القائمة الرئيسية

الصفحات

ضمانات المحاكمة العادلة

عرض بعنوان: ضمانات المحاكمة العادلة PDF

ضمانات المحاكمة العادلة PDF

مقدمــــــــــــــــة :
 لطالما حظيت العدالة باهتمام بالغ من طرف كل مكونات المجتمع في جميع بقاع العالم وعلى مر العصور باعتبارها الركن الأساسي في تدبير شؤون الحكم واستمرار يته ومؤشر على مدى احترام الدول لحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا، ومقياس أصيل في بناء دولة الحق والقانون.
فالعدل هو الضمانة الحقيقية لوجود المجتمع القوي والمتماسك والمتسامح، وعليه فإن كل دولة من دول العالم أناطت مهمة تحقيق العدل إلى سلطة لها من الوسائل ما يخولها ذلك، فمرفق القضاء هو الدعامة التي ترتكز عليها الدول الديمقراطية إذ أنه" لا عدل بدون قضاء ولا قضاء بدون عدل".
وإذا كان الكل يجمع اليوم على أن رهان العدالة هو بيد من يعملون على إخراج النصوص القانونية من حالة الجمود إلى الحركة، أو بالأحرى من يعملون على دب الحياة في القوانين فإن الأمر يتطلب منهم التركيز لتكريس ضمانات المحاكمة العادلة وبالتالي تعزيز ثقة الأفراد فيهم ومن خلالها تعزيز ثقة الأفراد بأجهزة الدولة ككل.
وبناء عليه، فإن ذلك سيؤدي لا محالة إلى تحقيق محاكمة عادلة ومنصفة تتجسد فيها المساواة المطلقة بين جميع أطراف الدعوى الجنائية خلال جميع مراحلها، كتوجيه دعت إليه الشريعة الإسلامية حيث قال تعالى" وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل"[1]،
والمواثيق الدولية التي تعنى بحقوق الإنسان سواء كانت ذات طالع عالمي )الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية...(أو ذات طبيعة إقليمية) الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان... (.
ولما كان مبدأ حقوق الإنسان هو ذلك المبدأ المقدس والمتأصل في طبيعتنا البشرية والتي تشعرنا بأن الإنسان لا يكون إنسانا إلا بحقوقه، فإنه من الطبيعي أن تتأثر القوانين الوطنية بما ورد في الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بموضوع المحاكمة العادلة سواء على مستوى أسمى قانون "الدستور" أو على مستوى القوانين العادية، الموضوعية منها أو الإجرائية المرتبطة بالمادة الجنائية.
وإذا كان هاجس توفير محاكمة عادلة على مستوى القضاء الدولي فإن القضاء المغربي بدوره يلعب دورا مهما في نقل مبادئ المحاكمة العادلة من حالة السكون إلى حالة الحركة.
كل ذلك تطبيقا لمبدأ أن الأصل في الإنسان البراءة بل أكثر من ذلك فالمشرع المغربي لم يكتفي بافتراض هذه البراءة وإنما اشترط أن تتم الإدانة بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها جميع الضمانات القانونية[2].
لذلك فقرينة البراءة ليست صورة تزين قانون المسطرة الجنائية وإنما هي الإطار الذي يضم الإجراءات المسطرية المرتبطة بهذه البراءة، وقد وصف هذا المبدأ مجلس اللوردات البريطاني بأنه " الخيط الذهبي الذي يظهر جمال ثوب القانون الجزائي"[3]، إذن فاعتبار الشخص بريء يعني أنه يجب أن يعامل خلال سائر مراحل المحاكمة على هذا الأساس وتمتيعه بكافة الضمانات المنبثقة على هذا المبدأ.
وغني عن البيان أن أهمية هذا الموضوع تكمن في كون أن تحقيق العدالة سيرفع من مكانة الدولة على المستوى الخارجي من جهة، طالما أن العدالة تعتبر مرآة تقيم من خلالها الأمم مختلف جوانب رقيها أو العكس وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة من جهة ثانية الأمر الذي سيؤدي إلى تحقيق الأمن القانوني واستقرار المجتمع وسيعمل على تشجيع الاستثمار وتحقيق تنمية حقيقية ومستدامة في جميع المجالات.
وانطلاقا من ذلك، فإن الإشكالية التي تطرح نفسها في هذا الموضوع هي كالتالي:
إلي أي حد استطاع المشرع المغربي من خلال تنظيمه لمراحل الدعوى العمومية في قانون المسطرة الجنائية من تكريس ضمانات المحاكمة العادلة بالشكل الذي ينسجم مع المقتضيات الدستورية والمواثيق الدولية ؟
وتنبثق على هذه الإشكالية الجوهرية مجموعة من التساؤلات الفرعية:
-ما هي أهم الضمانات الممنوحة للمشتبه فيه خلال مرحلتي البحث التمهيدي والتحقيق الإعدادي؟
- ثم ماهي أهم الضمانات المخولة للمتهم أثناء المحاكمة؟
للإجابة عن هذه الإشكالية والتساؤلات الفرعية، فإننا سنعتمد التصميم التالي: 

المبحث الأول: ضمانات المحاكمة العادلة قبل المحاكمة
المبحث الثاني: ضمانات المحاكمة العادلة خلال مرحلة المحاكمة

المبحث الأول: ضمانات المحاكمة العادلة قبل المحاكمة

إن تقصي ضمانات المحاكمة العادلة التي تضمن الحد الأدنى من الحقوق بالنسبة للمتهم تبدأ من أول لحظة يتم فيها القبض عليه من قبل الشرطة القضائية إلى غاية الإنتهاء من كافة الإجراءات الأخرى المتعلقة بالتحقيق معه بخصوص الأفعال المنسوبة إليه، وبالتالي فمرحلة ما قبل المحاكمة تعتبر أهم مرحلة لسير الدعوى العمومية، إذ أثناءها يواجه الشخص مؤسسة الدولة والتي تعامله بها بدقة على مدى إحترامها لحقوق الإنسان التي كفلها التشريع الوطني والمجتمع الدولي، وعليه فإننا سنتطرق في هذا الجزء إلى ضمانات المحاكمة العادلة أثناء البحث التمهيدي(المطلب الأول) على أن نتحدث عن ضمانات المحاكمة العادلة خلال مرحلة التحقيق الإعدادي(المطلب الثاني.)

المطلب الأول: ضمانات المشتبه فيه أثناء البحث التمهيدي

سنركز في مرحلة لبحت التمهيدي بنوعيه على إبراز أهم ضمانات المحاكمة العادلة والتي تتعلق بالأساس بضمانات الوضع تحت الحراسة النظرية (الفقرة الأولى) على اعتبارها إجراء متعلق بالأشخاص، على أن نتناول ضمانات المحاكمة العادلة أتناء القيام بالتفتيش (الفقرة الثانية) باعتباره إجراء متعلق بالأشياء .

الفقرة الأولى :ضمانات الوضع تحت الحراسة النظرية. 

