Header ADS

اخر الأخبار

تأديب الأجراء في قانون الشغل

مقال بعنوان: تأديب الأجراء في قانون الشغل المغربي

PDF تأديب الأجراء في قانون الشغل المغربي

مقــــدمـــــة
يعتبر استقرار عقد الشغل ضرورة اجتماعية لحماية الأجراء، لدى يسعى المشرع دائما إلى التوفيق بين سلطة المشغل وسلطة الأجير، وهذا ما تضمنه قانون الشغل الذي يعتبر مجموعة من القواعد القانونية التي تنظم أهم العلاقات المتعلقة بعقد الشغل، أي العمل الذي يقوم به أشخاص مقابل أجر، لحساب أشخاص آخرين و ذلك تحت توجيههم ورقابتهم.
وتعتبر السلطة التأديبية أهم السلطات التي يتمتع بها المشغل كرئيس للمؤسسة، في زمن انقضاء عهد العدالة الخاصة، وهي بذلك تشكل استثناء من الأصل العام الذي يجعل من الدولة الشخص الوحيد الذي له صلاحية توقيع العقاب، وقد بررها جانب من الفقه والقضاء بارتضاء الأجير الضمني للخضوع لها، كما بررها البعض الآخر أنها سلطة تلازم المؤاجر بالنظر لما يتحمله من مسؤوليات في تسيير المؤسسة كمساهم في دوران الاقتصاد.
وقد اختلف الفقه والقضاء حول دعائم هذه السلطة، مما أفرز نوعا من التضارب الذي أدى ببعض المحاكم أحيانا إلى تجاوز المفهوم العقدي أو المؤسساتي لها، متى ظهر أنه سيعرقل ممارستها بكل حرية، مما أعطى الانطباع بميل القضاء إلى عدم التدخل فيها، وإن كانت بعض محاكم الدرجة الأولى تسعى إلى تقييدها، وذلك إلى درجة إلغاء الإجراءات التأديبية المخالفة للقانون، مخالفة في ذلك ما صارت عليه محكمة النقض.
وهذا ما يدفعنا لطرح الإشكالية التالية: كيف حدد المشرع النظام التأديبي في قانون الشغل؟
وهذا الإشكالية تتفرع إلى مجموعة من التساؤلات:
ما هي الأخطاء التأديبية التي تستوجب توقيع العقوبات التأديبية ؟
وما هي الضمانات المخولة للأجير في مواجهة سلطة المشغل التأديبية؟
لمحاولة معالجة هذه الإشكالية، سنتطرق في المبحث الأول إلى سلطة التأديب في قانون الشغل، في حين سنتطرق في المبحث الثاني إلى ضمانات الأجير في مواجهة هذه السلطة.

المبحث الأول: سلطة التأديب في قانون الشغل

إن سلطة التأديب في قانون الشغل، أسندت إلى المشغل في حالة ارتكاب الأجير لأخطاء تأديبية (المطلب الأول)، وهذه الأخيرة تستدعي توقيع عقوبات عليها( المطلب الثاني).

المطلب الأول: الأخطاء التأديبية

لم يعرف المشرع المغربي الخطأ التأديبي بشكل صريح، لا في مدونة الشغل ولا في القوانين الأخرى باستثناء ظهير الالتزامات والعقود، حيث عرف الخطأ فقط في الفقرة الأخيرة من الفصل 78 بأنه "ترك ما كان يجب فعله، أو فعل ما كان يجب الإمساك عنه، وذلك من غير قصد لإحداث الضرر"، كما نجد المادة 20 من مدونة الشغل تنص على أنه" يكون الأجير مسؤولا في إطار شغله عن فعله، أو إهماله، أو تقصيره، أو عدم احتياطه".
و أمام غياب تعريف الخطأ التأديبي من جانب المشرع والقضاء، حاول الفقه تعريفه، بأنه: "كل فعل ناتج عن قصد أو إهمال، يمس النظام المعمول به في المؤسسة، أو من شأنه إلحاق أضرار بها، أو بالعمال العاملين بها، أو يشكل خرقا لالتزامات العامل المهنية تجاه صاحب العمل".[1]
وقد عمل كل من الفقه والتشريع و القضاء على التمييز بين صنفين من الأخطاء التأديبية، الأخطاء البسيطة ( الفرع الأول) والأخطاء الجسيمة (الفرع الثاني).

الفرع الأول: الأخطاء البسيطة

الأخطاء البسيطة أو اليسيرة المقصود بها تلك الأخطاء الأقل والأخف جسامة وخطورة من الأخطاء الجسيمة.
فبالرجوع إلى مقتضيات مدونة الشغل نجد أنها تتحدث عن عبارة "خطأ غير جسيم" في المادة 37 دون أن تحدد لائحة أو أمثلة لهذه الأخطاء غير الجسيمة.
هذا الفراغ التشريعي في عدم تحديد الأخطاء التأديبية غير الجسيمة قد يضر بمصلحة الأجراء، و بذلك يمنح تلقائيا للمشغل سلطة واسعة في إدراج أي تصرف بسيط قام به الأجير ضمن الأخطاء البسيطة والتي تحمله المسؤولية.
فالمشرع أعطى للمشغل سلطة اتخاذ عقوبة في حق الأجير عند إرتكابه خطأ غير جسيم.[2]
وفي المقابل نبه المشرع الأجير بمسؤوليته عن الأفعال والتقصير والإهمال الصادر عنه في إطار عمله, وكذا في حالة عدم احتياطه[3].
ورغم أن المشرع لم يحدد الأخطاء البسيطة، فقد استبعد مجموعة من الأمور التي يقوم بها الأجير من لائحة الأخطاء، وذلك ما جاء في المادة 36 من نفس المدونة، حيث نصت على أنه:" لا تعد الأمور التالية من المبررات المقبولة لاتخاذ العقوبات التأديبية أو الفصل من الشغل:
- الانتماء النقابي أو ممارسة مهمة ممثل نقابي؛
- المساهمة في أنشطة نقابية؛
- طلب الترشيح لمهمة مندوب الأجراء؛
- تقديم شكوى ضد المشغل أو المشاركة في دعاوى ضده؛
- العرق، أو اللون، أو الجنس، أو الحالة الزوجية، أو العقيدة، أو الرأي السياسي، أو الأصل الوطني، أو الأصل الاجتماعي؛
- الإعاقة إذا لم يكن من شأنها أن تحول دون أداء الأجير المعاق لشغل يناسبه داخل المقاولة.

