القائمة الرئيسية

الصفحات

مقال بعنوان: الرقابة على المال العام

الرقابة على المال العام

مقدمة
قال الله تعالى: " ولا توتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما" انطلاقا من هذه الأية الكريمة يتبين مدى أهمية المال باعتباره قوام الحياة، وقد استخلف الله عز وجل بعض الأفراد على المال، ومن هنا نشأة الملكية الخاصة، كما استخلف الله عز وجل الناس جميعا على بعض المال فنشأة الملكية العامة أو الملك العام، وإن كان الفرد يبدل كل ما بوسعه للمحافظة على ماله الخاص، فإن الناس جميعا مكلفون بالمحافظة على المال العام، حيث نفعه يعود عليهم جميعا دون أن يستأثر به لنفسه.
ويعرف أنه كل ما له قيمة من نقود ومتاع وأرض وبناء وعقار وزرع وحيوان أو أي شيئ له ثمن قل أو كثر وأن المال العام الذي يتعين على الدولة حمايته لاعتباره مخصصا للمنافع العامة وكل ما أسندت ولايته للدولة شرعا أو قانونا وخصصت منافعه لصالح الأمة. وتحدث مصادر جبايته بنص شرعي أو قانوني.
ونظرا لأهمية الدور الذي تلعبه الأموال في تقديم الخدمات العامة، فإن الأمر يتطلب ضرورة إنجاز كافة الإجراءات القانونية التنظيمية التي تساعد على المحافظة على هذه الأموال، وكسبها بالطرق المشروعة، وإنفاقها وفقا للمصلحة العامة للمواطنين وما يعود عليهم بالنفع والرفاه العام.
وعليه أصبحت الرقابة المالية الفعالة والمتطورة ضرورة حتمية تدفع إلى مواكبة التطورات التنظيمية والتقنية، كما عبرت عن ذلك " الأنتوساي" و"الأرابوساي" وكما عزز هذا الإتجاه تجارب مجموعة الدول الأوربية من خلال اعتمادها المبادئ التوجيهية الأوربية المتعلقة بتطبيق معايير "الأنتوساي" مما يحفز ويثري التجربة المغربية في مجال الرقابة المالية هذه الرقابة المالية التي اختلفت تعريفات الباحثين لها وتباينت اتجاهاتهم بهذا الخصوص، فالرقابة لغة هي المحافظة والانتظار والحراسة، فالرقيب يعني المحافظ والمنتظر والحارس، أما الرقابة في الشرع فنجد أساسها في العديد من الآيات القرأنية الكريمة قال الله تعالى" وكان الله على كل شيئ رقيبا" وقال كذلك" إن الله كان عليكم رقيبا" ومن خلال الأيتين الكريمتين يتبين مدى التعدد في معنى الرقابة فهي تارة تعني الرعاية وتارة تعني الحفظ والإنتظار.
وقد تعددت واختلفت تعاريف الرقابة بشكل عام وللرقابة المالية على وجه الخصوص، ويرجع السبب في ذلك إلى الوظيفة التي ينظر إليها من خلالها والأهداف التي يجب تحقيقها والأجهزة التي تقوم بها، فالمؤتمر العربي الأول للرقابة المالية، عرف الرقابة بأنها: " منهج علمي شامل يتطلب التكامل والإندماج بين المفاهيم الاقتصادية والمحاسبية والادارية، تهدف إلى التأكد من المحافظة على الأموال العامة، ورفع كفاية استخدامها وتحقيق الفعالية في النتائج المحققة".
بينما يعرفها البعض بأنها مجموعة من الاجراءات والوسائل التي تتبع لمراجعة التصرفات المالية وتقييم أعمال الأجهزة الخاضعة للرقابة، وقياس مستوى كفاءتها وقدرتها على تحقيق الأهداف المرغوب فيها والتأكد من تطبيقات الاستراتيجيات المقررة في المدة المحددة لها. وفي المغرب فإن التطور الذي طرأ على السياسة المالية أعطى أهمية خاصة للبعد المتصل بالمراقبة سواء القبلية والموازية والبعدية أو مختلف أنواعها الإدارية والقضائية والسياسية.
إن دراسة هذا الموضوع تكتسي أهمية بالغة، بحيث ستمكننا من الاطلاع على صور الرقابة المالية وطرق اشتغالها وفعاليتها.
فإذن إلى أي حد تساهم هذه الرقابة في الحفاظ على المال العام ومدى استقلاليتها؟
للإجابة على هذه الإشكالية سنتولى دراسة هذا الموضوع وفق التصميم التالي:

