Header ADS

اخر الأخبار

الإثبات في المادة الضريبية

مقال بعنوان: الإثبات في المادة الضريبية


مقال بعنوان: الإثبات في المادة الضريبية PDF


مقدمة
لا يحتاج إلى بيان أن للقضاء دور هام في بناء دولة الحق والقانون، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ودور القاضي الإداري في ذلك هو تطبيق روح القاعدة القانونية وكذلك تطويرها بالاجتهاد والتفسير، وأيضا إنشاؤها إذا لم تكن موجودة في إطار مؤسسة القاضي المشرع بهدف تحقيق التوازن بين نظيرين غير متكافئين، الملزم من جهة والإدارة الضريبية من جهة ثانية.
ويؤدي اللجوء إلى القضاء الإداري لفض المنازعات الضريبية يرفع يد الإدارة الضريبية عنها ويصبح اختصاص النظر فيها للمحاكم الإدارية، ونظم القانون إجراءات التقاضي الضريبي وجعلها تتصف بالسرعة وعدم إطالة أمد النزاع.
وفي ظل هذا التوجه تتميز إجراءات التقاضي الجبائي بالسرعة لأنها ترتبط بأوضاع مالية تتطلب سرعة الاستقرار ولا تتحمل الإرجاء، ويرجع السبب في أهمية الضريبة التي تشكل المورد الأساسي لإيرادات الدولة التي تغطي نفقاتها.
وإذا كانت الدعوى القضائية تحيل في عمومها إلى مجموعة من المساطر التي يتعين على المدعي احترامها لاقتضاء حقه، فمنازعات المساطر الجبائية شانها شان باقي الدعاوى الإدارية الأخرى لا يمكن للمدعي أن ينهجها إلا إذا احترم إجراءاتها وأجالها ومقتضياتها.
ومفتاح نجاح أي دعوى هو الإثبات، بحيث لا يكفي حيازة الحق بل يجب أن يثبت و أن يقام الدليل على وجود هذا الحق، كما أن ادعاء شخص بحق له بحوزة آخر لا ينهض سببا كافيا لجدية ادعاءاته وامتلاكه للحق موضوع الدعوى ما لم يدلي بما يثبت أنه صاحب الحق فيما يطالب به.
فمهمة إثبات هذا الحق يقع مرة على الإدارة الجبائية و مرة أخرى على المكلف بالضريبة، و في كل الحالات فإن إشكالية الإثبات في المادة الجبائية تعتبر محور وقلب العلاقة القائمة بين الطرفين ) المكلف بالضريبة و الإدارة الجبائية(، كما لا تتعدى هذه الإشكالية ثلاثة مسائل تنشط و تثري موضوع الإثبات في المادة الجبائية، وهي وسائل الإثبات وتوزيع عبء الإثبات بين الإدارة والملزم، وبعض الإشكاليات المتعلقة بتقديم الإثبات وسلطة القاضي على هذه الحجج.
ويبقى الدور الايجابي و التدخلي للقاضي في البحث عن عناصر الإثبات و هذا للحصول على توازن بين الطرفين و الحفاظ على المصلحة العامة للخزينة العامة من جهة، و المصلحة الخاصة للمكلف بالضريبة من جهة أخرى.
وتأسيسا على ما سبق ما هي خصوصية الإثبات في المادة الجبائية؟ وما هي الإشكاليات التي تعترض تقديم الإثبات وكيف يأخذ القاضي الإداري بالإثبات في المادة الجبائية؟

المبحث الأول : الإثبات و التحقيق في إطار دعوى المنازعة الجبائية
المطلب الأول : وسائل و عبئ الإثبات في دعوى المنازعة الجبائية
المطلب الثاني : إجراءات التحقيق في دعوى المنازعات الجبائية
المبحث الثاني : الإشكالات المتعلقة بالتحقيق و الإثبات واطلاع القاضي الإداري عليها
المطلب الأول : الإشكالات المتعلقة بالتحقيق و الإثبات
المطلب الثاني: بعض الإشكاليات المتعلقة بتقديم وسائل الإثبات للقاضي الإداري



المبحث الأول : الإثبات و التحقيق في إطار دعوى المنازعة الجبائية

يعتبر الإثبات مرحلة أساسية في سير المنازعات المسطرية الجبائية، حيث يقوم كل من الملزم والإدارة الضريبية بتدعيم موقفه بالحجج والمستندات اللازمة لتأكيد ادعاءاته أمام القضاء، كما أن عبء الإثبات يقع على الإدارة الضريبية مرة ثم على الملزم بالضريبة مرة أخرى، كما أنه يمكن الاستعانة بإجراءات التحقيق للإقناع القاضي بصحة وسائل الإثبات.

المطلب الأول : وسائل و عبء الإثبات في دعوى المنازعة الجبائية

ما يميز وسائل الإثبات في المنازعات الضريبية أنها لم يتم تجميعها في القانون الضريبي المغربي، بل تشمل جميع وسائل الإثبات المعمول بها في إطار الخصومة العادية باستثناء اليمين وشهادة الشهود لتعارضهما مع الطابع الكتابي والإداري للمنازعات الجبائية.

الفقرة الأولى: وسائل الإثبات في المنازعات الضريبية

تنقسم وسائل الإثبات في الميدان الجبائي إلى وسائل الإثبات المحاسبية التصريح أو الإقرار ثم المحاسبة والوثائق المثبتة لها( ووسائل أخرى الغير محاسبية الحجة الكتابية والإقرار و القرائن.

أولا: الإثبات عن طريق الوسائل المحاسبية
يتأسس الإثبات عن طريق الوسائل المحاسبية على التصريح أو الإقرار الذي يتقدم بها الملزم وفاءا منه لالتزاماته المقررة بموجب نصوص قانونية أمرة ويمثل الإقرار حجة صالحة للإثبات 1 من حيث الشكل المستوفي لكافة البيانات الأساسية، بالإضافة إلى البيانات والمعلومات التييتضمنها التصريح.
ويشكل قرينة لفائدة الملزم إذا استوفى جل الشروط التي يستوجبها القانون، وينتقل بذلك عبءالإثبات إلى الإدارة الضريبية التي يجب أن تضرب قرينة الصدقية وتثبت العكس.
كما أن المحاسبة المضبوطة والممسوكة وفق القانون المحاسبي المحال عليه بموجب المادة 541 من المدونة العامة للضرائب ـ تعتبر حجة ووسيلة للإثبات.