إن من أهم الضمانات التي نادى بها المجتمع الدولي والحقوقي (المعاهدات والمواثيق الدولية المصادق عليها من لدن المغرب4 ) والتي نص الدستور في صلب ديباجته[4] على سموها ،كما يظهر التزام المغرب بذلك من خلال لفصل 23 من الدستور، الذي نص على أنه لا يجوز إلقاء القبض على شخص أو اعتقاله أو متابعته أو إدانته إلا في الحالات وطبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون ،وتبعا لذلك فقد أقر المشرع مجموعة من الضمانات في ق.م ج فيما يتعلق بالوضع تحت الحراسة النظرية والتي سنتناول الحديث عن أهمها فما يلي:
أولا: حق الشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية في الإطلاع على المعلومات الخاصة به و التزام الصمت.
فإذا كان من بين ما يقرره الفصل 23 من الدستور في فقرته الثالثة[5] والمادة الأولى7 من ق.م.ج يعتبر أهم ضمانة من ضمانات المحاكمة العادلة فإن هذا المبدأ يجد نفسه في مبدأ الشرعية الجنائية التي [6]أقرها الدستور ونص عليها الفصل الثالث من القانون الجنائي" لا يسوغ مؤاخذة أحد على فعل لا يعدجريمة بصريح القانون ولا معاقبته بعقوبة لم يقررها القانون " وعليه فقد نص المشرع على هذاالمقتضى في ق.م ج عندما أوجب على ضابط الشرطة القضائية إخبار كل شخص تم القبض عليه أو وضعه تحت الحراسة النظرية فورا وبكيفية يفهمها، بدواعي اعتقاله وبحقوقه، ومن بينها الحق في التزام الصمت[7].
ثانيا: حق الاتصال بالمحامي أو بأحد الأقارب.
1) حق الاتصال بالمحامي[8].
ونعني بذلك أنه على ضابط الشرطة القضائية إشعار المشتبه فيه في تعين محامى لمؤازرته طبقا للشروط المنصوص عليها في المادة 66 من ق.م.ج، أو تعين محام في إطار المساعدة القضائية، وإذا كان حق الاتصال بالمحامي يختلف بين البحث التمهيدي التلبسى والعادي، فإن الوضع بالنسبة للبحث التمهيدي العادي المسطرة أحكامه في المادة 80 من ق.م.ج عرف تراجعا صارخا )بالمقارنة مع البحث التمهيدي التلبسى( حيث لم يسمح للمحامي الاتصال بموكله إلا بعد تمديد مدة الحراسة النظرية وهو ما يقلص من الضمانات المخولة للمتهم في هذه المرحلة[9].
الأمر الذي يدفعنا إلى طرح السؤال التالي: ما الجدوى من الحق إلتزام الصمت إذا لم يتعزز بضرورة الحضور الفوري للمحامي؟
ففي اعتقادنا المتواضع فإن الحق في مؤازرة محامي مند الوهلة الأولى سيساعده في تحقيق التوازن بين الأطراف وتحقيق ضمانات أكثر للمتهم الموضوع تحت الحراسة النظرية هو الذي دفع واضعي مسودة تتميم ق.م.ج إلى التنصيص صراحة في المادة 66.1 بأن الاتصال بالمحامي سيتم ابتداء من الساعة الأولى لإيقاف المعني بالأمر، ودون الحصول على ترخيص من لدن النيابة العامة، كما أنه وعند استقراء منطوق المادة 65 من ق.م.ج يتضح بأن حق الاتصال بالمحامي مكفول أيضا للمصرحين[10].
وبهذا فإن التوجه الجديد الذي جاءت به مسودة مشروع ق.م.ج التي تنص على وجوب قيام ضابط الشرطة القضائية بتسجيل سمعي بصري لاستجواب الأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية المشتبه في ارتكابهم لجنايات أو جنح تتجاوز العقوبة المقررة لها سنتين حبسا، يخفف ولو بشكل نسبي من عدم إمكانية ولوج المحامي لملف القضية.
ومما تجدر الإشارة إليه أن ضابط الشرطة القضائية يرفق المحضر بنسخة من التسجيل توضع فيغلاف مختوم وتضم لوثائق الملف وقد ساوا المشرع ما بين التسجيل والمحضر بالنسبة للقيمة الثبوتية[11].
2) حق المتهم بالاتصال بأحد أقاربه.
من الضانات الممنوحة للشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية حق الاتصال بأحد أقربائه ،بحيث يجب على ضابط الشرطة القضائية أن يخبر كل شخص سيتم وضعه تحت الحراسة النظرية، أو المراقبة القضائية - إذا تعلق الأمر بحدث- بحقه في اتصال بأحد أقربائه لإخباره بمكان تواجده، وسبب الاحتفاظ به لدى مصلحة الشرطة أو الدرك الملكي، ويتم هذا الاتصال تحت مراقبة ضابط الشرطة القضائية وغالبا ما يتم ذلك بهاتف المصلحة[12].
وإذا كان الشخص المستمع إليه يتحدث لغة أو لهجة لا يتقنها ضابط الشرطة القضائية فإنه طبقا لمقتضيات المادة 21 من ق.م.ج يمكن لضابط الشرطة القضائية استعانة بمترجم أو بشخص يتقن التخاطب مع المعني بالأمر إذا كان صما أو بكما، ويشار إلى هوية المترجم المستعان به في المحضر ويمضى عليه.
ثالثا:الفحص الطبي وتغدية الأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية.
1- الفحص الطبي:
يعتبر الحق في الفحص الطبي من أهم ضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها دوليا ودستوريا ،إذ نجد الفصل 22 من الدستور ينص على أنه" لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص في أي ظرف ومن قبل أي جهة كانت خاصة أو عامة(...)".
وتبعا لذلك فقد ذهبت المسودة إلى اعتراف المتهم في المحضر باطلا في حالة رفض إجراء الفحص الطبي إذا كان قد طلبه المتهم أو دفاعه من ضباط الشرطة القضائية وذلك وفق مقتضيات المادة 73 والمادة 1-74 من مشروع ق.م.ج[13] .
2- تغدية الأشخاص.
تعتبر تغدية الأشخاص الموضوعيين تحت الحراسة النظرية أهم الضمانات المستحدثة التي تكرس بحق ضمانة المتهم خلال مرحلة ما قبل المحاكمة، إذ أن المجلس الحكومي صادق خلال إجتماعه المنعقد يوم 25 أكتوبر 2018 على مشروع القانون رقم 89.18 القاضي بتغيير وتتميم المادتين 66 و460 من قانون المسطرة الجنائية، والذي يهدف إلى وضع إطار قانوني لتغدية الأشخاص الموضوعيين تحت الحراسة النظرية والأحداث المحتفظ بهم، ويهدف المشروع الجديد أساسا إلى إستكمال ملاءمة القانون الجنائي و ق. م.ج مع ما جاء به دستور المملكة المغربية لسنة 2011 من حمولة حقوقية قوية عززت الضمانات القانونية لمرحلة ماقبل المحاكمة، ناهيك عن تفعيل الإتفاقيات الدولية التي صادقت عليها المملكة المغربية في مجال حقوق الإنسان وإعمال التوصيات والملاحظاتالصادرة عن الألية الأممية المعنية بشأن مراجعة وملاءمة التشريعات الجنائية الوطنية مع التشريعاتالمقارنة15.
رابعا:المثول على وجه السرعة أمام قاضي أو مسؤل قضائي أخر.
تم التنصيص على هذه الضمانة ضمن البند"ج"من المادة 1614 من العهد لدولي للحقوق المدنية والسياسية، وهو نفس التوجه الذي سار عليه المشرع المغربي.
وما يجسد ذلك هو ما ذهبت إليه محكمة العدل الخاصة في أحد أحكامها "...حيث أنه يتبين من وثائق القضية أن المتهمين...الموضوعين رهن إشارة الضابطة القضائية من أجل البحث التمهيدي مدة تتراوح ما بين 34 و 49 يوم قبل أن يقدموا إلى قاضي التحقيق بمحكمة العدل الخاصة...هي مدة تجاوزت عدة أيامها بكثير الستة أيام المسموح بها قانونا"17.
هذا بالإضافة إلى الحق في مدة زمنية وتسهيلات كافية لإعداد الدفاع، والحق في أوضاع إنسانية أثناء الاختبار وعدم التعرض للتعذيب.
والجدير بالذكر أن المراقبة التي تمارسها النيابة العامة على عمل الضابطة القضائية تشكل بحق ضمانة من ضمانات محاكمة عادلة خلال مرحلة البحت الذي تقوم به ضباط الشرطة القضائية، خاصة في حالة التلبس.

الفقرة ثانية: ضمانات التفتيش

تعتبر حرمة المسكن حقا مكفولا سواء على مستوى المواثيق الدولية18 أو الدستور المغربي[14]، وعليه فقد أحاط المشرع المغربي حرمة المسكن بجملة من الضمانات القانونية[15]، ونظرا للتعارض الحاصل بين متطلبات محاربة الجريمة وبين تحصين حرمة المسكن وحمايتها فقد عمل المشرع على التوفيق بينهم وأجاز تفتيش المنزل دون أن يعتبر ذلك انتهاكا لحرمته بشرط أن يتم وفق إجراءات مسطرية دقيقة ومضبوطة، وهذا الشرط يعتبر ضمانة في حد ذاته وتجسيدا للنص الدستوري.
وتجدر الإشارة إلا أن المنزل المنظم دخوله أثناء البحث التمهيدي لا يقتصر على المحل المسكونبل إن مدلوله أوسع من المسكن المحدد في المادة 511 من القانون الجنائي21.
وتبعا لذلك يمكن أن نسوق أهم الضمانات التي يجب توفرها أثناء القيام بالتفتيش من خلال الإجراءات التالية:
أولا : إجراء التفتيش داخل الوقت القانوني مع ضرورة حضور ضباط الشرطة القضائية أثناء إجرائه.
1-حضور ضباط الشرطة القضائية أثناء القيام بعملية التفتيش.
لا يمكن قانونا القيام بعملية تفتيش المنازل إلا من طرف ضباط الشرطة القضائية، ولا تسري عملية التفتيش إلا بوجودهم، وذلك راجع إلى قدسية المنزل22.
2-تفتيش المنازل داخل الوقت القانوني.
ويعتبر هذا الأمر ضمانة أساسية من ضمانات المحاكمة العادلة، إذ نجد المشرع قد منع التفتيش بعد التاسعة ليلا وقبل السادسة صباحا، وهذا راجع إلى أن الليل يعتبر زمن الراحة والطمأنينة.
إلا أن لهذه القاعدة استثناءات يمكن استخلاصها من المادة 62 من ق.م.ج23، وما تضمنته المادة 10 من ظهير 21 ماي 1971 المتعلق بمحاربة الإدمان على المخدرات السامة ووقاية المدمنين24.
ثانيا: تفتيش منزل المشتبه فيه أو من يشتبه في حيازته أشياء لها علاقة بالأفعال الإجرامية.
يعطي البحث التمهيدي التلبسي لضباط الشرطة القضائية مجموعة من الصلاحيات المتعلقة بالأشياء والتي تميزه في ذلك عن الصلاحيات الممنوحة لضباط الشرطة في البحث التمهيدي العادي وهو ما يرتب أثار هامة على مستوى الضمانات الممنوحة للمتهم في كل من البحثين25، ففي حالة التلبس لم يشترط المشرع موافقة صاحب المنزل لإجراء التفتيش[16]، على خلاف البحث التمهيدي العادي الذي يخضع فيه تفتيش المنازل لعدة قيود والتي تقلص من صلاحيات ضباط الشرطة القضائية وتوسع من الضمانات المخولة للشخص الذي ستجرى عملية التفتيش في منزله[17]، بحيث لا يمكن دخول المنازل وتفتيشها وحجز ما بها من أدوات الاقتناع دون موافقة صريحة لصاحب المنزل.
الجدير بالذكر أن هناك استثناء واحد لهذه القاعدة وهو إذا تعلق الأمر بجريمة إرهابية وامتنعصاحب المنزل عن إجراء التفتيش، يمكن القيام بالتفتيش دون الحصول على موافقته وذلك لخطورةهذه الجرائم.
ثالثا:احترام الأماكن التي يشغلها أشخاص ملزمين بكتمان السر المهني.
فمتى تعلق الأمر بتفتيش أماكن معدة للاستعمال المهني يشغلها شخص ملزم بكتمان السر المهني(مكتب الموثق-مكتب المحامي-عيادة الأطباء) وجب على ضابط الشرطة عدم القيام بالتفتيش إلا بعد إشعار النيابة العامة واتخاذ جميع التدابير لضمان احترام السر المهني28.
رابعا: الحفاظ على الأشياء المحجوزة والإجراءات المتطلبة لتفتيش النساء.
1-الحفاظ على الأشياء المحجوزة:
إن الحفاظ على الأشياء المحجوزة من طرف ضباط الشرطة القضائية تعد أكثر ضمانة وهذا راجع إلى الخصوصيات التي تكتسبها عملية الحجز، حيث نجد المشرع قد وضع مسطرة مشددة عند القيام بعملية التفتيش، ويتوجب على ضابط الشرطة القضائية إحصاء هاته الأشياء والوثائق ووضعها في غلاف أو وعاء أو كيس ويختم عليها29 أو توضع في أنية أو في كيس ويضع عليها قصاصة(ورقة) يختم عليها بطابعه30.
2-إذا تعلق الأمر بتفتيش النساء.
في البداية ينبغي التأكيد على أن بعض الباحثين31، يرى أن ما جاءت به المادة 60 من ق.م.ج تتحدث عن تفتيش الأشخاص حيث أن التعبير واضح الدلالة على تفتيش النساء، وليس على تفتيش المكان، وبناء عليه يعتبر تفتيش النساء من طرف ضابط الشرطة لقضائية انتهاك لحرمة المرأة .
ولضمان صون كرامة المرأة أثناء القيام بعملية التفتيش، إذا تطلب الأمر إخضاعها لتفتيش جسدي يجب على ضابط الشرطة القضائية أن ينتدب امرأة لتقوم بذلك ما لم يكن الضابط امرأة32، تحت طائلة بطلان هذا الإجراء، بل وذهبت محكمة النقض المصرية إلى أبعد من ذلك واعتبرت "أن المرأة المتهمة إذا كانت تخفي في صدرها مخدرا فمد مأمور الضبط القضائي يده في صدرها لإخراجه كان ضبطه باطلا"[18].
وحيث أنه علاوة على ما سبق ذكره فإنه بعد انتهاء ضابط الشرطة القضائية من عملية التفتيشيتعين عليه أن يحرر محضر ويوقع عليه، وفي حالة الإخلال بإجراء من الإجراءات السابقة34، والتيتعتبر تدابير يهدف من خلالها المشرع إلى تعزيز وتقوية قرينة البراءة، فإن الجزاء القانوني هو بطلانالإجراء المعيب فقط وما يترتب عنه من إجراءات35، وبالتالي فإن المشتبه فيه الذي يجرى البحث التمهيدي في حقه لا يعتبر متهما بالمعنى الدقيق، ذلك أن توجيه الاتهام ليس من اختصاص ضباط الشرطة القضائية بل من اختصاص القضاء، وهذا ما يميز البحث التمهيدي على التحقيق الإعدادي36.