المبحث الأول: الرقابة الداخلية على المالية العامةالمطلب الأول: المراقبة العامة للالتزام بالنفقاتالمطلب الثاني: الرقابة على العمليات المحاسبيةالمبحث الثاني: الرقابة الخارجية على المالية العامةالمطلب الأول: الرقابة السياسيةالمطلب الثاني: الرقابة القضائية

المبحث الأول : المراقبة الداخلية على المالية العامة

المطلب الأول : المراقبة العامة للالتزام بالنفقات

تم تأسيس هذا الجهاز بناء على مرسوم 30 دجنبر 1975 بشأن مراقبة الالتزام بنفقات الدولة والمعدل بمقتضى مرسوم 2678-01-2 الصادر في 31 دجنبر 2001 والذي دخل حيز التطبيق ابتداء من فاتح يوليوز 2002. وتخضع الالتزامات بنفقات الدولة إلى مراقبة يجريها المراقب العام للإلتزامات بالنفقات و المراقبون، وتهدف هذه المراقبة إلى التأكد من مشروعية إدراجها في الميزانية، ويقصد بالمراقب أو المراقبون حسب هذا المرسوم المراقبون المركزيون والمراقبون الجهويون والمراقبون للإلتزام بالنفقات بالعمالات والأقاليم. ويعين المراقب العام الذي هو في نفس الوقت الخازن العام للمملكة (-وهذا هو الجديد الذي جاء به مرسوم 52-06-2 حيث تم إسناد الاختصاصات الموكولة للمراقب العام للإلتزام بنفقات الدولة إلى الخان العام للمملكة وقد تم بمقتضى نفس المرسوم إلحاق أقسام ومصالح المراقبة العامة للإلتزام بالنفقات بالخزينة العامة للمملكة-) بظهير شريف باقتراح من الوزير المكلف بالمالية. ويعين المراقبون بموجب مرسوم باقتراح من الوزير المكلف بالمالية من بين الموظفين المنتمين للأطر المرتبة في سلم الأجور رقم 11 أو الأطر المعتبرة في حكمها، والمثبتين توفرهم على الأقل على الاجازة في الحقوق أو على شهادة يتأتى بها ولوج الأطر المرتبة في سلم الأجور رقم 10 أو الأطر المعتبرة في حكمها ، ويجب أن يكون الموظفون المذكورون قد زاولوا من قبل مهمة النيابة عن المراقبين أو تعويضهم طوال مدة سنتين على الأقل1.
وتجري هذه المراقبة قبل تنفيذ أي التزام، وتتم بوضع تأشيرة مصحوبة بملاحظات على مقترح الالتزام بالنفقات، وما يكون على الآمر بالصرف إلا أخذها بعين الاعتبار دون أن تكون هذه التأشيرة موقفة لأداء النفقة المعنية، ولا يمكن منح التأشيرة من طرف المراقب إلا إذا تم التأكد من أن:
  • مقترحات الالتزام بالنفقات قد تمت بناء على اعتماد متوفر.
  • مقترحات الالتزام بالنفقات مطابقة من حيث طبيعتها لباب الميزانية المقترح إدراجها فيه.
  • صحة العمليات الحسابية لمقترحات الالتزام بالنفقات .
  • مشروعية الالتزام بالنفقات بالنظر لأحكام النصوص التشريعية والتنظيمية ذات الطابع المالي.
  • الالتزام المقترح يتعلق بمجموع النفقة التي تلتزم الادارة بها طيلة السنة التي أدرجت خلالها.
  • دراسة الانعكاس المحتمل للإلتزام المقترح على استعمال مجموع اعتماد السنة الجارية والسنوات المقبلة. 
ويفرق المرسوم المشار إليه بين 3 حالات من المراقبة التي يقوم بها المراقبون وهي كالتالي:

الحالة الأولى : التأشيرة المصحوبة بملاحظات 

يتمثل هذا الاجراء في منح التأشيرة لمقترحات الالتزام مصحوبة بملاحظات موجهة للآمر بالصرف او الآمر المساعد بالصرف الذي يتعين عليه أخذها بعين الاعتبار دون أن تكون هذه التاشيرة المصحوبة بملاحظات موقفة لأداء النفقة المعنية. ويرمي هذا الاجراء إلى تفادي عوامل التاخير المبنية على ملاحظات لا تتعلق بمشروعية المقترح نفسه.

