Header ADS

اخر الأخبار

العقود الإدارية و الصفقات العمومية

مقال بعنوان: العقود الإدارية و الصفقات العمومية 

العقود الإدارية و الصفقات العمومية

مقدمة
إن دراسة العقود الإدارية تحتل مكانا بارزا من بين دراسات موضوعات القانون الإداري المختلفة ، ذلك بان العقد الإداري يمتاز بطبيعة قانونية خاصة ، وبأحكام خاصة تختلف عن طبيعة الأعمال الإدارية الأخرى وأحكامها من جهة ، وعن طبيعة وأحكام العقود المدنية التي يحكمها القانون الخاص من جهة أخرى. 
إن العمل الإداري يتطلب أن تلجأ الإدارة إلى وسائل متنوعة قصد القيام بمهامها و وظائفها، و تنظيم قطاعاتها الإدارية و الإقتصادبة و الإجتماعية، و من بين هذه الوسائل نجد تلك التصرفات القانونية التي تكتسي أهمية أساسية نظرا لكونها تجسد مشاريع الإدارة في إطار قانوني، و يمكن التمييز فيما بين التصرفات التي تصدر عن السلطة الإدارية بإرادتها المنفردة، و يسمى هذا النوع بالقرارات الإدارية، و بين التصرفات التي تصدر عن الإدارة بإتفاق مع طرف آخر و تتجه نحو إحداث آثار قانوني معين و تسمى بعقود الإدارة.[1]
و مما لا شك فيه أن العقود المبرمة من قبل الإدارة لا تخضع لنضام قانوني واحد. و لكن منها ما يخضع لقواعد و أحكام القانون الخاص و منها ما يخضع لقواعد و أحكام القانون العام، بمعنى أن الإدارة تبرم نوعين من العقود: 
- عقود الإدارة التي تخضع لأحكام القانون الخاص و هي عقود مدنية. 
- عقود الإدارة التي تخضع لأحكام القانون العام، و هي التي يطلق عليها اصطلاح العقود الإدارية.[2]
و هي بذلك إما أن تكون عقود خاصة فتخضع للقانون لخاص، أو عقود عامة فتخضع للقانون العام، و يطلق عليها اصطلاح العقود الإدارية، تتم بإتفاق الإدارة و المتعاقد معها على القيام بمهام معينة فينشأ بينهما عقد إداري يحدد حقوق و واجبات كل من الطرفين، تتمتع فيه الإدارة بإمتيازات السلطة العامة، تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة. 
و هي تلك الإتفاقات التي تبرم بين الادارة كسلطة عامة قائمة على تحقيق المصلحة العامة و بين الأفراد أو الشركة الخاصة من إنجاز عمل معين يحقق المنفعة العامة بشكل مباشر. [3]
الأصل في المعاملات أن العقد شريعة المتعاقدين ، وبما أن الصفقة العمومية عقد على اعتبار أنه عقد بعوض يبرم بين صاحب مشروع من جهة ، و شخص طبيعي أو معنوي من جهة أخرى، يدعى مقاول أو مورد أو خدماتي ، و يهدف وفق التعريفات الواردة إلى تنفيذ أشغال أو تسليم توريدات أو القيام بخدمات. [4]
و هذه العقود بالرغم من كونها عقودا تبرم برضى طرفيها معا، إلا أنها لا تبرم بين طرفين متساويين في القوة أو في الهدف. فهي تبرم بين طرف أكثر قوة يسعى إلى تحقيق المصلحة العامة و هو الإدارة، و بين طرف أقل قوة يسعى إلى تحقيق مصلحته الشخصية و هو الفرد (أو الشركة الخاصة) المتعاقدة مع الإدارة.[5]
إن إبرام عقود إدارية لها طبيعة خاصة تتجلى أهميتها فيم يلي: 
- إن العقود الإدارية كأي عمل نظامي آخر يهدف إلى تحقيق غاية معينة فهو ليس غاية في ذاته بل وسيلة لتحقيق غرض معين حيث أن العقود الإدارية هدفها هو النتيجة النهائية التي يسعى رجال الإدارة إلى تحقيقها. 
- أن العقود الإدارية هي إحدى الطرق التي تفضلها الإدارة في ممارسة صلاحيتها وأداء مهامها لأنها تتضمن تحقيق المصلحة والنفع للمجتمع. 
- العقود الإدارية هي من العقود السائدة في الوقت الحاضر وتهم الجميع سواء على مستوى الإدارة أو على مستوى المتعاقدين مع الإدارة أو على مستوى المستفيدين من خدمات الإدارة. 
وإذا كانت شروط العقد الإداري تتمثل أساسا في أن يتصل العقد بتسيير مرفق عام، و أن تكون الإدارة طرفا فيه، بالإضافة إلى يتضمن العقد شروطا استثنائية غير مألوفة في القانون الخاص، فان الصفقة العمومية تعتبر عقدا إداريا بقوة القانون. 
و عليه، فإن كل الصفقة العمومية هي عقد إداري و ليس كل عقد إداري صفقة عمومية. و من هذا المنطلق يجب أن نتساءل إلى أي مدى يمكن أن نعتبر الصفقة العمومية عقد إداري ؟ و على أي أساس تعتبر الصفقة عقد إداري ؟ و ما هو الإطار القانوني لكل من العقد الإداري و الصفقة العمومية ؟ و ما هو موقف كل من المشرع المغربي و القضاء بخصوص العقد الإداري و الصفقة العمومية ؟ كما يجب أن نتساءل عن الاختصاص القضائي في منازعات العقود الإدارية ؟ 
للإجابة عن هذه التساؤلات و الإشكاليات قصد معالجة هذا الموضوع معاجلة قانونية سنعتمد على خطة البحث التالية: 

المبحث الأول: العقود الإدارية بتحديد القانون 
المطلب الأول: العقود الإدارية بفرنسا 
المطلب الثاني: العقود الإدارية بالمغرب 
المبحث الثاني: منازعات العقود الإدارية 
المطلب الأول:الاختصاص القضائي للمحاكم الإدارية في منازعات العقود الإدارية 
المطلب الثاني: اختصاص البث في النزاعات الناشئة بعد إبرام الصفقة العمومية 



المبحث الأول: العقود الإدارية بتحديد القانون 

هي تلك العقود التي ينص القانون صراحة على أنها عقود إدارية و يضع لكل منها نظاما قانويا خاصا.[6]
إن نشأة نظرية العقد الإداري جاءت من الإجتهاد القضائي بفرنسا ، فنجد أنه أصدر عدة قوانين لإضفاء العقود الإدارية على كثير من العقود التي تبرمها الإدارة و نجدها تشمل عقود الأشغال العامة ، عقد تقديم طلب المعاونة ، عقود شغل الملك العام ، و عقود القروض العامة التي تبرمها الدولة. [7]
أما العقود التي أعطاها المشرع المغربي صفة إدارية تتمثل في نوعين من العقود ،الأول هو عقد التدبير المفوض قانون 05-54 و عقد الامتياز، و ثانيا عقود منصوص عليها في مرسوم 5 فبراير 2007 . و سنتعرض في دراستنا لهذا المبحث إلى العقود الإدارية بفرنسا (المطلب الأول)، ثم سنتطرق إلى (العقود الإدارية بالمغرب) المطلب الثاني. 