الفرع الثاني: الأخطاء الجسيمة

الأخطاء الجسيمة هي تلك الأخطاء الفادحة والأكثر خطورة، والمشرع المغربي في مدونة الشغل وفي الفصل39[4] بالخصوص نص على الأخطاء الجسيمة على سبيل المثال، حيث جاء فيها:
تعتبر بمثابة أخطاء جسيمة...، الأخطاء التالية المرتكبة من طرف الأجير:
- ارتكاب جنحة ماسة بالشرف، أو الأمانة، أو الآداب العامة، صدر بشأنها حكم نهائي وسالب للحرية؛
- إفشاء سر مهني نتج عنه ضرر للمقاولة؛
- ارتكاب الأفعال التالية داخل المؤسسة أو أثناء الشغل:

  • السرقة؛
  • خيانة الأمانة؛
  • السكر العلني؛
  • تعاطي مادة مخدرة؛
  • الإعتداء بالضرب؛
  • السب الفادح؛
  • رفض إنجاز شغل من اختصاصه عمدا وبدون مبرر؛
  • التغيب بدون مبرر لأكثر من أربعة أيام أو ثمانية أو أنصاف يوم خلال الإثني عشر شهرا؛
  • إلحاق ضرر جسيم بالتجهيزات أو الآلات أو المواد الأولية عمدا أو نتيجة إهمال فادح؛
  • ارتكاب خطأ نشأت عنه خسارة مادية جسيمة للمشغل؛
  • عدم مراعاة التعليمات اللازم إتباعها لحفظ السلامة في الشغل وسلامة المؤسسة ترتبت عنها خسارة جسيمة؛
  • التحريض على الفساد؛
  • استعمال أي نوع من أنواع العنف والاعتداء البدني الموجه ضد أجير أو مشغل أو من ينوب عنه لعرقلة سير المقاولة.

إذن عمل المشرع المغربي على سرد مجموعة من الأخطاء الجسيمة وهي على سبيل المثال، في حين لم يفصح عن الأخطاء غير الجسيمة، وبهذا قد يكون أعطى للمشغل سلطة واسعة في تأديب الأجير.
هذا بالنسبة للأخطاء التأديبية في قانون الشغل ، فماذا عن العقوبات التأديبية ؟

المطلب الثاني: العقوبات التأديبية

نظرا لما تكتسيه العقوبات التأديبية من خطورة بالغة على الحياة المهنية للأجير، واستقرار العلاقة المهنية، فإن المشرع المغربي حددها وأدرجها بحسب جسامة الخطأ المرتكب، وإن كان قد أوردها على سبيل المثال لا الحصر،لأن الواقع العملي يكشف أن المشغلين كثيرا ما يلجأون إلى عقوبات تأديبية غير تلك المنصوص عليها قانونا.[5]
والعقوبات التأديبية كانت تصنف في الفصلين السادس والثالث عشر من النظام النموذجي المنسوخ، إلى ثلاثة أنواع معنوية، ومالية، ومهنية، إلا أن مدونة الشغل ألغت عقوبة الغرامة، بحيث أصبحت العقوبات التي توقع على الأجير في حالة ارتكابه خطأ تأديبي تصنف إلى عقوبات معنوية (الفرع الأول)، وعقوبات مهنية (الفرع الثاني).

الفرع الأول: العقوبات المعنوية

العقوبات المعنوية هي تلك العقوبات التي تمس الضمير المهني للأجير، و تشعره بعدم الرضي عن سلوكه في العمل، و تتمثل في الإنذار و التوبيخ، و هذه العقوبات لا تؤثر على الناحية المالية للأجير، وان كانت تؤثر بطريقة غير مباشرة على حياته المهنية، و بصفة عامة في وضعه داخل المؤسسة، إذ يمكن أن يؤخر الأجير في الترقيات، و قد تؤخذ العقوبات المعنوية بعين الاعتبار عند تحديد المستحقين لمناصب المسؤولية داخل المؤسسة.[6]
وبالنسبة لعقوبة الإنذار يلاحظ أن قائمة العقوبات التأديبية التي أوردها النظام النموذجي الملغى، لم تكن تنص على الإنذار بنوعيه الكتابي والشفوي، إذ اكتفى بالإشارة إلى التوبيخ كعقوبة معنوية، بخلاف ما كان عليه الأمر في الظهير الخاص بشروط تشغيل المأجورين الفلاحين، فقد كان ينص على عقوبة الإنذار بقوله " يمكن في حالة ارتكاب خطأ توجيه إنذار للعامل والإشارة إليه في بطاقة الشغل ".[7]
وقد تداركت مدونة الشغل هذا الفراغ، و نصت في المادة 37 على عقوبة الإنذار لتنبيه الأجير إلى عدم ارتكاب نفس الخطأ، بالإضافة للعقوبات الأخرى.
و بالرجوع إلى نص المادة 37 نجد أنها تضمنت ما يلي" يمكن للمشغل اتخاذ إحدى هذه العقوبات التأديبية التالية في حق الأجير لارتكابه خطأ غير جسيم:
ـ الإنذار؛
ـ التوبيخ؛
ـ التوبيخ الثاني، أو التوقيف عن الشغل مدة لا تتعدى ثمانية أيام؛
ـ التوبيخ الثالث، أو النقل إلى مصلحة أو مؤسسة أخرى عند الاقتضاء، مع مراعىات مكان سكنى الأجير.
تطبق على العقوبتين الواردتين في الفقرتين 3و4 من هذه المادة مقتضيات المادة 62
أدناه." [8]
و بتحليل هذه المادة نجد أنها تطرح العديد من الإشكاليات، خاصة فيما يتعلق بمدى توفير الجانب الحمائي للأجير، فأول ما يلاحظ على هذه العقوبات، هو أنها جاءت على سبيل المثال و ليس الحصر و هذا ما يفهم من صياغة المشرع "يمكن للمشغل اتخاذ إحدى هذه العقوبات التأديبية " فما يفهم هو أن المشرع ترك للمشغل إمكانية اتخاذ عقوبات أخرى لارتكاب الأجير لأخطاء غير جسيمة.
كما يلاحظ عدم النص على شكل كتابي للإنذار و التوبيخ باعتباره ضمانة للأجير، وكذلك يسهل عملية الإثبات في حالة قيام نزاع بشأنه.[9]
بالإضافة إلى أن المدونة تركت للمشغل الخيار بين التوبيخ الثاني و التوقيف عن العمل لمدة لا تتعدى ثمانية أيام، و كذلك الشأن في الخيار بين التوبيخ الثالث و النقل من مصلحة إلى مصلحة أو مؤسسة أخرى، فكيف يستقيم الخيار وقد أكدت المدونة في المادة 38 على ضرورة مراعاة مبدأ التدرج في توقيع العقوبات التأديبية، و الحال أن التدرج يعني البدء بالعقوبة الأخف قبل الانتقال إلى العقوبة الأشد، في حين أن المشغل حينما يختار عقوبة التوقيف عن العمل بدل التوبيخ، فإنه يختار عقوبة أشد لأنها تحرم الأجير من أجره لمدة محددة، بدل التوبيخ الذي لا أثر له على الناحية المالية للأجير.[10]
هذا بالإضافة إلى أن الخيار الذي أقرته المدونة هو خيار بين عقوبة معنوية و عقوبة مهنية، و الأجدر أن يكون الخيار بين عقوبتين من نفس النوع و الدرجة في الخطورة.
كما أن المدونة سارت في اتجاه توسيع إمكانيات الفصل المتاحة للمشغل، حيث أجازت للمشغل فصل الأجير المرتكب لخطأ غير جسيم، بعد استنفاذ العقوبات داخل السنة، حسب المادة 38 من المدونة، مما قد يسوي في النتيجة، بين ارتكاب الخطأ الجسيم والخطأ غير الجسيم .
و بقيت الإشارة إلى أن المدونة ميزت بين التوبيخ الأول، و الذي لا يخضع لمسطرة المادة 62 من مدونة الشغل، و التوبيخ الثاني و الثالث الدين يخضعون للمسطرة المنصوص عليها في هذه المادة، و المتمثلة أساسا في إتاحة الفرصة للأجير للدفاع عن نفسه، بذلك تكون المدونة قد أتاحت للأجير المرتكب لخطأ غير جسيم، الاستفادة من مسطرة لا يعمل بها عادة إلا في حالة الأخطاء الجسيمة، و هذا يشكل توسيعا للجانب الحمائي لقانون الشغل.[11]