الحالة الثانية : إجراء التصديق

أشارت المادة الخامسة من المرسوم المشار إليه أن بعض مقترحات الالتزام بالنفقات لا تخضع لنظام التأشيرة ولكن لوضع ميزة التصديق من طرف المراقب على مقترح الالتزام وذلك بخصوص مقترحات الالتزام بالنفقات التي لا يتعدى مبلغها 2000 درهم بالنسبة للأجور والتعويضات الممنوحة للموظفين، وكذا المقترحات التي لا يتعدى مبلغها 5000 درهم بالنسية للأنواع الأخرى من النفقات، وفي كلتا الحالتين ينحصر تدخل المراقبة في التأكد من توفر الاعتمادات وصحة الانتساب المالي.
وتوضع ميزة التصديق على هاته المقترحات من طرف مصالح مراقبة الالتزام بنفقات الدولة خلال مدة لا تتجاوز يومين من أيام العمل.


الحالة الثالثة : التأشيرة على مجموع

يهم هذا الاجراء النفقات الدائمة ذات الطابع المتكرر والتي يجب الالتزام بها منذ بداية السنة المالية مثل عقود الكراء وعقود الاشتراك المختلفة. لذا يطلب من الآمرين بالصرف و الآمرين بالصرف المساعدين العمل على إدراج جميع القرارات والعقود الجارية الصلاحية في بيان إجمالي للإلتزام وذلك طبقا لمقتضيات الفصل 5 من المرسوم الذكور.
كما أن على المراقبين الادلاء بقرارهم في شأن هذه المقترحات المقدمة لهم من طرف الآمرين بالصرف في أوائل السنة المالية على شكل تأشيرة على مجموع النفقة. ويتوفر المراقب العام والمراقبون على أجل 5 أيام كاملة من أيام العمل تبتدئ من تاريخ إيداع مقترح الالتزام بوضع تأشيرتهم أو رفضها أو إبداء ملاحظاتهم.
غير أن مقترح الالتزام يعتبر مقبول فيما يخص صفقات الدولة التي لم تقدم ولم توجه بشأنها أية ملاحظة في أجل 15 يوما كاملة من أيام العمل تبتدئ من تاريخ إيداع الملفات من طرف الادارة.
والجدير بالذكر أنه في حالة رفض التأشير من طرف المراقب على مقترح الالتزام، عندما يتضح له أنه غير متطابق مع شروط المشروعية المالية السابقة الذكر يترتب على ذلك حالتين : 
إما أن الآمر بالصرف أو الآمر بالصرف المساعد يقر بصلاحية ملاحظات المراقب، ويسحب بالتالي مقترح الالتزام ويلغيه.
وإما أن الآمر بالصرف أو الآمر بالصرف المساعد يتمسك بمقترح الالتزام على الرغم من رفض التأشير عليه من طرف المراقب. في هذه الحالة يتم عرض الأمر من طرف الوزير المعني على أنظار المراقب العام للالتزام بنفقات الدولة لنفي أو تأكيد رفض التأشيرة. و إذا لم يشاطر المراقب العام رأي المراقب المعني أمره بالتأشير على مقترح موضوع الخلاف . لكن في الحالة التي يؤكد فيها المراقب العام رفض التأشيرة، جاز للوزير المعني أن يلتمس تدخل رئيس الحكومة بالاستناد إلى مقتضيات الفصل 14 من نفس المرسوم. وتطبق نفس المسطرة في حالة رفض المراقب العام التأشير على مقترحات الالتزام التي تدخل في نطاق اختصاصاته.
ويتمثل تدخل رئيس الحكومة في تأييد رأي المراقبين أو مخالفته، و يجوز له في هذه الحالة تجاوز رفض التأشيرة المذكورة بواسطة مقرر، ما عدا إذا كان رفض المراقبين للتأشيرة معللا بعدم توفر الاعتمادات أو بعدم وجود مناصب مالية أو بعد التقيد بنص تشريعي، غير أنه له أن يستشير مسبقا :
  •  لجنة الصفقات إذا كان مقترح الالتزام بالنفقات ناتجا عن صفقة أو اتفاقية أو عقد مبرم لحساب الدولة.
  •  لجنة يرأسها الأمين العام للحكومة أو الشخص يعينه رئيس الحكومة لهذا الغرض، وتتألف من ممثلي الوزير المعني بالأمر، الوزير المكلف بالوظيفة العمومية والمراقب العام للالتزام بالنفقات، إذا كان مقترح الالتزام ناتجا عن قرار يتعلق بموظفي وأعوان الدولة.