ثانيا: الإثبات عن طريق الوسائل غير المحاسبية
تخضع الوسائل العامة للإثبات غير المحاسبية إلى القواعد العامة التي أحال عليها الفصل 404 (2) من قانون الالتزامات والعقود
وقد تمت الإشارة سابقا إلى أن اليمين وشهادة الشهود لا يمكن الاعتداد بها في المنازعات الجبائية نظرا للخصوصية التي تتميز بها هذه المنازعات.
أما فيما يخص الإقرار فقد يقصد به الإقرار القضائي او القبول الضمني، فالإقرار القضائي نصت عليه المادة 404 من قانون الالتزامات والعقود والذي بموجبه تقرر بعض الأحكام أن عدم جواب الإدارة على مقال أو مذكرة الملزم هو إقرار من طرف الإدارة عما ورد فيه.
في حين أن القبول الضمني المتمثل في عدم جواب أحد الطرفين على ملاحظات الطرف الأخر داخل الأجل الذي حدده المشرع، يعد قبولا ضمنيا بهذه الملاحظات.
وتتعلق الوسيلة الثانية بالحجة أو الدليل الكتابي الذي يعتبر من أهم وسائل الإثبات في جميع الحقول، حيث أن للإدارة الضريبية أو الملزم الاحتجاج بالأوراق الرسمية أو العرفية أو البيانات و الوثائق ... بالإضافة إلى القرائن التي توزع إلى:
القرينة القانونية القاطعة: هي التي تعفي من تقررت لمصلحته من أي إثبات ولا يقبل أي إثبات يخالفها.
القرينة القانونية البسيطة: تعفي من عبء الإثبات لكن يمكن إثبات عكسها.

الفقرة الثانية: عبء الإثبات في المنازعات الجبائية

أولا: نظريات توزيع الإثبات في المنازعات الجبائية
ظهرت مجموعة من الأفكار التي تؤسس إلى توزيع عبء الإثبات في ميدان المنازعات الجبائية. 5 توزيع عبء الإثبات بالمركز في المنازعة الضريبة:
تتأسس هذه الفكرة إلى اعتماد معيار المركز القانوني الذي يشغله كل طرف في الدعوى 6 الضريبية.
وعليه فالملزم يعتبر دائما المدعي الأصلي في المنازعة الضريبية ويظل في هذا المركز في جميع مراحلها الإدارية أو القضائية كما أن الإدارة تظل في مركز المدعى عليه في جميع مراحل المنازعة.
وبما أن الملزم هو المدعي فهو من يتحمل إثبات ما يدعيه لأنه من بادر إلى تحريك مسطرة المنازعة، بينما لا تتحمل الإدارة الضريبية أي عبء لأنها مدعى عليها إلا في حالات استثنائية
وذلك عندما تلجأ الإدارة للقضاء خاصة عندما يتعلق الأمر بالطعون ضد مقررات اللجانالوطنية.
يمكن القول بأن هذه الفكرة كلاسيكية وتجد تطبيقاتها في الأحكام القضائية المتأثرة بالقواعدوالإجراءات المدنية، كما أن الفقه الضريبي لم يعد يقبل بها لأنها لا تستوعب خصوصيات المنازعة الضريبية.
توزيع عبء الإثبات بالقواعد العامة نصت المادة 5951 من القانون المدني الفرنسي على أنه " من يطالب تنفيذ الالتزام يجب عليه إثباته ويجب على من يدعي التخلص من التزامه أن يثبت الوفاء به أو أن يثبت الواقعة التي أدت إلى نقصانه.
كما نصت المادة 983 من القانون المدني المصري انه " على الدائن إثبات الالتزام وعلى المدين إثبات التخلص منه ".
وتقابل هذه المواد المادة 933 من قانون الالتزامات والعقود المغربي التي نصت على أن " إثبات الالتزام على من يدعيه "
ويرى الفقه أن المدعي في الإثبات هو المدعي في الواقعة محل الإثبات وليس المدعي في الدعوى، وعليه قد يكون المدعي كما قد يكون المدعى عليه، ويكون كذلك في حالة إذا ادعى 7 خلاف الثابت بحسب ما هو مألوف من الأمور إما أصلا أو عرضا أو ظاهرا.
وتأسيسا على ما سبق يمكن أن تتحمل الإدارة عبء إثبات وجود ضريبة في ذمة الملزم، وفي نفس الوقت يتحمل الملزم عبء إثبات إنه أدى هذه الضريبة أو أن واقعة أدت إلى انقضاء لكن هذا الشرح ينطبق على القانون المدني الفرنسي في حين أن قانون الالتزامات والعقود المغربي يوقع على كاهل الإدارة عبء الإثبات كله باعتبارها طرف مدعيا بوجود التزام في ذمة الملزم. 9 عبء الإثبات على المطالب بالضريبة مفاد هذه الفكرة أن الإدارة الضريبية ما دامت هي المطالبة بالضريبة فهي من تتحمل الإثبات ،وذلك حماية للجمهور المتعامل مع الإدارة الضريبية وطمأنتهم وذلك بتحميل الإدارة عبء 8 الإثبات وحمايتهم من الإساءة من استعمال السلطة


ثانيا: عبء الإثبات في الممارسة المملية
أثبتت الممارسة العملية قيام مجموعة من المبادئ الأساسية في توزيع عبء الإثبات يمكنإجمالها على النحو التالي:
• يتحمل عبء الإثبات من يدعي الأصل أو الثابت:
فعلى سبيل المثال فقط، الأصل والثابت هو براءة الذمة وخلافه هو الخضوع للضريبة، وبما ان الغدارة الضريبية هي التي تدعي وجود الواقعة المنشئة للضريبة في التي تتحمل عبء الإثبات.
والأصل في هو الخضوع الكلي للضريبة وليس الإعفاء الذي يعتبر امتياز واستثناء، وبما ان الملزم هو من يدعي وجود الإعفاء فهو من يتحمل عبء إثبات توفر شروط الإعفاء.
• يتحمل عبء الإثبات من حمله المشرع احترام التزام إجرائي:
من احكام هذا المبدأ أن من يلتزم بمسطرة إجرائية هو من يتحمل عبء الإثبات كما في حالة الفرض التلقائي للضريبة أو مسطرتي الفحص والتصحيح التي تباشرها الإدارة الضريبية.
أو الملزم في حالة المنازعة في الضريبة أو بالنسبة لهما معا في حالة مسطرة التبليغ حسب من باشرها.
• الإعفاء من عبء الإثبات من كانت القرينة لصالحه:
وعليه يتحمل من كانت القرينة ضده سواء كانت قرينة بسيطة أو واقعية أو قضائية.
• يتحمل الإثبات من يدعي خلاف تقدير اللجان الضريبية:
سواء تعلق الأمر باللجان المحلية أو الوطنية، فكل من يباشر الطعن على أساس مخالفة التقديرات أمام القضاء.