المطلب الثاني: ضمانات المحاكمة العادلة أثناء التحقيق لإعدادي

نظم المشرع المغربي التحقيق الإعدادي فيق.م.ج وخصص له المواد من 83إلى 230 وقد أسند مهمة القيام به لقاضي التحقيق،ونظرا لحساسية هذا الإجراء وخطورته على المتهمين،فقد أحاط المشرع هؤلاء بجملة من الضمانات تتجلي في سرية التحقيق وكفالة قرينة البراءة (الفقرة الأولي) تم التطرق للضمانات المتعلقة بالبحت عن الأدلة والتنقيب عنها وتدوين اجراءات التحقيق(الفقرة الثانية).

الفقرة الأولي:سرية التحقيق وكفالة قرينة البراءة

تتجلي هذه الضمانات بالخصوص في سرية التحقيق(أولا)تم كفالة قرية البراءة(ثانيا)
أولا:ضمان سرية التحقيق.
تعتبر سرية التحقيق من أهم الضمانات التي يتمتع بها المتهم خلال مرحلة التحقيق الإعدادي،فسرية التحقيق تقوم على امتناع إطلاع عموم الناس على إجراءات التحقيق أو على المحاضر المنجزة بمناسبة إعداده،أو نشر أي شيء من ذلك في وسائل الإعلام المختلفة وإصالها إلي الغير.
هذا وتجد سرية أساسها في نص المادة 15 من ق م ج، التي قررت بأن تكون المسطرة التي تجري أثناء البحت والتحقيق سرية ،وبأن كل شخص يساهم في إجرائها ملزم بكتمان السر المهني ضمن الشروط وتحت طائلة العقوبات المقررة في ق .م .ج . ومع ما سبق فإنه ينبغي لفت النظر إلى أن مبدأ السرية الطاغي على عملية التحقيق الإعدادي يلقي نوع من التلطيف فهو من جهة مفروض على لأشخاص الذين يقومون بإنجاز أو اتخاد اجراءاته كقاضي التحقيق أو ضباط الشرطة القضائية الذين كلفوا ببعض إجراءاته[19].
تانيا:كفالة قرينة البراءة.
تبقي الغاية المثلي من اعتماد سرية التحقيق حماية قرينة البراءة والتي تعد من الضمانات الدستوريةلحماية الحرية الشخصية للمتهم في مواجهة سلطات الدولة،حيت أقرتها الاتفاقيات الدولية لحقوقالإنسان،وقد كرسها المشرع في المادة الأولي من ق م ج "كل متهم أو مشتبه فيه بارتكاب جريمة يعتبربريئا إلى أن تثبت إدانته قانونا بمقرر مكتسب لقوة الشئ المقضي به،وبناء علي محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية.
يفسر الشك لفائدة المتهم.
فتحريك الدعوي العمومية في مواجهة شخص ما لا يعني الجزم بأنه مذنب، إذ يتمتع بقرينة البراءة التي تقضي عدم مساس بحقوقه التي كفلها له الدستور والقانون ولا يثبت الاتهام الفعلي ضد الفرد إلا بعد جمع كافة الأدلة ضده وإثباتها وانتهاء المحاكمة بصدور حكم نهائي.
وعلى هذا الأساس تم تقرير سرية التحقيق،لأنه عندما تطبق العلانية ويباح نشر تفاصيل الحوادث ومرتكبيها والتعرض لحياتهم الخاصة،فإن ذلك يعد تعديا خطيرا على قرينة البراءة .

الفقرة الثانية:ضمانات البحت عن الأدلة والتنقيب وتدوين إجراءات التحقيق

أولا:ضمانات المتهم عند التنقل والتفتيش والحجز.
نظم ق. م .ج المغربي التنقل والتفتيش والحجز ضمن المواد من 99الى107،وتبرز الضمانات المقررة للمتهم بموجب التنقل في كون قاضي التحقيق ملزم باصطحاب كاتب الضبط وبتحرير محضر بجميع الأعمال التي قام بها تنفيذا لأمر التنقل[20].
التفتيش والحجز من إجراءات التحقيق ينطويان على مساس بحق الشخص في حياته الخاصة،فالمسكن حرمة لأنه مستودع أسراره ومعقل خصوصياته،لأمر الذي دهب بالمشرع تقيد تفتيشه بضوابط لا يجوز إغفالها،حيت تعتبر بمثابة ضمانة للمتهم، كما تم بيان ذلك أثناء الحديث عن ضمانات البحت التمهيدي.
ثانيا:ضمانات المتهم عند اللجوء إلى الخبرة والتقاط المكالمات.
1- ضمانات المتهم عند اللجوء للخبرة.
بما أن غاية قاضي التحقيق هي الوصول إلي الدليل بأية طريقة مشروعة يرها كفيلة بتحقيق ذلك،منحه المشرع إمكانية اللجوء إلى الخبرة للفصل في مسألة تقنية خارجة عن اختصاصه طبقا لل،و ذلك عند غموض أسرار بعض الوقائع التي يحقق فيها،ومن الضمانات المخولة للمتهم في مواجهة أعمال الخبرة أن رفض قاضي التحقيق اللجوء إليها يمكن استئنافه من طرفه.
2-ضمانات المتهم عند التقاط المكالمات.
تعد هده الضمانة من بين الإجراءات المستحدثة في ق م ج. والتي تعرضت للعديد من الانتقادات لما في هذا الإجراء من هتك الأسرار وحرمة الشخص،خاصة وأن الدستور المغربي الذي يحصن صراحة حرمة الاتصالات بمنعه انتهاك سريتها )الفصل 24من الدستور(وهو ما دفع المشرع للتدخل في إطار ترسيخ ضمانات المتهم وحقوقه في الدفاع وذلك بإزالة الغموض عن حالات وشكليات اللجوء إلى التقاطالمكالمات إد أنه منع التقاط المكالمات الهاتفية أو الاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد وتسجيلهاواخد نسخ منها أو حجزها.ومنح هذه الامكانية فقط لقاضي التحقيق والوكيل العام للملك كلما اقتضتضرورة البحت ذلك طبقا للمادة 108 من ق م
ج.
وتعزيزا لهذه الضمانة أقر المشرع جزاءت تتجلي في الحبس من شهر إلى سنة وغرامة مالية من 10.000 1إلي 100.000 أو إحدي هاتين العقوبتين فقط.كل من قام بوضع وسائل مهيأة لإلتقاط هذه المكالمات أو المراسلات خلافا لما نصت عليه المادة 108.
رابعا:ضمانات المتهم عند الاستماع إلى الشهود وتدوين إجراءات التحقيق.
1)ـ ضمانات المتهم عند الاستماع إلى الشهود.
الشهادة من أفيد وسائل الإثبات في المادة الجنائية منه تستخلص القناعة وبكيفية مباشرة على ثبوت واقعة مادية أو انتفائها إن لصالح شخص وإن ضده، وهي تعد من الضمانات المخولة للمتهم في مواجهة وسيلة خطيرة للإثبات تعتمد بالأساس على الذاكرة التي تخون الكثير من الشهود[21]،وتتجلي هذه الضمانات في امتناع الاستماع لشخص كشاهد في كل حالة يرد فيها اسمه في الشكاية المرفوقة بالمطالبة المدنية حيت ينبغي الاستماع إليه في هذه الحالة كمهم،ذلك ان المادة118 من ق م ج خولت لمتل هذا الشخص صراحة هذه الامكانية حتي لا يحرم من الضمانات التي يتمتع بها المستنطق كعدم تحليفه اليمين على قول الحق،وهذا ما لا يتمتع به الشاهد الذي عليه حلف اليمين على قول الحق ابتدءا وقبل الأدلاء بشهادته وأدائها فورا وبدون تأخير،وعدم امكانية مؤازرته بمحامي،إلي جانب خضوعه لجزاء جنائي في حالة كدبه في الشهادة الفصول من 368الي372.
2)ـ تدوين إجراءات التحقيق.
إن تدوين إجراءات التحقيق الإعدادي في محاضر موقعة من قبل من السلطة المختصة يعد ضمانة كبري لمصداقية التحقيق الابتدائي برمته بسبب أنه يرفع كل لبس عن حقيقية الإجراءات التي قام بها قاضي التحقيق ويسهل إلى حد بعيد إعمال آثارها القانونية الممكن ترتيبها عن كل خرق يأتيه من قبل المحكمة التي تنظر في الدعوي العمومية، أو تراقب قاضي التحقيق في ذلك خصوصا وأن المحاضر المدونة بسبب إجراءات التحقيق هي أوراق رسمية لا يمكن مناقضة مضمونها إلا عن طريق إدعاء الزور فيها.ومن أبرز مظاهر سمة التدوين لعمليات التحقيق الإعدادي استعانة قاضي التحقيق دائما بكاتب الضبط .
وتتسم ضمانات التدوين بنوع من الازدواجية حيت تمثل ضمانة للمتهم و للسلطة القائمة بالتحقيق،بالنسبة للمتهم تتمثل في إمكانية قيام المتهم أو من يمثله من مراقبة أعمال التحقيق وإجراءاته،أما ضمانات سلطة التحقيق تتمثل في إبعاد الشبهة عن المحقق خاصة عند الدفع من المتهم ببطلان الإجراءات المتخذة من جهة التحقيق[22].
خامسا:ضمانات الاستنطاق.
1-الاستنطاق الأولي.
يتضح من خلال لمقتضيات المادة 134منق.م،أن الضمانات المخولة للمتهم في هذه المرحلة تتجلي في ضرورة تأكد قاضي التحقيق من هوية المتهم وإخضاعه للفحص الطبي عند الحاجة،كما يجب إشعار المتهم مباشرة بعد التأكد من هويته وبشكل فوري بحقه في اختيار محامي لمؤازرته، أو يعينه له في حالة طلب منه ذلك وينص على ذلك في المحضر، وكذا إشعاره بالأفعال المنسوبة إليه والوقائع التي توبع من أجلها[23]،وهذا الحق كرسته المواثيق الدولية لحقوق لإنسان و الحريات الأساسية[24]،وأكده المشرع المغربي حينما نص عليه في الفقرة الرابعة من المادة 134 من ق م ج، على أنه يجب على قاضي التحقيق أن يبين للمتهم الأفعال المنسوبة إليه ،لذلك يكون المشرع قد ألزم قاضي التحقيق تحت طائلة البطلان بإشعار المتهم بالوقائع والأفعال التي توبع بشأنها،حيت يعتبر احدي أهم الضمانات التي تندرج في إطار الحقوق الأساسية المعترف بها للمتهم،وخرقها يعد في جوهره خرق ومساس بحقوق الدفاع.
كما يشعره بأنه حر في عدم الإدلاء بأي تصريح،حيت تعتبر أحقية المتهم في عدم الإدلاء بأية تصريح أثناء الاستنطاق الأولي ضمانة أساسية تتجلي أهميتها في الحالة التي يمر منها المتهم لأول مرة أمام جهة التحقيق وما يمكن أن ينتج عنها من ارتباك وتوتر قد ينجم عنه الإدلاء بتصريحات قد لا تكون في صالح المتهم وقد ينجم عنها اعترافات بأفعال يمليها الخوف والارتباك ويصعب بعد ذلك تنفيذها أو إثبات عكسها[25].
ويري الدكتور أحمد الخمليشي أن الهدف من وراء إشعار المتهم بأنه حر في عدم الإدلاء بأي تصريح تفادي إدلاء المتهم بأقوال قد تضر به نتيجة مفاجأته بتوجيه الاتهام إليه،منح له القانون حق الامتناع عن الإدلاء بأية أقوال حتي يستعيد هدوءه ويفكر مليا في إعداد دفاعه بنفسه أو الاستعانة بمحامي"[26].
2-الاستنطاق التفصيلي.
يمكن تلخيص هذه الضمانات في أنه يجب استنطاق المتهم بدون إكراه طبقا لما نص العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية[27]، وكرسه المشرع في ق م ج ،ناهيك عن حرية المتهم في الاتصال بمحاميه،وحقه في الإطلاع علي ملف التحقيق من طرف الدفاع ووضعه رهن إشارته ، ويمثل حضور الدفاع مثل هذه الاستنطاقات احدي أهم الضمانات المخولة للمتهم من أجل تفادي إخضاعه لاستنطاق غير قانوني، أو ممارسة نوع من الضغط المعنوي أو توقيع المتهم على محاضر يجهل ما جاء فيها، بالإضافة إلى مراقبة سير التحقيق عن طريق الطعن في قرارات قاضي التحقيق المخالفة للمسطرة[28]، ويعد إجراء قاضي التحقيق بحت حول ظروف المتهم الاقتصادية والاجتماعية و النفسية كذلك من بين الضمانات،حيت تنص المادة 87 من ق م ج علي ضرورة إجراء بحت حول شخصية المتهم وظروفه العائلية ولاجتماعية في الجنايات بشكل إلزامي،أما الجنح فالأمر يعتبر اختياريا ضمانا لحقوق الدفاع ،فقد أوكل المشرع لقاضي التحقيق انجاز بحت حول التدابير الكفيلة لتسهيل إعادة إدماجه في المجتمع.
فما هي أهم الضمانات الممنوحة للمتهم خلال مرحلة المحاكمة؟ 