المطلب الثاني : المراقبة على العمليات المحاسبية

الفقرة الأولى : مراقبة المحاسب 

يجري المحاسب العمومي مراقبة على النفقات ومراقبة المداخيل. فيما يخص النفقات يجري المحاسب مراقبة على مستوى الالتزام بالنفقات ومراقبة على مستوى الأداء3 : 
على مستوى الالتزام بالنفقات : يقوم المحاسب العمومي بمراقبة المشروعية من خلال التأكد من أن مقترحات الالتزام بالنفقات مشروعة بالنظر للأحكام التشريعية والتنظيمية ذات الطابع المالي. ويصير مقترح الالتزام التزاما بعد تأشير المحاسب عليه. كما يقوم المحاسب بالمراقبة المالية للتأكد من :
  • توفر الاعتمادات والمناصب المالية.
  • الادراج المالي للنفقة يعني أن كل نفقة لها مكان خاص بها تدرج فيه في قانون مالية السنة.
  • صحة العمليات المالية لمبلغ الالتزام.
مجموع النفقة التي تلتزم الادارة لمعنية بها طيلة السنة التي أدرجت خلالها.
على أن الأجل المخول للمحاسب من أجل المراقبة هو 12 يوم بالنسبة لصفقات الدولة و 5 أيام للنفقات الأخرى. إلا ان هذه المراقبة تعرف عدة استثناءات منها :
  • النفقات المؤداة دون أمر سابق بالصرف.
  • نفقات المعدات والنفقات التي يقل مبلغها أو يوازي مبلغ 20 ألف درهم.
  • نفقات الموظفين والأعوان المرتبطة بالرواتب.
  • النفقات المؤداة في نظام الشساعة.
وينتج عن المراقبة وضع التأشير على مقترح الالتزام أو إيقاف التأشيرة، ورفض التأشيرة يجب أن يكون معللا ويمكن اللجوء إلى الخازن العام للبث في الرفض أو الوزير بعد ذلك بصفة نهائية بعد استشارة الجنة المعنية.
على مستوى الأداء : يجب على المحاسب العمومي قبل التأشير من أجل الأداء أن يقوم بمراقبة : 
  • صحة النفقة.
  • صحة حسابات التصفية.
  • وجود التأشيرة القبلية للإلتزام حينما تكون هذه التأشيرة مطلوبة.
  • الصفة الابرائية للتسديد.
  • التأكد من غمضاء الآمر بالصرف أو مفوضه.
  • توفر اعتمادات الأداءز
  • الادلاء بالوثائق والمستندات المثيتة للنفقة بما في ذلك التي تحمل الاشهاد بتنفيذ الخدمة.
على أن إجراء المراقبة ووضع التاشير يتم داخل أجل 5 ايام بالنسبة لنفقات الموظفين و 15 يوما بالنسبة لباقي النفقات.
وينتج عن المراقبة التأشير وتنفيذ أوامر الأداء أو انه يقوم بإيقاف التأشيرة في حالة وجود مخالفةن في هذه الحالة يمكن للآمر بالصرف ان يطلب كتابة وتحت مسؤوليته صرف النظر على ذلك، في هذه الحالة يباشر المحاسب التأشير من أجل الأداء وهذا ما يسمى بالأمر بالتسخير حيث أن مسؤولية الآمر بالصرف تحل محل مسؤولية المحاسب إلا أن هناك حالات لا يمكن للمحاسب أن يستجيب للأمر بالتسخير ل:
  • عدم وجود الاعتمادات أو توفرها أو كفايتها.
  • عدم توفر الصفة الابرائية للتسديد.
  • عدم وجود التأشيرة القبلية للإلتزام.
في هذه الحالة يخبر المحاسب وزير المالية فورا الذي يبث في الأمر غير أنه في حالة عمليات تقتضيها حاجيات الدفاع الوطني لا يمكن للمحاسب الاستناد على عدم توفر الاعتمادات لرفض أداء الأجور وغيرها من الرواتب للعسكريين غير الضباط وكذا التعويضات عن الأداء والاقامة والسفر الممنوحة لجميع المستخدمين العسكريين.
المراقبة على المداخيل 
يتحتم على المحاسب العمومي قبل أن يجري استخلاص المداخيل أن يقوم بمراقبة صحة الاستخلاص أي مدى مطابقة العمل للقوانين الجاري بها العمل في هذا الإطار فالمحاسب يقوم باستخلاص كل المداخيل الموكول له استخلاصها ولا يستخلص إلا ما هو منصوص عليه في القانون وإلا سيتابع من أجل جريمة الغدر.
بالاضافة إلى أشكال المراقبة السالفة الذكر خاصة منها المراقبة القبلية التي تجريها مراقبة الالتزام بالنفقات والمراقبة المواكبة التي يمارسها المحاسبون العموميون فإن التدبير المالي يخضع لعمليات تفتيش مواكبة أو بعدية تقوم بها المفتشية.

