Header ADS

اخر الأخبار

قراءة في النظام الأساسي الخاص بهيئة كتابة الضبط

عرض بعنوان: قراءة في النظام الأساسي الخاص بهيئة كتابة الضبط في المغرب PDF

عرض بعنوان: قراءة في النظام الأساسي الخاص بهيئة كتابة الضبط في المغرب PDF

تقديم
إن الحدیث عن تطویر وتجوید عمل المحاكم دون استحضار العنصر البشري الذي یشكل أساسھا لابد وأن یكون مصیره الفشل، وارتباطا بذلك فإن الاھتمام بالعنصر البشري في منظومة العدالة تكوینا وتخلیقا وتحفیزا، قد یشكل مفتاحا لإنجاح ذلك.
فبالإضافة إلى الجھاز القضائي، باعتباره محور رئیسي في عمل المحاكم، إلا أن مكانته ھذه، لن تكتمل إلا بمساعدة أجھزة أخرى من بینھا جھاز كتابة الضبط، حیث إن نظام عمل المحاكم وطرق سیره مرتبط بالأساس بالدور الذي تضطلع به كتابة الضبط، والذي یعتبر حجر الزاویة في بناء ھذه المحاكم.
ھكذا، فقد شھدت الحضارات القدیمة[1] مؤسسة كتابة الضبط، ففي الحضارة الیونانیة كانت وظیفة ھذه المؤسسة - أي كتابة الضبط - تعرف باسم:« scrib » وقد كانت مھمته ھي الكتابة والنسخ، ولم یكن یقبل في شغل ھذه الوظیفة إلا من كان مواطنا حرا مخلصا، وله أھلیة معترف بھا ویجب أن یتمتع بتقدیر العامة[2].
وقد عرفت أیضا الحضارة المصریة القدیمة وظیفة كاتب الضبط، وكان ھذا الأخیر یلعب دورا أساسیا، كما كانت تشترط فیه عدة شروط ومنھا:أن یكون متمدرسا ویعرف القراءة والكتابة والحساب، كما كان یتواجد في جمیع الإدارات، وكان یمارس بالإضافة إلى وظیفته الأساسیة مھام أخرى كالھندسة ومراقبة الأشغال وتحصیل الضرائب حسب القدرات التي یتوفر علیھا[3].
أما كاتب الضبط عند الرومان، فإنه كان یسمى:«tabellio» و[4]«tabularius»، وكان یشترط في كاتب الضبط في الحضارة الرومانیة أن یكون مواطنا جدیرا بالاحترام وأن یكون مثقفا في القانون والآداب؛ وقد كان یزاول إلى جانب مھمته مھمة التوثیق، حیث كان یحرر العقود بین الأطراف ویحرر الأحكام المنطوق بھا ویسلم نسخا منھا مقابل دفع الإتاوة[5].
أما في العصر الوسیط، فقد أصبح ھناك تنوع لكتاب الضبط بتنوع المحاكم، ولم تكن لھم نفس المھام ولا نفس الانتماء الاجتماعي؛ وفي ذات العصر عرفت المحاكم تطورا كبیرا وبدأت وظیفة كاتب الضبط تعرف بشكل أفضل، وأصبح یشترط فیه معرفة الكتابة والتمتع بأخلاق حسنة، فقررت الكنیسة نظاما یقضي بحفظ مكتوبات كاتب الضبط في أرشیفات، ابتداء من نھایة القرن الثالث عشر المیلادي[6].
وفي أواسط القرن السادس عشر تمت التفرقة بین مھمة كاتب الضبط والتوثیق، وبعد ھذه المرحلة وبالضبط بعد الثورة الفرنسیة، أصبح يميز بین نوعین من كتاب الضبط، كتاب الضبط الرؤساء وھم الذین یسیرون كتابات الضبط ذات الأھمیة، وھناك كتاب الضبط الرسمیون یعینون في كتابة الضبط ذات أھمیة قلیلة ویقومون بتسییر ھذه المصلحة[7].
وفي مرحلة ما بین عھد الإصلاح والجمھوریة الخامسة، بدأت ملامح التعییر وأصبح كاتب الضبط شخصا من أشخاص القانون الخاص ویعمل في قطاع عام، وھو قطاع العدل، حیث أصبح یسمى موظفا عمومیا ووزاریا، كما تم إرجاع وظیفة كتابة الضبط الرئیس سنة 1930م[8].
وفي أواسط القرن العشرین وبموجب قانون 1948/03/20 تم تمكین النساء من ولوج وظیفة كتاب الضبط في محكمة النقض الفرنسیة؛ كما تم تعدیل الشواھد الواجب الحصول علیھا لولوج وظیفة كتاب الضبط، حیث یجب الحصول على الإجازة في الحقوق أو ما یعادلھا أو الحصول على شھادة من المدرسة الوطنیة للإدارة، وفي سنة 1974 تم خلق مدرسة وطنیة لكتابات الضبط یوجد مقرھا بمدینة [9]Dijon.
وفي المغرب، وبالضبط أثناء فترة الحمایة، فقد اعتبر قانون المسطرة المدنیة، آنذاك، كأول قانون أخرج مؤسسة كتابة الضبط إلى الوجود[10]، حیث تصمن ثمانیة فصول للتعریف بھذه المؤسسة[11]. وفي سنة 1946 نظم المشرع المغربي سلك موظفي كتابة الضبط ووضع نظامھم الأساسي بمقتضى ظھیر [12]1947.
وبعد حصول المغرب على استقلاله، صدر مرسوم بتاریخ 07 دجنبر 1959، توحدت بموجبه النظم الأساسیة لموظفي كتابة الضبط بمحاكم المملكة، وفي 26 ینایر 1965، صدر الأمر الملكي الذي تم بموجبه توحید كتابات الضبط وكتابات النیابة العامة بمقتضى المنشورین الوزیرین 222 و223. ثم صدر بعد ذلك المرسوم الملكي بتاریخ 02 فبرایر 1967 بشأن النظام الأساسي الخاص بموظفي المحاكم.
وفي 13 یولیو 1974 صدر الظھیر الشریف بمثابة قانون المتعلق بالتنظیم القضائي للمملكة، ونص في الفصول 2 و6 و10 منه على أن المحاكم الابتدائیة ومحاكم الاستئناف والمجلس الأعلى (محكمة النقض حالیا)، تتألف بالإضافة إلى القضاة والنواب من كتابة الضبط وكتابة النیابة العامة.
وخلال سنة 1979 وبعدھا، صدرت مجموعة من المناشیر تھم التنظیم الھیكلي لكتابة الضبط[13]. وبتاریخ 14 سبتمبر 2011، خرج المشرع بمرسوم رقم 2.11.473 بشأن النظام الأساسي الخاص بھیئة كتابة الضبط[14].
- تعریف كتابة الضبط 
ویقصد بكتابة الضبط سلك من الموظفین لدى كل محكمة ویتكون ھذا السلك من كاتب ضبط رئیس مصلحة یساعده كتاب ضبط وأعوان لھذه الكتابة15، كما یذھب [15]البعض[16]إلى أن كتابة الضبط والأعوان یقومون بالوظائف القلمیة والأعمال الإداریة المنصوص علیھا في القانون كقبول الدعوى التي ترد على المحكمة وتقییدھا في السجلات المخصصة وتوجیه الاستدعاءات وتصفیة الرسوم القضائیة وتثبیت ما یصدر عن المحاكم من أحكام وقرارات في محضر الجلسة.
وفي نفس السیاق یذھب البعض[17] إلى أن كتاب الضبط یعتبرون موظفین عمومیین یخضعون لقانون الوظیفة العمومیة وھم من مساعدي القضاء ویضطلعون بعدة مھام مرتبطة بالقضاء.
فكاتب الضبط، یعتبر محور مؤسسة الجھاز القضائي، وتتوزع أعماله بین ما ھو قضائي وإداري، وھو كما سبق الذكر موظف عمومي یقوم بعدة مھام ویقع على عاتقه تسییر جھاز كتابة الضبط كجھاز إداري تابع للدولة، فاكتسابه صفة الموظف العمومي تجعله یضطلع بعدة أعباء ویتحمل عدة مسؤولیات لأنه یعمل في خدمة الدولة لأداء مصلحة عامة للأفراد.
والدولة لن تتمكن من إدارة مرافقھا (المحكمة) وتوفیر الخدمات لمواطنیھا إلا عن طریق موظفیھا العمومیین، ومن بینھم بطبیعة الحال كتاب الضبط الذین تستعین بھم الدولة لإدارة مرفق العدل[18].
ویعرف بعض الفقه الوظیفة العمومیة بأنھا:((مجموعة من الواجبات والاختصاصات التي تسندھا السلطة المختصة إلى من تتوفر فیھم شروط تقلدھا))[19].
أما الموظف العمومي فھو ((ذلك الشخص الذي یشغل الوظیفة بما لھا من حقوق، وما علیھا من واجبات في إطار ضوابط وقواعد قانونیة محددة))[20]؛ ولا یخرج كاتب الضبط عما جاء في التعریف السابق، حیث إنه لابد أن تتوفر فیه بعض الشروط لیعتبر موظفا عمومیا.
وتجدر الإشارة أن كاتب الضبط یخضعون إلى نصوص خاصة، بالإضافة إلى مرسوم رقم 2.11.473 صادر في 15 من شوال 1432 (14 سبتمبر 2011) بشأن النظام الأساسي الخاص بھیئة كتابة الضبط[21].
- أھمیة الموضوع 
وتتجلى أھمیة الموضوع في ارتباط جھاز كتابة الضبط ارتباطا وثیقا بجھاز القضاء، إذ یكفي لمعرفة ھذه الأھمیة، تصور عمل القضاة والمحاكم بصفة عامة دون وجود جھاز كتابة الضبط؛ كما تبرز الأھمیة أیضا من خلال مكانة كاتب الضبط في مسطرة التقاضي من أولھا إلى آخر مرحلة فیھا، وأثر عمله على ھذه المسطرة، باعتباره أول من یستقبل المتقاضي وھو یلج ردھات المحاكم، وھو الذي یفتح الملف أول مرة ویسھر في جمیع المراحل على عملیة الضبط والتوثیق، كما أن كتابة الضبط ھي التي تسھر على توزیع الحقوق وإیصالھا إلى أصحابھا، لذلك یستحق ھذا الموضوع البحث والدراسة.
وتھدف دراسة ھذا الموضوع إلى الإحاطة بمؤسسة كتابة الضبط، من خلال بیان تنظیمھا القانوني والھیكلي، وكذا المھام المنوطة بھذا الجھاز، بالإضافة إلى الدور والمكانة الذین تحظى بھما، وذلك كله وفق المقاربة التقنیة والموضوعاتیة التحلیلیة لھذا الموضوع.
لذلك، بعد ھذا التقدیم، یثار التساؤل وفق الإشكالیة التالیة:
• إلى أي مدى تمكن جھاز كتابة الضبط بتنظیمه القانوني والھیكلي، من إبراز أھمیته داخل مرفق القضاء، وكذا المھام المنوطة بھ؟
لمحاولة وضع مقاربة لھذه الإشكالیة، ارتأینا التقسیم التالي: 

• المبحث الأول:التنظیم القانوني لجھاز كتابة الضبط والشروط المتطلبة للعمل فیه.
• المبحث الثاني:التنظیم الھیكلي لجھاز كتابة الضبط ومھامه. 