الفرع الثاني:العقوبات المهنية

في حالة ارتكاب العامل لنفس الخطأ، أو لخطأ آخر أكتر جسامة، ناتج عن مخالفة مقتضيات النظام الداخلي، أو الأوامر الموجهة إليه، فإن المشغل لا يقتصر على العقوبات المعنوية، وإنما خول له المشرع اتخاذ عقوبات تصيب الأجير في صفته المهنية، والعقوبات التي نص عليها المشرع المغربي في هذا الصدد تتمثل في التوقيف عن العمل بصفة مؤقتة، والنقل حسب المادة 37 من مدونة الشغل، والفصل من العمل و الذي نصت عليه المادتين 38و 39 من نفس المدونة.[12]

أولا : التوقيف عن العمل بصفة مؤقتة
ويقصد بالتوقيف المؤقت عن العمل كعقوبة تأديبية، حرمان الأجير من ممارسة عمله لمدة معينة دون أن يتقاضى أي أجر عن تلك الفترة.[13]
ولقد نص المشرع على عقوبة التوقيف المؤقت في المادة 37 من مدونة الشغل،و نظرا للارتباط بين مدة التوقيف و الحرمان من الأجر، وحتى لا يعمل المشغل على توقيف الأجير عن العمل بصفة تضر بحالته الاقتصادية، فقد حدد المشرع مدة قصوى للتوقيف لا يمكن تجاوزها، و هي ثمانية أيام، و قد جاء في قرار صادر عن الغرفة الاجتماعية بمحكمة الاستئناف في فاس" إن التوقيف عن العمل و بدون أجر لمدة مفتوحة يعتبر مخالفا للقانون...و الذي لا يجوز معه أن تتعدى مدة التوقيف ثمانية أيام كحد أقصى..." .[14]

ثانيا : النقل إلى مصلحة أو مؤسسة أخرى
يعتبر النقل من مصلحة إلى أخرى أو من مؤسسة إلى أخرى رابع عقوبة تأديبية جاءت بها المادة 37 من مدونة الشغل.[15]
و قد كان منصوص عليها في التشريع السابق (النظام النمودجي الملغى)، وبدورها المادة 37 من المدونة نصت على هذه العقوبة، كما أعطت للمشغل الخيار بين التوبيخ الثالث و نقل الأجير إلى مصلحة أو مؤسسة أخرى عند الاقتضاء مع مراعاة مكان سكن الأجير.
فمن المستجدات الحمائية التي جاءت بها المدونة للأجير، هو أنها أخدت بعين الاعتبار الضرر الذي قد يلحق الأجير جراء نقله من مكان عمله الأصلي إلى مكان آخر ، فأوجبت ألا يتم توقيع هده العقوبة إلا في حالة الضرورة، مع مراعاة مقر سكنى الأجير.
كما ألزم المشرع عند توقيع هذه العقوبة التقيد بمقتضيات المادة 62 من المدونة ، و هو ما يفتح الباب للأجير للدفاع عن نفسه.[16]
ثالثا : عقوبة الفصل من الشغل :
يعتبر الفصل اخطر العقوبات التأديبية التي يمكن أن يتعرض لها الأجير، لأنه يشكل تهديدا مباشرا لحقه في الاستقرار في عمله.
و قد كان منصوص على هذه العقوبة في النظام النمودجي الفصل 6 منه، حيت كان ينص على أن عقوبة الفصل توقع فورا و دون سابق إنذار في حالة ارتكاب خطأ جسيم.[17]
و قد تبنت مدونة الشغل نفس المقتضى في المادة 39 التي جاء فيها" تعتبر بمثابة أخطاء جسيمة يمكن أن تؤدي إلى الفصل ...".[18]
علما أن المدونة سارت في اتجاه توسيع نطاق عقوبة الفصل، حيث أتاحت للمشغل فصل الأجير بعد استنفاد العقوبات التأديبية المنصوص عليها في الماد 37 داخل السنة، و هذا ما نصت عله المادة 38 من المدونة.[19]
هذا مع حرمان الأجير من مجموعة من الضمانات في حالة الفصل الناتج عن خطأ جسيم، حيث نصت المادة 61 من المدونة على أنه " يمكن فصل الأجير من الشغل، دون مراعاة أجل الإخطار، و دون تعويض عن الفصل، و لا تعويض عن الضرر عند ارتكابه خطأ جسيما".[20]
و نظرا لخطورة عقوبة الفصل فقد أحاطها المشرع، بالإضافة لبعض العقوبات الأخرى، بمجموعة من الضمانات و هذا ما سنتناوله في المبحث الثاني.