المطلب الأول: العقود الإدارية بفرنسا 

من بين العقود التي نص المشرع الفرنسي صراحة على إسناد الإختصاص فيما تثيره من منازعات إلى القضاء الإداري: 
1- عقد الأشغال العامة: نصت المادة 4 من قانون بليفيوز للسنة الثامنة للثورة على اختصاص مجالس الأقاليم بالنزاعات التي تنشأ بين مقاول الأشغال العامة و الإدارة المتعلقة بتنفيذ العقد المبرم بينهما ، و تجدر الإشارة إلى أنه لم يتم تحديد في هذه المادة مدلول الأشغال العامة مما سمح للقضاء التوسع فيها. 
2- عقد التوريد: و هي ما نصت عليه المادة 13 من مرسوم 11 يونيو 1806 و تسند الاختصاص إلى مجلس الدولة للبث في المنازعات المتعلقة بعقود التوريد 
التي تبرمها الدولة ، بينما عقود التوريد التي تبرمها الهيئات المحلية فتبقى من اختصاص القضاء العادي.[8]
3- عقد القرض العام: يتحقق هذا العقد بقيام أحد الأفراد أو البنوك أو الشركات الخاصة بإقراض مبلغ معين من المال إلى أحد أشخاص القانون العام، مع تعهد هذا الشخص العام بسداده في موعد محدد أو بنظام معين سواء مقابل فائدة أو بدون فائدة حسب ما تم الإتفاق عليه في العقد.[9]
و قد نص القانون الصادر في 17 يناير 1790 و 26 شتنبر 1793 على اختصاص مجلس الدولة بالنظر في المنازعات الناتجة عن عقود القرض العام التي تبرمها الدولة، أما عقود القروض التي تبرمها الهيئات المحلية فهي تخضع للمحاكم العادية فيما ينشأ عنها من منازعات. [10]
4- عقود شغل الدومين العام: نصت الفقرة الأولى بالمرسوم الصادر 17 يونيو 1938 على أن العقود تتضمن شغلا للدومين العام ، يخضع في المنازعات الناشئة عنها للإختصاص مجالس الأقاليم . و نشير في هذا الإطار أنه قبل صدور هذا المرسوم كان الفقه يعتبر عقود الدومين العام إدارية بالنظر إلى موضوعها و إلى نظامها القانوني الذي يعتبر غير مألوف في القانون الخاص، ة بالتالي فإن معظم قواعده مختلفة عن قواعد القانون الخاص، أما القضاء فقد دهب إلى أن عقد شغل الدومين العامل لا يمكن أن يكون إداريا إلا إذا كان يتضمن شروط استثنائية غير مألوفة في القانون الخاص، حيث يمكن أن تكون عقود إيجار مدنية فجاء هذا المرسوم ليضع حدا لهذا التعارض و ذلك في مادته الأولى السالفة الذكر. [11]
نلاحظ مما سبق أن المشرع الفرنسي اعتبر كل من عقد الأشغال العامة، عقد التوريد، عقد القرض العام و عقود شغل الدومين العام هي عقود إدارية، فهل ذهب المشرع المغربي في نفس الاتجاه أم أن له رأي آخر ؟ هذا ما سوف نتطرق إليه في دراستنا للمطلب الثاني. 