المبحث الأول: التنظيم القانوني لجهاز كتابة الضبط وشروط العمل فيه 

بالنظر للدور الكبیر الذي یضطلع به جھاز كتابة الضبط كجھاز حیوي یساھم في تسھیل مھمة القضاء، فان الأمر یتطلب تنظیمه من طرف المشرع بكیفیة تتناسب مع المھمة المنوطة به في إطار الورش الكبیر والإصلاح العمیق والشامل لمنظومة العدالة، لذلك نجد أن المشرع حاول أن ینظم ھذا الجھاز بدءا من ظھیر 1913 المتعلق بقانون المسطرة المدنیة، مرورا بمجموعة من النصوص والمناشیر، حیث ھّمّ ھذا التنظیم كلا من الجانب القانوني والجانب الھیكلي، حیث سنتطرق للتنظیم القانوني في مطلب أول على أن نرجئ الحدیث عن التنظیم الھیكلي إلى المبحث الثاني، بالإضافة الى تحدید المشرع لمجموعة من الشروط المتطلبة للتوظیف بھذا الجھاز، نظرا لخصوصیة العمل وھو الأمر الذي سنعالجه في مطلب ثاني.

المطلب الأول: التنظيم القانوني لجهاز كتابة الضبط.

نظرا لاحتكاك جھاز كتابة الضبط بجھاز قضاء الحكم وقضاء النیابة العامة فإن تنظیمه القانوني یعتبر مسألة بالغة الأھمیة، ویمكن التمییز في ھذا التنظیم بین ثلاثة مراحل رئیسة[22]، المرحلة الأولى ما قبل صدور ظھیر التنظیم القضائي سنة 1974(الفقرة الأولى)، والمرحلة الثانیة ما بعد صدور الظھیر (الفقرة الثانیة)، والمرحلة الثالثة التي اتسمت بصدور مرسوم 2.08.71 (الفقرة الثالثة).

الفقرة الأولى: مرحلة ما قبل ظهير 15 يوليوز 1974.

قبل صدور ظھیر التنظیم القضائي كان جھاز كتابة الضبط منظما بواسطة مجموعة من النصوص والمراسیم، ولدراسة تنظیم ھذا الجھاز في ھذه المرحلة سنمیز بین ثلاثة مراحل:
1 - مرحلة ما قبل الحماية
كانت كتابة الضبط تتواجد بدار القاضي أو دار القضاء وكان عدد الكتاب قلیلا ویقومون بجمیع الإجراءات ویساعدون القاضي في مھامه ویتكون الجھاز آنذاك من:
- أمین دار القضاء: ویھتم بحراسة البنایة التي یمارس فیھا القاضي مھمته وینسق الأعمال[23].
- كاتب دار القاضي:ویقوم بمھمة تسجیل الدعاوى واستدعاء الأطراف.
- كاتب مكلف بالمحفوظات:مھمته الحفاظ على الدعاوى والملفات والوثائق المقدمة من الخصوم.
- المخزني أو الشرطي:یحضر الخصوم والشھود الى مجلس القضاء ویحفظ النظام.
2- مرحلة الحماية
عند دخولنظامالحمایة الى المغرب، عمل المستعمر على إصدار مجموعة من النصوص والظھائر، حیث نص ظھیر 12 غشت 1913 المعتبر بمثابة قانون المسطرة المدنیة على إحداث جھاز الكتابة الى جانب القضاة، وخصص ھذا الظھیر الفصول من 26 إلى 33 لكتابة الضبط، والتي كلفت بمقتضاه بالضبط والتوثیق وتحصیل المصاریف القضائیة وأعمال المحاسبة، كما كلفت بالإنذارات والمعاینات والتبلیغات والتنفیذات والتصفیات القضائیة.
وبعد ذلك صدر ظھیر 3 ماي 1914، الذي ھم تنظیم جھاز كتابة الضبطومساعدیھا والترقیة والتعویضات المتعلقة بالسكن والعطل والرخص الإداریة والتأدیب وعدم الكفاءة.
وتم تعویض ھذا الظھیر بظھیر 20 فبرایر 1920 الذي اھتم بكتابات المحاكم الفرنسیة بالمغرب، حیث تناول نقط أساسیة كشروط التوظیف والتعیین[24].
3- مرحلة ما بعد الاستقلال وقبل سنة 1974
بعد حصول المغرب على الاستقلال، كان من بین أھم مجالات الإصلاح التي اھتم بھا المشرع المیدان القضائي، فعلى مستوى كتابة الضبط فقد تم إصدار مرسومرقم 66- [25]1181بمثابة القانون الأساسي لموظفي المحاكم، یتكون من 30 فصلا، حدد الفصل الأول منه مكونات موظفي المحاكم وأسلاكھم والذي یضم الأسلاك التالیة:
سلك المعاونین
سلك أعوان الكتاب.
سلك كتاب الضبط.
سلك المحررین القضائیین.
سلك المنتدبین القضائیین.
سلك المنتدبین القضائیینالإقلیمیین.
كما حدد المرسوم شروط التوظیف والرتب وبعض النقط الأخرى، وقد تم تعدیله بمقتضى المرسوم[26] الذي أحدث اطار المحررین القضائیین، وكذلك المرسوم[27] الذي ھّمإطاره مإطار المنتدبین القضائیین والمنتدبین القضائیین الإقلیمین وشروط التعیین.

الفقرة الثانية: مرحلة صدور ظهير التنظيم القضائي بتاريخ 15 يوليوز 1974

بعد مرسوم 1967 جاء ظھیر 15 یولیوز [28]1974، المعتبر بمثابة ظھیر التنظیم القضائي، إلا أنه لم یخصص حیزا ھاما لجھاز كتابة الضبط، حیث نص في الفصل الثاني منه على أن المحاكم الابتدائیة تشتمل على كتابة الضبط وكتابة للنیابة العامة، ونفس الأمر بالنسبة لمحاكم الاستئناف والمجلس الأعلى ( الفصول من 6 الى 10)[29].
كما أن القانون المنشئ للمحاكم الإداریة، نص على وجود مصلحة كتابة الضبط، والأمر نفسه بالنسبة للمحاكم التجاریة ومحاكم الاستئناف التجاریة، ومحاكم الاستئناف الإداریة.
و ما یمكن إبداؤه من ملاحظة حول ھذه النصوص، ھي أنھا لم تولي أھمیة لتنظیم جھاز كتابة الضبط رغم الدور الكبیر الذي یلعبه في العملیة القضائیة، إضافة الى غیاب أي مقتضى قانوني في ھذه المرحلة ینظم جھاز كتابة الضبط ویحدد اختصاصاته، إلا أن وزارة العدل بادرتإلى تجاوز ھذا النقص، فقامت بإصدار منشور عدد 858 لسنة 1979، الذي جاء في إطار إعادة التنظیم الإداري للمحاكم وإعطائھا الوسائل الكفیلة لضمان سیرھا بشكل جید، وحرصت من خلاله الوزارة الوصیة على تنسیق المھام وتوحیدھا وتحدید المسؤولیات ضمانا لفعالیة وحسن سیر كتابة الضبط[30].
و قد ساھم ھذا المنشور، بالرغم من عدم ارتقاءه الى درجة النص القانوني، في منح كتابة الضبط على صعید محاكم الاستئناف صفة المصلحة، وقسمھا إلى عدة مكاتب موازاة مع عدد الغرف التي تحتوي علیھا ھذه المحاكم.
و ظل التنظیم القانوني لجھاز كتابة الضبط خلال ھذه المرحلة قاصرا من حیث تحدید اختصاصه إلى غایة صدور قرار لوزیر العدل بتاریخ 7 شتنبر 1987، والذي حدد اختصاصات كتابات الضبط وكتابات النیابة العامة، ورغبة من المشرع في التخفیف على كاھل كتابة الضبط أحدث ھیئة الأعوان القضائیین وكان الھدف منھا ھو مساعدة كتابة الضبط.

الفقرة الثالثة: مرحلة صدور المرسوم عدد 2.08.71 سنة 2008

بعد سنوات كثیرة من الانتظار صدر مرسوم 2.08.71 المعتبر بمثابة النظام الأساسي الخاص بموظفي ھیئة كتابة الضبط، والذي نص في مادته الأولى على أنه:
"تحدث ھیئة لكتابة الضبط بوزارة العدل تعمل في حدود الاختصاصات المخولة لھا قانونا وتنفذ ما تأمر به المحكمة من إجراءات مسطریة، وتكون في وضعیة عادیة للقیام بالوظیفة بمختلف محاكم المملكة وبالمصالح المركزیة واللامركزیة بوزارة العدل.
و تشتمل ھذه الھیئة على الأطر التالیة:
1) إطار كتابة الضبط.
2) إطار المحررین القضائیین.
3) إطار المنتدبین القضائیین. "
وأول ما یلاحظ أن المرسوم أتى بتسمیة جدیدة وھي "ھیئة كتابة الضبط"، بالإضافة إلى أنه تم التقلیص من الأسلاك والأطر المكونة لھذه الھیئة بحیث أصبح الأمر یقتصر على إطار كتابة الضبط، وإطار المحرر القضائي، وإطار المنتدبین القضائیین.
في حین یظل إطار المعاونین وإطار أعوان المكتب خاضعین لمقتضیات المرسوم الملكي رقم 1181.66 الصادر بتاریخ 2 فبرایر [31]1967 بشأن النظام الأساسي الخاص بموظفي محاكم المملكة[32]، المغیر والمتمم بمراسیم تناولت بالتعدیل بعض مقتضیاته، منھا المرسوم رقم 2.71.554 الصادر بتاریخ 22 دجنبر 1971، والمرسوم رقم 2.77.503 الصادر في 20 غشت 1977، والمرسوم رقم 2.04.560 الصادر في 18 ینایر 2005 المحدد لنظام التعویضات الخاص بھیئة موظفي محاكم المملكة، وأخیرا المرسوم رقم 2.08.71.
عموما، سنحاول الاشارة بنوع من الإیجازإلى التنظیم القانوني للأطر المكونة لھیئة كتابة الضبط على ضوء المرسوم رقم 2.08.71 والذین یعتبرون بمثابة موظفین عمومیین یخضعون لقانون الوظیفة العمومیة، ولبعض المھام المنوطة بھم دون التوسع فیھا تاركین مجال الحدیث عنھا الى المبحث الثاني.
1- إطار كتابة الضبط.
أحدث ظھیر 15 یولیوز 1974 المتعلق بالتنظیم القضائي كتابة مكلفة بالضبط، وأخرى للنیابة العامة بمحاكم المملكة، ونظم ھیكلتھا بمنشور صادر عن وزیر العدل تحت رقم 858 بتاریخ 28 ماي 1979.
ولا یخفى على أحد الدور الفعال الذي یقوم به كتاب الضبط رغم المشاكل التي تعرقل السیر العادي لعملھم على امتداد مراحل الدعوى أیا كان نوعھا، إذ على یدیه تفتتح الخصومة وعلى یدیه أیضا تنتھي، بل إن وجوده إلى جانب تشكیلة ھیئة الحكم یعتبر أمرا ضروریا لصحتھا قانونا، حیث یعھد إلیھم بممارسة مجموعة من المھام[33]، یضطلعون بھا قبل انعقاد الجلسة، وأثناء سریانھا، وبعد ذلك، منھا استقبال ملفات القضایا وتقییدھا في سجلات معدة لھذا الغرض، وتلقي الرسوم القضائیة...، ویتحملون بطبیعة الحال المسؤولیة[34] التي تقع على كاھلھم بمناسبة مزاولة ھذه المھام[35].
2- اطار المحررون القضائيون
بعد اجتیازھم للمباراة التي تنظمھا الوزارة الوصیة، یعین المحررین الفضائیین في إحدى الدرجات الأربع المخصصة لإطارھم[36]، وتناط بھم مجموعة من المھام، منھا حضور الجلسات، وتحریر محاضرھا والإشھاد على صحتھا، وتحریر المحاضر المدنیة والجنائیة ومحاضر التحقیق والإشھاد على صحتھا...
3- اطار المنتدبون القضائيون
یعین المنتدبون القضائیون بعد اجتیاز المباراة التي تعلن علیھا الوزارة المعنیة، ویشتمل إطارھم على ثلاثة درجات[37]، ویتولون زیادة على المھام المنصوص علیھا في المادة الأول من المرسوم رقم 2.08.71، القیام بمھام الإشراف وتدبیر المھام الموكولة إلیھم على مستوى محاكم المملكة والإدارة المركزیة والمصالح اللاممركزة، وتأطیر الموظفین العاملین تحت سلطتھم وتكوینھم وإعادة تأھیلھم مركزیا وجھویا، وتقدیم الاقتراحات وإنجاز الدراسات والبحوث المتعلقة بمجال اختصاصھم، وحضور الجلسات...