المبحث الثاني: ضمانات الأجير ضد سلطة التأديب

لقد منح المشرع للأجير مجموعة من الضمانات في مواجهة سلطة التأديب وتتضمن أساسا في الإجراءات الشكلية التي يجب إتباعها لإنزال العقوبات بالأجير، وذلك تحت الرقابة السابقة لاتخاذ قرار العقاب واللاحقة له.

المطلب الأول: مسطرة التأديب في مدونة الشغل

تتجلى مسطرة التأديب في الإجراءات الشكلية التي يجب أن يتبعها المشغل أثناء توقيع العقوبات التأديبية.

الفرع الأول: الجهة المكلفة بالتأديب

إن السلطة التأديبية تثبت لصاحب المؤسسة باعتباره الرئيس الفعلي والطبيعي لها، وهي سلطة ضرورية بالنسبة لكل منظمة تضم جماعة من الأفراد حتى يسود النظام بينهم،إضافة إلى أن عقد الشغل نفسه يجعل الأجير أو المستخدم تابعا لصاحب المؤسسة لما يتمتع به من إدارة و إشراف عليه في إطار التبعية التي تربطهما.[21]
فبعدما كان التشريع المغربي ينص من خلال المادة 6 من النظام النموذجي (الملغى) على أنه يتوجب على الأجراء الامتثال لرئيسهم المباشر، و يرجع المؤاجر ومساعديه أيا كانت مهنتهم تأديب الأجراء، فإن المشرع حينئذ لم يكن واضحا في تحديد الممارس الحقيقي للسلطة التأديبية و تركها بين كل من الرئيس و المؤاجر و مساعديه.
لكنه عمل من خلال مدونة الشغل على تحديد الجهة التي لها الصلاحية في تأديب الأجراء و المتمثلة في المشغل وحده دون مساعديه، مثلا المادة 37 من المدونة تنص على انه " يمكن للمشغل اتخاذ إحدى العقوبات التأديبية في حق الأجير لارتكابه خطأ جسيم " والمادة 38 كذلك تنص على انه " يتبع المشغل العقوبات التأديبية مبدأ التدرج في العقوبة. ويمكن له بعد استنفاد هذه العقوبات داخل السنة فصل الأجير، ويعتبر الفصل في هذه الحالة فصلا مبررا."
كذلك نجد المادة 63 منها جاءت فيها يسلم مقرر العقوبات التأديبية الواردة في المادة 37 أعلاه أو مقرر الفصل إلى الأجير المعني بالأمر يدا بيد، مقابل وصل أو بواسطة رسالة مضمونة مع إشعاره داخل اجل ثماني وأربعين ساعة من تاريخ اتخاذ المقرر المذكور".[22]من خلال هذه النصوص يتضح أن المشرع حدد المسؤول الفعلي في تأديب الأجراء. ويمكن له تفويض بعض الصلاحيات للرؤساء المباشرين للعمال أو مندوبيهم.
أما بالنسبة للأشخاص الذين يخضعون للسلطة التأديبية، فهم المنتمون للمؤسسة سواء كانوا عمال عاديين أو أطر عليا أو مستخدمين أو كانوا يرتبطون بالمقاولة بعقد شغل، إضافة إلى الأجراء الموجودين في فترة تدريب أو اختبار و كذا الأجراء المتمرنين.

