحثنا و المتمثلة في قياس وظيفة تدخل النيابة العامة في قوانين المهن موضوع دراستنا، و التي تظهر أيضا خلال عنوان بحثنا. 

رابعا: المنهج المعتمد في البحث
ارتأينا في هذه الدراسة، اعتماد المنهج التحليلي و الوصفي من أجل الوقوف على كافة المقتضيات القانونية المنظمة لكل من مهن المحاماة و التوثيق و المفوضين القضائيين والمتعلق بخطة العدالة و استقرائها، ببعد نظر مستفیض مرتبط بالكتابات الفقهية الحديثة في هذا الجانب، و كذلك الأمر فيما اتصل بأحدث ما صدر عن محاكم الموضوع المغربية و من خلالها توجهات محكمة النقض، قصد توضيح الغموض سواء على مستوى قانون الموضوع أو القانون الإجرائي. 
و كذلك فقد انصب عملنا هذا على اعتماد منهج استقرائي استنباطي قصد الوقوف على جزئيات القراءة المتأنية و ربط امتداد الدور الهام للنيابة العامة بكافة مراقبة من مرحلة المراقبة مرورا بمرحلة التأديب و وصولا إلى الزجر و إيقاع الجزاء الجنائي ضد كل الخارجين عن قواعد الضبط المهني، و ما تثيره من إشكالات أو عملية. 

خامسا: خطة البحث 
و في ضوء كل هذه الاعتبارات فإن هذه الدراسة تقتضي أن نقسمها إلى فصلين كما الأتي: 

الفصل الأول: حدود التدخل الرقابي والتأديبي للنيابة العامة على المهن القانونية والقضائية 
الفصل الثاني: حدود التدخل الزجري للنيابة العامة ضد أشخاص المهن القانونية والقضائية 
تعليقات