المطلب الثاني: العقود الإدارية بالمغرب 

إن العقود الإدارية حسب المعيار التشريعي بالمغرب يمكن إجمالها في نوعين، و يتعلق الأمر بالصفقات العمومية و التدبير المفوض. 
1- عقود الصفقات العامة:
 الصفقة العامة هي كل عقد بعوض يبرم بين صاحب المشروع من جهة، و شخص طبيعي أو معنوي من جهة أخرى يدعى مقاول أو مورد أو خدماتي، و يهدف وفق التعريفات الواردة إلى تنفيذ أشغال أو تسليم توريدات أو القيام بخدمات.[12]
أ- عقد الأشغال العامة: المقصود بالأشغال وفق المادة الأولى لمقرر الوزير الأول الصادر بتاريخ 12 يوليوز 1999 بشأن تطبيق المادة 72 من مرسوم 30 دجنبر 1998 و المعدل بمرسوم 5 فبراير 2007 المتعلق بشروط و أشكال إبرام الصفقات العمومية ، و هذا ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 12 ، فعقد الأشغال العامة هو عقد مقاولة بين شخص أو أشخاص القانون العام و فرد أو شركة بمقتضاه يتعهد المقاول يعمل من أعمال البناء أو الترميم أو الصيانة في عقار لحساب هذا الشخص المعنوي و تحقيقها للمصلحة العامة مقابل ثمن يحدد في العقد.[13]
و هذا ما أكدته الغرفة الإدارية في قرارها.[14] " إذا كان ينبغي حسب الاجتهاد القضائي أن تتوفر في العقود الإدارية ثلاثة شروط لإخضاعها للقانون العام و بدونها تعتبر مدنية ، فإن عقد الأشغال العامة باعتباره اتفاق بين المقاول و الإدارة للقيام بتنفيذ أشغال البناء أو الترميم أو الصيانة في عقار لحساب هذا الشخص المعنوي و تحقيقها للمصلحة العامة يعتبر عقد إداري بتحديد القانون". 
ب- صفقة التوريدات: هو كل عقد يرمي إلى اقتناء منتوجات أو معدات أو تملكها بقرض إيجاري أو إيجارها بنية البيع مع وجود خيار الشراء أو يدنه يبرم يبن صاحب مشروع و مورد.و يكن أن يتضمن تسليم المنتجات، بصفة ثانوية أشغال مع المنتوجات المذكورة و ترتيبها و التي تعتبر ضرورية لإنجاز العمل.[15]
ج- عقد الخدمات: إن عقد الخدمات تم النص عليه في مرسوم الصفقات العمومية على أنه اتفاق بمقتضاه يتعهد أو أحد الأفراد أو إحدى الشركات الخاصة بتقديم خدمات معينة مقابل أجر محدد يتفق عليه في العقد، و هذا ما جاءت به المادة 12 هو كل عقد يكون موضوعه إنجاز أعمال خدماتية التي لا يمكن أن نصفها بأشغال أو بتوريدات ، و يشمل عقد الخدمات ما يلي: 
+ الصفقات المتعلقة بأعمال الدراسات و الإشراف على الأشغال التي تتطلب عند الاقتضاء إلتزامات خاصة مرتبطة بمفهوم الملكية الفكرية. 
+ صفقات الخدمات العادية و التي يكون موضوعها اقتناء صاحب المشروع بخدمات يمكن تقديمها بدون مواصفات تقنية يشترطها صاحب المشروع. 
+ الصفقات المتعلقة بأعمال صيانة التجهيزات و المعدات، و أعمال التنظيف، و حراسة المحلات الإدارية و البستنة. 
فالصفقة تعتبر عقدا إداريا بنص القانون وبالتالي لا حاجة للبحث عن وجود شروط غير مألوفة في العقد المتعلق بالصفقات المبرمة لصالح الإدارة للقول بأن الأمر لا يتعلق بعقد في مجال القانون الخاص.[16]
2- عقد التدبير المفوض و الإمتياز: 
أ- عقد التدبير المفوض: يقصد بالتدبير المفوض، اتفاق تسند بموجبه جماعة محلية أومؤسسة عمومية أو مقاولة أوهيأة عمومية أوشبه عمومية صلاحية استغلال مرفق عمومي حسب شروط محددة في دفتر التحملات، وذلك مقابل أداء مالي يتأتى في غالب الأحيان من عائدات مستعملي المرفق المفوض تدبيره، وقد تمت الإشارة إلى هذا الإجراء في المادة 30 من الميثاق الجماعي، والتي تنص على إحداث وتنظيم الخدمات الجماعية للماء الصالح للشرب والكهرباء، والتطهير السائل والتنظيف، وجمع النفايات المنزلية.[17]
ففي المغرب اعتمد هذا الأسلوب من لدن المجموعة الحضرية للدار البيضاء التي أبرمت أول عقد للتدبير المفوض مع الشركة الفرنسية لاليونيز زو "ليديك"، سنة 1997 تعهدت بموجبه هذه الأخيرة بتدبير مرفق توزيع الماء و الكهرباء و التطهبر السائل لمدة 30 سنة، ثم امتد تطبيق هذا الأسلوب على باقي المدن المغربية، و منها الرباط حيث أبرمت المجموعة الحضرية عقد للتدبير المفوض مع شركة ريضال، لتدبير مرفق توزيع الماء و الكهرباء و تطهير السائل. 
و مع الزيادة في في توسيع هذه الطريقة على مختلف المجالات الخدماتية المحلية و إتبات نجاعتها بتمكين الجمهور بخدماتها، اضطر المشرع المغربي إلى إصدار قانون خاص بتلك الطريقة، و هو قانون 05-54 لسنة 2006 يتعلق بالتدبير المفوض للمرافق العامة، متضمنا 5 أبواب و الذي يحتوي على 34 مادة[18]، هذا دون أن ننسى أن مصطلح التدبير المفوض ظهر لأول مرة في التشريع المغربي بمقتضى المادة 39 من الميثاق الجماعي رقم 00-78 الصادر بتاريخ 3 أكتوبر 2002. 
نستشف مما سبق أن التدبير المفوض يقترن بعناصر أساسية تكمن: 
قيامه على أساس تعاقدي، ذلك بأنه عقد يبرم بين أحد الأشخاص المعنوية العامة و أحد الأشخاص المعنوية الخاضعة للقانون العام او القانون الخاص، و بذلك فهو يحمل صفة العقد الإداري باعتبار أحد طرفيه من الأشخاص العامة بكونه ينصب على تدبير مرفق عام. 
ب- عقد الإمتباز: الإمتياز أو ما يعبر عنه بالالتزام يشكل أسلوبا بواسطته يكلف الشخص المعنوي العام أحد الأشخاص من القانون الخاص فردا أو شركة لإدارة المرفق العام أو استغلاله لمدة محددة في نطاق عقد مبرم بينه و بين الملتزم الذي سيستعمل أمواله لإدارة المرفق العام تحت مسؤوليته[19]، و يشمل عقد الامتياز على بنود تعاقد و بنود تنظيمية، و يرتب عقد الامتياز حقوق و واجبات متبادلة بين طرفي العقد. و تجدر الإشارة إلى أن عقد الامتياز هو عقد إداري من خلال الاجتهاد القضائي الذي لا يمكنه الخروج عن القانون. 
فالإدارة تتمتع يحق المراقبة و التوجيه، و لديها حق التعديل لبنود العقد بصفة انفرادية، كما تتمتع بحق استرجاع المرفق العمومي.أما الملتزم فله الحق الحصول على مقابل من المنتفعين و المحافظة على التوازن المالي للمشروع. 
فالمسلم به في المغرب أنه لا توجد عقود إدارية بتحديد القانون كما هو الأمر حاليا في فرنسا، فباستثناء المثال الوحيد الذي جعل الاختصاص بعقود الأشغال العامة للمحاكم المختصة بنظر النزاعات الإدارية يمكننا القول أن العقود الإدارية في المغرب هي عقود إدارية بطبيعتها، و تخضع في ذلك للمعيار القضائي المستقر عليه في هذا الصدد [20]، و على ذكر القضاء فماذا عن المنازعات المتعلقة بهذا النوع من العقود ؟ 