المطلب الثاني : إجراءات التحقيق في دعوى المنازعات الجبائية

تتعدد وسائل التحقيق في دعوى المنازعة الجبائية وتختلف، وهي تأتي في حال إذا ما تبين للقاضي الإداري عدم قدرة وسائل الإثبات على تكوين قناعة نظرة مستوفية عن النزاع، وهذه الوسائل يتم اللجوء إما بطلب من أطراف النزاع، أو من أحدهم، أو قد يتم اللجوء إليها تلقائيا ،بحيث يأمر باتخاذ إجراءات التحقيق المتمثلة في الخبرة، المعاينة والبحث، كما تنص على ذلك المادة 11 من قانون المسطرة المدنية.

الفقرة الأولى: الخبرة في إطار دعوى المنازعة الجبائية وأنواعها

أ- الخبرة:
تعتبر الخبرة من أكثر وسائل وآليات التحقيق المعتمدة في العمل القضائي بصفة عامة، فهي تمثل أحد أهم إجراءات التحقيق التي يلجأ إليه القاضي تلقائيا، إذا تبين له أن وسائل الإثبات التي يستند إليها أطراف دعوى المنازعة الجبائية، لا تساعده على تكوين قناعته فيلجأ بصددها إلى معارف خاصة لا يملكها القاضي بالضرورة ، وتعرف الخبرة القضائية بأنها: "العمليات والتقارير التي يقوم بها الخبير المعين من طرف المحكمة في مسألة فنية يأنس القاضي من نفسه الكفاية العلمية أو الفنية للقيام بها"9.
وبالتالي يجوز ندب خبير في الحالات التالية:
• المسائل التي يستلزم الفصل فيها استيعاب النقاط الفنية البحتة، أو العملية التي قد لا تشملها معارف القاضي ، فتقتصر مهمة الخبير على إبداء الرأي في المسائل الفنية دون المسائل القانونية التي تدخل ضمن الإختصاص الطبيعي للقاضي الإداري، على أساس أن يقدم الخبير جوابا واضحا ومحددا على كل سؤال فني قدم له في هذا الإطار.
• الوقائع المادية التي يشق على القاضي الإداري الوصول إليها كمعاينة الأراضي لمعرفة حدودها و أبعاها أو تقدير قيمتها أو قيمة الريع، ومعاينة المباني، وإتباث حالة المنقولات والبضائع وغير ذلك من الوقائع المادية10
وتخضع الخبرة لمجموعة من المبادئ أساسها عدم اللجوء مثلا إلى سماع شهادة الشهود، أو إجراء الخبرة على مطلب أصلي في الدعوى.
وتكون الخبرة على اختيار الخبير استنادا إلى قدراته، وعلمه، ومهمته إبداء رأيه للمحكمة في المسائل الفنية المحددة له من طرف القاضي، وقد اعتبر المشرع في هذا الإطار أن الخبير "لا يمكن له أن يبدي رأيه في مسائل قانونية غير تلك التي تهم مطابقة الوثائق والأوراق المقدمة له 11 للتشريع المنظم لها" مع تمتعه باستقلالية في إنجاز تقريره. وتبقى مسألة إنتداب الخبير موكولة في إطار السلطة التقديرية للقاضي، فهو وحده الذي يملك حق الإستجابة لطلب إجراء الخبرة أو 12 عدم إجرائها .
وينجز الخبير تقريره بعد استدعاء الأطراف ووكلائهم للحضور، والذي يتضمن تاريخ ومكان و ساعة إنجاز الخبرة، وذلك قبل خمسة أيام على الأقل قبل الموعد المحدد لها. واستدعاء الأطراف للحضور، إجراء إلزامي في إطار الطبيعة التواجهية لإجراءات الخبرة.
وبعد محاولة إجراء التصالح بين الأطراف، والإستماع إلى أقوالهم والحجج التي يتقدمون بها ،يضع الخبير بعد ذلك تقريره، الذي يجيب عن الأسئلة الفنية، لكنه مع ذلك يكون غير ملزم برأيه للقاضي، فهو على سبيل الإستئناس فقط.
وبعد انتهاء الخبير من مهمته، يقدم على إثر ذلك محضر الخبرة، مرفقا بأقوال الأطراف وملاحظاتهم، ويوقعون معه بعد ذلك على التقرير، ويعتبر هذا الأخير المستند الوحيد الذي يثبت شرعية عمليات الخبرة، على أساس أن يتخذ التقرير المقدم بنتيجة ما توصل إليه الخبير شكلا 13 كتابيا يودع بملف الدعوى، أو شفويا يقدم في جلسة يستدعى إليها الأطراف
هذا وإذا اتضح بأن هذه الخبرة ناقصة أو لا تفي بالغرض يمكن للقاضي الإستعانة مجددا بخبرة إضافية، أو خبرة مضادة يجريها خبير أو خبراء آخرون حسب أهمية المنازعة، ويقدمون 14بدورهم تقارير أخرى.
وتجدر الإشارة إلى أن الخبير المعين من طرف القاضي، لا يتعين عليه "أن يستند في خلاصاته على دفوع أو وثائق لم يتم إطلاع الطرف الآخر في الدعوى عليها خلال المسطرة التواجهية"، وذلك حسب ما نص عليه المشرع في إطار المادة 242 من نص المدونة العامة 15 للضرائب .
هذا وتشمل الخبرة:
ب- أنواعها:
الخبرة المحاسبية: فمضمون الحكم القاضي بإجراء خبرة هنا، لن يخرج عن تكليف الخبير بإعداد تقرير عن وضعية المحاسبة، هل هي منتظمة ولا يشوبها إخلال من الإخلالات المستند إليها من قبل الإدارة الضريبية، أم أنها تتضمن فعلا إخلالات جسيمة تعدم القيمة الثبوتية لها، أو تدقيق الحسابات وملاحظة هل أنها فعلا تعكس الوضعية المالية والنتائج التي حققها الملزم، أم أنها مشوبة بالنقصان وأن النتائج المحاسبية لا تعكس النتيجة الجبائية التي 16صرح بها الملزم.
الخبرة المقارية: أما مضمون الحكم القاضي بإجراء الخبرة هنا، لن يخرج كذلك عن ندب خبير لإعداد تقرير عن القيمة التجارية للأملاك المفوتة سواء في ضريبة التسجيل، أو الضريبة على الأرباح العقارية، وعموما فإن موضوع الخبرة ينصب أساسا على تحديد 17 القيمة التجارية للأملاك التي تحققت بشأنها الواقعة المنشئة للضريبة.
و تجدر الإشارة أيضا، إلى أنه يكون للمحكمة في حال إذا ما تأكدت بأن إجراءا معينا قد طبق على نحو غير سليم وكان مرتبطا بالنظام العام، أن تقرر بطلان الخبرة ككل، أما إذا لم يكن متعلقا بالنظام العام، أنذاك المحكمة لا يمكن لها أن تقضي بالبطلان إلا بناء على طلب 18 الخصوم