المطلب الثاني: الشروط المطلوبة للعمل بكتابة الضبط وطبيعة التكوين

من المعلوم أن جھاز كتابة الضبط یعد من بین أھم الأجھزة الأساسیة داخل المحاكم عموما، بحیث لا یمكن الحدیث عن ھذه الأخیرة إلا بوجود الأولى وتلعب دورا فعالا في إعداد الملفات بدایة ونھایة أي من یوم رفع الدعوى وتلقیھا إلى یوم تنفیذ الحكم الصادر فیھا.
وبصرف النظر عن دور القضاء في الفصل في المنازعات فدور كاتب الضبط لا یقل أھمیة، فھذا العمل مضن ودقیق یتطلب قدرا عالیا من الإلمام بقواعد الإجراءات، فعمل مثل ھذا یتطلب تكوینا قانونیا رصینا (الفقرة الأولى) كما یتطلب تمرینا مھما على العمل
(الفقرة الثانیة).

الفقرة الأولى: شروط الولوج للعمل بهيئة كتابة الضبط

عرفت كتابة الضبط تطورات متلاحقة مواكبة لما عرفته الإدارة المغربیة من تغییرات سیاسیة واقتصادیة ومعلوماتیة، وقد بدا ذلك واضحا من خلال القفزة النوعیة التي شھدتھا ھذه المؤسسة مؤخرا انطلاقا من البناء القانوني لھا.
فقد كان موظفو المحاكم یخضعون للنظام الأساسي الخاص بھم، الصادر بشأنه المرسوم الملكي رقم 1181.66 الصادر بتاریخ 2 فبرایر 1967 المغیر والمتمم بمراسیم لاحقة تناولت بالتعدیل بعض مقتضیاته، منھا المرسوم رقم 2.08.71 الصادر في 9 یولیو 2008 المتعلق بالنظام الأساسي لموظفي ھیئة كتابة الضبط ھذا الأخیر نسخ بدوره بمقتضىالمرسوم الصادر في فاتح ینایر 2011[38].
وھكذا، وانطلاقا من المرسوم الصادر في 9 یولیو 2008، فإن موظفي المحاكم یتشكلون علاوة على إطاري المعاونین وأعوان المكتب الذین یسري علیھم المرسوم الملكي الصادر في 2 فبرایر 1967 من ھیئة لكتابة الضبط تحدث بمختلف محاكم المملكة، وبالمصالح المركزیة واللاممركزة بوزارة العدل (المادة1 من المرسوم)، لتقوم بالاختصاصات المخولة لھا قانونا، وتنفذ الإجراءات المسطریة التي تأمر بھا المحكمة مع خضوعھم في ذلك للسلطة الحكومیة المكلفة بالعدل التي تقوم بتدبیر شؤونھم في ظل النصوص التشریعیة والتنظیمیة الجاري بھا العمل (المادة 2 من المرسوم)، وھي تظم الأطر التالیة[39]:
أولا: إطار المنتدبين القضائيين
یعین المنتدبون القضائیون من بین المترشحین الفائزین في المباراة التي تفتحھا الوزارة المعنیة للمتوفرین على شروط اجتیازھا، ویشتمل إطارھم على ثلاث درجات:
یوظف المنتدبون القضائیون من الدرجة الثالثة من بین خریجي سلك التكوین في التدبیر الإداري للمدرسة الوطنیة للإدارة[40]؛ أو الحاصلین على شھادة الإجازة في الدراسات الأساسیة أو الإجازة المھنیة في العلوم القانونیة أو الاقتصادیة أو الاجتماعیة أو التدبیریة أو في الشریعة؛ أو إحدى الشھادات أو الدبلومات المحددة بقرار للسلطة الحكومیة المكلفة بتحدیث القطاعات العامة والغریب أن الصنف الأول لا یشترط فیه اجتیاز المباراة عكس الصنف الثاني والثالث وھنا یطرح التساؤل حول لماذا سمح المشرع المغربي لخریجي المدرسة الوطنیة للإدارة الولوج لھیئة كتابة الضبط في صنف المنتدبین القضائیین منالدرجة الثالثة دون اجتیاز أیة مباراة.
أما صنف المنتدبین القضائیین من الدرجة الثانیة فیعینون من بین خریجي السلك العالي في التدبیر الإداري للمدرسة الوطنیة للإدارة؛ أو من المعھد العالي للإدارة في حین اشترط المشرع بمن یرید ولوج ھذا الإطار من غیر من ذكر حصوله على دبلوم الدراسات العلیا المتخصصة في العلوم القانونیة أو الاقتصادیة أو الاجتماعیة أو التدبیریة أو في الشریعة؛ أو إحدى الشھادات أو الدبلومات المحددة بقرار للسلطة الحكومیة.
وتجدر الإشارة إلى أن صنف المنتدبین القضائیین من الدرجة الأولى فیتم الارتقاء إلى ھذا الصنف عن طریق الترقیة فقط، فلا توجد مباراة خاصة بھا سواء كانت مھنیة أو خارجیة، إذ یجب أن یكون الموظف إطارا منتدبا من الدرجة الثانیة ویقضي 5 سنوات على الأقل من الخدمة الفعلیة في ھذه الدرجة حتى یتمكن من الارتقاء إلى الدرجة الأولى (الفقرة الرابعة من المادة 31).
وتفتح المبارتان المنصوص علیھما في المادتین 23 و24 من ھذا المرسوم في وجه المترشحین البالغین من العمر 18 سنة على الأقل و45 سنة على الأكثر في فاتح ینایر من السنة الجاریة. وتشتمل ھذه المباراتان على اختبارات كتابیة في مرحلة أولى تھم التخصصات القانونیة أھمھا في التنظیم القضائي والمسطرة المدنیة والمسطرة الجنائیة، إضافة إلى اختبارات شفویة في حالة النجاح في الامتحانات الكتابیة.
ثانيا: إطار كتاب الضبط
أحدث ظھیر 15 یولیو 1974 المتعلق بالتنظیم القضائي كتابة مكلفة بالضبط، وأخرى للنیابة العامة بمحاكم المملكة، ونظم ھیكلتھا منشور صادر عن وزیر العدل تحت رقم 858 بتاریخ 28 ماي 1979.
ویوظف كتابة الضبط بعد النجاح في مباراة تفتح في وجه المترشحین المتوفرین على الشروط التي یستلزمھا القانون، ویرتبون بعد تعیینھم في أربع درجات (المادة 17 من المرسوم) تخصص لھا رتب وأرقام استدلالیة.
فبالنسبة لكتاب الضبط من الدرجة الرابعة یشترط مستوى شھادة نھایة التعلیم الثانوي التأھیلي أو شھادة التأھیل المھني المسلمة من طرف المؤسسات المؤھلة لتسلیم ھذه الشھادة، أو إحدى الشھادات أو الدبلومات المحددة بقرار الوزیر المكلف بتحدیث القطاعات العامة (الفقرة الثانیة والثالثة من المادة 28 من المرسوم).
أما فیما یخص الشواھد المطلوبة لاجتیاز مباراة كتاب الضبط من الدرجة الثالثة فقد اشترط المشرع شھادة الباكالوریا أو إحدى الشھادات المعادلة لھا المحددة بقرار للسلطة الحكومیة المكلفة بتحدیث القطاعات العامة (المادة 28 من المرسوم)، ونرى أن مثل ھؤلاء لا یجب تأھیلھم لاجتیاز ھذا الامتحان وولوجھم العمل بالمحاكم لأن ذلك سیساھم في تدني مستوى القضاء وكتابة الضبط، نظرا لافتقارھم لأدنى مستوى التكوین القانوني. كما أن المترشح في غالب الأحیان یكون جاھلا للمواد القانونیة المؤطرة للعمل بالمحاكم كالتنظیم القضائي والقوانین الإجرائیة.
وتفتح المباریات الخاصة بأطر كتابة الضبط في وجه المترشحین البالغین من العمر 18 سنة على الأقل و40 سنة على الأكثر في فاتح ینایر من السنة الجاریة (المادة 33 من المرسوم).
ثالثا: إطار المحررين القضائيين
یخضع إطار المحررین القضائیین للمباراة التي تنظمھا وزارة العدل، ویعینون في إحدى الدرجات الأربع المخصصة لإطارھم.
ویوظف المحررون القضائیون من الدرجة الرابعة بعد النجاح في مباراة تفتح في وجه المترشحین الحاصلین على دبلوم الدراسات الجامعیة العامة أو دبلوم العلوم القانونیة أو الاقتصادیة أو الاجتماعیة أو التدبیریة أو في الشریعة؛ أو شھادة التقني المسلمة من طرف إحدى مؤسسات التكوین المھني المحدثة طبقا للمرسوم 2.86.325 بتاریخ 8 جمادى الأولى1407 (9 ینایر 1978)؛ أو شھادة مرشد اجتماعي المسلمة من طرف المعھد الوطني للعمل الاجتماعي؛ أو إحدى الشھادات أو الدبلومات المحددة بقرار للسلطة الحكومیة المكلفة بتحدیث القطاعات العامة.
ویخضع المترشحون لمباراة كتابیة في إحدى التخصصات القانونیة كالتنظیم القضائي والقانون الدستوري أو القواعد الإجرائیة. بالإضافة إلى اختبار في موضوع عام، تتحدد مدة كل اختبار في ساعتان. كما یخضع الناجحون في الاختبارات الكتابیة لاختبار شفوي موضوعه مستجدات الساحة القانونیة، وكذلك الھیكل التنظیمي لجھاز كتابة الضبط بشكل عام.
أما بالنسبة للمترشحین الحاملین لدبلومات مؤسسات التكوین المھني فیتم اختبارھم حسب مجال تخصصھم بنفس الطریقة الأولى، أي عبر مرحلتین الأولى عبارة عن اختبار كتابي والثانیة في شكل أسئلة شفویة.
وھذا الصنف الأخیر عادة ما تنحصر مھامه في كل ما ھو تقني أو إداري. أما المھام التي لھا صبغة قانونیة فتبقى حكرا على حاملي شواھد الدراسات العامة الجامعیة في الحقوق والشریعة.
في حین یوظف المحررون القضائیون من الدرجة الثالثة بعد النجاح في مباراة تفتح في وجه المترشحین الحاصلین على شھادة التقني المتخصص المسلمة من طرف إحدى مؤسسات التكوین المھني؛ أو إحدى الشھادات أو الدبلومات المحددة بقرار للسلطة الحكومیة المكلفة بتحدیث القطاعات العامة.
تجدر الإشارة إلى أنه بعد النجاح النھائي في المباریات الخاصة بھیئة كتابة الضبط، یؤدي موظفو ھذه الأخیرة عند تعیینھم وقبل الشروع في ممارسة مھامھم الیمین القانونیة أمام المحكمة التي یتم تعیینھم بھا، وذلك على الشكل التالي[41] "أقسم با العظیم أن أقوم بمھامي بوفاء وإخلاص، وأن أحافظ على السر المھني وأسلك في ذلك مسلك الموظف النزیه".
وبإلقاء نظرة عن الشروط المطلوبة للعمل بجھاز كتابة الضبط في بعض التشریعات المقارنة منھا فرنسا وبلجیكا، یتضح لنا أن ھذه الدول جعلت الدرایة القانونیة شرطا أساسیا للانتماء لھذا الجھاز.
ففي فرنسا مثلا، نجد القرار الصادر بتاریخ 18 یولیو 2003 المنظم لطبیعة المواضیع والامتحانات الخاصة بكتابة الضبط وكتاب الضبط رؤساء المصالح یجعل طبیعة الامتحانات متناسبة مع ھذا الجھاز حیث یختبر المترشح في موضوع یھم إما المظاھر السیاسیة أو الاقتصادیة أو الاجتماعیة أو الثقافیة للعالم المعاصر أو یختار موضوعا لمشاكل التنظیم القضائي أو الإداري الفرنسي، أما الامتحان الثاني فیھم الاختبار في إحدى المواضیع التالیة:
- القانون المدني أو المسطرة المدنیة.
- القانون الجنائي أو المسطرة الجنائیة.
- قانون الشغل.
أما الامتحان الثالث فإنه یھم القانون الدستوري الفرنسي والقانون الإداري والقانون القضائي الخاص وذلك لمعرفة إمكانیات المرشحین ومؤھلاتھم.
أما الامتحانات الشفویة فتشتمل ھي الأخرى على عدة امتحانات، وتھم تھیئ عرض في مادة أقصاھا 10 دقائق وتكون فیه المقابلة مع لجنة انطلاقا من اختیار المرشح بعد القرعة لنص قصیر أو موضوع ومن خلال مناقشته تقف اللجنة على قدرات وشخصیة المرشح ومدى قدرته على ممارسة مھامه.
وینحو التشریع البلجیكي منحى التشریعات المتقدمة حیث إنه یشترط الدرایة القانونیة في كل من یرغب الالتحاق بالعمل بكتابة الضبط. وما یؤكد ذلك ھو تطلبه لما یسمى بشھادة الترشیح لكتابة الضبط وھي في الحقیقة طریقة فعالة تجمع بین التكوین القانوني Certificat de candidat greffiers 42 والتمرین.