الفرع الثاني: المسطرة المتبعة في التأديب

نص الفصل 61 من مدونة الشغل على أنه" يمكن فصل الأجير دون مراعاة أجال الإخطار و دون تعويض عن ذلك الفصل لكن بشرط ارتكابه للخطأ الجسيم".
وقد عددت المادة 39 من مدونة الشغل الأفعال المعتبرة بمثابة أخطاء جسيمة. كما أن المدونة ارتأت أن تمدد إعمال تلك المسطرة حتى على الفعل الذي لم يرتق إلى درجة الخطأ الجسيم، شرط أن يكون موجب للعقوبتين التأديبيتين الثالثة أو الرابعة المتمثلتين في التوبيخ الثاني أو التوقيف عن الشغل مدة لا تتعدى ثمانية أيام كعقوبة ثالثة، وفي التوبيخ الثالث أو النقل إلى مصلحة أخرى عند الاقتضاء كعقوبة تأديبية رابعة،وبالتالي فإن الخطأ غير الجسيم إذا تعدد ثلاث مرات أو أربعة أصبح في حكم الخطأ الجسيم، من حيث خضوع المشغل لمسطرة الفصل التأديبي وذلك بالنظر لمبدأ التدرج في العقوبة الذي قررته المدونة في (المادتان 37و38 من المدونة).[23]
و قد نظمت المسطرة العامة للفصل التأديبي في المواد 62/63/64/65، و نظرا لخطورة هذه المسطرة، فقد أوجب المشرع على المشغل صاحب المبادرة في الفصل باحترام الشكليات المتطلبة في هذه المسطرة، و نميز هنا بين مسطرة الاستماع إلى الأجير و مسطرة تسليم مقرر الفصل، والتي تعتبر إجراءات شكلية لصحة وسلامة مقرر الفصل التأديبي، حيث يترتب على تجاوزها أو إغفالها بطلان العقوبة التأديبية أو سقوط الحق في توقيعها.[24]
فبالنسبة لمسطرة الاستماع إلى الأجير فقد نصت المادة 62 على انه " يجب قبل فصل الأجير أن تتاح له فرصة الدفاع عن نفسه وذلك بالاستماع إليه من طرف المشغل أو من ينوب عنه، بحضور مندوب الأجراء أو الممثل النقابي الذي يختاره الأجير بنفسه، وذلك داخل أجل لا يتعدى 8 أيام ابتداءا من التاريخ الذي تبين فيه ارتكاب الفعل المنسوب إليه". حيث يتضح أن المشرع استعمل صيغة الوجوب على المشغل بضرورة إتاحة فرصة للأجير للدفاع عن نفسه، قبل الإقدام على فصله و ذلك داخل أجل 8 أيام.
وعند استنفاد هذه الإجراءات يحرر محضر في الموضوع من قبل إدارة المقاولة يوقعه الطرفان، وتسلم نسخة منه إلى الأجير، أما إذا رفض احد الطرفين إجراء أو إتمام المسطرة فانه يتم اللجوء إلى مفتش الشغل(المادة 62).[25]
و بخصوص مسطرة تبليغ مقرر الفصل، فالمشرع أكد من خلال المادة 63 من مدونة الشغل على ضرورة تبليغ الأجير المراد فصله بمقرر العقوبات التأديبية الواردة في الفصل 37 من المدونة، أو مقرر الفصل إلى الأجير المعني بالأمر، يدا بيد مقابل وصل، أو بواسطة رسالة مضمونة، مع الإشعار بالتوصل داخل أجل 48 ساعة من تاريخ المقرر المذكور .[26]
و ذلك من أجل إحاطة الأجير علما بالأسباب المنسوبة إليه المبررة لاتخاذ قرار الفصل في حقه.
و حسب الفصل 63 يقع على عاتق المشغل عبئ إثبات وجود مبرر مقبول للفصل، كما يقع عليه عبء الإثبات عندما يدعي مغادرة الأجير لشغله.
كما أن المادة 64 ألزمت المشغل أن يتضمن مقرر الفصل الأسباب المبررة لاتخاذه، و تاريخ الاستماع إلى الأجير، مرفقا بالمحضر المشار إليه في المادة 62 من المدونة. ومن ناحية أجل رفع الدعوى، فقد أشارت المادة 65 من المدونة إلى وجوب رفع دعوى الفصل أمام المحكمة داخل أجل تسعين يوما من تاريخ التوصل بمقرر الفصل، و ذلك تحت طائلة سقوط الحق في رفعها. [27]
أما بالنسبة لدور مفتش الشغل فيتمثل في مراقبة مدى التزام المشغل بمسطرة الفصل، في إطار مهمته الرقابية بالسهر على تطبيق الأحكام التشريعية و التنظيمية المتعلقة بالشغل.
وفيما يتعلق بدور مندوب الأجراء فهي مؤسسة تمثيلية هامة للأجراء داخل المقاولة، يكمن دورها في ربط الاتصال بين المشغلين من جهة، والأجراء من جهة أخرى بصدد القضايا المعروضة داخل المؤسسة، وكذلك الدفاع عن زملائه ويعد حضوره في جلسة التحقيق مع الأجير حول ما نسب إليه ضمانة لصحة القرار الذي يصدره المشغل في شأنه، دون التدخل في القرار الذي يستقل به المشغل، إلا أن إغفال هذا الإجراء من طرف المشغل سيترتب عنه البطلان لخرقه مسطرة جوهرية تمس بحق من حقوق الدفاع.[28]
و يجدر القول أن اتخاذ الإجراء التأديبي في حق مندوب الأجراء والممثل النقابي، قد وضحته المادة 457 من المدونة التي تضمنت أن المشرع قرر حماية خاصة لمندوب الأجراء، و ذلك بجعل الفصل في حقه من طرف المشغل موضوع مقرر يوافق عليه العون المكلف بتفتيش الشغل، الذي يجب أن يتخذ قراره بالموافقة أو الرفض خلال أجل حدده المشرع في 8 أيام الموالية لإشعاره من طرف المشغل بما اعتزم اتخاذه من إجراء تأديبي في حق الأجير المندوب، ويجب أن يكون معللا، أما في حالة ادعاء المشغل ارتكاب المندوب لخطأ جسيم، فيمكنه أن يقرر حالا توقيفه مؤقتا مع ضرورة إشعار مفتش الشغل فورا بالإجراء المجمع اتخاذه.[29]
ذات النهج اتجه إليه المشرع المغربي في حماية الممثل النقابي في المادة 472 و اعتبر أن الممثل النقابي يستفيد من نفس الحماية التي يتمتع بها مندوب الأجراء، رغم اختلاف مهامهم.[30]
وبالرغم من كل هذه المقتضيات المنظمة لمسطرة الفصل التأديبي، فهناك مجموعة من الإشكالات المعلقة و هي كالآتي:
ــ غياب بعض أجال إجراءات مسطرة الفصل التأديبي، ومن ذلك مثلا غياب أي أجل قد يفصل بين تاريخ الدعوة لجلسة الاستماع إلى الأجير وتاريخ انعقاد الجلسة.
ــ غياب أي أجل يتعين على المشغل أن يتخذ فيه مقرر الفصل.
ــ غياب أي أجل للجوء إلى مفتش الشغل من جانب الطرف الذي رفض إجراء مسطرة الفصل التأديبي أو إتمامها.
ــ غياب أي اجل يتعين فيه على المشغل توجيه نسخة من مقرر الفصل إلى مفتش الشغل، كما تقضي بذلك المادة 64 من مدونة الشغل.
وهناك إشكال آخر، وهو غياب تحديد شكليات الدعوة لجلسة الاستماع وموضوعها، بحيث يطرح التساؤل عن مدى اعتبار التبليغ الشفوي للأجير لحضور جلسة الاستماع سليما أم لا.[31]

المطلب الثاني: الرقابة على سلطة التأديب

تخضع سلطة التأديب لرقابة أجهزة إدارية، والتي تقوم برقابة سابقة على اتخاذ قرار التأديب، بالإضافة إلى رقابة القضاء التي تعتبر رقابة لاحقة لاتخاذ القرار التأديبي.

الفرع الأول: الرقابة السابقة

إن التشريع الاجتماعي لا يكون مجديا إلا بوجود هيئات تسهر على الحفاظ على طابعه الحمائي، إذ أكدت الممارسة على الحاجة إلى مراقبة تنفيذ قواعده، و التأكد من التزام أصحاب العمل بها.
و هذا ما أكدته التشريعات، ومن بينها التشريع المغربي، الذي عمل هو الآخر على خلق هيئات إدارية و مؤسساتية تسهر على مراقبة تطبيق قواعد قانون الشغل على أرض الواقع، من داخل المقاولة و من خارجها، و يكون دورها سابقا عن تدخل القضاء الاجتماعي، إذ أن هذا القضاء لا يتدخل في الغالب إلا بعد تعرض العامل للفصل من عمله، أما هذه الهيئات فدورها وقائي، بحماية الأجير منذ دخوله في خدمة صاحب العمل إلى انتهاء علاقة العمل بينهما.[32]
لذا كان من الضرورة اعتماد رقابة تتصف بالديمومة على تطبيق هذه الأحكام، هذا النوع من الرقابة استدعى أن تكون هناك جهة متخصصة، و هي جهاز تفتيش الشغل، الذي يعتبر تجسيدا للتدابير الوقائية نظرا للدور الرقابي المنوط به و الصلاحيات المخولة له.[33]
و يمكن القول أن مفتشيه الشغل مصلحة من المصالح التابعة لوزارة التشغيل مكلفة بمراقبة تطبيق قانون الشغل في جميع المؤسسات الخاضعة لهذا القانون.[34]
وكذلك عمل المشرع على خلق أجهزة دائمة بداخل المقاولة، تضمن نوعا من التوازن بين أرباب العمل و الأجراء، خاصة فيما يتعلق بسلطة الـتأديب التي تبقى بيد المشغل، و قد أصبح لممثلي العمال دور في اتخاذها، عن طريق مندوبي الأجراء.
و يعتبر نظام مندوبي الأجراء تجسيدا للتطور التشريعي، و من مهامهم ممارسة نوع من الرقابة على سلطة التأديب، إذ يعتبر حضور مندوب الأجراء أو الممثل النقابي ضروريا قبل اتخاذ قرار الفصل.[35]
و يعد حضور مندوب الأجراء في جلسة التحقيق مع الأجير حول ما نسب إليه من أفعال موجبة للطرد، أو النقل إلى مصلحة أو مؤسسة أخرى، ضمانة لصحة القرار التأديبي، و ذلك دون التدخل في اتخاذ هذا القرار الذي يستقل به المشغل، لأن هذا الأخير هو الذي يملك السلطة التأديبية، إلا أن إغفال هذا الإجراء يترتب عليه بطلان القرار التأديبي لخرق مسطرة جوهرية في تأديب الأجراء.[36]