المبحث الثاني: ضمانات المحاكمة العادلة اثناء مرحلة المحاكمة وبعدها

تعتبر هذه النقطة هي المرحلة المصيرية بين أطراف الخصومة الجنائية حيت يهتم الكل فيها بتعزيز وجهة نضره بالكيفية التي يراها محققة لمصلحته، فالنيابة العامة تطالب بتطبيق رد الفعل الاجتماعي على المتابع أمامها بسبب خرقه للقواعد القانونية، وهذا الأخير تكون غاياته نفي التهمة الموجهة إليه أو العمل على الأقل على التخفيف من شدة رد الفعل الإجتماعي، ولتحقيق ذلك لابد من توفر مجموعة من الضمانات التي لا يجوز تخطيها (المطلب الأول) كما أن هذه الضمانات لا تقتصر على مرحلة المحاكمة بل إن المشرع أحاطها بمجموعة من الضمانات الأخرى تفاديا لأي تعسف أو شطط وحفاظا على حقوق الأفراد لا سيما أن الأمر يتعلق بحقوق الإنسان(المطلب التاني).

المطلب الأول: المبادئ الاساسية لضمان محاكمة عادلة

للحديث عن محاكمة عادلة خلال مرحلة المحاكمة يقتضي منا الأمر التطرق إلى أهم المبادئ القضائية(الفقرة الأولى) فضلا عن الضمانات المسطرية وآليات حمايتها(الفقرة التانية) .

الفقرة الأولى: المرتكزات الأساسية لضمان محاكمة عادلة. 

يعتبر القضاء مرفقا عموميا تقليديا إلى جانب الأمن والدفاع، وهو مظهر من مظاهر السيادة في الدولة ،بحيث لا يمكن تفويته لجهة أخرى، كأصل عام، والقضاء كما عبر عنه الفقيه" دوكي" جهاز بأطره وآلياته ،ونشاط من خلال الحماية القضائية التي يوفرها للمتقاضين ولا يمكن الحديث عن المحاكمة العادلة دون وجود قضاء مستقل ونزيه ومحايد وسريع وغير متسرع، يعمل في ظل الاحترام التام لبعض المبادئ الأساسية في التنظيم القضائي كمبدأ المساواة أمام القضاء والاستقلالية.
وهي كلها سمات من شأنها ان توفر للمتقاضين ضمانات المحاكمة العادلة وهو ما أكدته الاتفاقيات الدولية سواء العالمية او الإقليمية[29].
أولا: استقلال القضاء .
لابد من التذكير بكون كافة صكوك الإنسان العالمية والإقليمية قد أوجبت الحق في محاكمة منصفة وعادلة يبشرها قضاء مستقل ونزيه سواء في الميدان الجنائي أو المدني.
ومن أهم المعاهدات التي اهتمت بمبدأ استقلال ونزاهة الهيئة القضائية نجد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي ينص في المادة 10 منه "أن من حق كل فرد لدى الفصل في أي تهمة جزائية توجه إليه أو في حقوقه و التزاماته في أي دعوى مدنية أن تكون قضيته محل نظر منصف من قبل محكمة مختصة ومستقلة وحيادية، منشأة بحكم القانون"48.
وقد أكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان على حق الفرد في أن يحاكم من طرف محكمة مستقلة و محايدة هو حق مطلق ولا يمكن أن يخضع لأي استثناء49.
ويستمد إستقلال القضاء روحه و جوهره من مبدأ فصل السلطات للمفكر الفرنسي "مونتسكيو" في كتابه الشهير "روح القوانين"، وعلى هذا الأساس فاستقلال القضاء عن السلطة التشريعية يتجسد فيه، إذ لا يتصور في هذا العصر الحديث أن يقوم القاضي الذي يفصل المنازعات على سن قوانين تساير ميولا ته ونزواته حسب نوع القضايا أو حسب نوع المتقاضين.
و بالمقابل فأنه يمنع على السلطة التشريعية بإعتبارها سلطة تسهر على وضع القوانين العامة والمجردة دون النظر إلى حالة معينة ولا إلى شخص بذاته50، أن تتدخل في المنازعات التي تدخل ضمن اختصاص القضاء، أو أن تنزع من الجهات القضائية جزء من اختصاصاتها لنمنحها لجهات غير قضائية لتنظر فيها بصورة مستقلة.
وإذا كان لا يحق للقضاة التدخل في العمل التشريعي بصفة عامة، فإنه بإمكانهم تفسير القوانين بخصوص الحالات المعروضة عليهم إلا فيما يتعلق بدستورية القوانين التي يمنع النظر فيها من قبل المحاكم الموضوعية ،وتبقى من اختصاصات المجلس الدستوري51.
أما فيما يخص إستقلال السلطة القضائية على السلطة التنفيذية فنجد أن السلطة التنفيذية يجب أن تلتزم تجاه السلطة القضائية بما يلي:
أنه لا يجوز للسلطة التنفيذية القيام بنقل قضية معينة من جهة قضائية مختصة وإسنادها إلى محكمة أخرى غيرها، كما لا يحق للسلطة التنفيذية إصدار الأحكام أو إعطاء تعليمات للقضاة أو منح نفسها صلاحية الفصل في النزاعات التي تدخل في اختصاصهم وفي المقابل يمنع على المحاكم عدا إذا كانت هناك مقتضيات قانونية مخالفة أن تنظر ولو بصفة تبعية في جميع الطلبات التي من شأنها أن تعرقل عمل الإدارات العمومية للدولة أو الجماعات المحلية الأخرى أو تلغي قراراتها.
كما لا يحق للقضاة إصدار قرارات إدارية أو تعديلها أو توجيه أوامر للإدارة أو الحلول محلها فيما يعتبر من اختصاصها52.
وفي هدا الصدد فقد صدر قرار عن المجلس الأعلى سابقا - محكمة النقض حاليا- جاء فيه، ")...(اذا كانت عبارة النص واضحة الدلالة فلا يجوز الزيادة فيها ، وعلى القاضي اعمال النصوص في حدود عبارتها الواضحة)...([30] .
من خلال هده الحيثية نستشف ان المحكمة كرست مبدأ فصل السلط واعتبرت أن التفسير الواسع للنص من شأنه ادخال القاضي في اعمال السلطة التشريعية.
والى جانب هدا الطرح فان التعديل الذي نزع من وزير العدل صلاحية السهر على السلطة القضائية ومنحها للوكيل العام لدى محكمة النقض هو في حد ذاته يمكن اعتباره تكريسا لمبدأ استقلال السلطة القضائية المنصوص عنه في الفصل 107 من الدستور .
وما ينبغي الإشارة إليه أيضا أن إستقلالية السلطة القضائية لا تقتصر على السلطتين التشريعية والتنفيذية بل تمتد مجازا إلى السلطة الرابعة، ونعني بدلك الإعلام بمختلف أشكاله، وهو ما نلاحظه في العديد من القضايا التي يخرق فيها الإعلام مبدأ سرية البحث والتحقيق وإصدار أحكام مسبقة تأجج الرأي العام[31]، ومست بمبدأ قرينة البراءة التي هي الأصل، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى المساس باستقلالية القاضي والتأثير عليه.
وتبعا لذلك فإن إستقلالية القاضي عن الرأي العام ووسائل الإعلام واقتصاره على الأدلة والمناقشة التي تمت أمامه ثم إصداره لأحكام بناء على اقتناعه الوجداني الصميم تعتبر من الشروط الضرورية للمحاكمة العادلة[32].
ثانيا: المساواة أمام القضاء كإحدى ضمانات المحاكمة العادلة.
تعتبر المساواة أمام القضاء من إحدى ضمانات المحاكمة العادلة، إذ لا يجوز التميز بين المتقاضين بسبب اللون أو الجنس أو العرق أو الوضع الاجتماعي أو الدين (...) كل ذلك قصد تسهيل وصول الآخر إلى المحاكم ،والمساواة أمام القضاء هو مبدأ عالمي تضمنته القوانين سواء ذات الطبيعة العالمية أو الإقليمية، والمثال على ذلك ما جاء في المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، "الناس سواسية أمام القضاء"[33]، وبالرجوع المقتضيات المادة 7 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان، "الناس جميعا سواسية امام القانون دونما تمييز"، وتضيف المادة 10 من نفس الإعلان، "لكل إنسان على قدم المساواة العامة مع الاخرين، الحق في أن تنظر في قضية محكمة مستقلة ومحايدة نظرا منصفاً ومحايد اً".
وفي إطار معاملة الأفراد دون تمييز ثم خلق مبدأ آخر يعتبر مكملا ومدعما لمبدأ المساواة هو مبدأ المجانية، ويقصد به أن الدولة هي التي تكفل حماية الحقوق مجانا من خلال مرفق القضاء تماما كما تكفل حق الأمن و الدفاع باعتبارهما مرافق عمومية تقليدية ومظهرا من مظاهر السيادة في الدولة التي لا يمكن تصور كفالتهما من طرف الخواص من حيث المبدأ.
ويرى بعض الفقه، أن الرسوم القضائية المؤدة تبقى رمزية ليس إلا ولا ترقى إلى قيمة الخدمة التي يوفرها للمتقاضين علما أنه تم خلق نظام المساعدة القضائية والذي تستفيد منه الطبقات المعوزة الغير قادرة على أداء تلك الرسوم أو تكون هذه الاخيرة معفاة منها بقوة القانون57.
بعد هدا الطرح، فماهي الضمانات التي تحتويها مسطرة المحاكمة ؟