المبحث الثاني: منازعات العقود الإدارية 

إن الإدارة باعتبارها صاحبة المشروع تسهر على تنفيذ العقد بالكيفية التي تراها محققة للمصالح العامة وقد تختلف في ذلك مع المقاول المتعاقد مما قد ينتج عنه عدة منازعات تحتاج إلى حل قضائي. 
تعتبر الصفقات العمومية الوسيلة الأساسية التي تعتمدها الإدارة ( الدولة، الجماعات المحلية و المؤسسات العمومية) لتنفيذ سياستها التنموية ولذلك فقد أولاها المشرع أهمية خاصة فتدخل في مناسبات متعددة وعبر محطات تاريخية محددة لتحديد الأحكام التي تطبق على هذا النوع من العقود الناشئة عن العقود الإدارية دون تحديد هذه العقود ولا تسميتها( المادة 8 من القانون رقم 90-41) كما أنه أحجم عن تحديد الطبيعة القانونية لعقد الصفقة في إطار القوانين المنظمة للصفقات العمومية، وبالتالي فإن حسم الإشكال المرتبط بالاختصاص يقتضي تحديد الطبيعة القانونية لعقد الصفقة هل هو عقد إداري أم لا؟ وحتى إذا كان العقد إداريا فلا شك أن جميع النزاعات المرتبطة به لا تدخل كلها في اختصاص إحدى جهتي القضاء الإداري( الإلغاء والقضاء الشامل) مما يستوجب البحث عن معيار توزيع الاختصاص بين الجهتين.[21]
إن قاعدة العقد شريعة المتعاقدين المعمول بها في مجال القانون الخاص ، لا يمكن للمتعاقد إن يحتج بها كلما تعلق الأمر بصفقة عمومية ، فنظرا لكون هذا النوع من العقود ينبني على فكرة استمرار المرفق العمومي فان الإدارة وتحقيقا لهذه الغاية ، يمكنها أن تتدخل لتعديل حجم الأشغال إما بالزيادة أو النقصان بحسب الأحوال وكلما استدعت حاجة المرفق إلى التعديل. 
يمكن رد اختصاص المحاكم الإدارية في منازعات المتعلقة بالعقود الإدارية بصفة عامة إلى نوعين رئيسيين: 
1- القضاء الشامل : و هو القضاء الذي يخول للقاضي تصفية النزاع كليا، فيلغي القرارات المخالفة للقانون إن وجدت، ثم يرتب على ذلك نتائجه كاملة من الناحية الإيجابية أو السلبية. 
2- قضاء الإلغاء : و هو القضاء المشروعية، أو بمعنى آخر هو قضاء للدفاع عن المشروعية و المصالح العامة أكثر منه قضاء للدفاع عن الحقوق و المصالح الخاصة. [22]

المطلب الأول:الاختصاص القضائي للمحاكم الإدارية في منازعات العقود الإدارية 

سنتطرق في هذا المطلب للجهة المختصة نوعيا للبت في النزاع (الفقرة الأولى ) وما يطرحه هذا الموضوع من إشكالات (الفقرة الثانية ) . 

الفقرة الأولى : الاختصاص النوعي 

إذا كان المشرع قد أجاز سواء للمتعاقد أو لغيره اللجوء إلى الطعن لإلغاء القرارات المنفصلة[23] عن العملية العقدية ، فإنه مباشرة بعد التعاقد يطرح السؤال عن الجهة المختصة للنظر في المنازعات التي قد تنجم عن عقد الصفقة ، خاصة أن الإدارة ونظرا للامتيازات التي تتمتع بها والمستمدة أساسا من مهمتها المتمثلة في الحفاظ على المصلحة العامة ، قد تعمد إلى إصدار قرارات تضر بمصلحة الطرف المتعاقد . 
بالرجوع إلى المادة 8[24] من القانون رقم 41-90 المحدثة بموجبه المحاكم الإدارية نجدها تسند الاختصاص للمحاكم الإدارية كلما كان النزاع ناشئا عن عقد إداري ، وبما أن الصفقة العمومية عقد إداري بقوة القانون ، فإن النزاعات الناشئة عن هذا العقد يدخل في الاختصاص النوعي للمحاكم الإدارية ، أي القضاء الشامل بالمحاكم الإدارية ، وهذا الاختصاص يمتد ليشمل جميع المنازعات المتعلقة بالإجراءات التي تتخذها جهة الإدارة بعد التعاقد حتى ولو انصب النزاع على إلغاء قرار اتخذته الإدارة المتعاقدة أثناء تنفيذ العقد وأساس ذلك أن ما تصدره الإدارة م قرارات تنفيذا للعقد مثل القرارات الصادرة بتوقيع أي من الجزاءات العقدية أو فسخ العقد أو إنهائه[25] ، وتكون المنازعات المتولدة عن تلك القرارات والإجراءات هي منازعات حقوقية تدخل في نطاق القضاء الشامل دون قضاء الإلغاء ، ويترتب عن ذلك أن كل نزاع نشأ عن علاقة تعاقدية بين الإدارة والمتعاقد معها يخضع للقضاء الشامل ، وقد تم تكريس هذا المبدأ من خلال مجموعة من الاجتهادات القضائية حيث اعتبرت المحكمة الإدارية بالرباط [26] أن : المنازعة حول قيام الإدارة بفسخ عقد إداري هي منازعة تنصب حول العقد ، وبالتالي يبقى القضاء الشامل هو المختص بالنظر فيها ، وأن القرار الإداري القاضي بفسخ عقد الصفقة هو قرار متصل بالعقد الإداري لا منفصل عنه ، وبالتالي لا يجوز تقديم دعوى الإلغاء في مواجهته نظرا لوجود دعوى موازية ، وقد ذهبت نفس المحكمة في اجتهاد آخر[27] إلى : عدم قبول طلب إلغاء قرار صادر عن الإدارة في إطار تنفيذ العقد معللة حكمها بأنه : حيث إن القرار المطعون فيه لا يعتبر قرارا منفصلا ، وإنما متصل ، وما دام النزاع ينحصر حول تنفيذ بنود العقد ، الشيء الذي يتعين معه على الطاعن تقديم دعواه في إطار القضاء الشامل . 
وبما أن اختصاص القضاء الإداري للبت في منازعات الصفقات العمومية شامل لكل ما يتعلق بتكوين العقد أو تنفيذه أو إنهائه ، فإنه يشمل كذلك المنازعات المتفرعة عن هذا العقد ، ومن بينها المنازعات التي يمكن رفعها في إطار طلبات استعجالية ، وفي هذا الصدد اعتبرت المحكمة الإدارية بمراكش[28] أن : اختصاص القضاء المستعجل الإداري رهين بانعقاد الاختصاص في الأصل للمحكمة الإدارية الذي هو فرع منها ، وفي نفس المنحى اتجهت المحكمة التجارية بالرباط[29]حيث ذهبت إلى : أن الصفقات العمومية موضوع عقود إدارية تختص بها المحاكم الإدارية ، وتبعا لذلك لا يكون القضاء التجاري المستعجل مختصا بإصدار أوامر وقتية ، اما بالنسبة لاختصاص قاضي المستعجلات الإداري في النزاعات الناشئة عن عقد الصفقة ، فإنه وما دام القانون المحدث للمحاكم الإدارية قد أحال بخصوص الموضوع على مقتضيات المسطرة المدنية فإن القضاء المغربي أكد على ذلك من خلال العديد من المناسبات حيث اتجه إلى : اعتبار النزاعات المتعلقة بالعقود الإدارية والصفقات العمومية لايختص بالنظر فيها قاضي المستعجلات الإداري إذا كان البت فيها فيه مساس بالجوهر ، وذلك تطبيقا للمواد 7و19 من القانون رقم 41-90 المحدثة بموجبه المحاكم الإدارية والفصل 152 من ق م م . 