الفقرة الثانية: باقي إجراءات التحقيق في دعوى المنازعة الجبائية

وتندرج في هذا الإطار إجراءات البحث، وكذا المعاينة:
أ- البحث: يتم اللجوء إلى إجراء البحث وذلك بمقتضى حكم تمهيدي يصدره القاضي الإداري، وذلك لشرح المقتضيات الضريبية التقنية، وخلال البحث يقوم القاضي المقرر بإعطاء الكلمة للخصوم وذلك قصد شرح ادعاءاتهم ،والإدلاء بالوثائق المفيدة في الإتباث إن اقتضى الأمر ذلك، كما يطرح عليهم الأسئلة لفك الإشكالات التي واجهته أثناء دراسة القضية.19
وتجدر الإشارة إلى أن حضور الملزم يتعين أن يكون برفقة محاميه، أما عن الإدارة الضريبية فيحضر أحد المفتشين التابعين لمصلحة المنازعات القضائية، وقد يساعده في ذلك المفتش المحقق الذي أجرى الفحص أو قام بربط الضريبة موضوع النزاع.
ب - المماينة: تمثل المعاينة واحدة كذلك من إجراءات التحقيق، التي قد يتم اللجوء إليها من قبل القضاء، طبقا لمقتضيات المادة 48 من ق م م، إلا أنه وبالرغم من ذلك تبقى إمكانية الإعتماد عليها من قبل القاضي الجبائي نادرة، وذلك بالنظر لخصوصية وطبيعة الدعوى 20 الجبائية.

المبحث الثاني : الإشكالات المتملقة بالتحقيق و الإثبات وإطلاع القاضي الاداري عليها

تتوقف مصداقية الحقوق المدعى بها على قوة الحجج المثبتة لها، لذلك فالحق يكون عديم الفائدة إذا عجز عن إثبات وجوده ، لكن القاضي قد لا يقتنع بالوسائل المثارة أمامه أو أن وسائل الإثبات هذه قد تكون ناقصة أو غامضة فيلجأ إلى إجراءات التحقيق من بحث و خبرة لتشكيل قناعاته

المطلب الأول : الإشكالات المتملقة بالتحقيق و الإتباث.

بالنظر لأن الدعوى الضريبية تحسم على مستوى وسائل التحقيق و آليات الإثبات ، بالنظر لقصور التشريع الضريبي في تنظيم و تقنين هذا المجال بشكل مستقل عن المسطرة المدنية و القانون الخاص (خاصة قانون الإلتزامات و العقود)، فقد أثيرت عدة إشكالات أمام القاضي الجبائي و التي سيتم إبرازها.
وبالتالي سيتم الإقتصار على الإشكالات المتعلقة بالخبرة باعتبارها الوسيلة الأكثر لجوءا إليها من طرف القضاء في المنازعات الجبائية، و كذا انفراد الخبراء بحسم هذه المنازعات من حيث الإعتداد بآرائهم بشكل كامل من طرف القضاء (مطلب أول)، كما سنتناول مواقف القضاء من عبء الإثبات ،و التوجه الذي سارت عليه محاكم الموضوع و الغرفة الإدارية بمحكمة النقض (مطلب ثاني).