الفقرة الثانية: آليات حماية حقوق المتهم 

نجد من بين هذه الآليات ضرورة لحماية المتهم خلال مرحلة المحاكمة نجد، تقييد سلطة القاضي الجنائي تم الرقابة القضائية على الإجراءات الجنائية في هذه المرحلة من المحاكمة.
1 – تقييد سلطة القاضي الجنائي.
طبعا القاضي الجنائي و هو يحكم فيما هو معروض أمامه من وقائع لا يمكن أن يبني مقرره الا بناء على إقتناعه الوجداني وهذه القناعة ليست بطبيعة الحال مطلقة وإنما ترد عليها بعض القيود نجد على رأسها.
أ– التقييد بحدود الدعوى الجنائية.
مفاد هذا الإجراء أن المحكمة وهي بصدد النظر في التهمة إلى المتهم و تبين أن المتهم ارتكب أفعال
إجرامية أخرى غير تلك المتابع من أجلها فإنها لا يمكن لها- المحكمة- وذلك تحت طائلة البطلان أن تدين المتهم أو تعفيه إن لم تقم النيابة العامة بتحريك المتابعة وهذا ما يستشف وبصيغة غير مباشرة من المادة 433 من ق م ج58.
ب- تعليل الأحكام.
من القيود الواردة كذلك على القاضي الجنائي ضرورة تعليل القرارات والأحكام الصادرة عنه ضد المتهم فتسبيب الأحكام أو تعليلها يشكل بحق في جوهره ضمانة لتحقيق الدفاع لأنه يؤكد دقة البحث وحقيقة الوقائع ويؤكد كذلك اقتناع صميم القاضي من جهة أخرى.
فمن خلال هذه الآلية القاضي الجنائي يتجاوز تلك النظرة السطحية لقضية المتهم ويقدم الحجج في منطوق حكمه انطلاقا من تحديد الأدلة التي تم اعتمادها لبناء الحكم بالإدانة والرد على دفوع المتهم وذلك تحت طائلة البطلان59.
ج – عدم الاعتداد ببعض وسائل الاثبات.
يستفاد من الفصل 286 من ق م ج أن الاصل هو حرية إثبات الجرائم بأية وسيلة من وسائل الإثبات، إلا أن هذا الاصل ترد عليه بعض الاستثناءات المنصوص عليها في ق م ج، ومن أهمها ما تم النص عليه في الفصل 294 الذي يقضي بعدم امكانية انتاج الدليل الكتابي من الرسائل المتبادلة بين المتهم ومحاميه، وهذا يشكل بحق ألية حمائية أساسية لحقوق الدفاع المتمثلة في حق المتهم في الاستعانة بمحام وكدا حقه في الاتصال [34] به ولو بسرية تامة، والقول بخلاف ذلك يجعل حقوق الدفاع في مهب الريح ، وعليه لا يمكن للقاضي أن يبني
اقتناعه القضائي بناء على الرسائل المتبادلة بين المتهم والمحامي مهما كانت هذه الاخيرة تحمل من الاعترافات والأدلة ما يدان به المتهم.60
ومن الوثائق التي تستبعد أيضا ما نصت عليه المادة 212 بحيث يتم سحب من ملف التحقيق ووثائق
الإجراءات التي أبطلت ويمنع بالتالي الرجوع إليها لاستعمالها ضد أحد أطراف الدعوى الجنائية المتهم من بينهم61
2 الرقابة القضائية على إجراءات المحاكمة.
حتى تخلو إجراءات المحاكمة من كل عيب قد يطال الحكم والتأكد من سلامتها وشرعيتها وملاءمتها
للقانون ينبغي أن تخضع لرقابة وذلك من أجل صدور حكم عادل و منصف و مستوٍفٍ لجميع الشروط الشكلية والموضوعية التي تكسب ثقة المتقاضين.
وهذه الرقابة إما أن يقوم بها القاضي نفسه عن طريق تصحيح كل إجراء يتبين له بطلانه عند احالة القضية عليه أو إبطال كل إجراء مخالف لنظام العام بما له من سلطة خولها إياه القانون.
كما يمكن أن تقوم بهذه الرقابة المحكمة الأعلى درجة تراقب شرعية اجراء البحث والمناقشة والاستماع للشهود والتثبت من الأدلة الجنائية وكذا حقوق الدفاع التي نجم عنها الحكم بالبراءة أو الإدانة مع التعليل في كل الاحوال[35].

المطلب الثاني: مظاهر ضمانات المحاكمة العادلة (الطعن والتعويض نموذجا)

كما قلنا من قبل فضمانات المحاكمة العادلة لا تقتصر على مرحلة ما قبل المحاكمة فقط ، بل تتعدها إلى مرافقة المتهم أثناء المحاكمة من خلال تمكينه من الحق في الطعن (الفقرة الأولى) وإمكانية طلب التعويض عن الخطأ القضائي ان وجد (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الحق في الطعن