الفرع الثاني: الرقابة اللاحقة

تعتبر الرقابة القضائية أنجع الطرق للحد من تعسف رب العمل و تجاوز حدود سلطاته في مجال التأديب.
و تطبيقا لذلك اعتبرت المحكمة الابتدائية بالرباط في حكمها الصادر بتاريخ 10 يناير 1985، " أن السلطة التأديبية الممنوحة لرب العمل تبقى خاضعة للمراقبة القضائية، قصد معرفة مدى ملائمة العقوبة للخطأ في حالة ثبوته".[37]
و تأكيدا لذلك نصت الفقرة الأخيرة من المادة 42 من مدونة الشغل على أنه "تخضع لمراقبة السلطة القضائية القرارات التي يتخذها المشغل في إطار ممارسة سلطته التأديبية".[38]
و في قانون الشغل الفرنسي تم تنظيم الرقابة القضائية على السلطة التأديبية للمشغل من خلال مقتضيات المادة43-22L، بكيفية أكتر ضبطا و توسعا، ففي هذا القانون - و حتى تكون الرقابة القضائية ذات فعالية- أوجب المشرع على المحكمة أن تراقب نظامية مسطرة التأديب و الخطأ المرتكب، كما أوجب المشرع أن يبين للقضاء جميع العناصر المعتمدة من أجل تقرير العقوبة.[39]
وتتجلى مظاهر الرقابة القضائية، في مراقبة مدى احترام المشغل للإجراءات الشكلية المتعلقة بالتأديب، ومراقبة الوجود المادي للخطأ وتكييفه و تقدير جسامته، بالإضافة إلى مراقبة مدى ملائمة العقوبة الموقعة للخطأ المرتكب.
و يقصد بالرقابة على الإجراءات الشكلية تلك القيود ذات الطبيعة الإجرائية، و من جملة هذه الإجراءات ما نصت عليه مدونة الشغل في الفصول من 61 إلى 64، و التي تتعلق بحقوق الدفاع المخولة للأجير عند إصدار عقوبة تأديبية ضده.
والسؤال الذي يفرض نفسه ما إذا كانت الإجراءات الشكلية شرط لصحة قرار الفصل أم وسيلة للإثبات لا غير، و قد أثار هذا السؤال جدلا كبيرا في الفقه و القضاء، قبل الحسم فيه من طرف القضاء باعتباره شرطا لصحة قرار التأديب، نذكر في هذا الصدد قرار للغرفة الاجتماعية في المجلس الأعلى جاء فيه" إن المحكمة لا تلجأ إلى البحث في سبب الطرد إلا بعد التأكد من سلامة مسطرة الإنذار بالطرد...إن المحكمة لم تكن في حاجة إلى إجراء بحث في أسباب الطرد، طالما أنها اعتمدت في اعتبار الطرد غير مبرر على عدم إخطار المشغلة أجيرها وفق الشكليات المنصوص عليها ".[40]
و بصدور مدونة الشغل لم يغير القضاء موقفه، حيث ذهبت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء في قرارها الصادر بتاريخ 20 شتنبر 2006، إلى اعتبار الفصل طردا تعسفيا في حالة عدم احترام الإجراءات الشكلية المنصوص عليها في المواد 62و63.
وقد أكد المجلس الأعلى على ضرورة موافقة مفتش الشغل قبل اتخاذ قرار المشغل التأديبي، حيت اعتبر أن الإجراءات الشكلية التي تخص مندوبي الأجراء تعتبر من النظام العام، الأمر الذي يحتم على قضاة الموضوع مراقبة مدى احترامها قبل مناقشة الجانب الموضوعي.
أما فيما يخص الرقابة على الأسباب الموضوعية، فإن القضاء يعمل على بسط رقابته على سلطة المشغل التأديبية، للتأكد من ثبوت الخطأ المنسوب للأجير، و مدى جسامته، و مدى مشروعية العقوبة و ملاءمتها مع الخطأ المرتكب، و سوف نتطرق تباعا لهذه العناصر:
ــ إثبات الخطأ: إن عبء إثبات اقتراف الأجير لخطأ يستحق العقاب يقع على عاتق المشغل، حسب المادة 63 من مدونة الشغل، و له أن يلجئ إلى كافة وسائل الإثبات فمادام أن الخطأ التأديبي واقعة مادية يمكن إثباتها بكافة وسائل الإثبات.[41]
و غالبا ما تبني المحكمة قناعتها عن طريق الاستماع إلى شهادة الشهود، و هنا تثور إشكالية مدى صحة شهادة الشهود الذين لا زالوا في علاقة تبعية مع المشغل فهل تجوز شهادتهم رغم تقديم هذا الدفع من طرف الأجير، حيث أن هناك سلطة معنوية للمشغل على أجراءه مما قد يوجه الشهود حسب رغبته، لكن التشريع و القضاء سار في اتجاه الأخذ بشهادة الشهود دون تمييز.
- تقدير جسامة الخطأ: إذا كان المشغل في إطار إعماله للسلطة التأديبية التي يتمتع بها يمكنه أن يفصل الأجير لاقترافه خطأ جسيما، فإن القضاء و في إطار رقابته لهذه السلطة التأديبية غير ملزم بالوصف الذي يعطيه المشغل للخطأ المنسوب للأجير، بحيث يمكن للمحكمة إعادة تكييف طبيعة الخطأ.[42]
ذلك أن الأخطاء الجسيمة التي نصت عليها المادة 39 من مدونة الشغل قد جاءت على سبيل المثال و ليس الحصر، وذلك ما يفهم من عبارة "تعتبر بمثابة أخطاء جسيمة" مما يفتح المجال للمشغل لاعتبار بعض الأخطاء الصادرة عن الأجراء أخطاء جسيمة.
و هنا يكون قاضي الموضوع أمام صعوبة أكبر بالمقارنة مع تكييف الخطأ الجسيم المنصوص عليه قانونا، فالقاضي ملزم بتحليل مبرر الفصل، ومدى تأثير الخطأ على استقرار المقاولة، وهذا يقتضي ربط الخطأ بخطورته لتقدير مدى جسامته.