الفقرة الأولى : إشكالية الخبرة في المادة الجباية

كما سبق الإشارة فإن الخبرة يخضع تنظيمها للقواعد المنصوص عليها ا بين المواد 11 إلى 44 من قانون المسطرة المدنية ، و بالتالي فليس هناك أي تمييز يخص المنازعات الجبائية.
- إذن كيف تعامل القاضي الجبائي مع هذه الوسيلة كآلية للتحقيق؟
بعد انتداب الخبير من طرف المحكمة يقوم هذا الأخير باستدعاء الأطراف باليوم و الساعة التي ستجرى فيها الخبرة ، و يدعوهم فيها للحضور قبل الميعاد بخمسة أيام على الأقل برسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل ، (فصل 49 من ق.م.م) و يعتبر هذا الإجراء ذا طبيعة جوهرية تحت طائلة بطلان تقرير الخبير لمساسه بحق الدفاع.
و في هذا الإطار ألغى المجلس الأعلى (محكمة النقض) و لهذا السبب حكما صادر عن محكمة دنيا ، و جاء فيه " حيث أن الطالب تمسك أنه لم يستدع الخبرة التي اعتمدت عليها المحكمة واكتفى الحكم المطمون فيه على الجواب على ذلك ، فإن الخبير استدعى الأطراف برسائل مضمونة مع الإشمار بالتوصل ،و الحالة أن تقرير الخبير ليس مرفقا بما يثبت إتمام الاستدعاء المشار إليه و ان المحكمة عندما اعتمدت على الخبرة من هذا القبيل لم تمكن المجلس الأعلى من مراقبة مدى سلامة تطبيقها لمقتضيات الفصل 36 من قانون المسطرة المدنية ، مما يجمل حكمها منمدم الأساس القانوني".
"كما أنه يجب على المحكمة التأكد من سلامة كافة إجراءات ألخبرة فإذا ما تبين لها أن إجراءها قد طبق بشكل غير سليم و كان هذا الإجراء يتملق بالنظام المام ، جاز لها الحكم ببطلان الخبرة من تلقاء نفسها ، أما إذا لم يكن كذلك فليس لها الحكم بذلك إلا بناءا على 21 طلب الخصوم".
و بالرغم من أن القانون يمنح سلطة تقديرية واسعة في الأخد بنتائج الخبرة أو لا، فإن أغلب المهتمين بالقطاع الضريبي لاحظوا أن أغلبية الأحكام التي أجريت بشأنها الخبرة يتم فيها الحكم بناءا على ما جاء في تقرير الخبراء لا مجرد الاستئناس فيها فقط ،وذلك راجع إلى الدقة العلمية التي تتميز بها هذه التقارير، و التي غالبا ما تتضمن مفاهيم ذات محتوى تقني و محاسبي دقيق، و ليس مجرد النظر في المسائل الإجرائية للعمليات الجبائية ، حيث ذهبت المحكمة الإدارية بالرباط إلى تبني رأي الخبير جملة و تفصيلا ، مما جاء فيه : " و حيث أنه بمد تفحص المحكمة لتقرير الخبرة المنجزة من طرف الخبير ... تبين لها أنه جاء مستوفيا لكل الشروط الشكلية و الموضوعية إذ قام بتقديم رقم المماملات في غياب محاسبة مضبوطة بشكل دقيق ممتمدا على كل الممطيات المتطلبة ، كما برز تقديراته على حجج ثابتة ، أما الإدارة الجبائية فلم تدل بما يخالف ذلك لذا ارتأت المصادقة على هذا التقرير و الحكم ببطلان الضريبة المتنازع بشأنها في ما زاد على تقرير الخبير ...".
وفي حكم صادر عن المحكمة الإدارية بالبيضاء أعتد القاضي كلية على تقرير الخبير كما جاء في منطوق الحكم : " و حيث إن الخبرة المأمور بها جاءت مطابقة للواقع و القانون ولم تكن موضوع طمن أو ممارضة من الطرف الآخر ، الأمر الذي ارتأت ممه المحكمة الاستئناس بها واعتماد ما جاء فيها كأساس لتصحيح و ربط الضريبة".
و على ذلك يمكن القول بأن رأي الخبير يعتبر حاسما في النزاع الجبائي ، نظرا لامتلاكه المعرفة العلمية و التقنية الدقيقة بالحقل الضريبي.
و يزداد الأمر أهمية إذا علمنا أن و اقع عمل بعض الخبراء في المغرب يعرف تفشي ظاهرة الرشوة ، و خضوع بعضهم كذلك للضغوطات ناهيك ضعف التكوين مما يؤثر بشكل سلبي على طبيعة التوازن الذي يجب أن يكون سائدا بين الملزم و الإدارة الضريبية مما يمس بالعدالة الضريبية.

الفقرة الثانية : مسلك الممل القضائي على مستوى نظام الإثبات.