الفقرة الثانية: التكوين الذي يخضع له أطر هيئة كتابة الضبط.

إن التمرس على العمل بأي قطاع یعتبر الدعامة الأساسیة لتأھیل الموارد البشریة وحسن استغلالھا لأداء وظیفتھا على أحسن وجه ضمانا لأداء تنظیمي متمیز وثمة حقیقة لا تقبل الجدل تتمثل في السھر على تمرین وتمرس العنصر البشري كیفما كانت مواقعھا التنظیمیة، وتحصر في قول أحد الباحثین: "إن المحكمة بالنسبة لكلیة الحقوق یجب أن تكون كالمستشفى بالنسبة لكلیة الطب".
وعلیه فإن تأھیل العنصر البشري العامل بالحقل القضائي عموما وھیئة كتابة الضبط على وجه التحدید یشكل ھاجسا لا محید عنه وذلك لمواجھة ضعف التكوین الذي تعاني منه الأطر العاملة بھذا المجال. لذلك عھدت وزارة العدل إلى ھیئات مختصة بمھمة التكوین (أولا)، كما أننا سنتعرض لمختلف أنواع التكوین (ثانیا).
أولا: الهيئات المختصة بتكوين العنصر البشري
من المعلوم أن التكوین یمكن بشكل جید من رفع مردودیة الأطر ویجعلھم قادرین على التحكم في محیطھم والتأثیر علیه، كما یمكن الإدارة القضائیة من إعادة توزیع الطاقم البشري الذي تتوفر علیه حسب الأھداف والحاجیات.
لذا فوزارة العدل وسعیا منھا لتحسین مردودیة القضاء وجودته، تحاول جاھدة وضع التكوین ضمن أھدافھا الإستراتیجیة، وذلك لتجاوز الوضع الناتج عن شوائب ضعف التكوین من جھة، ولوضع حد للانتقادات الموجھة إلیھا بخصوص تقصیرھا في مجال التكوین من جھة أخرى. وبذلك فقد عھد إلى ھیئات مختصة مسؤولیة تكوین أطر موظفي كتابة الضبط بالمحاكم وھي قسم التكوین والتتبع بمدیریة الموارد البشریة (أ)ومدیریة تكوین كتاب الضبط بالمعھد العالي للقضاء (ب)[43].
أ - قسم التكوین والتتبع بمدیریة الموارد البشریة
إن طریقة تكوین وتمرین موظفي كتابة الضبط بالمغرب تعتبر تقلیدیة، وعلى العكس من ذلك اھتم المشرع المغربي بتكوین رجال القضاء حیث أحدث بمقتضى قانون 29 ینایر 1970 معھدا وطنیا للدراسات القضائیة، وظل ھذا المعھد منذ تأسیسه یشكل جزء من المصالح المركزیة لوزارة العدل حتى جاء الظھیر رقم 1.02.240 بتاریخ 25 رجب 1423 الموافق ل 3 أكتوبر 2002 بتنفیذ القانون رقم 09.01 حیث حول المعھد إلى مؤسسة عمومیة ذات شخصیة معنویة واستقلال مالي كما تم تغییر اسمه لیصبح معھدا عالیا للقضاء ومعروف على أن المغرب لا یتوفر على مدرسة متخصصة لتكوین كتابة الضبط على عكس بعض الدول كفرنسا والجزائر مثلا.
ویعد قسم التكوین والتتبع بمدیریة الموارد البشریة بوزارة العدل والذي أحدث سنة 1999 جھازا یقوم بمجموعة من الأنشطة التكوینیة تھم شریحة كبیرة من موظفي المحاكم، ویشمل ھذا التكوین، التكوین الأساسي والإعدادي لتحمل المسؤولیة، وكذا اجتیاز الامتحانات المھنیة.
كما یتولى ھذا القسم أنشطة تكوینیة تستھدف تطبیق السیاسة الخاصة بالتكوین المستمر مدى الحیاة الوظیفیة لأطر كتابة الضبط.
ب- مدیریة المعھد العالي للقضاء
كما أشرنا سابقا فإن المعھد العالي للقضاء یعد مؤسسة عمومیة تتمتع بالاستقلال المالي والإداري، والقانون المنشئ لھذه المؤسسة جعل إدارتھا بید مجلس إداري ویضم ھذا الأخیر ممثلین عن كل الفاعلین في المؤسسة القضائیة ومن ینھم ممثلین عن جھاز كتابة الضبط.
وتشتمل مدیریة تكوین كتاب الضبط على:
-مصلحة تكوین كتاب الضبط في طور التكوین
-مصلحة التكوین المستمر والتخصصي وإعادة التكوین التي تسھر على تلقین علوم وتقنیات ومناھج التسییر والتدبیر وخدمة الوافدین وقواعد وأسس الإجراءات المسطریة المتبعة أمام مختلف المحاكم ودراسة قواعد وإجراءات تنفیذ الأحكام والقرارات والأوامر القضائیة؛ النھوض بكل ما یرمي إلى تطویر جھاز كتابة الضبط عن طریق البحوث والدراسات؛ تنظیم دورات التكوین وندوات وتداریب لاستكمال وإعادة التأھیل...
أما بخصوص طبیعة تكوین كتاب الضبط ومحتواه، یلاحظ أنھا تشمل جمیع الأدوار كما أن التكوین یعتبر من بین أولویات المؤسسة وأداة للرفع من مستوى المعرفة القانونیة[44].
ثانيا: مختلف أنواع التكوين
أ - التكوین الأساسي لكتاب الضبط
إیمانا من مدیریة التكوین بالمعھد العالي للقضاء بأن الكفاءة في خدمة التجدید والجودة، فقد سطرت من بین أھدافھا تكوین أطر كتابة الضبط الذین یتم تعیینھم في بدایة مسارھا المھني وذلك لاستدراك النقص في جانب التكوین النظري والمھني الذي تعاني منه بعض الأطر والذي لم یسبق لھا أن تلقته في الكلیات أو المؤسسات التعلیمیة بصفة عامة.
وتمتد فترة التدریب الأساسي لمدة 6 أشھر.
ب- التكوین المستمر لكتاب الضبط
لا شك أن التكوین المستمر یساھم بشكل كبیر في إعادة التكوین، وإن كانت ورشات التكوین المستمر تشكل إطارا محمودا یساھم في الحفاظ على مؤھلات موظفي المحاكم والرفع منھا وتحسین معارفھم متى اقتضت الضرورة ذلك.
وفي ھذا الإطار فقد نھجت مدیریة تكوین كتاب الضبط النھج الذي سار علیه المعھد العالي للقضاء في التكوین المستمر للقضاة، من حیث برنامج المواضیع المسطرة، أو طرق التكوین واختیار المكونین.
ویقصد بالتكوین المستمر حسب المادة 42 من القانون المنظم للمعھد العالي للقضاء "مجموع عملیات التكوین الرامیة إلى تمكین المستفدین منه من اكتساب وتطویر معارفھم ومھارتھم وخبراتھم العلمیة والمھنیة، بغرض الرفع من مردودیتھم وتحسین مسارھم المھني طبقا للحاجیات المستجدة، وذلك باعتباره أحد الشروط الجوھریة للنجاح الشخصي والجماعي للمؤسسة القضائیة".
لكن یلاحظ أن تجربة التكوین المستمر ھي فاشلة نوعا ما نظرا لنفور أغلب الموظفین وإحجامھم عن الحضور لمثل ھذا التكوین لكونه في نظر البعض مضیعة للوقت في حین یرى البعض الأخر أن الوزارة الوصیة لا تھتم بجھاز كتابة الضبط ولا تضع رھن إشارته المحفزات الضروریة لنجاح مثل ھذه التجربة. لذلك فإن مجموعة من الباحثین في المجال القانوني یقترحون بأن یكون الحضور إجباریا وأن یعقد مثل ھذا التكوین مرتین في كل شھر وعلى صعید كل محكمة مع توفیر الوسائل الضروریة لإنجاح مثل ھذه المبادرات لا أن تكون حبرا على ورق[45].
ج- التكوین التأھیلي
یعتبر التكوین التأھیلي للترشیح لشغل مناصب المسؤولیة من بین المھام التي أخذتھا وزارة العدل على عاتقا، استنادا إلى منشور وزیر العدل عدد 6- 4-1 بتاریخ 4-2- 2002.
د- التكوین الإعدادي لاجتیاز المباریات المھنیة
ویھدف ھذا التكوین إلى إعطاء دروس للتقویة ومحاضرات حول مختلف المساطر القضائیة والإجراءات المسطریة، سعیا منھا لمساعدة أطر كتابة الضبط المقبلین على اجتیاز المباریات المھنیة وذلك لتحسین أوضاعھم الإداریة[46].