وفي هذا الصدد اعتبر المجلس الأعلى ( محكمة النقض حاليا) أن تغيير الكمبيالات ووضع مدد إضافية دون ترخيص المشغل يشكل خطا جسيما، و كذلك الأمر في تجاوز مدير الوكالة البنكية لاختصاصه في إعطاء القروض، و تسليمه قروضا للزبناء دون ضمانات كافية.[43]
فمجال السلطة التقديرية في تقدير جسامة الخطأ تكون ضعيفة في حالة الأخطاء الجسيمة المنصوص عليها في مدونة الشغل(المادة 39)، أما الأخطاء الغير منصوص عليها في مدونة الشغل فتبقى للمحكمة السلطة التقديرية الواسعة لتحديد مدى جسامة هذه الأخطاء، بناء على القياس على الأخطاء الجسيمة المنصوص عليها، مع الأخذ بعين الاعتبار ما إذا كان الخطأ يتسم بالخطورة، و يهدد السير العادي للمؤسسة، و استحالة استمرار عقد الشغل بين الطرفين.[44]
ـ مراقبة ملائمة العقوبات التأديبية مع الأخطاء المرتكبة
بالرجوع إلى القضاء المقارن بخصوص تطبيق رقابة الملائمة، نجد أن القضاء الفرنسي أكد رقابة القاضي لتناسب العقوبة مع الخطأ، و قد سار المشرع الفرنسي في نفس الاتجاه فبعد تعديل قانون الشغل الفرنسي سنة 1982، نصت المادة 2-43-122L على أن "يمكن لمجلس الخبراء إبطال عقوبة غير شرعية من حيث الشكل أو غير مبررة أو غير مناسبة للخطأ المرتكب".[45]
و قد صدر مرسوم حدد كيفية تطبيق هذه المادة، و اعتبر أن الرقابة القصوى للقضاء على ممارسة المشغل لسلطته التأديبية تتجلى في أربع صور وهي:
ـ مدى تطبيق المشغل لمسطرة التأديب.
ـ حقيقة الأفعال المرتكبة.
ـ وصف الخطأ المبرر للعقوبة.
ـ تناسب العقوبة الموقعة مع الخطأ المرتكب.
فهذا النص أقر صراحة مراقبة القضاء لملائمة العقوبة للأخطاء المرتكبة، كما أن سلطة القضاء الفرنسي تصل إلى حد إلغاء العقوبات الغير مشروعة.
ونفس الاتجاه تبناه الفقه و القضاء المصري، بالتأكيد على رقابة القاضي لملائمة العقوبة للأخطاء المرتكبة من طرف الأجير، وإن كان القضاء المصري يحكم فقط بالتعويض عن الفصل التعسفي.[46]
أما القضاء المغربي فلا نجد اتجاه موحدا نظرا للتضارب الذي عرفه القضاء، و الذي بلغ مداه بين قضاء الموضوع و محكمة النقض، فمحاكم الدرجة الأولى و الثانية لم تجعل سلطتها التقديرية تنحصر في مراقبة وجود الخطأ المنسوب للأجير بل تعدته إلى ملائمة العقوبة مع الخطأ، بل إن بعض الأحكام تعدت الحكم بتعسف قرار التأديب و التعويض عنه إلى درجة إلغاءه.
لكن محكمة النقض تصدت لهذا التوجه في إطار عمله التأويلي لتوحيد هده الاجتهادات، حيث حسمت الخلاف، معتبرا أن تقدير العقوبة إنما تدخل في صميم اختصاص المشغل، و يستقل بتطبيقها طبقا لمبدأ السلطة التأديبية العقدية، و من ثم ليس من اختصاص قضاء الموضوع التدخل لإلغائها.[47]
و أخيرا لا تفوتنا الإشارة إلى مدى حجية الحكم الجنائي في مجال التأديب، فبالرجوع إلى مدونة الشغل خصوصا المادة 39 نجد أنها تعتبر ارتكاب الأجير لجنحة ماسة بالشرف أو الأمانة أو الآداب العامة صدر بشأنها حكم نهائي و سالب للحرية، بمثابة خطأ جسيم يمكن أن يؤدي للفصل.[48]
وبالتالي فإن الحكم بالإدانة يعتبر مبرر لإنزال العقوبات التأديبية بالأجير، و يلزم القاضي الاجتماعي الذي لا يمكن أن يقضي بعدم شرعية الفصل المستند إلى الأسباب و الوقائع التي من أجلها أدين الأجير، و هذا ما أكده المجلس الأعلى في الكثير ممن قراراته.
أما بالنسبة لتأثير الحكم القاضي بالبراءة على الوضعية المهنية للأجير، فليس محل اجتهاد قار و موحد للغرفة الاجتماعية، فتارة تأخذ به على إطلاقه، و تارة لا تأخذ به تاركة لقاضي الموضوع السلطة التقديرية لتقدير الأسباب التي يستند إليها المشغل لفصل الأجير، بما فيها تلك التي برأه منها القضاء الجنائي.
و إن كان الاتجاه الغالب هو الذي يأخذ بحجية الحكم الجنائي على إطلاقه في المادة الاجتماعية، نذكر في هذا الصدد قرار الغرفة الاجتماعية بالمجلس الأعلى(محكمة النقض حاليا) الذي جاء فيه " ...و إن الحكم المطعون فيه قد صادف الصواب حين اعتمد حكم البراءة، عملا بقاعدة الحكم الجنائي يقيد القاضي الاجتماعي"، و في قرار آخر اعتبرت الغرفة الاجتماعية "أن حجية الأحكام الصادرة في الميدان الجنائي تعد من النظام العام، وأن واقعة خيانة الأمانة لم يعد في الإمكان مناقشتها بعد أن لم تثبت في حق المطلوب بمقتضى حكم جنحي"، و في قرار آخر اعتبرت الغرفة الاجتماعية بالمجلس الأعلى أن "حجية الأحكام الصادرة في الميدان الجنائي تعد من النظام العام، و الوقائع التي يثبتها الحكم الجنائي أو ينفيها لا يمكن مناقشتها من جديد أمام القاضي الاجتماعي". [49]