إذا كان النزاع الضريبي هو بين طرفين غير متكافئين ، بين إدارة ضريبية من أقوى الإدارات في المغرب من حيث الموارد البشرية و المادية و المعرفة التقنية ، و بين الملزم الطرف الضعيف في المعادلة ، و إذا كان الفصل 904 من ق.ل.ع، نص على أن إثبات الالتزام على مدعيه، فإن تطبيق هذه القاعدة العامة في مجال المنازعات الضريبية يزيد من اختلال اللاتوازن بين الملزم و الإدارة.
فما هو مسلك القاضي الجبائي:
- على مستوى عبء الإثبات ؟
- و على مستوى أدلة الإثبات المحاسبية و غير المحاسبية ؟
أ:عبء الإثبات
الملاحظ ان تحميل الملزم عبء اللإثبات يمثل الطلبات الأكثر رواجا أمام ألقضاء و تشمل لإثبات أداء ألضرائب ، أو إثبات القيام بإجراء لازم للتحقق من قيام الواقعة المنشئة للضريبة أو نفيها أو وقوعها على الشاكلة التي يدعيها الملزم ، لا على ما تدعيه إذارة الضرائب.
و هكذا اعتبرت المحكمة الإدارية بوجدة أن عبء الإثبات يقع على الملزم لأنه رغم اعترافه بقصد شرائه للأصل التجاري المطلوبة عنه رسوم التسجيل الأصلية فإنه لم يثبت أداءه للرسوم المطلوبة من طرف إدارة التسجيل عن العقد المذكور بأي وسيلة من وسائل الإثبات ، 23 مما جعل تعرضه على بيان التصفية غير مؤسس .
كما يلاحظ أن قضاء المحاكم الإدارية ينحو نحو إخضاع الملزم للإثبات عكس ما تدعيه المصالح الجبائية، كلما كان هناك إخلال صريح من لدنه لإحدى المساطر أو الالتزامات التي أوجبها عليه المشرع كما هو الشأن بالنسبة للإخلال بقواعد المحاسبة ، فقد جاء في حكم صادر عن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء ما يلي :" حيث خضمت الشركة المدعية لمراقبة محاسبية من طرف المفتش فيما يخص الضريبة على الشركات ،و الضريبة على القيمة المضافة برسم 09-09.
و حيث إن المفتش و قف على تلك الإخلالات المسطرة بمقرر اللجنة الوطنية و منها إخفاء بمض الأشرية و البيوع...وعدم إدراج عمليات في المحاسبة بالرغم من إنجاز الشركة لها.
وحيث أن المدعية لم تثبت خلاف ذلك سواء أمام الطمن الإداري أو القضائي مما يتمين 24 عليه التصريح برفض الطلب "
و مع ذلك اتجهت مجموعة من الاجتهادات القضائية إلى إلزام الإدارة أيضا إثبات سند التضريب حيث جاء عن حكم صادر عن ابتدائية سلا بتاريخ 00/52/5330 :" ذهب الفقه و الاجتهاد القضائي إلى توزيع عبء الإثبات بين الإدارة الضريبية و الملزم بالضريبة و لو كان ذلك يخالف من حيث الظاهر القاعدة القائلة أن عبء الإثبات على المدعي"، وهكذا
جاء في حكم المحكمة الإدارية بالرباط الصادر بتاريخ 51/04/5330:" إدعاء المدعي عدم ملكيته للمقار موضوع ضريبة التضامن الوطني المتنازع بشأنها يجمل الإثبات على الإدارة 25 الضريبية ".
أما على صعيد القضاء الفرنسي نجد أن تحمل عبء الإثبات نحدد و بوضوح حسب الاتجاه 26 العام للاجتهاد القضائي في الحالات التالية :
- بالنسبة للملزم :
• حالة التقدير الجزافي للضريبة يتحمل الملزم عبء إثبات غلو التقدير .
• حالات تحديد الأساس الضريبي على إثر مسطرة التصحيح.
• حالات خروقات تشوب المحاسبة.
- بالنسبة للإدارة :
•حالات الخروقات المسطرية التي ارتكبتها أمام اللجان الضريبية.
•إثبات سوء نية الملزم و الوسائل الإحتيالية.
•وقوع التبليغ الصحيح.
•إثبات عدم انتظام محاسبة الملزم.
إذن الإجتهاد القضائي الفرنسي حدد الحالات التي يتحمل الملزم و الإدارة عبء الإثبات بشكل دقيق و محدد، و نأمل على أن ينحوا نظيره المغربي في نفس الاتجاه و خاصة الغرفة الإدارية بمحكمة النقض و ذلك للحسم في هذه الحالات لكي يتم و قف بعض المواقف 27 المتضاربة لمحاكم الموضوع.
ب: أدلة الإثبات المحاسبية و غير المحاسبية:
بالنسبة لأهمية أدلة الإثبات المحاسبية فقد اعتمد اجتهاد المحاكم الإدارية على الأهمية البالغة لها في ألإثبات و هكذا اعتبر عجز المدعي في سائر مراحل التقاضي على الاستدلال بالمؤيدات المحاسبية التي تمكن من ضبط و مراقبة حساباته بشكل سليم و فقا للضوابط المقررة قانونا... جاز للإدارة تحديد أساس فرض الضريبة أو مراجعتها باعتبار العناصر 28 التي تقدرها ".
أما بالنسبة للأدلة الغير محاسبية فقد ذهبت العديد من الأحكام القضائية إلى اعتماد هذه الأدلة - المنصوص عليها في الفصل 404 من قانون الالتزامات و العقود :إقرار الخصم – الحجية الكتابية – القرينة –و استبعاد شهادة الشهود و اليمين و المكول عنها.
فقد جاء في حكم لإدارية وجدة :" حيث إنه من المملوم أن الفصل 693 من ق.ل.ع.ينص على أن الإقرار القضائي يمكن أن ينبع من سكوت الخصم عندما يدعوا القاضي صراحة 29 للإجابة عن الدعوى المؤجلة إليه فيلوذ بالصمت لا يطلب آجالا للإجابة عنها "
واعتبر الاجتهاد القضائي دخول الملزم في حوار مع إدارة الضرائب و مباشرته لإجراءات 30 لاحقة قرينة على علمه اليقيني بالإجراءات السابقة.
مما سبق نستخلص أن دور القاضي الجبائي في توجيه الدعوى و توزيع عبء الإثبات بين طرفي النزاع ليس دورا سلبيا بل على العكس دور إيجابي و فعال بحسب مزاعم الطرفين )الإدارة و الملزم( فمن ادعى شيئا يخالف الوضع الجبائي الثابت أصلا أو عرضا أو ظاهرا يكون هو المدعي الذي يكون عليه الإثبات ،لا فرق في ذلك بين الملزم و الإدارة الجبائية ، فهم سواء.
هكذا يتبين أن الإثبات هو جزء من العملية الجبائية: سواء تعلق الأمر بقواعد توزيعه و تحديد الجهة التي تتحمل عبئه أو تعلق الأمر بوسائله الخاصة أو العامة.
و بالرغم من أن المشرع الجبائي المغربي لم يخص بعد نظام الإثبات الجبائي بقواعد قانونية مستقلة تتعرض لأهم جوانبه ، فإن القضاء مدعو لأن يستنبط قواعد هذا النظام من مختلف النصوص الجبائية ، و من طبيعة العملية الجبائية و خصوصية المعاملة بين الإدارة 31 الضريبية و الملزم.

المطلب الثاني: بمض الإشكاليات المتملقة بتقديم وسائل الإثبات للقاضي الإداري

على الرغم من أهمية مسألة اطلاع القاضي على وسائل الإثبات من الطرفين في تكوين قناعته الذاتية، إلا أن هذا الإطلاع لا يخلو في بعض الأحيان من عوارض ناجمة عن خصوصية المساطر الجبائية، وعن طبيعة الإثباتات المقدمة، وقد رأينا أن نقتصر في هذا الصدد على إشكاليتين أساسيتين،