المبحث الثاني: التنظيم الهيكلي لكتابة الضبط ومهامها

لا شك أن جھاز كتابة الضبط لا یمكن أن یؤدي المھام المنوطة به إلا في ظل تنظیم ھیكلي دقیق ومحكم، لذا یصعب معرفة مھام ھذا الجھاز دون معرفة تنظیمه الھیكلي؛ وعلیه، ستتم مقاربة ھذا المبحث من خلال معرفة التنظیم الھیكلي لجھاز كتابة الضبط (المطلب الأول)، وكذا مھامه (المطلب الثاني).

المطلب الأول: التنظيم الهيكلي لكتابة الضبط

استقر الأمر على أن جل محاكم المملكة تحتوي على جھاز لكتابة الضبط وكتابة النیابة العامة، وبالرجوع إلى المنشور عدد 858 الصادر بتاریخ 22 ماي 1979 نجده حدد التنظیم الھیكلي لكتابة الضبط والنیابة العامة، ھذا التنظیم یتغیر من المحاكم الابتدائیة إلى محاكم الاستئناف.

الفقرة الأولى: بالنسبة للمحاكم الابتدائية

تقسم المحاكم الابتدائیة من الناحیة الإداریة إلى مصلحتین:
أولا:مصلحة كتابة الضبط
تتكون مصلحة كتابة الضبط من عدة مكاتب كما یلي:
- المكتب المدني:لھذا المكتب أھمیة بالغة، ویظم ھذا المكتب عدة شعب، كالشعبة المدنیة والشعبة التجاریة، وھناك شعبة المدني والشعبة الاستعجالیة وشعبة العقار بنوعیه العادي والمحفظ والذي في طور التحفیظ.
- المكتب الاجتماعي:یضم ھذا المكتب شعبة حوادث الشغل والأمراض المھنیة وشعبة نزاعات الشغل.
- المكتب الجنحي:ویتكون من عدة شعب، وھكذا نجد شعبة الجنحي بنوعیه العادي والتلبسي وشعبة حوادث السیر ومخالفات السیر وشعبة الأحداث وشعبة السجل العدلي.
- مكتب التبلیغ المدني:ویھتم ھذا المكتب بتبلیغ الاستدعاءات والإجراءات وتبلیغ الأحكام والقرارات القضائیة[47].
- مكتب التنفیذ المدني:ویضم عدة شعب، كشعبة العجز التنفیذي للمنقولات وشعبة حجز العقار وشعبة الحجز لدا الغیر وشعبة التوزیع بالمحاصة والتركات الشاغرة.
- مكتب السجل التجاري:یكون ھذا المكتب في المدن التي لا تضم محاكم تجاریة[48]، ویضم ھذا المكتب شعبة التجار الأشخاص الطبیعیین وشعبة الشركات التجاریة.
- مكتب الرسوم القضائیة والحسابات:ویھتم المكتب بكل ما یتعلق باالرسوم القضائیة وتقدیم الحسابات وضبطھا.
- مكتب تصفیة صوائر المساعدة القضائیة والرسوم القضائیة التكمیلیة:ویھتم بعملیة تصفیة تلك الصوائر والرسوم التكمیلیة[49].
- المكتب الإداري:ویھتم بالتدبیر الإداري والضبط والإحصائیات.
- مكتب التبلیغ والتنفیذ الزجري:ویضم ھذا المكتب شعبة التبلیغ الجنحي كما یضم شعبة التنفیذ الزجري.
- مكتب قضاء القرب.
ثانيا:مصلحة كتابة النيابة العامة
وتضم ھذه المصلحة عدة مكاتب على الشكل التالي:
- مكتب التدبیر الإداري:ویضم ھذا المكتب الشعبة الإداریة وشعبة الضبط والإحصائیات.
- المكتب الجنائي:ویضم عدة شعب كشعبة الشكایات والمحاضر وشعبة مراقبة القضایا الجنحیة وشعبة التنفیذ الزجري وشعبة التحقیق وشعبة تبلیغ السندات التنفیذیة، وقد أضیفت ھذه الشعبة بمقتضى المادتین 375 و381 من قانون المسطرة الجنائیة.
- المكتب المدني:ویضم شعبة القضایا المدنیة التي تتدخل فیھا النیابة العامة حسب الفصلین 8 و9 من قانون المسطرة المدنیة وشعبة المساعدة القضائیة وشعبة الجنسیة وشعبة الحریات العامة وشعبة تدخل النیابة العامة في قضایا الأسرة.
من ھذا المطلق، یلاحظ أن أبرز ما یمیز كتابة الضبط بالمحاكم المغربیة فیما یخص تنظیمھا، ھو طابع الازدواجیة، كما تمت الإشارة إلیه سابقا، بحیث أنھا تنقسم إلى مصلحتین مستقلتین، مصلحة كتابة الضبط ومصلحة كتابة النیابة العامة، على عكس بعض التشریعات المقارنة التي تبنت نظام وحدة كتابة الضبط، ونخص بالذكر على سبیل المثال -فرنسا وبلجیكا-[50]، وتخلت عن الازدواجیة بعدما تبین لھا عقمھا وعدم مسایرتھا لتطور العصر.
فھذه الازدواجیة سلبیة بكل المقاییس، كونھا تتسم بعدة سلبیات، ونذكر منھا أنھا تؤدي إلى تكرار نفس العملیة مرتین بسبب تشابه وحدات عمل كتابة الضبط - مكاتب وشعب-، من حیث العملیات التي تقوم بھا فیما یخص القضیة الواحدة، فصلا عن تشابه السجلات التي تشتغل بھا، فالقضیة الواحدة تسجل مرتین، ولا شك أن ھذا الأمر فیه ھدر للوقت ووسائل العمل، وسوء تدبیر للعنصر البشري، في الوقت الذي تعاني منه المحاكم من خصاص في العنصر البشري[51].
وفیما یلي مثال حتى تكتمل الصورة، فكتابة الضبط من حیث الھیكل تتكون من مكاتب وشعب تقوم بمعالجة المادة الجنائیة، فكلا المصلحتین -كتابة الضبط وكتابة النیابة العامة- تتوفر على مكتب جنائي، ھذا الأخیر ینقسم في كلا المصلحتین إلى شغب قد تحمل نفس الاسم[52].

الفقرة الثانية: بالنسبة لمحاكم الاستئناف

تكتسي كذلك كتابة الضبط بمحاكم الاستئناف صفة المصلحة، یسیرھا منتدب قضائي إقلیمي رئیس أو منتدب قضائي إقلیمي، وتتوفر على عدة مكاتب موازیة لعدد الغرف المكونة لمحكمة الاستئناف؛ وھذه المكاتب كما یلي:
- المكتب المدني:یضم ھذا المكتب الشعبة المدنیة، الشعبة الاجتماعیة، الشعبة العقاریة والشعبة التجاریة في حدود الاختصاص القیمي.
- مكتب قضایا الأسرة:ویضم شعبة النفقة والأحوال الشخصیة المختلفة.
- مكتب الجنایات الابتدائیة:ویضم شعبة الجنایات الخاصة بالرشداء وأخرى خاصة بالأحداث.
- مكتب الجنایات المستأنفة:ویضم شعبة للرشداء وشعبة للأحداث.
- المكتب الجنحي:یضم الشعبة الجنحیة وشعبة الأحداث وشعبة حوادث السیر وشعبة المحجوزات وشعبة استئناف قضایا التحقیق.
- المكتب الإداري:یھتم بالضبط والإحصائیات وتدبیر شؤون الموظفین والمراسلات المختلفة.
- مكتب الرسوم القضائیة والحسابات:تم إنشاء ھذا المكتب على صعید محاكم الاستئناف بموجب قانون المالیة لسنة 1993، حیث أصبحت كتابات الضبط بھذه المحاكم تتولى استخلاص الرسوم القضائیة والمصاریف والغرامات، ویقوم ھذا المكتب بالمحاسبة. 
- مكتب التبلیغ والتنفیذ الزجري:تم إحداثه بموجب نفس القانون ویضم ھذا المكتبشعبة التبلیغ الجنحي وشعبة إعداد البطاقة رقم 1 وشعبة الإكراه البدني وشعبة الإسقاطات المتعلقة بإسقاط الغرامات وشعبة إعداد وتھیيء المختصرات.
إلى جانب مصلحة كتابة الضبط تضم محاكم الاستئناف كتابة النیابة العامة وتشمل ھذه الأخیرة على المكاتب التالیة:
- المكتب الجنائي:ویضم شعبة الشكایات والمحاضر وشعبة مراقبة القضایا الجنائیة ومراقبة قضایا التحقیق وشعبة القضایا الجنحیة المستأنفة وشعبة مراقبة التنفیذ الزجري.
- المكتب المدني:ویضم ھذا المكتب شعبة المساعدة القضائیة وشعبة مساعدي القضاء وشعبة القضایا المدنیة التي تتدخل فیھا النیابة العامة.
- المكتب الإداري:ویضم شعبة الضبط والإحصاء والشعبة الإداریة التي تتعلق بالمراسلات والمسائل الإداریة.
والملاحظ، أن جھاز كتابة الضبط لدى المحاكم یتسم بالتعدد والتشعب، سواء من حیث المكاتب التي یصل عددھا تقریبا إلى 12 أو 13 المكتب، أو من حیث الشعب المكونة للمكاتب والتي یصعب إحصاءھا بدقة بسبب خصوصیة كل محكمة على حدة. إلا أن التساؤل الذي یطرح في ھذا الإطار، ھل ھذا التشعب الذي یطال جھاز كتابة الضبط فيصالح مسطرة التقاضي ومستخدمي المحاكم بشكل عام، أم أنه یؤثر سلبا على كل ذلك؟ والحق یقال، وحتى لا نبخس الناس حقھا، إن ھذا التعدد والتشعب في ھیكلة ومھام جھاز كتابة الضبط، فإن دل على شيء فإنه یدل على تنظیم دقیق ومحكم، مما ینعكس إیجابا على العمل القضائي وعمل المحاكم بصفة عامة، ببساطة، ضبط مسطرة التقاضي من أولھا إلى آخرھا؛ وھو - أي التشعب والتعدد- في صالح مسطرة التقاضي ومستخدمي المحاكم بشكل عام ولو مبدئیا.
إلا أن ھناك ما یثیر التحفظ نوعا ما من ھذا الموقف، سیما على مستوى واقع كتابة الضبط بالمحاكم، حیث إن القارئ قد یعتقد من الوھلة الأولى، أن ھذه المكاتب كبیرة المساحة، وأن الشعب ھي عبارة عن غرف أو مكاتب أخرى أو شيء من ھذا القبیل، لكن الأمر عكس ذلك تماما، حیث إنه، ومن خلال بحث میداني تم القیام بھ[53]، فإن مساحة المكتب لا تكاد تتجاوز 6 أمتار مربعة، وھذا كافي لیوضح ماھیة الشعب، فالشعب ببساطة ما ھي إلا ذلك الموظف الجالس في مكتب والمشرف علیھا، تلك ھي الشعب.
وعلیه، یصعب في ظل ھذا الوضع تخیل استقبال عددا من المواطنین في آن واحد، الشيء الذي سیؤدي إلى البطء في عمل المكاتب، وكذا التأثیر بشكل أو بآخر على عمل المحاكم بأكملھا ومن ضمنھا مسطرة التقاضي.