الفقرة الثانية : الإشكالات المرتبطة بالاختصاص النوعي 

بمقتضى المادة 72 من مرسوم 30/12/1998 فإن الإدارة يمكنها القيام مباشرة باقتناء توريدات تسلم في الحال أو إنجاز أشغال أو خدمات في حدود مائة ألف درهم 100.000.00 درهم وبرسم سنة واحدة مع إمكانية رفع هذا المبلغ بقرار يتخذه الوزير الأول بعد استطلاع رأي الوزير المكلف ، وهذا الأسلوب من التعاقد طرح إشكالات قانونية حول الجهة القضائية المختصة نوعيا للبت في النزاع الناشيء بين الإدارة و المقاول أي التعاقد عبر سندات الطلب ، وهكذا فقد اتجهت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى في إحدى قراراتها[30] إلى انه : بما أن العقد لا تتوفر فيه مقومات الصفقة العمومية ، وبما أن قيمة المعاملة قد حددت مبدئيا في 90.481.75 درهم ، وبما أنه رخص للإدارات والجماعات الحق في إبرام تعاقدات في إطار القانون الخاص وعن طريق سندات الطلب ، فإنه رغم الهدف المتوخى من وراء التعاقد و المتمثل في المصلحة العامة فإن الاختصاص ينعقد للقضاء العادي طبقا للقانون الخاص وليس لجهة القضاء الإداري ، إلا أن هناك اتجاه آخر للقضاء الإداري المغربي يرى أن مجرد تنصيص الفصل الثاني يمن المرسوم المشار إليه أعلاه على استبعاد العقود التي تبرمها أي إدارة طبقا لشكليات القانون العادي من نطاق تطبيقه ، يعني أن لجوء الإدارة إلى التعاقد عبر سندات الطلب من اجل اقتناء توريدات أو إنجاز أشغال تعدو وبامتياز من مواضيع الصفقات العمومية لا يخرج النزاع من اختصاص القضاء الإداري ، وفي هذا الصدد اتجهت الغرفة الإدارية[31] إلى : انه ورغم عدم إبرام الأشغال – التي تعدت قيمة 100.000.00 درهم في الشكل و الإطار الذي حدده مرسوم 30/12/1998 فإن ذلك لا ينزع عنه صبغة العقد الإداري ، إذ يكفي الاعتماد على مقتضيات المرسوم لاعتبار موضوع سند الطلب عقدا إداريا ، والنزاع بشأنه ينعقد للقضاء الإداري . 
وفي رأينا المتواضع، نأيد هذا الطرح ، على أساس أن التعامل مع الإدارة هو من الخطورة بمكان ، لهذا السبب أوجد المشرع المحاكم الإدارية التي تراقب سلطة الإدارة في مختلف تصرفاتها ، و أن منح الإدارة لإمكانية إبرام صفقات دون اللجوء إلى المسطرة المتعلقة بإبرام الصفقات العمومية كان له ما يبرره ، إذ أن استمرارية المرفق والسرعة تقتضي تجاوز المساطر، إلا أن هذا لا ينبغي أن يتم على حساب المتعاقد ، الذي قد لا يسعفه القضاء العادي في الكثير من الأحيان في الحصول على حقوقه خاصة خلال مرحلة التنفيذ ، على خلاف القضاء الإداري الذي حدت قراراته واجتهاداته التي اتخذتها الإدارة لسنوات عدة تجاه أحكام القضاء . 

المطلب الثاني: اختصاص البث في النزاعات الناشئة بعد إبرام الصفقة العمومية 

كما سبقت الإشارة فإن المنازعات الناشئة عن الصفقة العمومية ينعقد اختصاص البت فيها للقضاء الشامل حيث يملك القاضي سلطات تمكنه من الحكم بتعويض الضرر الناشئ عن تصرفات الإدارة وعن إلغاء بعض القرارات التي وقعت بمقتضاها إجراءات على المتعاقد رافع الدعوى فالإدارة باعتبارها صاحبة المشروع تسهر على تنفيذه بالكيفية التي تراها محققة للمصالح العامة وقد تختلف في ذلك مع المقاول المتعاقد مما قد ينتج عنه عدة منازعات تحتاج إلى حل قضائي ، فإذا كان الهدف الأساسي من إبرام الصفقة العمومية هو بتحقيق المصلحة العامة بالنسبة للإدارة فإن الطرف المتعاقد معها يهدف بالمقابل إلى إشباع رغبته الاقتصادية بحصوله على الربح دون التفريط في رأسماله فإن هذا التعارض في المصالح هو ما يؤدي إلى إخلال احد طرفي العلاقة التعاقدية بالتزاماته سواء تعلق الأمر بالإدارة ( الفقرة الأولى ) أو المقاول ( الفقرة الثانية ). 