الفقرة الأولى :إشكالية تقديم الحجج من طرف الإدارة

تتعلق هذه الإشكالية ببعض الحالات التي يطلب فيها القضاء من الإدارة ضرورة تقديم بعض الحجج التي تستند إليها، ويذكر هنا على سبيل التحديد بعض الوثائق والمعلومات الصادرة عن الغير، وكذا عقود المقارنة التي تستند إليها الإدارة لتصحيح 32 ثمن بيع العقار المصرح به.
وهكذا، فبخصوص الوثائق المتعلقة بالنفقات أو بالمصاريف فإن هناك مبدأ صريح في القانون مفاده أن الملزم الذي لم يستطع تقديمها، أو الذي لم يستطع إكمال بياناتها الإلزامية بعد إنذاره من طرف المحقق، لا يمكنه تقديمها لأول مرة أمام القضاء، الفقرة الأخيرة من المادة 55 من المدونة العامة للضرائب التي تنص على ما يلي:
" تفقد الشركة بعدم مراعاتها الأحكام الواردة أعلاه الحق في أن تدرج بين تكاليفها القابلة للخصم مبلغ الأشرية والأشغال والخدمات المعنية، غير أن إعادة الإدماج التي يبلغها في هذا الشأن مفتش الضرائب على إثر القيام بمراقبة لا تصبح نهائية إلا إذا تعذر على الخاضع للضريبة خلال المسطرة المنصوص عليها حسب الحالة في المادة 220 أو المادة 225 أدناه تتميم فاتوراته بالمعلومات الناقصة.
أما بخصوص باقي الوثائق الأخرى فرغم عدم وجود ضابط قانوني صريح يحكم تقديمها ،فإننا نعتقد أن ما سبق أن قلناه عن الحالة السابقة قد يصدق أيضا أيضا على هذه الوثائق لمجموعة من الإعتبارات:
بعدم تقديم الوثائق المحاسبية بمجرد المطالبة بها، فإن المعني بالأمر يكون في وضعية مخالفة للقانون الذي يلزمه مسك هذه الوثائق وبغض النظر عن خضوعه لمراقبة جبائية من عدمه، بل هناك وثائق يجب عليه مسكها حتى قبل إجراء أي تقييد عليها دفتر الأستاذ، دفتر اليومية....
• بعدم عرض هذه الوثائق خلال مسطرة الفحص أو خلال تبادل الرسائل أو أمام اللجن الضريبية، فإن الملزم يخل بمبدأ التواجهية الذي يعني إعطاء الفرصة للطرف الآخر لمناقشة الدليل المقدم.
• كما أن عدم تقديم الوثائق حرم أحد الأطراف وهي الإدارة من ممارسة حقوق الدفاع خلال عدة مراحل مرت منها القضية، وهذا يؤثر بدوره على نظام الإثبات.
• عدم تقديم الوثائق بمجرد طلبها حرم الإدارة أيضا من استعمال واستغلال مجموعة من المعلومات التي قد تتضمنها والتي تهم الأغيار بها، وبالتالي فإن عدم تقديم هذه الوثائق في الوقت المناسب قد يؤدي إلى سقوط أو تقادم حق الإدارة في هذه المطالبة
مصدر هذه الإشكالية يعود إلى المقتضيات القانونية التي تلزم الإدارة بعدم الكشف عن معلومات تهم الأغيار الذين لا صلة لهم بالدعوى الجارية ولا بالضريبة موضوع المنازعة 33 وقد عملت التشريعات على النص صراحة على هذا المنع المشرع التونسي والفرنسي.
مراعاة لهذا المبدأ، يقترح أن يقدر القاضي كل حالة على حدة، على أن يقتصر الإطلاع على مصدر المعلومات وعقود المقارنة على القاضي وحده دون غيره.

الفقرة الثانية:إشكالية تقديم بعض الوثائق لأول مرة أمام القضاء

لابد من التأكيد هنا أن المشرع نص على مجموعة من الآليات هدفها الأساسي خلق حوار
بين ألطرفين) الإدارة والملزم( حوار يقوم على الثقة وعلى الالتزامات ألمتبادلة وعلى رأس هذه الآليات المسطرة التواجهية، وفي غالبية الحالات وكقاعدة عامة مسطرة الطعن الإداري الأولى.
من هذا المنطق خول المشرع الحق لكل طرف في تقديم الوثائق والحجج للإطلاع وجعله في نفس الوقت واجبا عليه وذلك بغية تمكين الطرف الآخر من الإطلاع والتعرف عليها وتحديد موقفه منها.
غير أن الواقع المعاش بالنسبة لبعض القضايا الرائجة والذي أثبت أن بعض الملزمين الذين لم يقدموا الوثائق المحاسبية الواجب عليهم مسكها لا خلال مسطرة الفحص ولا خلال المسطرة التواجهية مع الإدارة ولا أمام اللجن الضريبية، صرحوا أمام القضاء بأنهم يتوفرون على الوثائق المطلوبة.