المطلب الثاني: مهام جهاز كتابة الضبط

جسامة وتعدد المھام المنوطة بجھاز كتابة الضبط یجعل أمر حصرھا في ھذا الموضع أمرا صعبا؛ فمن خلال البحث في ھذا الموضوع، یمكن القول أن مھام ھذا الجھاز تتسم بالتشعب والتشتت، متشعبة من حیث عدد الأدوار التي یقوم بھا ھذا الجھاز وكذا تعدد مجالات تدخلھا، ومتشتتة من حیث النصوص القانونیة التي تحدد ھذه المھام؛ فقبل مرسوم 2011 كان ھناك نوعا ما من تحدید للإطار القانوني الذي یتحدث عن ھذه الاختصاصات (الفقرة الأولى)، إلا أن الإشكال في تحدید ھذه المھام برز بعد صدور ھذا المرسوم (الفقرة الثانیة).

الفقرة الأولى: مهام جهاز كتابة الضبط قبل صدور مرسوم 2011

بصدور ظھیر 12 غشت 1913 المعتبر بمثابة قانون المسطرة المدنیة، شكل البوادر الأولى المنظمة لكتابة الضبط والمحددة لمھامھا، حیث خصص لھا الفصول من26 إلى33.
وبمقتضى ما ذكر أصبحت كتابة الضبط، مكلفة بالتوثیق والضبط وتحصیل المصاریف القضائیة وأعمال المحاسبة، كما كلفت بالإنذارات والمعاینات والتبلیغات والتنفیذات والتصفیات القضائیة.
وبصدور المرسوم الملكي بتاریخ 2 فبرایر 1967 المعتبر بمثابة النظام الأساسي الخاص بموظفي المحاكم بالمملكة[54]، رغم اھتمامه بتنظیم كتابة الضبط إلا أنه لم یتعرض للمھام المنوطة بھا.
كما أنه بصدور ظھیر 15 یولیوز 1974 المعتبر بمثابة ظھیر التنظیم القضائي، نجده لم یشر لا من قریب ولا من بعید لمھام كتابة الضبط، مكتفیا بالإشارة في فصله الثاني على أن المحاكم الابتدائیة تشمل على كتابة الضبط وكتابة للنیابة العامة، بالإضافة إلى الفصول من 6 إلى 10 التي جاء فیھا على أن محاكم الاستئناف والمجلس الأعلى تشمل على نفس المصلحتین.
والذي یلاحظ أن ھذه الفترة لم تشھد قانون أساسي ینظم اختصاصات جھاز كتابة الضبط، إلى أن صدر بتاریخ 7 شتنبر 1987 قرار لوزیر العدل یحدد اختصاصات وتنظیم كتابات الضبط وكتابات النیابة العامة بالمحاكم[55]، لكنه لقي انتقادات شدیدة من طرف المھتمین[56].
وبقي الأمر على ما ھو علیة لما یقارب عقدین من الزمن، بحیث شھدت ھذه الفترة صدور بعض المراسیم كان آخرھا مرسوم 2008 بشأن النظام الأساسي الخاص بموظفي ھیئة كتابة الضبط[57]، الذي نص على المھام المنوطة بھذه الھیئة، انطلاقا من فصله الأول الذي نص على أنه "تحدث ھیئة لكتابة الضبط بوزارة العدل تعمل في حدود الاختصاصات المخولة لھا قانونا وتنفذ ما تأمر به المحكمة من إجراءات مسطریة، وعمل ھذا المرسوم على تحدید المھام المنوطة بالأطر المكونة لھا، فبدأ بإطار كتاب الضبط من خلال المادة 2، ثم إطار المحررین القضائیین من خلال المادة 12، وانتھاء بتحدید مھام إطار المنتدبین القضائیین من خلال المادة 22.
إلا أن ما یلاحظ من خلال المواد التي خصصھا المرسوم المذكور لمھام أطر كتابة الضبط، أن ھناك تداخل وتشابه إلى حد تغیب معه كل فائدة من تخصیص كل إطار بمھامه بشكل مستقل.
ولأخذ فكرة عن المھام التي جاء بھا مرسوم 2008، سنتطرق لمھام أطر كتابة الضبط (أولا)، ونظرا لوجود رئیس على ھرم ھیئة كتابة الضبط فإن الأمر یقتضي منا أن نعرج على مھامه (ثانیا).
أولا:مهام أطر كتابة الضبط
بمقارنة المواد 2-12-22 من المرسوم المذكور آنفا، نجد أن أغلب المھام متشابھة، في حین أن مھام أخرى جاءت صیاغتھا مقتصرة على إطار دون غیره، وإن كان من الناحیة العملیة یتلاشى ھذا التخصیص.
- بالنسبة للمھام المتشابھة:
فبالإضافة إلى المھام المذكورة في المادة الأولى من المرسوم المشار إلیه أعلاه، تناط بإطار كتاب الضبط والمحررین القضائیین والمنتدبین القضائیین، المھام التالیة:
- حضور الجلسات وتحریر محاضرھا والإشھاد على صحتھا.
- تحریر المحاضر المدنیة والجنائیة والجنحیة ومحاضر التحقیق والإشھاد على صحتھا.
- مسك مختلف السجلات والمحافظة على الملفات والوثائق.
- التبلیغ والتنفیذ.
- تنظیم وتدبیر الكتابات الخاصة للمسؤولین عن الوحدات الإداریة المختلفة.
- الإشھاد والمصادقة على صحة نسخ الأحكام والمقررات بتفویض من رئیس مصلحة كتابة الضبط أو من ینوب عنه.
- القیام بالإجراءات المحاسباتیة تحت إشراف رئیس كتابة الضبط أو من ینوب عنه.
- المساعدة في تنظیم الاستقبالات.
- إنجاز مختلف الشھادات المتعلقة بالإجراءات المسطریة التي تدخل ضمن اختصاصھم.
- القیام بالمھام المسندة إلیھم على مستوى المركزیة واللامركزیة.
- المساعدة في الإجراءات المرتبطة بمھامھم، والمساھمة في أنشطة الوحدات الإداریة المعینین بھا.
- مراقبة واستلام جمیع الأشغال المتعلقة بمجالات تخصصاتھم.
- تأطیر العاملین تحت سلطتھم وتأھیلھم والمساھمة في تكوینھم.
- بالنسبة للمھام المخصصة لكل من إطار المحررین القضائیین والمنتدبین القضائیین:
كما سلف الذكر فإنه بمقارنة مواد مرسوم 2008 التي تناولت المھام المسندة لأطر كتابة الضبط، نجد أنھا أحاطت كل من إطار المحررین القضائیین والمنتدبین القضائیین ببعض المھام الخاصة[58].
فبالنسبة لإطار المحررین القضائیین، أسند لھم المرسوم القیام بمھمة المساھمة في إعداد وإنجاز المشاریع ذات الطابع الإداري المعھود بھا إلیھم، وكذا القیام بالمھام التقنیة.
أما بالنسبة لإطار المنتدبین القضائیین، نجد المرسوم أناط بھم بالإضافة إلى المھام التي أشرنا إلیھا أعلاه، القیام بمھام الإشراف وتدبیر المھام الموكولة إلیھم على مستوى محاكم المملكة والإدارة المركزیة والمصالح اللامركزیة، وكذلك تقدیم الاقتراحات وإنجاز الدراسات والبحوث المتعلقة بمجال اختصاصاتھم.
ثانيا: مهام رئيس كتابة الضبط
بصدور قرار وزیر العدل بتاریخ (7 شتنبر 1987)[59] الذي حدد اختصاصات كتابات الضبط وكتابات النیابة العامة بالمحاكم، نص في فصله الرابع على أنه " یعھد إلى رؤساء كتابات الضبط وكتابات النیابة العامة بمھام التسییر والمراقبة وتنسیق أعمال كتابات الضبط تحت سلطة رئیس المحكمة أو رئیس النیابة العامة كل حسب اختصاصاته".
ویعتبر ھذا الفصل ھو المصدر الأم لاختصاصات رئیس مصلحة كتابة الضبط، بالإضافة إلى بعض النصوص الخاصة، ذلك أنه حتى مع صدور مرسوم2008 المعتبر بمثابة القانون الأساسي لھیئة كتابة الضبط، والذي كان یفرض فیه أنه سیتعرض لاختصاصات رئیس كتابة الضبط، على اعتبار أنه تناول مھام الأطر المكونة لھذه الھیئة، نجده حجم عن ذكر المھام المنوطة به.
ومع ذلك، یمكن القول على أن مھام رئیس كتابة الضبط، تتجلى في مھام إداریة وأخرى قضائیة.
فمن الناحیة الإداریة، فھو المسؤول عن التدبیر والتسییر وتنسیق أعمال الموظفین اللذین یعملون تمت سلطته، ویسعى إلى خلق الانسجام بین مختلف المكاتب والشعب، وتوجیه نشاطاتھا.
ومن الناحیة المالیة فرئیس كتابة الضبط یعتبر محاسبا عمومیا ممتازا[60]، فھو المسؤول شخصیا ومالیا عن المحافظة على القیم والأموال المكلف برعایتھا، وعن حسابات الصندوق.
وما یلاحظ غلى المرسوم 2008 أنه جاء بمھام متداخلة ومتشابھة فیما بینھا، مما دفع أحد المھتمین إلى القول أن ھذا الأمر ترتب عنه عدم ضبط سیر الأشغال بكتابة الضبط، وفتح باب السلطة التقدیریة للمسؤولین الإداریین والقضائیین بالمحاكم، من أجل إدخال اعتبارات شخصیة وسلطویة في تقسیم المھام وإسنادھا بحسب مدى تقرب الموظف إلى المسؤول.
إلا أن ھذا القول وإن كان له جانب وافر من الحقیقة، فإن تحدید المھام على وجه الدقة وبشكل شافي، یبقى صعب المنال نظرا لتعدد وتشعب المھام المنوطة بھذه الھیئة، وھو ما جعل مرسوم 2008 یقع في فخ التكرار عند تعداده للمھام.