الفقرة الأولى: الإخلال بالالتزام من جانب الإدارة 

إن قاعدة العقد شريعة المتعاقدين المعمول بها في المجال القانون الخاص ، لا يمكن للمتعاقد أن يحتج بها كلما تعلق الأمر بصفقة عمومية ، فنظرا لكون هذا لنوع من العقود ينبني على فكرة استمرار المرفق العمومي فإن الإدارة وتحقيقا لهذه الغاية ، يمكنها أن تتدخل لتعديل حجم الأشغال إما بالزيادة أو النقصان بحسب الأحوال وكلما استدعت حاجة المرفق إلى التعديل [32]، إلا انه ينبغي التمييز بين حالتين : 
الحالة الأولى : عندما تعمد الإدارة المتعاقد معها إلى التعديل قبل البدأ في تنفيذ الأشغال ، والتعديل في هذه الحالة يعتبر بمثابة صياغة جديدة للصفقة وفي هذا الصدد اتجهت المحكمة الإدارية بأكادير[33] إلى القول بأن : إجراء تعديلات على الصفقة قبل الشروع في تنفيذها يعتبر صياغة جديدة للصفقة في مواصفاتها وشروطها الفنية ويستلزم إعادة النظر في الالتزامات الناشئة عن الاتفاق الأصلي. 
الحالة الثانية : عندما تلجأ الإدارة المتعاقدة إلى التعديل بعد بدأ الأشغال ، وحتى لا تبقى سلطة الإدارة مطلقة فقد حدد كناش الشروط الإدارية العامة [34] النسب التي يجب على الإدارة التقيد بها في التعديل ، وهذه النسب تحدد انطلاقا من الحجم الأولي للأشغال ، فطبقا للمادة 53 من دفتر التحملات الإدارية العامة ، يجب التمييز بين وضعيتين : 
· الوضعية الأولى : التقليص من حجم الأشغال بنسبة لا تتجاوز % 25 ، فالمتعاقد في مثل هذه الحالة عليه مواصلة الأشغال ، وطلباته الرامية إلى الحصول على تعويض تكون غير مسموعة . 
· الوضعية الثانية : عندما تفوق نسبة التقليص % 25 ، والمتعاقد في هذه الحالة له الحق في فسخ الصفقة ، إذا لم يتم بعد البدأ في الأشغال و إلا فيمكن للمتعاقد متى طلبت منه ذلك الإدارة إبرام ملحق الصفقة عن المبلغ الجديد للصفقة ، والإدارة ليس لها الحق في تحديد ثمن الأشغال الإضافية بإرادتها المنفردة ، بل لا بد من التشاور مع المتعاقد لإعداد الثمن الجديد ، وفي حالة عدم الاتفاق بين الطرفين فإن التعديل المقترح من طرف الإدارة يبقى ساري المفعول في حين يبقى من حق المتعاقد اللجوء إلى القضاء لفحص النزاع والتأكد من جدية التعديل المقترح ، وإعادة التوازن المالي للعقد لتعويض المتعاقد عن الأضرار التي تلحق بمركزه التعاقدي ، أو تلك التي تقلب الظروف المالية للعقد[35] . 
ومن المنازعات التي قد تنشأ كذلك نتيجة تصرفات الإدارة نجد إمكانية اتخاذها إجراءات من شأنها الإساءة إلى مركز المتعاقد معها ، وهو ما يسمى بنظرية فعل الأمير[36] وفي هذه الحالة فإن المقاول المتعاقد من حقه اللجوء إلى القضاء من أجل الحصول على تعويض يجبر الضرر اللاحق به نتيجة المساس بالتوازن المالي للعقد، وفي هذا الإطار اتجهت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء إلى أن : قيام السلطة المحلية بالزيادة في أسعار الرسوم والمكوس المفروضة على التجار و الحرفيين للدخول إلى السوق الأسبوعي خارج إطار العقد مع ما يترتب عن ذلك من مقاطعتهم للسوق وحصول أضرار للمكتري المتعاقد مع الإدارة يقتضي تعويضه تعويضا كاملا وفق نظرية الأمير [37] . 
من المنازعات التي قد تنشأ أيضا أثناء تنفيذ العقد نجد المنازعة المتعلقة بالاتفاق على إنجاز المقاول لأشغال إضافية لم يتم الاتفاق عليها في العقد الأصلي للصفقة ، إلا أنه وما دام هناك عرض خاص بالموضوع فسنكتفي بالنزاعات السالفة الذكر، خاصة أمام صعوبة الإحاطة بكافة صور المنازعات التي يمكن أن تعرض على القضاء . 

الفقرة الثانية : إخلال المتعاقد بالتزاماته 

بعد المصادقة على الصفقة من طرف الجهة المختصة ، فإن دور الإدارة لا ينتهي عند هذا الحد ، وإنما يبقى من حق الإدارة التوجيه والمراقبة ، هذه التي تنصب بالأساس على كيفية تنفيذ المقاول لالتزاماته سواء من حيث الكم أو الكيف أو الأجل ، وبالإضافة إلى هذا الحق ، فإن لها الصلاحية أيضا لتوقيع الجزاءات كلما لم يحترم المتعاقد تعهداته . 
فقد منح القانون للإدارة إمكانية اللجوء إلى فسخ الصفقة تلقائيا ، كلما تبث إخلال أو تماطل من جانب المتعاقد معها ، لكن وحتى يتم توقيع هذه الجزاءات لابد من سلوك إجراءات معينة. 
أولا : لابد للإدارة من إجراء معاينات للوقوف على الإخلالات المرتكبة من طرف المقاول ، وذلك بواسطة فنيين واختصاصيين في موضوع الصفقة ، وهو ما أكدته المحكمة الإدارية بالدار البيضاء حيث اعتبرت أن: اعتماد المدعى عليها على انتفاء محضر التسليم النهائي للأشغال قصد التملص من الأداء رغم وجود شهادة المهندس المنتدب من طرفها تفيد انتهاء الأشغال وفق المواصفات المعمول بها في ميدان المعمار يجعل الادعاء بعدم احترام التقنيات الواردة في سند الطلب غير صحيح [38]، وفي حكم آخر صادر عن نفس المحكمة ارتأت أنه: يتبين من وثائق الملف ان سير إنجاز الأشغال عرف تعثرا وإخلالات استلزمت إجراء معاينات من طرف الإدارة وتحرير محضر بخصوص كل الأطراف لرصد الإخلالات والمخالفات . 
وتعتبر من قبيل الإخلالات بالتنفيذ توقف المقاولة عن أداء الأشغال الملزمة بها ، ولو بسبب عدم أداء الإدارة لمقابل الأشغال المنجزة ، وفي هذا الصدد اعتبرت المحكمة الإدارية بمراكش في إحدى أحكامها : أن المتعاقد مع الإدارة لا يسوغ له أن يمتنع عن الوفاء بالتزاماته حيال المرفق العام بحجة أن تم إجراءات إدارية قد أدت إلى إخلال الإدارة بالوفاء بأحد التزاماتها قبله ، ويتعين عليه –المقاول- أن يستمر في التنفيذ ثم يطالب الإدارة بالتعويض إن كان لذلك مقتضى [39] . 
وقد يحدث في بعض الأحيان ألا يقوم المقاول بأداء التزاماته نتيجة لقوة قاهرة ،وفي هده الحالة يجب على المقاول الذي يتضرع بحالة القوة القاهرة أن يوجه بمجرد ظهور مثل هذه الحالة وخلال أجل أقصاه سبعة أيام إلى صاحب المشروع تبليغا بواسطة رسالة مضمونة مع الإشعار تتضمن وصف العناصر المكونة للقوة القاهرة ن ونتائجها المحتملة على المشروع ، على أنه إذا استمرت حالة القوة القاهرة لمدة ستين يوما على الأقل ، أمكن لصاحب المشروع تلقائيا أو بطلب من المقاول فسخ الصفقة ، على أنه للمحكمة سلطة تقديرية واسعة في تحديد حالة القوة القاهرة ، وفي هذا الصدد اتجهت المحكمة الإدارية بمراكش . 
إلا أن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى ألغت الحكم ونفت وجود القوة القاهرة معللة قرارها بما يلي : أن المقاول لم يتخذ التدابير اللازمة لضمان السلامة والنظافة الصحية خاصة ما يتعلق بتزويد الورش بفرق للتنظيف وصيانة شبكة المجاري. 
وفي نفس الاتجاه صارت المحكمة الإدارية بالرباط حيث اعتبرت : أنه لا يعد من قبيل القوة القاهرة دفع المقاول بتوقف القوة الكهربائية الضرورية بالمنطقة لإنجاز المشروع موضوع العقد لأن المتعاقد يجب عليه قبل الإقدام على التعاقد مع الإدارة ، واحتلال ملكها ، القيام بجميع الدراسات اللازمة والتأكد من إمكانية تجسيد مشروعها على الصعيد الميداني [40] . 
ثانيا: من الضمانات الأساسية التي منحها المشرع للمتعاقد 
* ضرورة توجيه إنذار إليه من قبل الإدارة صاحبة المشروع حتى بعد اكتشاف المخالفة ، وهو ما اعتبره القضاء الإداري إجراءا شكليا لا تعفى منه الإدارة إلا إذا وقع التنصيص على ذلك في عقد الصفقة ، إذ أن مهمة القاضي الإداري تتجلى بالأساس في مراقبة سلامة الإجراءات الشكلية ، وكذا الأسباب المعتمدة لاتخاذ الجزاءات ، وهو ما جسدته المحكمة الإدارية بوجدة في حكمها الآتي : .... وكلما قامت الإدارة صاحبة المشروع بسلوك هذه الإجراءات فإن لها الخيار إما القيام مباشرة بفسخ العقد ووضع حد للعلاقة ومصادرة الكفالة ، وهنا يبقى من حق المتعاقد اللجوء إلى القضاء الإداري لمراقبة سلامة الإجراءات المتخذة من طرف الإدارة و المطالبة بالتعويض [41]. 
* الإتبات :وبما أن المقاول لا يعتبر مخلا بالتزاماته إلا إذا تبت هذا الإخلال فقد ذهبت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى إلى : الاستناد إلى تقرير لجنة المراقبة الذي يعتبر من صنع الإدارة لا يشكل دليلا كافيا على إخلال المقاول بالتزاماته إزاء الإدارة [42]. وفي نفس الصدد ذهبت المحكمة الإدارية بالرباط إلى : أن الادعاء بكون الجهة المدعى عليها لم تنفذ التزاماتها التعاقدية ، وعدم إرفاق الطلب بأي إجراء لإثبات هذا الادعاء سستبعه رفض الطلب بسبب افتقاده لعنصر الإثبات [43]
كانت هذه بعض صور المنازعات التي يمكن أن تنشأ أثناء تنفيذ العقد ، والتي يكون المتسبب فيها إما الإدارة أو المقاول. 