يعتبر الحق في الطعن من المبادئ الأساسية التي تضمنتها المواثيق و المعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وفي نفس الإطار نص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية في المادة 14منه إذ أقرت الفقرة الخامسة بالحق في الطعن، إذ جاء فيها أنه " لكل شخص أدين بجريمة حق اللجوء وفقا للقانون إلى محكمة أعلى لكي تعيد النظر في قرار إدانته وفي العقاب الذي حكم به عليه" [36] وطرق الطعن في المادة الجنائية تصنف إلى طرق طعن عادية و غير عادية ، فالأولى تشمل التعرض و الاستئناف ،وأما الثانية فتشمل النقض وإعادة النظر و المراجعة.
أولا: طرق الطعن العادية.
سميت بالعادية لأن القانون سمح بإعادة عرض مختلف الأحكام على أنظار المحكمة من جديد كأنها لم تعرض من ذي قبل على محكمة ما ، بحيث يكون الحكم الصادر فيها و بعد الطعن فيه كأن لم يكن إلا إذا أقرته المحكمة المقدم إليها الطعن64 ، وقد سمحت المسطرة الجنائية كما هو معلوم بنوعين من الطعون التعرض و الاستئناف.
1-التعرض:
يقصد بالتعرض طلب إعادة النظر في الدعوى الجنائية من جديد بعد أن سبق للمحكمة أن نظرت فيها، فالأحكام التي تقبل الطعن عن طريق التعرض نوعان الأحكام الغيابية(413)و الأوامر القضائية (383).من ق.م.ج.
والملاحظ أن قانون المسطرة الجنائية القديم كان يطرح بعض الاشكاليات المتعلقة بخصوص التصريح بالتعرض، حيث أن بعض كتابات الضبط كانت لا تقبل الطعن بالتعرض إلا من طرف المحكوم عليه غيابيا شخصيا ، وهدفها من ذلك هو السهر على تبليغ الاستدعاء للمتعرض حال تلقي تصريحه بالتعرض، تفاديا لتعذر تبليغ الاستدعاء إليه فيما بعد، وقد أدى هذا لخلق بعض المشاكل، إلى أن وجد قانون المسطرة الجنائية الحالي حلا لهذه الإشكالية ، بأن خول حق تقديم التصريح بالتعرض للمحكوم عليه أو دفاعه 65،وهذا التأكيد من شأنه تقوية حقوق الدفاع، ويلاحظ من جهة أخرى أن قانون المسطرة الجنائية الحالي وبالضبط المادة 393 من نفس القانون حل إشكال متعلق برفض كاتب الضبط تسجيل بعض الطعون بالتعرض التي يرى في نظره غير قانونية، فقد أوضحت الفقرة الثالثة من نفس المادة كجواب عن ذلك على أنه عند وقوع منازعة في هذا الشأن، فإن الأمر يرفع إلى رئيس المحكمة ، وتطبق آنذاك مقتضيات الفقرات 2-3-4 من المادة 401 من قانون المسطرة الجنائية66 .
ومن جهة أخرى فإن أهم نتيجة يؤدي إليها التعرض على الحكم الغيابي هو بطلان هذا الحكم ، ومعنى ذلك أنه يتعين مناقشة القضية من جديد أمام نفس المحكمة لتصدر حكمها على المحكوم عليه طبقا لذلك 67.
2-الاستنئاف:
يعتبر الطعن بالاستئناف طريق ثان من طرق الطعن العادية يقدم إلى محكمة أعلى درجة من المحكمة التي أصدرت الحكم المستأنف وهذا ما يعرف بنظام التقاضي على درجتين و يعتبر من المبادئ الأساسية التي تأخذ بها مختلف النظم القانونية، وقد كانت المسطرة الجنائية الملغاة لا تجيز استئناف الأحكام الصادرة عن غرفة الجنايات – ولو من أجل جنحة– سوى على درجة واحدة من التقاضي، علماً أن هذه الغرف تصدر أحكاماً تصل لحد الإعدام والسجن المؤبد بشأن الجنايات، في حين يتوفر المتهم الذي تحاكمه المحكمة الابتدائية على الحق في الاستئناف ولو كان متابعاً من أجل جنحة يعاقب عليها القانون بغرامة بسيطة فقط ، وهذا الوضع منتقد لأنه يهدر حق المتهم في التوفر على درجتين من درجات التقاضي، ويمس بمبدأ المحاكمة العادلة، ولذلك فقد جاء القانون الجديد بمقتضيات تنص على إمكانية الطعن بالاستئناف في القرارات الصادرة عن غرف الجنايات لدى محاكم الاستئناف من قبل أطراف الدعوى، ولتوفير مزيد من الضمانات للمحاكمة العادلة فإن غرفة الجنايات الاستئنافية التي تنظر في الطعن تتكون من رئيس وأربعة مستشارين لم يسبق لهم النظر في القضية، مع العلم أنه ضمانا لحسن سير العدالة وتقريب القضاء من المتقاضين فإن هذه الغرفة توجد بنفس محكمة الاستئناف التي توجد بها غرفة الجنايات التي أصدرت الحكم الابتدائي )المادة 457 من قانون المسطرة الجنائية( [37]، وقد جاء في قرار للمجلس الأعلى سابقا و محكمة النقض حاليا "أن المنع المنصوص عليه في الفصل الرابع من قانون المسطرة المدنية 69 يشمل في نفس الوقت القضاء الواقف و الجالس"[38].
ومن جهة أخرى فإن الطعن بالاستئناف يترتب عليه أثران [39]:
الأول :أثر واقف، ويعني وقف تنفيذ الحكم الابتدائي المطعون فيه وذلك بنص القانون إذ يوقف التنفيذ أثناء الأجل المقرر للاستئناف و أثناء النظر فيه إذا تم داخل الأجل القانوني، وفي نفس السياق تنص المادة 398 من قانون المسطرة الجنائية على أن الحكم الصادر ابتدائيا يوقف تنفيذه أثناء سريان اجال الاستئناف وأثناء جريان المسطرة
في مرحلة الاستئناف ، أما اجال الاستئناف المخول للوكيل العام للملك فلا يحول دون تنفيذ العقوبة .
الثاني : أثر ناقل ، ومؤداه أن الدعوى تعرض على جهة أعلى درجة وهي محكمة الاستئناف في حدود الاستئناف المرفوع إليه، وهذا يشكل بحق ضمانة من ضمانات المحاكمة العادلة.
ثانيا: طرق الطعن غير العادية.
تناول قانون المسطرة الجنائية طرق أخرى للطعن حيث نص في الكتاب الرابع من قانون المسطرة الجنائية على طرق طعن غير عادية، وذلك بهدف استكمال التدقيق في الحكم أو القرار الذي أصبح غير قابل للطرق الطعن العادية إذا توافرت شروط معينة حددها القانون وقد جعلها المشرع المغربي ثلاثة أنواع.
1-الطعن بالنقض:
تناول قانون المسطرة الجنائية الأحكام العامة للطعن بالنقض في المادتين 518 و 519 ويقصد به مراقبة محكمة النقض لقضاء الموضوع في تطبيقه للقانون فهو يراقب سلامة التكييف القانوني للوقائع والتطبيق السليم للنصوص القانون و إجراءات المحاكمة دون إعادة البحث في الوقائع والاكتفاء في شأنها بما وصل إليه قاضي الموضوع مادام استنتاجه سليما و مستخلصا من وثائق الملف و مستنداته[40].
فالمادة 518 من ق.م.ج أوضحت أن محكمة النقض الجهة الوحيدة التي تنظر في الطعون بالنقض المقدمة ضد الأحكام الصادرة عن المحاكم الزجرية، وتسهر على التطبيق الصحيح للقانون، وتعمل على توحيد الاجتهاد القضائي، و مراقبة محكمة النقض تمتد إلى التكييف القانوني للوقائع التي بنيت عليها المتابعة الجنائية، لكنها لا تمتد إلى الوقائع المادية التي يشهد بثبوتها قضاة المحاكم الزجرية، ولا إلى الحجج التي أخدوا بها ما عدا في الحالات المحددة التي يجيز فيها القانون هذه المراقبة، وفي نفس السياق وحسب المادة 519 من نفس القانون فالطعن بالنقض قد يكون لمصلحة الأطراف، وقد يكون بصفة استثنائية لفائدة القانون .
وقد أوجب القانون لصحة قول طلب النقض شروطا وشكليات تتجلى بالخصوص في تقيد طالب النقض بأجل النقض و مسطرة تصحيح به وايداع المذكرة و الوديعة المالية.
والملاحظ أن قانون المسطرة الجنائية القديم كان يطرح بعض الإشكاليات المتعلقة بخصوص الطعن بالنقض في القرارات الصادرة عن غرف الجنايات إذا قضت بالبراءة أو بالإعفاء، ولذلك فإن المستفيد الوحيد من هذه الوضعية هو المتهم الذي لا يمكن للنيابة العامة أن تطعن بالنقض في مواجهته إذا صرحت غرفة الجنايات ببراءته أو بإعفائه، والواقع أن هذه وضعية منتقدة، لكونها لا تضع الخصوم على قدم المساواة حيث يمكن للمتهم الطعن بالنقض في حالة إدانته، و لا يتاح هذا الحق للنيابة العامة بصفتها ممثلة للمجتمع ومدافعة عن النظام العام في حالة استفادة المتهم من البراءة أو من الإعفاء من العقوبة، وهي من جهة أخرى لا تتيح الفرصة لتصحيح الأخطاء التي قد تعتري قرارات غرفة الجنايات، والتي – في حالة حدوثها – تجعل المتهم يفلت من العقاب رغم فظاعة الجرم المرتكب من قبله، علماً أن الطعن بالنقض لفائدة القانون لا يوفر إمكانية إصلاح الخطأ إلا من الناحية المبدئية، إذ لا يسمح بمعاقبة المتهم أو إعادة محاكمته رغم قبول الطعن )النقض لفائدة القانون(. ولذلك فإن القانون الجديد تخلى عن هذا المقتضى الذي كان مقررا في الفصل 576 من قانون [41]1956، ومن جهة أخرى فإن الطعن بالنقض من اثاره أن الأجل والطعن يوقفان تنفيذ العقوبة الجنائية في جميع الحالات الأخرى ماعدا إذا طبقت مقتضيات المادتان 392 و431 من قانون المسطرة الجنائية من طرف هيئة الحكم، وتتعلق المادة 392 بالإمكانية الممنوحة للمحكمة بناء على ملتمس من النيابة العامة إذا كانت العقوبة المحكوم بها تعادل سنة حبساً أو تفوقها، أن تصدر مقرراً خاصاً معللاً تأمر فيه بإيداع المتهم في السجن أو بإلقاء القبض عليه والذي يتم تنفيذه رغم الطعن فيه بأية طريقة من طرق الطعن العادية وغير العادية ، أما المادة 431 فتنص على أنه يمكن لغرفة الجنايات في حالة الحكم بعقوبة جنائية سالبة للحرية، أن تأمر بإلقاء القبض حالاً على المحكوم عليه الذي حضرحراً إلى الجلسة، وينفذ الأمر الصادر ضده رغم كل طعن[42].
يعتبر الطعن بإعادة النظر من أهم مستجدات قانون المسطرة الجنائية الحالي رغبة منها في تلافي الخطأ الذي قد يشوب الحكم النهائي والقاضي بإدانة شخص في جناية أو جنحة ويصير الحكم نهائيا في حقه، ثم بعد ذلك يظهر دليل على براءته[43]، حيث يتم الطعن بإعادة النظر في القرارات الصادرة عن محكمة النقض حفاظا على حقوق الأطراف[44] في الحالات التالية[45]:
- ضد القرارات الصادرة استناداً إلى وثائق صرح أو اعترف بزوريتها؛
- من أجل تصحيح أخطاء مادية؛
- إذا أغفل القرار البت في أحد الطلبات المعروضة بمقتضى بعض وسائل استدل بها؛
- في حالة عدم تعليل قرار محكمة النقض؛
- ضد القرار الصادر بعدم القبول أو بالسقوط لأسباب ناشئة عن بيانات ذات صبغة رسمية تبين عدم صحتها عن طريق وثائق رسمية جديدة وقع الاستدلال بها فيما بعد.
3-المراجعة.
تعتبر المراجعة طريقا من طرق الطعن غير العادية وقد تعرض لها المشرع في المواد 565 إلى 574 من قانون المسطرة الجنائية وهذا الطعن نادرا ما يقع لقلة الأحكام التي تكون قابلة للطعن فيه بالمراجعة[46] ، فحسب الفقرة الأولى من المادة 565 من قانون المسطرة الجنائية فإن باب المراجعة لا يفتح إلا لتدارك خطأ في الوقائع تضرر منه شخص حكم عليه من أجل جناية أو جنحة، وقد تعرضت المادة 566 من قانون المسطرة الجنائية للحالات التي تخول طلب المراجعة وهي حالات أربع مذكورة على سبيل الحصر وفق التسلسل الآتي:
1- إذا صدرت عقوبة في دعوى القتل، وأدلي بعد ذلك بمستندات أو حجج ثبت منها قيام قرائن أو علامات كافية تدل على وجود المجنى عليه المزعوم قتله؛
2- إذا صدرت عقوبة على متهم، وصدر بعد ذلك مقرر ثان يعاقب متهما آخر من أجل نفس الفعل ولم يمكن التوفيق بين المقررين لما بينهما من تناقض يستخلص منه الدليل على براءة أحد المحكوم عليهما؛
3- إذا جرت بعد صدور الحكم بالإدانة متابعة شاهد سبق الاستماع إليه وحكم عليه من أجل شهادة الزورضد المتهم، ولا يمكن أثناء المناقشات الجديدة الاستماع إلى الشاهد المحكوم عليه بهذه الصفة؛
4- إذا طرأ ت واقعة بعد صدور الحكم بالإدانة أو تم الكشف عنها أو إذا تم تقديم مستندات كانت مجهولة أثناء المناقشات ومن شأنها أن تثبت براءة المحكوم عليه.
وقد نصت المادة 569 من قانون المسطرة الجنائية على أن طلب المراجعة يوقف بقوة القانون تنفيذ المقرر الصادر بالعقوبة إذا كان لم ينفذ، وذلك ابتداء من تاريخ توجيه الطلب إلى محكمة النقض ، ويمكن إيقاف التنفيذ بأمر من وزير العدل إذا كان المحكوم عليه في حالة اعتقال إلى حين صدور قرار محكمة النقض، وفيما بعد إن اقتضى الحال، بمقتضى القرار الذي يبت في قبول طلب المراجعة ، وفي نفس السياق نصت المادة 573 على أنه يمكن استنادا إلى المقرر الجديد المترتبة عنه براءة المحكوم عليه، وبناء على طلبه الحكم له بتعويض عن الضرر الذي لحقه بسبب الإدانة، إذا كان ضحية الخطأ القضائي قد توفي، انتقل الحق في رفع طلب التعويض حسب نفس الشروط، إلى زوجه وأصوله وفروعه، ولا يمكن أن يؤول هذا الحق لأقارب آخرين أبعد صلة إلا إذا أدلوا بما يبرر أن ضررا ماديا لحقهم من العقوبة المحكوم بها ، تتحمل الدولة ما يحكم به من تعويضات، على أنه يحق لها الرجوع على الطرف المدني أو الواشي أو شاهد الزور الذين تسببوا بخطئهم في صدور العقوبة، وتؤدى التعويضات كما تؤدى مصاريف القضاء الجنائي. ومن أجل إعادة الاعتبار لسمعة ضحية الخطأ القضائي في الوسط الاجتماعي نصت الفقرة الأخيرة من المادة 574 على أنه إذا ترتب عن المراجعة قرار أو حكم ببراءة المحكوم عليه، فإن القرار أو الحكم يعلق على جدران المدينة التي صدر فيها الحكم بالإدانة سابقا، والمدينة التي بها مقر المحكمة التي بتت في المراجعة، والجماعة التي ارتكبت فيها الجناية أو الجنحة، و في الجماعة التي يوجد فيها موطن طالب المراجعة، وفي التي كان فيها آخر موطن للشخص الذي وقع في حقه الخطأ القضائي، وإذا كان هذا الشخص قد توفي نشر القرار أو الحكم تلقائيا وبدون طلب في الجريدة الرسمية، ويؤمر بنشره زيادة على ذلك في خمس جرائد يختارها طالب المراجعة إن طلب ذلك ، تتحمل الخزينة مصاريف النشر المشار إليها. 