الفقرة الثانية: مهام كتابة الضبط بعد مرسوم 2011

بصدور مرسوم 14 شتنبر [61]2011 بشأن النظام الأساسي الخاص بھیئة كتابة الضبط،
نص في المادة 44 منه على نسخ مقتضیات مرسوم 2008 بشأن النظام الأساسي الخاص بموظفي ھیئة كتابة الضبط.
وباستقراء المقتضیات التي جاء بھا المرسوم الجدید، نجده لم یتعرض لمھام ھیئة كتابة الضبط بشكل مفصل وعیا منه بأن لا فائدة ترجى ولا ثمرة تجنى من ذلك، على اعتبار أن ذلك یبقى مستحیلا لتعدد وتشعب المھام، مكتفیا في المادة الثالثة منه بالنص على أنه "یمارس الموظفون المنتمون لھیئة كتابة، تحت سلطة رئیس الإدارة، المھام التي تدخل في مجال اختصاصھم بموجب النصوص التشریعیة والتنظیمیة الجاري بھا العمل، ویساعدون القضاء على أداء رسالته.
ویمكن بالإضافة إلى المھام المذكورة أعلاه، تحدید مھام أخرى لكل إطار من أطر ھیئة كتابة الضبط بقرار لوزیر العدل"
وحسنا فعل المرسوم الجدید باكتفائه على إبراز أسمى المھام المنوطة بھذه الھیئة، والتي تتمثل في "مساعدة القضاء على أداء رسالته".
وأمام عدم صدور قرار وزاري یحدد مھام أخرى، فلا مناص لتحدید المھمة العظمى التي جاء بھا المرسوم، والتي تبرز دور كتابة الضبط داخل ردھات المحاكم، من الرجوع للقوانین الموضوعیة والإجرائیة، لإبراز مھام كتابة الضبط.
وسنقتصر على قانون المسطرة المدنیة(أولا) ثم قانون المسطرة الجنائیة(ثانیا) لتحدید ذلك.
أولا: مهام كتابة الضبط من خلال قانون المسطرة المدنية
من بین المھام المنوطة بكتابة الضبط نذكر ما یلي:
تناول قانون المسطرة المدنیة مھام كاتب الضبط ابتداء من (الفصل31) حیث یقوم بتقیید الدعاوى في سجل مخصص لذلك، ویقوم أیضا بتوجیه الاستدعاءات (الفصول37-39-38)
ویبلغ كاتب الضبط حالا عند صدور الحكم حضوریا..ویسلم للأطراف أو وكلائھم نسخة من منطوق الحكم (ف50)
كما أسند له (ف51) القیام بتثبیت الحكم في محضر الجلسة وتوقیع أوراق المحاضر بعد كل جلسة، وتسلیم نسخ الأحكام (ف53).
الانتقال رفقة القاضي لمعاینة الأماكن وتوقیع محضر الانتقال (ف70)، یدوین تصریحات الشھود في الأبحاث، ویقرأ لكل شاھد شھادته ویوقع علیھا رفقة القاضي المكلف بالقضیة أو رئیس الجلسة(ف83)، یحرر محضر أداء الیمین لأحد الأطراف(ف85).
یطلب كاتب الضبط من المستأنف الإدلاء بنسخ مصادق على مطابقتھا للأصل إذا لم تقدم أي نسخة أو كان عدد النسخ غیر مساوي للأطراف(ف142).
ویتلقى أیضا عروض الوفاء (ف175)، كما یقوم بالإشھار القانوني لبیع عقار القاصر (ف209).
ویثبت حالة الوصیة التي یعثر علیھا مختومة أثناء وضع الأختام (ف226)، ویقدم الطرود التي عثر علیھا مختومة إلى القاضي(ف227)، یوقف العون المكلف بالتنفیذ بعد الحجز البیع إذا ادعى الأغیار ملكیة المنقولات المحجوزة (ف468).
ویطلب قبل الحجز أن تسلم إلیه رسوم الملكیة ممن ھي في حوزته لیطلع علیھا المتزایدون (ف469)، ویترأس جلسة البیع بالمزاد العلني (ف477)، ویحرر محضر المزاد الذي یعتبر سند الملكیة (ف480)، ویقید كل حجز لدى الغیر بتاریخه في سجل خاص (ف493).
ثانيا: مهام كتابة الضبط من خلال قانون المسطرة الجنائية
من بین المھام المنوطة بكتابة الضبط نذكر ما یلي:
یشھد على أن النسخ المرقمة التي تم استخراجھا من وثائق الإجراءات التي قام بھاقاضي التحقیق، بأنھا مطابقة للأصل (م85)، كما أنه إذا أجري الحجز على نقود أو سبائك أو سندات....فإن كاتب الضبط یقوم بإیداعھا إما بصندوق الإیداع والتدبیر وإما في بنك المغرب وذلك طبعا بعد أن یأذن بذلك قاض التحقیق(م 104)، یتلو على الشاھد إذا كان أمیا نص الشھادة(م124)، یصادق إلى جانب قاضي التحقیق والشاھد، وعند الاقتضاء الترجمان على ما یقع من تشطیبات وما یلحق بالھامش(م126)، تودع لدیه مبالغ الكفالة(م185)، كما یودع لدیه التقریر والأشیاء المختوم علیھا أو ما بقي منھا، كما بإثبات ھذا الإیداع بواسطة إشھاده(م207).
كما یقوم بحفظ وثائق الإجراءات التي أبطلت والمسحوبة من ملف التحقیق(م213)، یقوم بترقیم أوراق الملف الموجه من قاضي التحقیق إلى النیابة العامة(م214)، كما یشعر النیابة العامة بكل أمر قضائي صادر عن قاضي التحقیق في نفس یوم صدوره(م220).
تودع لدیه المذكرات ویؤشر علیھا مع بیان یوم إیداعھا(م235)، یتسلم عندما ینتھي التحقیق التكمیلي، ملف المسطرة بعد أن تأمر الغرفة الجنحیة بإیداعه (م241)، یوقع إلى جانب الرئیس على قرارات الغرفة الجنحیة (م245).
یقوم أیضا بتحریر محضر في كل قضیة یلخص فیه أھم ما جاء في أجوبة المتھمین وتصریحات الشھود، ویذكر فیه باختصار المسائل العارضة التي تكون نشأت أثناء المناقشات، ویشیر فیه إلى المطالب الملتمس تسجیلھا والمرافعات ووسائل الدفاع المثارة من قبل الأطراف أو دفاعھم وما آلت إلیه تلك المطالب، ویضمن منطوق المقررات الصادرة عن الھیئة، ویوقع على المحضر(م305).
یساعد أحد أعضاء المحكمة الذي تم تكلیفه بمقتضى مقرر خاص ومعلل، لاستنطاق المتھم في المكان الذي یوجد فیھ(م312)، كما یساعد الرئیس الأول أو القاضي المعین من قبله عند تلقي الشھادة كتابة في منزل الشاھد(م326).
كما یقوم بالتنصیص في محضر الجلسة على ھویة الشھود وعلى الیمین التيأدیت(م338)، كما أنه عند الاقتضاء، ینتقل عقب الجلسة إلى المؤسسة السجنیة لیتلو على المتھم الذي أمر القاضي بطرده من الجلسة؛ محضر المناقشات وملتمسات النیابة العامة كذا، الأحكام والقرارات التمھیدیة الصادرة منذ طرده.
یوقع أصل الحكم أو القرار أو الأمر داخل أجل أقصاه ثمانیة أیام من تاریخ صدوره(م371)، كما یحرر عند انصرام أجل الاستئناف ملخصا للحكم الصادر بعقوبة سالبة للحریة ویوجھه للنیابة العامة(م388)، یتلقى تصریح بالتعرض(م393).
كما یحرر في كل قضیة محضرا(م442)، ویضع قبل رد الأشیاء المودعة، محضرا یصف فیه الأشیاء المسلمة(م452)، كما تناط به مھمة تسجیل الأحكام الصادرة عن الھیئات المختصة بالأحداث في سجل خاص(م505)، كما یتلقى طلبات النقض(م526)، وتحریر محضر التنفیذ(م605).
ویعتبر عنصر أساسي في تركیبة ھیئة الحكم(المواد399/417/470/1-490/489/488/484)