خاتمة : 

مؤدى ما تقدم،فإن الصفقة العمومية تعتبر عقدا إداريا بقوة القانون، و يمكن القول بأن العقود الإدارية بتحديد القانون يمكن إجمالها في عقود التدبير المفوض و الصفقات العمومية، و في هذا التحديد يمكن استثناء عقد الإمتياز الذي يكتسي الصفة الإدارية عن طريق الإجتهاد القضائي، إلا انه بطبيعة الحال لا يمكن للقاضي أن يخرج عن إطار القانون. كما تجدر الإشارة إلى أن هذه العقود هي عقود إدارية بطبيعتها. 
كما تمت الإشارة أيضا إلى المنازعان و اختصاص المحاكم للنظر في هذه الأنواع من العقود الذي يختص به القضاء الإداري. 
بالرجوع إلى الاجتهاد القضائي المغربي نجد أن القضاء الإداري يذهب إلى أنه يمكن للمقاول متى بدأ في تنفيذ العقد وصرف مبالغ مالية أفقرت ذمته المالية ، تم امتنعت الإدارة من أداء المقابل النقدي للصفقة بحجة عدم المصادقة على الصفقة ، فإنه يمكن للمقاول في هذه الحالة اللجوء إلى القضاء من أجل مطالبة الإدارة المعنية بالتعويض على أساس نظرية الإثراء بلا سبب المعمول بها قانون الالتزامات والعقود ، إلا أنه بشرط حتى يستحق المقاول هذا التعويض أن تنتج عن الأشغال التي قام بها فائدة للإدارة. 
كما أن المقاول له الحق في حالة إنجازه لأشغال خارجة عن نطاق الصفقة الأصلية ، وهو ما يسمى بالأشغال الإضافية للصفقة ، فإن المقاول له الحق في التعويض على أساس نظرية الإثراء بلا سبب . 

____________________________________________

الهوامش:

[1] - BENABDELAH (M.A) : le contention contractuel. Ouvrage collectif indépendance national et système juridique au Maroc, Ed. la porte , Rabat 2000, p 189. voir aussi - BENABDELAH (M) : le contention contractuel en droit administratif marocain, REMALD, collection, MTU, n 87, 2010. 
[2]- د. محمد الأعرج، نظام العقود الإدارية و الصفقات العمومية "وفق قرارت و أحكام القضاء الإداري المغربي"، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، العدد 88 ، الطبعة الثالثة مزيدة و منقحة 2011 . 
[3]- د. مليكة الصروخ، القانون الإداري-دراسة مقارنة-،الطبعة الرابعة مع آخر المستجدات 1998 ، ص 411 . 
[4]-موسوعة القانون المغربي، المدونة الجديدة للصفقات العمومية مع النصوص التطبيقية، العدد1، ص 19. 
[5]- د. مليكة الصروخ، القانون الإداري-دراسة مقارنة-،الطبعة الرابعة مع آخر المستجدات 1998 ، ص 411 . 
[6]- د. مليكة الصروخ،، القانون الإداري-دراسة مقارنة-، مطبعة النجاح الجديدة ، 2010 ، ص 453 .
[7]- د. عبد القادر باينة ، الوسائل القانونية لنشاط الإدارة ، طبعة 2010 ، ص 110 . 
[8]- دة. ثورية العيوني ، القضاء الإداري و رقابته على أعمال الإدارة ، مطبعة النجاح الجديدة ، الطبعة الرابعة ، 1998 ، ص 421 422 . 
[9]- د. مليكة الصروخ ، القانون الإداري ، مرجع سايق ، ص 423 . 
[10]- دة. ثورية العيوني ، مرجع سايق ، ص 239 . 
[11]- نفس الرجع السابق. 
[12]- المادة 12 من قانون الصفقات العمومية ، مرسوم 5 فبراير 2007 . 
[13]- د. محمد الأعرج ، القانون الإداري المغربي ، المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية ، الجزء الأول ، طبعة 2009 ، عدد 61 ، ص 247 . 
[14]- قرار صادر بتاريخ 20 فبراير 1996 ، العون القضائي ضد فابيان ، غير منشور ، أورده الأستاذ عبد الله ركلة الوزاني، المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية ، عدد 41 ، ص 69 . 
[15]- مليكة الصروخ ، الصفقات العمومية في المغرب ( الأشغال - التوريدات - الخدمات ) ، ص 50- 49 . 
[16]- قرار عدد: 788 ب: 14 نوفمبر 1995، م.م.ق.م.أ.، منشورات المجلس الأعلى في ذكراه الأربعين 1997، ص:740.  
- http://www.attajdid.info/accueil.asp- [17] 
[18]- د. مليكة الصروخ ، القانون الإداري ، مرجع سابق. 
[19]- محمد الأعرج ، مرجع سابق ، ص 242 . 
[20]- دة.ثورية العيوني ، القضاء الإداري و رقابته على أعمال الإدارة ، مرجع سابق، ص 241.  
[21]- محمد الزياتي ، القضاء الإداري و الصفقات العمومية ، المجلة المغربية لللإدارة المحلية و التنمية ، طبعة 2008 ، عدد 79-78 . 
[22]- محمد الأعرج ، نظام العقود الإدارية و الصفقات العمومية "وفق قرارات و أحكام القضاء الإداري المغربي" ، المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية ، الطبعة الثاثة مزيدة و منقحة 2011 ، عدد 88 ، ص 122 . 
[23]- القرارات المنفصلة : هي القرارات التي تستهدف التمهيد لإبرام العقد أو السماح بإبرامه أو الحيلولة دون إبرامه ، كما أن القرارات الممهدة لعقد الصفقة تعتبر قرارات منفصلة عن العملية التعاقدية و قابلة للطعن عن طريق دعوى الإلغاء . 
انظر بشأن هذا التعريف حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء رقم 98 المؤرخ في 21/02/2001 ، منشور بمجلة المحاكم المغربية عدد 86 ، ص : 203 
[24]- تنص المادة 8 من القانون رقم 41-90 : على أنه تختص المحاكم الإدارية مع مراعات أحكام المادتين 9 و11 من هذا القانون بالبت ابتدائيا في: 
-............................................ 
- النزاعات المتعلقة بالعقود الإدارية 
[25]- محمد الأعرج : " الاختصاص النوعي للمحاكم الإدارية في منازعات العقود الإدارية " مقال منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، العدد 47 ، سنة 2004 ، ص : 77 
[26] - حكم المحكمة الإدارية بالرباط ، رقم 223 بتاريخ18/07/98، ملف رقم 231/95 غ حكم غير منشور . 
[27] - حكم رقم 250 مؤرخ في 02/03/98 ، ملف رقم 1170/97 غ غير منشور . 
حكم المحكمة الإدارية بالرباط رقم 258 ، مؤرخ في 05/03/98 ملف رقم 1264/97 غ غير منشور 
[28]- أمر استعجالي رقم 4 صادر عن المحكمة بمراكش ، منشور بمجلة المحامي ، العدد 25 
[29]- أمر استعجالي عدد 937 ، صادر عن المحكمة الإدارية بتاريخ 10/11/1999 ، قضية وزير التجهيز ضد شركة بالم دين ، منشور في : " الدليل العملي للاجتهاد القضائي في المادة الإدارية " منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية العدد 16 سنة 2004 الجزء الثاني ص : 365 
- انظر كذلك الأمر لاستعجالي عدد 44 ، مؤرخ في 13/02/2004 صادر عن المحكمة الإدارية بالرباط منشور بالمرجع السابق ، ص :375 
[30]- قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى عدد : 662 بتاريخ 18/06/1998 ، قضية زريكم ضد الجماعة المحلية للسعيدات ، قرار أورده محمد صقلي حسيني في مرافعته بعنوان المنازعات العقدية على ضوء الاجتهاد القضائي الإداري منشور في المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، العدد 43 سنة 2004،ص: 63 
[31][19]- - قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى عدد 707 بتاريخ 1998 /07/16 أشير له في مداخلة : محمد الصقلي الحسيني :المنازعات العقدية على ضوء الاجتهادي القضائي الإداري ، منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، مرجع سابق ،ص : 64 
[32]- فسلطة الإدارة في تعديل العقد مستمدة ليس من نصوص العقد وإنما من طبيعة المرفق ،واتصال العقد به ، وضرورة الحرص على تحقيق المصلحة العامة . 
[33] -حكم عدد 52-2000 صادر بتاريخ 17/02/2000 مقاولة البناء عتيق ابراهيم ضد الغرفة التجارة والصناعية لأكادير منشور بالدليل العملي للاجتهاد القضائي في المادة الإدارية ، الجزء الثاني ،م س ، هامش ،ص: 408 إلى 410 
[34]- المادة 52 من كناش التحملات الإدارية العامة . 
[35]محمد الأعرج : "الاختصاص النوعي للمحاكم الإدارية في منازعات العقود الإدارية " م س ، ص : 80 و 81 
[36]- عمل الأمير هو كل عمل يصدر من سلطة عامة دون خطأ من جانبها ينجم عنه الإساءة لمركز المتعاقد في عقد إداري ، ويؤدي إلى التزام جهة الإدارة بتعويض المتعاقد المضرور عن كافة الأضرار التي تلحقه من جراء ذلك مما يعيد التوازن المالي للعقد . 
[37]- حكم عدد 426 صادر بتاريخ 28/04/2003 منشور بالدليل العملي للاجتهاد القضائي ، العدد 16 الجزء الثاني ، م س ، ص: 442 
[38] - حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء عدد 109 بتاريخ 02/05/ ،2002 منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، عدد 89 ، ص : 204 . 
[39] - حكم المحكمة الإدارية بمراكش عدد 89 بتاريخ 16/04/2003 . 
[40]- حكم رقم 1014/96 بتاريخ 14-11-96 غير منشور . 
[41]- حكم صادر عن المحكمة الإدارية بوجدة في الملف عدد 37/98 مؤرخ في 02/12/98 . 
[42]- حكم عدد 834 مؤرخ في 20/06/2002 الوكيل القضائي للمملكة ضد شركة بالم دين منشور بالاجتهاد القضائي في المادة الإدارية ، م س ، ص : 400 . 
[43]- قرار عدد 7 مؤرخ في 04/01/2001 شركة s.o.s للتنظيف ضد المجموعة الحضرية بالدار البيضاء ، منشور بالمرجع السابق ، ص: 406 .


إرسال تعليق

0 تعليقات