الخاتمة:
يستشف مما سبق، أن حرية المشغل في تحديد لائحة العقوبات بين النوعين المذكورين( العقوبات المعنوية و العقوبات المهنية)، تكون مقيدة في مداها و مضمونها بما يتضمنه النظام القانوني من أحكام، حيث لا يجوز فرض عقوبات تفوق في أثرها السلبي ما جاء به قانون الشغل.
كما أن السلطة التأديبية مقيدة كذلك بالرقابة السابقة، المتمثلة أساسا في رقابة مندوبي الأجراء و مفتش الشغل، بالإضافة إلى الرقابة القضائية التي تعتبر أهم أنواع الرقابة، لما توفره من ضمانات لطرفي عقد الشغل.
و مع ذلك مازال قانون الشغل يعرف العديد من الإختلالات، مما يدفعنا للتساؤل عما إذا كانت مدونة الشغل توفر الجانب الحمائي للأجير، أم جاءت لحماية المصالح الاقتصادية لأرباب العمل؟
_________________________________________
هوامش:
[1] احميه سليمان، قانون علاقات العمل، محاضرات خاصة بطلبة السنة الثالثة إجازة حقوق، كلية الحقوق بن عكنون – جامعة الجزائر، السنة الجامعية 2001-2002، ص.248.
[2] انظر المادة 37 من مدونة الشغل.
[3] أنظر المادة 20 من نفس المدونة.
[4] الظهير الشريف رقم 1.03.194 المؤرخ بـ 14 رجب 1424 الموافق ل 11 شتنبر 2003 الصادر بتنفيذ القانون رقم 65- 99 المتعلق بمدونة الشغل، الجريدة الرسمية عدد 5167، 3 شوال 1424 الموافق لـ 8 دجنبر 2003، ص.3969.
[5]ـ د.مباركة دنيا،" ضمانات توقيع العقوبات التأديبية في ظل مدونة الشغل الجديدة"، ص:15.
[6]ـ د. أسماء الشرقاوي " الرقابة على سلطة المشغل التأديبية" أطروحة لنيل الدكتوراه، ص: 94.
[7]ـ د. مباركة دنيا، مرجع سابق، ص:17.
[8]ـ المادة 37 من قانون الشغل رقم 99-65، وفق آخر التعديلات.
[9]ـ دة. أسماء الشرقاوي، مرجع سابق، ص: 94.
[10]ـد.مباركة دنيا، مرجع سابق، ص:18.
[11]ـد.أسماء الشرقاو، مرجع سابق، ص: 94.
[12]ـد. مباركة دنيا، مرجع سابق، ص: 19.
[13]ـد. أسماء الشرقاوي، مرجع سابق، ص: 95.
[14]ـ د.عز سعيد "العمل القضائي في مجال منازعات الشغل الفردية"، ص: 64.
[15]ـ د. أسماء الشرقاوي، مرجع سابق، ص: 96.
[16]ـ د. مباركة دنيا، مرجع سابق، ص:21.
[17]ـ د. أسماء الشرقاوي، مرجع سابق، ص: 97.
[18]- المادة 39 من قانون الشغل رقم 99-65، وفق آخر التعديلات.
[19]ـ د. مباركة دنيا، مرجع سابق، ص: 22.
[20]ـ د. مختار أعمرة " دراسة في قانون الشغل المغربي"طبعة 2008، ص:130.
[21]-د محمد الكشبور إنهاء عقد الشغل دراسة تشريعية و قضائية مقارنة ص 134 طبعة 2008
[22]-مدونة الشغل
[23]-ذ محمد القري اليوسفي و ذ محمد الشرقاني الفصل التأذيبي للاجير وفق مدونة الشغل الجديدة ص 33.المجلة المغربية لقانون الاعمال والمقاولات ,عدد 17-18 يناير يونيو 2011
[24]-د اسماء الشرقاوي الرقابة على سلطة المشغل في القانون المغربي المعاصر ص 260 اطروحة لنيل الدكتورة.
[25]-د المختار اعمارة دراسة في قانون الشغل المغربي ص 131 .طبعة 2008
[26]-مدونة الشغل
[27]-مدونة الشغل
[28]-اسماء الشرقاوي ص 138 مرجع سابق
[29]-اسماء الشرقاوي ص 141 وص 142 مرجع سابق
[30]-اسماء الشرقاوي ص 264 مرجع سابق
[31]-ذ محمد القري اليوسفي و ذ محمد الشرفاني ص 36 و 37 مرجع سابق
[32]ـ د. أسماء الشرقاوي، مرجع، سابق، ص: 128.
[33]ـد.المختار أعمرة، مرجع سابق، ص: 162.
[34]ـد. المختار أعمرة، مرجع سابق، ص:163.
[35]ـ دة.أمال جلال" الرقابة على سلطة المشغل في القانون المغربي المعاصر" أطروحة لنيل الدكتوراه، ص :138.
[36]ـ د. المختار أعمرة، مرجع سابق، ص :245.
[37]ـ دة.أسماء الشرقاوي"الرقابة على سلطات المشغل في القانون المغربي" أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، السنة الجامعية 2012-2013، ص:259.
[38]ـ الفقرة الأخيرة من المادة 42 من قانون 99-65 المتعلق بمدونة الشغل.
[39]ـ د.محمد الكشبور "إنهاء عقد الشغل" طبعة 2008، ص:136-137.
[40]ـ د. عبد الطيف خالفي "الإجتهاد القضائي في المادة الإجتماعية" طبعة 2000، ص:190.
[41]ـد.عبد اللطيف خالفي، مرجع سابقن ص:193.
[42]ـ د.عبد اللطيف خالفي، مرجع سابق، ص.191.
[43]ـ د.أسماء الشرقاوي، مرجع سابق،ص.277.
[44]ـ د.أسماء الشرقاوي، مرجع سابق، ص:278.
[45]ـد .محمد الكشبور، مرجع سابق،ص:137.
[46].د, أسماء الشرقاوي، ص: 282.
[47]ـد.عز سعيد، مرجع سابق، ص: 69.
[48]ـ الفقرة الأولى من الماد 39 من قانون 99-65.
[49]ـ د.عبد اللطيف خالفي، مرجع سابق، ص:230-234.


إرسال تعليق

0 تعليقات