الفقرة الثانية : التعويض عن الخطأ القضائي 

يعتبر التعويض عن الخطأ القضائي من أهم الحقوق المكفولة للمتقاضي في إطار دولة الحق و القانون وفي نفس السياق أكدت الفقرة 6 من المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على التأكيد على حق الشخص في الحصول على تعويض مناسب حين يكون قد صدر على شخص ما حكم نهائي يدينه بجريمة ،ثم أبطل هذا الحكم أو صدر عفو خاص عنه على أساس واقعة جديدة أو واقعة حديثة الاكتشاف تحمل دليلا قاطعا على وقوع الخطأ القضائي، يتوجب تعويض الشخص الذي أنزل به العقاب نتيجة تلك الإدانة، وفقا للقانون، ما لم يثبت أنه يتحمل، كليا أو جزئيا، المسؤولية عن عدم إفشاء الواقعة المجهولة في الوقت المناسب79، ومما لاشك فيه أن احترام الأحكام القضائية ،واحترام حجيتها وقوتها التنفيذية هو تتويج لتحقيق العدالة ومظهرها، والتزامبالمشروعية وسيادة القانون.
أولا: موقف المشرع المغربي.
تماشيا مع ما أقرته المواثيق الدولية نص الفصل 122 من الدستور المغربي[47] و لأول مرة في تاريخ الدساتير المغربية التعويض عن الخطأ القضائي في فصله 122 بتأكيده على أنه «يحق لكل متضرر من خطأ قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة« ،وتظهر أهمية هذا المقتضى لأن القاعدة قبل دستور 2011 هي عدم المسؤولية عن الأعمال القضائية ولم تشذ عن القاعدة إلا حالات نادرة جدا وهي التعويض في حالة مسطرة المراجعة ، والذي حصر مفهوم الخطأ القضائي في صدور حكم جنائي صادر بالإدانة حائز لقوة الشيء المقضي به من جهة ، وربط التعويض عنه بحكم جنائي صادر بالإدانة حائز لقوة الشيء المحكوم فيه ثم الطعن بالمراجعة
من جهة ثانية ، وجعله شاملا لكافة أشكال الضرر من جهة ثالثة.
ويرى الأستاذ محمد الهيني[48] أن الخطأ القضائي المرتب للتعويض هو الخطأ الجسيم غير المغتفر الذي لا يقع فيه القاضي الذي يهتم اهتماما عاديا بعمله، وقد يكون الخطأ المذكور جهلا فاضحا بالمبادئ الأساسية للعمل القضائي أو الجهل الذي لا يغتفر بالوقائع الثابتة في ملف الدعوى أو الإهمال البين أثناء أداء القاضي لعمله، وبصفة عامة فإن الخطأ الجسيم يتمثل في كل قصور ناتج عن فعل أو عدة أفعال تعكس عجز أو عدم قدرة مرفق القضاء على تحقيق الغاية من إنشائه ، مع عدم إمكانية تدارك ذلك الخطأ عن طريق سلوك طرق الطعن ما لم يترتب عنه ضرر استثنائي ، وفي نفس السياق و تفعيلا للفصل 122 من الدستور جاء في قرار عدد 930 لمحكمة الاستئناف الادارية بالرباط بتاريخ 20/11/2016 والذي جاء فيه : ''وحيث إنه لما كانت نازلة الحال وحسب ما يستشف من وقائعها ومن الوثائق المدلى بها أن الخطأ المنسوب لجهاز النيابة العامة كان نتيجة التطبيق الخاطئ للقانون المنظم لجنحة عدم توفير مؤونة شيك مما تنتفي معه المسؤولية الشخصية للقاضي ويرتب مسؤولية جهاز النيابة العامة جراء التطبيق غير السليم للقانون وبالتالي نكون أمام حالة من حلات الخطأ القضائي المجرد ''.
ثانيا: إشكالية تنفيذ أحكام التعويض عن الخطأ القضائي
تناول الفصل 126 من الدستور موضوع تنفيذ الأحكام القضائية حيث نص على أن الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع ويجب على السلطات العمومية تقديم المساعدة اللازمة أثناء المحاكمة، إذا صدر الأمر إليها بذلك، ويجب عليها المساعدة على تنفيذ الأحكام.
وفي نفس السياق تبرز إشكالية متعلقة بتنفيذ الأحكام القضائية ضد الدولة والتي تكمن في الأساس في غياب مسطرة فعالة وناجعة لإجبار الإدارة على التنفيذ، فقانون المحاكم الإدارية وكذلك قانون المسطرة المدنية لا يتضمنان الوسائل اللازمة لجبر الإدارة على تنفيذ الأحكام القضائية الحائزة لقوة الشيء المقضي به[49] ،وفي هذا الصدد أوصت الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة ، باحترام سلطة الأحكام القضائية وضمان تنفيذها ، لاسيما في مواجهة أشخاص القانون العام مع تسريع إجراءات التنفيذ في الفقرة 118 منه83 .
فالمشرع في القانون 41.90 من خلال الفصل 49 منه اكتفى بالقول على أنه يتم التنفيذ بواسطة كتابة ضبط المحكمة الإدارية التي أصدرت الحكم كما أن المادة 7 منه نصت على أنه تطبق أمام المحاكم الإدارية القواعد المقررة في قانون المسطرة المدنية ما لم ينص على خلاف ذلك وإذا كانت الأحكام القضائية الصادرة ضد الأفراد الحائزة لقوة الشيء المقضي به تتضمن في مواجهتهم إمكانية التنفيذ الجبري المنصوص عليها في الباب الثالث من قانون المسطرة المدنية فإن هذه القواعد الجبرية المحال عليها بموجب الفصل 7 من القانون 41.90 لا نجد لها تطبيقا في مواجهة أشخاص القانون العام لاعتبارات خاصة كحسن سير المرفق العام بانتظام وعدم تعطيل وظيفة المرفق العمومي، ومن ثم يبقى تنفيذ الأحكام الإدارية مرتبط بأخلاقيات الإدارة وامتثالها طواعية للتنفيذ.
وللحد من هذه الإشكالية جاء مشروع قانون المسطرة المدنية بجملة من الاجراءات كرس بموجبها ما تواتر عليه عمل القضاء بالنسبة لإجبار الدولة على التنفيذ من خلال :
- الحكم بالغرامة التهديدية .
- تخويل طالب تنفيذ إمكانية الحجز التنفيذي على الأموال والمنقولات و العقارات الخاصة لأشخاص القانون العام في الحدود التي لا ينتج عنها عرقلة سير العادي للمرفق العمومي؛
- إقرار المسؤولية الشخصية للموظف العمومي عند الامتناع عن التنفيذ .