خـــــــــــــــاتمة
تبقى مرحلة الدعوى في إطار المنازعة الجبائية، تلك المرحلة التي يصير فيها القضاء مختصا بالنظر في المنازعة الضريبية، فدور القضاء هنا يتجسد في مختلف الأحكام التي تصدرها محاكم الموضوع، والقرارات التي يصدرها المجلس الأعلى )محكمة النقض(، في مجال المنازعة الجبائية.
هذا وتبقى لعنصر الإثبات في إطار هذا المجال من المنازعات المكانة المرموقة، فإضافة إلى دوره البارز في مختلف العلاقات والمجالات الشخصية و المدنية والتجارية، فإنه يبقى في المجال الجبائي، وسيلة مهمة للحصول على الحقوق و إلزام الآخر بالواجبات ،خصوصا في إطار النزاع بمفهومه الضيق، وذلك على اعتباره خلافا بين طرفين- الإدارة الجبائية والملزم-، مما يجعل كل طرف يدفع أمام القاضي بموقف متعارض مع الطرف الآخر، لذلك وحتى يتسنى للقاضي إصدار حكم للفصل في النزاع، كان لابد لطرفي الخصومة كل من وجهة نظره البحث عن وسائل للدفاع عن موقفه، واستحضار بعض أسلحته و التي يبقى من أهمها الحجج الدامغة، أو ما يصطلح عليه بقواعد الإثبات والتي تعتمد من قبل الإدارة الضريبية، وكذلك من قبل الملزم، و التي في حال عدم نجاحها في تكوين قناعة القاضي، يمكن أن يتم اللجوء بعدها لإجراءات التحقيق، إلا أنه ومع ذلك تبقى إجراءات الإثبات والتحقيق في إطار دعوى المنازعة الجبائية، قاصرة أمام الإشكالات العملية التي تطرح في هذا الإطار، خاصة أمام استنادها إلى نصوص قانون المسطرة المدنية، الأمر الذي تغيب معه خصوصية المنازعة الجبائية.
ولكن بالرغم من الإشكاليات المطروحة هنا، فإن القضاء الإداري قد راكم مجموعة من الإجتهادات القضائية، في مجال المنازعة الضريبية، و التي جعلت منه شريكا فعليا في صياغة القرار الضريبي، وحاميا لحقوق و مصالح الخزينة، و باعثا على تحسين صياغة القوانين الضريبية في العديد من الحالات، انطلاقا من الأدوار التي يمارسها في إطار العمل على خلق نوع من التوازن بين غايتين جوهريتين، هما ضمان حق الدولة في العمل على توفير الموارد المالية ، وكذا الحد من كل تملص أو تهرب ضريبي، و كذا في ضمان تحقيق مبدأي المساواة و الإنصاف في تحمل العبء الضريبي، و احترام الضمانات المقررة لفائدة الملزم، ومن تم فإنه يبقى للقاضي الإداري، دور هام في تكريس مبدأ المشروعية و ترسيخ قواعد ثابتة تتقيد بها الإدارة الجبائية والملزم معا، ومن خلال ذلك يساهم القضاء في استثبات الأمن القانوني و القضائي و العدالة الضريبية و تكريس مبدأ المحافظة على المال العام و تشجيع الإستثمار.
____________________________
الهوامش:
1 د. كريم لحرش ،شرح القانون الضريبي المغربي ـ وفقا لمستجدات قانون مالية 4102 ـ سلسلة اللامركزية والإدارة الترابية، الطبعة الثانية 4102، ، ص 402.
2 الفصل 212 من قانون الالتزامات والعقود: وسائل الإثبات التي يقررها القانون هي: إقرار الخصم، الحجة الكتابية ،شهادة الشهود، القرينة، اليمين والنكول عنها.
3 نجيب البقالي، منازعات الوعاء الضريبي أمام القضاء الإداري، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام ،جامعة الحسن الثاني، كلية الحقوق المحمدية البيضاء، السنة الجامعية 4112/4112.
4 الفصل 933 من قانون الالتزامات والعقود : إثبات الالتزام على مدعيه.
5 د كريم الحرش ،مرجع سابق، ص 402.
6 د. مولاي عبد الرحمان أبليلا ، الإثبات في المادة الجبائية بين القواعد العامة و خصوصيات المادة )على ضوء الممارسة و الإجنهاد القصائة ( 3102،ص 432.
7 د. مولاي عبد الرحمان أبليلا ، مرجع سابق ، ص 433.
8 د. كريم لحرش، مرجع سابق، ص 402.
9. نجيب البقالي ،مرجع سابق، ص: 43
10. كريم لحرش، مرجع سابق، ص :812
11. نص المادة 242 من المدونة العامة للضرائب وفق تعديلات قانون المالية لسنة 2104 مع النصوص التطبيقية المادة معنونة ب"المسطرة القضائية المطبقة على إثر مراقبة الضريبة"، الوارد ذكرها في إطار الباب الثاني المعنون "بالمسطرة القضائية".
12.عبد الغني خالد، المسطرة في القانون الضريبي المغربي، دار النشر المغربية، البيضاء، طبعة 8008، ص: 478- .474
كريم لحرش، مرجع سابق، ص: 880.
14.نجيب البقالي، نفس المرجع السابق، ص: 43.
15.المادة 242، من المدونة العامة للضرائب وفق تعديلات قانون المالية لسنة 2104 مع النصوص التطبيقية.
16. كريم لحرش، مرجع سابق، ص: 812.
17.نفس المرجع السابق، ص: 812.
18. كريم لحرش، نفس المرجع السابق، ص: 880.
19. نجيب البقالي، نفس المرجع السابق ص: 43.
20.نفس المرجع السابق ص:43.
21.قرار 242 بتاريخ 0332/2/2 ملف إداري عدد 001/2/0/32 غير منشور ،مدرج ضمن رسالة الطاللب نجيب البقالي "منازعات الوعاء الضريبي أمام القضاء الإداري " مرجع سابق، ص: 20.
22 حكم عدد 229 بتاريخ 2/00/4110 منشور ب م.م.إ.د..ت عدد 29 ، مارس – أبريل 4114..
23 حكم عدد 42/32 ملف عدد 23/32 ذكره الطالب نجيب البقالي ، م.س. ص ،20.
24 حكم رقم 20 ملف رقم 42/32 صادر بتاريخ 2/4/0332.مأخود من رسالة الباحث نجيب بقالي.
25 محمد شكيري ، ، مرجع سابق ،ص:202.
26 محمد مرزاق-عبد الرحمان أبليلا- العربي كنون – أحمد بعشيش العلوي ، تقسيم المادة الجبائية على المحاكم الإدارية ، الطبعة الثانية سنة 0332 ، ص: 429.
27 نجيب بقالي ، منازعات الوعاء الضريبي أمام القاضي الإداري ، مرجع سابق ،ص:24.
28 حكم إدارية فاس رقم 492/32 بتاريخ 0/00/32 ملف رقم 22/32.
29 حكم بتاريخ 41/01/0333 ،في الملف رقم :23/33،أشار إليه ،د.عبد الرحمان أبليلا، مرجع سابق ، ص:423.
30 حكم صادر عن إدارية فاس بتاريخ 2 مارس 0332،من الملف 22/32 تحت عدد 90-32 ، نفس المرجع السابق ص: 424.
نجيب البقالي " منازعات الوعاء الضريبي أمام القضاء الإداري " ص: 22.في هذا الإطار ورد قرار للغرفة الإدارية تحت عدد 344 في الملف الإداري رقم 8001/3/1/8000، بتاريخ 8001/10/83
"... وفي نازلة الحال فإن الإدارة المستأنفة أشارت في أسباب استئنافها لعقدين تم بمقتضاها بيع قطعتين أرضيتين دون الإدلاء بنسخة منهما، وبذلك يكون ما جاء في أسباب الإستئناف غير مرتكز على أساس..."
وهكذا تنص الفقرة الثانية من الفصل 34 من مجلة الحقوق، والإجراءات الجبائية التونسية على ما يلي: " لا يمكن لمصالح الجباية أن تدرج ضمن ملف القضية وثائق تحتوي على معلومات دقيقة بخصوص نشاط أشخاص غير أطراف في القضية غير أنه بإمكانها إدراج معلومات في شأنهم في شكل معدلات أو مداخيل أو أرباح دون التعريف بهم...".

إرسال تعليق

0 تعليقات