خاتمة
في ختام ھذا البحث، الذي تم من خلاله دراسة جھاز كتابة الضبط سواء من حیث تنظیمه القانوني والھیكلي، أو من حیث الشروط المتطلبة قانونا للولوج إلى ھذه المھنة والمھام التي تضطلع بھا، یتضح بجلاء مدى أھمیة ھذا الجھاز باعتباره مكونا أساسیا ورئیسا إلى جانب القضاء، فھو بمثابة المسیر للعملیة القضائیة والعمود الفقري الذي یقوم بأغلب الإجراءات؛ فكما تمت التأكید علیه آنفا، لمعرفة ھذه المكانة الغایة في الأھمیة، التي تحتلھا كتابة الضبط، یكفي تصور عمل المحاكم والجھاز القضائي دونھا.
فجھاز كتابة الضبط ببساطة، یعد الید الإجرائیة للسلطة القضائیة، وھو الوسیط بین القضاء والمتقاضین، وتمثل كتابة الضبط لدى محاكم المملكة دورا أساسیا في مختلف مراحل الدعوى وفي جمیع الأعمال التوثیقیة، وھو ما یجعلھا المساعد الأول للقضاء، بحیث یولد بین یدیھا الملف ویغلق، وھي التي تسھر على تنفیذ ما تأمر به المحكمة أو تحكم به، كما تحرصعلى سلامة تلك الإجراءات وتتقید بجمیع التواریخ المحددة، والعدید من الأدوار الھامةوالرئیسة والتي یصعب عدھا.
لذا، فجھاز كتابة الضبط، اسم على مسمى، ضابطا بالمعنى الحرفي للعملیة القضائیة وعمل المحاكم عامة.
و تجدر الاشارة أن ھذه الھیئة تحتل دورا طلائعیا في العمل القضائي، رغم أنھا ما زالت تعاني من حیف على جمیع المستویات التشریعیة والتنظیمیة في القانون المغربي، عكس ما علیة الأمر في التشریعات المقارنة.
وفیما یلي، الإشارة إلى أھم الملاحظات التي أثارھا البحث والتحلیل في ھذا الموضوع؛ وھي:
§ عدم التنصیص على استقلالیة كتابة الضبط في العمل باعتبارھا مؤسسة ثالثة إلى جانب ھیئة الحكم والنیابة العامة.
§ اعتبار كاتب الضبط كاتبا للقاضي، حیث إن المشرع مازال ینظر إلیه ككاتب لقاضي التحقیق في قانون المسطرة الجنائیة[62].
§ غیاب مدرسة وطنیة متخصصة في تكوین أطر كتابة الضبط على ما ھو معمول به في التشریع الفرنسي.
§ غیاب سیاسة فعالة في مجال التكوین والتمرین والعمل وقلة المدة المخصصة لذلك، بل انعدامھا أحیانا.
§ ضعف المستوى التعلیمي للعدید من المكونات البشریة لمصلحة كتابة الضبط.
§ عدم توضیح اختصاصات رئیس كتابة الضبط على مستوى التدبیر وبخصوص الموارد البشریة وتدخل المسؤولین القضائیین في مھام كتابة الضبط بشكل مباشر.
§ الازدواجیة في كتابة الضبط بین رئاسة المحكمة ونیابتھا العامة، عكس ما نھجته بعض التشریعات المقارنة من قبیل فرنسا وبلجیكا.
§ من حیث البنیات التحتیة، تحسین مكاتب ومقار كتاب الضبط، سواء من حیث المساحة، أو من حیث التجھیزات والمعدات والأدوات، بل حتى من حیث عدد الموظفین.
وعلیه، یظل ھذا الجھاز رغم النواقص التي تشوبه، جھازا فاعلا في المنظومة القضائیة؛ مما یصح معه التشاؤل حول مستقبل وآفاق جھاز كتابة الضبط، إذا ما تم الأخذ بعین الاعتبار المقترحات أعلاه؟ وإلى أي حد تم الأخذ بعین الاعتبار جھاز كتابة الضبط في الإصلاح العمیق والشامل لمنظومة العدالة؟
---------------------------------------
هوامش:
[1] - المقصود ھنا، المرحلة من العصر القدیم إلى العصر الوسیط.
[2] - أحمد قباب؛ مھام جھاز كتابة الضبط في المادة المدنیة ومسؤولیتھ؛ مكتبة الرشاد؛ سطات؛ الطبعة الأولى؛ 2015؛ صفحة 15.
[3] - أحمد قباب؛ المرجع السابق؛ ص 15.
[4] - من ھذین المصطلحین جاء مصطلح tabellion وgreffier.
[5] - أحمد قباب؛ نفس المرجع؛ ص 16.
[6] - أحمد قباب؛ نفس المرجع؛ ص 16.
[7] - نفس المرجع؛ ص 18.
[8] - نفس المرجع؛ ص 19.
[9] - أحمد قباب؛ المرجع السابق؛ ص 20.
[10] - الشرقي حراث؛ دور كتابة الضبط في القضایا العقاریة، دراسة نظریة وتطبیقیة ومقارنة في ضوء أحكام التشریع والقضاء والفقھ؛ مكتبة الرشاد؛ سطات؛ 2015؛ ص 54.
[11] - من الفصل 26 إلى الفصل 33 من الباب الأول من القسم الثاني، حیث اعترف بالدور الرئیسي لكتابة الضبط في العملیة القضائیة.
[12] - الشرقي حراث؛ نفس المرجع؛ ص 54.
[13] - كما ھو الحال بخصوص المنشور الوزیري عدد 858 المؤرخ في 22 ماي 1979 المتعلق بالتنظیم الھیكلي.
- منشور وزیر العدل عدد 862 صادر بتاریخ 13/08/1979 حول إسناد مھام المكاتب الإداریة إلى رؤساء كتابة الضبط.
- منشور وزیر العدل عدد 882 الصادر بتاریخ 20 مارس 1980 المتعلق بتحدید مسؤولیة مصالح كتابة الضبط.
[14] - الجریدة الرسمیة عدد 5981 بتاریخ 29سبتمبر 2011.
[15] - الشرقي حراث؛ المرجع السابق؛ ص 24.
[16] - إدریس العلوي العبدلاوي؛ القانون القضائي الخاص؛ مطبعة النجاح الجدیدة؛ الدار البیضاء؛ الجزء الأول؛ 1985؛ ص266.
[17] - عبد الكریم الطالب؛ التنظیم القضائي المغربي (دراسة عملیة)؛ المطبعة والوراقة الوطنیة؛ مراكش؛ نشر وتوزیع مطبوعات المعرفة؛ الطبعة الثانیة؛ 2006؛ ص 25.
[18] - فؤاد محمد؛ تأدیب الموظف العام في الفقھ الإسلامي والقانون الوضعي؛ دار الجامعة الجدیدة للنشر؛ طبعة 2006؛ ص 1.
[19] - عبد الجلیل العینوسي؛ رقابة القضاء الإداري على النظام التأدیبي للموظف العمومي؛ مقال منشور بمجلة القانون المغربي؛ العدد 17 أبریل
2011؛ ص 52.
[20] - ملیكة الصروخ؛ النظام القانوني للموظف العمومي المغربي؛ الطبعة الأولى؛ 1994، مطبعة النجاح الجدیدة؛ الدار البیضاء؛ ص 9.
[21] - الجریدة الرسمیة عدد 5981 الصادرة بتاریخ 27 شوال 1432 (26 سبتمبر 2011).
[22] - أحمد القباب، مھام جھاز كتابة الضبط في المادة المدنیة ومسؤولیتھ، مكتبة الرشاد سطات، الطبعة الأولى 2015، ص 37.
[23] - مصطفى زاھر، "دور كتابة الضبط في دعم ورش إصلاح العدالة بالمغرب، رسالة لنیل الدبلوم الجامعي العالي في المھن القضائیة والقانونیة نوقشت بجامعة محمد الخامس كلیة الحقوق الرباط، سنة 2006-2007:ص 88.
[24] - الفصول من 5 الى 12 من ظھیر 1920/02/20.
[25] - مرسوم ملكي رقم 66- 1181 بتاریخ 02 فبرایر 1967 منشور بالجریدة الرسمیة عدد 2832 بتاریخ 08 فبرایر 1967.
[26] - مرسومعدد 2.71.554بتاریخ 27/11/1971.
[27] - مرسوم عدد 2.77.5 بتاریخ 20/08/1997.
[28] - جریدة رسمیة عدد 3220 بتاریخ 1974 ص 2027.
[29] - أحمد القباب، المرجع السابق، ص 42.
[30] - أحمد القباب، المرجع السابق، ص 43.
[31] - المنشور بالجریدة الرسمیة عدد 2832 في 8 فبرایر 1967.
[32] - عبد الرحمان الشرقاوي، التنظیم القضائي بین العدالة المؤسساتیة والعدالة البدیلة، مطبعة یادیب-الرباط، الطبعة الثانیة 2015، ص 181..
[33] - بالإضافة الى المھام المذكورة في المادة الأولى.
[34] - وذلك بمقتضى الظھیر الشریف رقم 1.2.25 الصادر بتاریخ 3 أبریل 2002 بتحدید مسؤولیة الآمرین بالصرف والمحاسبین العمومیین بتنفیذ القانون رقم 61.99 المنشور بالجریدة الرسمیة عدد 4999 في 15 أبریل
[35] - نورة غزلان الشنیوي، التحدیات الكبرى للدستور المغربي في مجال القضاء وأوجھ تطبیقاتھا في مادة التنظیم القضائي للمملكة- دراسة من صمیم إصلاحات سنة 2011-، مطبعة الورود-انزكان، الطبعة الأولى-2012، ص 72 73.
[36] - المواد من 13 الى 21 من المرسوم رقم 2.08.71.
[37] - المواد 23 الى 30 من المرسوم رقم 2.08.71.
[38] - تنص المادة 44 من مرسوم 2011 على ما یلي "مع مراعاة مقتضیات المادتین 37 و43 أعلاه، یعمل بھذا المرسوم ابتداء من فاتح ینایر
2011 وینسخ، ابتداء من نفس التاریخ، مع مراعاة مقتضیات المادة 25 أعلاه، المرسوم رقم 2.08.71 صادر في 5 رجب 1429 (2 یولیو 2008) بشأن النظام الأساسي الخاص بموظفي ھیئة كتابة الضبط".
[39] - نورة غزلان الشنیوي؛ التحدیات الكبرى للدستور المغربي في مجال القضاء وأوجھ تطبیقاتھا في مادة التنظیم القضائي للمملكة، دراسة من صمیم إصلاحات سنة 2011؛ المرجع السابق، ص 23.
[40] - المادة 23 من مرسوم رقم 2.08.71 بشأن النظام الأساسي الخاص بموظفي ھیئة كتابة الضبط.
[41] - المادة 3 من المرسوم المنظم لھیئة كتابة الضبط.
[42] - أحمد القباب، السابق، ص62 و63.
[43] - خدیجة عدلي؛ كتابة الضبط لدى المحكمة التجاریة أي خصوصیات؛ رسالة لنیل شھادة الماستر في القانون الخاص؛ جامعة محمد الخامس أكدال، كلیة الحقوق السویسي؛ السنة الجامعیة 2007/2008؛ ص 72.
[44] - خدیجة عدلي؛ السابق؛ ص 75.
[45] - أحمد القباب " مھام جھاز كتابة الضبط في المادة المدنیة ومسؤولیتھ" المرجع السابق، ص 58 وما بعدھا.
[46] - خدیجة عدلي؛ المرجع السابق؛ ص من 73 إلى 76.
[47] - أحمد قباب؛ المرجع السابق؛ ص 51.
[48] - تم تحدید عدد المحاكم التجاریة في ثمان محاكم تجاریة (الرباط، الدار البیضاء، فاس، مكناس، طنجة، مراكش، أكادیر، ووجدة)؛ القانون رقم
53.95 القاضي بإحداث محاكم تجاریة.
[49] - أحمد قباب؛ المرجع السابق؛ ص 51.
[50] - السموني فرید؛ آفاق مستقبل كتابة الضبط؛ مقال منشور بمجلة كتابة الضبط؛ عدد 11 (خاص)؛ فبرایر 2003؛ ص 45.
[51] خدیجة عدلي؛ كتابة الضبط لدى المحكمة التجاریة، أي خصوصیات؛ رسالة لنیل دبلوم الدراسات العلیا المعمقة في القانون الخاص؛ جامعة محمد الخامس أكدال، كلیة الحقوق السویسي؛ السنة الجامعیة 2007/2008؛ ص 16.
[52] - عبد الرفیع ارویحن؛ تحدیث إدارة القضاء؛ بحث لنیل دبلوم السلك العالي بالمدرسة الوطنیة للإدارة؛ 1994؛ ص 60. تمت الإحالة بشأنھ في الھامش رقم 17، ص 16، حدیجة عدلي، المرجع السابق، نفس الصفحة.
[53] - تم القیام ببحث میداني یوم 2 أبریل 2018 على الساعة 11.00 صباحا، المحكمة الابتدائیة بسلا.
[54] - مرسوم ملكي رقم 1181.66، منشور بالجریدة الرسمیة عدد 2832، بتاریخ 8 فبرایر 1967، صفحة 223.
[55] - قرار لوزیر العدل رقم 441.90، منشور بالجریدة الرسمیة عدد 4043، بتاریخ 25 أبریل 1990، صفحة 752.
[56] - محمد الولیدي، عرض حول كتابة الضبط المھام والمسؤولیات، ألقي بمناسبة المؤتمر العاشر لودادیة المنتدبین القضائیین، المنعقد بالرباط، بتاریخ 22 و23 و24 ماي 1990، صفحة5، أشار لھ أحمد القباب، م س، صفحة 44.
[57] مرسوم رقم 2.08.71، منشور بالجریدة الرسمیة عدد 5646، بتاریخ 10یولیوز 2008، صفحة 2108.
[58] - قلنا بأنھا مھام خاصة نظرا لاقتصار صیاغة المرسوم على إسنادھا لإطار دون غیره، أما من الناحیة العملیة فسرعان ما یتلاشى ھذا التخصیص.
[59] - قرار لوزیر العدل رقم 441.90، منشور بالجریدة الرسمیة عدد 4043، بتاریخ 25 أبریل 1990، صفحة 752.
[60] الشرقي حراث، دور كتابة الضبط في القضایا العقاریة، م س، صفحة42.
[61] مرسوم رقم 2.11.473، منشور بالجریدة الرسمیة عدد 5981، بتاریخ 26 شتنبر 2011، صفحة 4760
[62] - ینص الفصل 100 من قانون المسطرة الجنائیة على أنھ "یمكن لقاضي التحقیق بعد إخبار النیابة العامة بمحكمتھ، أن ینتقل صحبة كاتبھ قصد القیام بإجراءات التحقیق خارج نفوذ المحكمة التي یمارس فیھا مھتمھ إذا استلزمت ذلك متطلبات التحقیق".

إرسال تعليق

0 تعليقات