خاتــــــــــــــــــة :
 وصفوة القول يتبين لنا أن المغرب قد جعل في مقدمة أولوياته ملاءمة مقتضياته القانونية مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان بهدف تحقيق محاكمة عادلة وعدم الإضرار وانتهاك حقوق الأفراد، لدى ننوه بالمجهودات الجبارة التي عمل المشرع على تحصينها وتطبيقها في جميع مراحل المحاكمة، كما لا ننسى الخطب الملكية ودستور 2011 والحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة وتخليقها وغيرها التي ساهمت في تكريس هذه الضمانات.
لكن بالرغم من هذه الإصلاحات التي تم ذكرها فيجب علينا عدم التغاضي على بعض السلبيات ويتجلى ذلك في عدم تطبيق كل القوانين على أرض الواقع الأمر الدي قد يجعلها مجرد شعارات جوفاء إذا لم يتم احترامها مع التسليم بأن استعاب هذه الضمانات وفهم تلك الحقوق يعد بدون شك مد خلا أساسيا لتطبيقها طالما أن المحاكمة العادلة ليست ضمانة فحسب وإنما هي أمانة بيد القائمين عليها.
ولعلنا نشعر في ختام هذا العرض بالحاجة الماسة والملحة لوضع مجموعة من المقترحات التي تبدو لنا أنها قد تساهم في توفير أقصى شروط العدل في المحاكمة والتي يمكن إجمالها فيما يلي:
+ التنصيص على جزاء البطلان بالنسبة لجميع الإجراءات التي لم يتم إنجازها وفقا لما ينص عليه القانون بشكل صريح ،فضلا عن منح المتهم الإمكانية الكافية لطعن بالزور في محاضر ضباط الشرطة القضائية ، والتقليل من نسبة الإعتقال الإحتياطي.
+ تعويض المحامين المعينين في إطار المساعدة القضائية، فضلا عن توفير عدد كافي من القضاة وحصر عدد الملفات التي تعرض عليهم مع تحسين وضعيتهم المادية وتوفير حماية لهم مما قد يتعرضون إليه من إعتداء بمناسبة مزاولتهم لمهامهم.
+ أضف إلى ذلك نقترح الإنفتاح أكتر على مجال علم النفس الجنائي ولما لا تنصيب أخصائين إلى جانب قاضي التحقيق يعملون على الكشف عن أسباب ودوافع إرتكاب الجريمة (...).
ومع ذلك علينا أن نسلم بأن تحقيق المحاكمة العادلة تبقى غاية تسعى كل دولة ديمقراطية إلى تحقيقها باستعمال كافة الوسائل الشيء الذي يدفعنا إلى التساؤل حول:
ما هي الآليات التي يمكن أن تعتمد عليها الدولة إلى جانب القوانين لضمان
محاكمة عادلة ومنصفة ؟
_____________________
الهوامش :
[1] سورة النساء الأية 58
[2] -تنص المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية: " كل متهم أو مشتبه فيه بارتكاب جريمة يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته قانونا بمقرر مكتسب لقوة الشيء المقضي به، بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية(...)."
[3] -سمير عالية، المبادئ التواجهية في الدعوى الجزائية، مقال منشور بمجلة صوت الجامعة، الجامعة الإسلامية في لبنان، العدد الثاني 2011، الصفحة 31.
[4] - جاء في دباجة الدستور الجديد أن المملكة المغربية تتعهد بإلتزام ما تقتضيه مواثيق المنضمات الدولية من مبادئ وحقوق وواجبات وتؤكد تشبتها بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا.
[5] - تنص الفقرة الثالتة من الفصل 23 من الدستور قرينة البراءة والحق في، محاكمة عادلة مضمونان . [6] - المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية.
[7] - المادة 66 من ق.م.ج.
وكإشلرة فإن حق المتهم بإشعاره بالتهمة الموجة إليه تعتبر من الإجراءات التي تكفل قرينة البراءة وتعمل على تقويتها وتعزيزها
[8] - وزارة العدل والحريات، محكمة الإستئناف بالرباطـ، عدد 486 بتاريخ 29/12/2016 أنظر الملحق.
[9] - محمد بوزلافة -حقوق الدفاع ، محاضرات في ق.م.ج موضوع بمركز النسخ بجامعة سيدي محمد بن عبد الله .فاس. ص 14 .
[10] -إلا أن الأستاد محمد بوزلافة يعتبر أن الممارسة العملية تجعل من حق الإتصال بالمحامي هو مجرد حبر على ورق وذلك لعدم وجود أماكن خاصة لهدا الغرض داخل مخافر الشرطة القضائية وكذالك بالنسبة لصيغة المستعملة سواء في ق.م.ج أو في مسودة المشروع إذ ان الإتصال بالمحامي يتم تحت مراقبة ضباط الشرطة القضائية في ضروف تكفل سرية المقابلة مما يضيق وينتهك حرية المحامي وبالتالي تفضيل عدم ولوجه إلى مخافر الشرطة القضائية وكان حريا على المشرع المغربي إعطاء المحامي الحق في الولوج إلى ملف القضية تعزيزا لحقوق الدفاع .محمد بوزلافة -حقوق الدفاع ،م.س، ص 14 .
[11] - محمد بوزلفة ، نفس الرجع ص 15.
[12] -إبراهيم راشيدة ،ضمانات المحاكمة العادلة للحدث الجانح -دراسة مقارنة -رسالة دبلوم الدراسات العليا المتخصصة في القانون الخاص - جامعة سيدي محمد بن عبد لله .فاس. السنة الجامعية 2007-2008 ص 30.
[13] - المادة 73و 74-1من مسودة قانون المسطرة الجنائية .
[14] - تنص الفقرة التانية من الفصل 24 من الدستور "لا تنتهك حرمة المنزل ولا يمكن القيام بأي تفتيش إلا وفق الشروط والإجراءات التي ينص عليها القانون".
[15] -محمد أحداف ،شرح ق .م ج، .البحت التمهيدي الطبعة الأولى 2010.2011،ص 443 .
[16] - -وتضمين هذه الموافقة في تصريح مكتوب بخط يد المعني بالأمر ، وإذا كان لا يعرف الكتابة فيشار إلى قبوله في المحضر الموقع عليه من طرفه.
[17] - ذ.سعاد التيالي الفرق بين البحت التمهيدي العادي والتلبسي محاضرات في ق. م.ج .فاس. )موضوع بمركز النسخ (السنة الجامعية 2017.2018ص 8.
[18] - محكمة النقض المصرية بتاريخ 16 نونبر 1967 س5 رقم ص 688. أورده يونس العياشي م.س،ص57.
[19] عبد الواحد العلمي،الشروح في القانون الجنائي والمتعلق بالمسطرة الجنائية،الجزء الثاني مطبعة النجاح الجديدة ـالدار البيضاء،الطبعة الثالثة 2012ص15
[20] جمال سرحان ،ضمانات المتهم وحقوق الدفاع خلال مرحلة التحقيق الإعدادي، ص 173.
[21] جمال سرحان م س ص 217
[22] جمال سرحان،م س ص87
[23] يترتب عن عدم إشعار المتهم بالأفعال المنسوبة إليه البطلان،فقد جاء قي قرار محكمة النقض"يحيط السيد قاضي التحقيق بالأفعال المنسوبة إليه ويشعره بأنه حر في عدم الإدلاء بأي تصريح وبنص علي ذلك في المحضر ويترتب بطلان الإجراء أو الواجبات التي تليه على عدم احترام ذلك،وأن المحكمة كما لم تجب على الدفع المبني على عدم احترام المقتضيات المذكورة تكون أخلت بحقوق الدفاع وعرضت قرارها للنقض،قرار عدد4435 بتاريخ 1985 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 39 ص 179
[24] الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان و الحريات الأساسية،المادة السادسة تنص في فقرتها الثالثة"كل متهم بارتكاب جريمة يعتبر بريئا حتى يتم إثبات إدانته طبقا للقانون.ويكون لكل متهم بجريمة الحد الأدنى من الحقوق"

[25] إبراهيم بونجرة،مؤسسة قاضي التحقيق ومستجدات ق م ج،دراسة علمية رسالة نهاية التدريب بالمعهد العالي للقضاء،الفوج34 سنة2009 ص 50
[26] أحمد الخمليشي،م س ص:18
[27] المادة السابعة"لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا لمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية والحاطة بالكرامة
[28] محمد بوزلافة،م س ص32
[29] العياشي يونس ،م س ص 74.
[30] -قرار المجلس الأعلى عدد 9/222 بتاريخ 22/09/2003 ملف عدد 96/32631 أورده عبد الله الحمداني، الأمن القضائي بالمغرب وإنعكاساته على ضمانات المحاكمة العادلة، رسالة لنيل دبلوم الماسترفي القانون الخاص،كلية العلوم القانونية والإقتصادية والإجتماعية ، جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس ،2014/2015، ص16.
[31] -أنظر في الملحق البلاغ الصادر عن الوكيل العام للملك لدى محكمة الإستئناف بالدار البيضاء في يوم الجمعة 11 غشت 2017.
[32] - عبد الله الحمداني، م.س، ص 16.
[33] _ المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.
[34] انظر المادة 231 من قانون المسطرة الجنائية .
[35] محمد بوزلافة ،م س ص 67.
[36] 3- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المعتمد سنة 1966 والمصادق عليه من طرف المغرب 1979
[37] - ديباجة قانون المسطرة الجنائية الصفحة 14و15
69 - الجريدة الرسمية عدد 3230 مكرر، بتاريخ 13 رمضان 1394 )30 شتنبر 1974(، ص 2741.
[38] - قرار عدد 607 الصادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 10/10/1988 في مجلة المحامي عدد 15 الصفحة 20 وقد ورد في مرجع شرح قانون المسطرة الجنائية الجزء الثاني إجراءات المحاكمة و طرق الطعن ، مرجع سابق، الصفحة 285
[39] - شرح قانون المسطرة الجنائية الجزء الثاني إجراءات المحاكمة و طرق الطعن ، مرجع سابق ، الصفحة 286
[40] - شرح قانون المسطرة الجنائية الجزء الثاني إجراءات المحاكمة و طرق الطعن ، مرجع سابق الصفحة 226
[41] - ديباجة قانون المسطرة الجنائية الصفحة 15.
[42] - شرح قانون المسطرة الجنائية الجزء الثاني إجراءات المحاكمة و طرق الطعن ، مرجع سابق الصفحة 305.
[43] - محمد بوزلافة ، حقوق الدفاع ، مرجع سابق الصفحة 77
[44] - أنظر إلى فصل 563
[45] - ديباجة قانون المسطرة الجنائية الصفحة 15و16
[46] - محمد بوزلافة ، حقوق الدفاع ، مرجع سابق الصفحة 78
[47] - الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 28 شعبان 1432 )30 يوليو 2011(، ص 3600.
[48] - محمد الهيني ، الخطأ القضائي ... الدستور مكن من التعويض، حوار منشور على موقع /الدستور-مكن-من-التعويض /https://assabah.ma/267853.html (802/21/31/51:61)
[49] - الشكاري كريم ، تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الجماعات الترابية على ضوء مقتضيات الدستور الجديد ، مقال منشور على موقع :

تعليقات