الفقرة الثانية : مراقبة المفتشية العامة للمالية 

تأسست المفتشية العامة للمالية بمقتضى ظهير صادر في 24 أبريل 1960 وهي تخضع مباشرة لوزير المالية وتتكون من مفتشين يعملون تحت سلطة مفتش عام للمالية يتبع مباشرة لوزير المالية. ويخضع مفتشي المالية لنظام أساسي خاص يحدده المرسوم رقم 2-93-807 الصادر في 16 يونيو 1994 والمغير والمتمم بالمرسوم رقم 1004-05-2 الصادر في 3 ماي 2006. وتتمتع المفتشية العامة للمالية باختصاصات واسعة تجاه الآمرين بالصرف والمحاسبين. فيما يخص المحاسبين يراقب مفتشو المالية حالة صناديق كل المحاسبين وصحة محاسباتهم أما فيما يخص الآمرين بالصرف فالمفتشون يراقبون كل العمليات المالية المدرجة في حسابات الآمرين بالصرف سواء تعلق الأمر بالنفقات أو المداخيل4.
وبالتالي يمكن القول أن المفتشية العامة للمالية تمارس اختصاصات لها طابع وقائي و رقابة زجرية، فالطابع الأول يستهدف تقنين أساليب وطرق التدبير من خلال التقارير المقدمة من قبل مفتش المالية والتي تتضمن الاقتراحات والملاحظات اللازمة بشأن الأخطاء المسجلة في التدبير المالي. أما الطابع الزجري لرقابة المفتشية فيتجلى في إعطاء نتائج ملموسة لعمليات التفتيش من خلال تحريك المتابعات تبعا للمخالفات الخطيرة المسجلة وذلك بإرسال التقارير المنجزة بشأن المخالفات المتعلقة بالميزانية والشؤون المالية إلى المجلس الأعلى للحسابات أو إلى القضاء عبر بوابة وزير العدل5.
أما فيما يخص مضمون هذه التقارير ومصيرها فقد فرض الفصل 6 من نفس الظهير على اتباع الاجراءات التالية 6:
  • يجب أن تتضمن هذه التقارير الاثباتات وملاحظات المفتشين القائمين بالتفتيش وأن توجه مباشرة أو عن طريق سلطات الوصاية إلى الموظفين الذين أجري عليهم التحقيق ويلزمون بالاجابة عنها كتابيا في أجل 15 يوم الموالية لتسلم التقرير.
  • ينبغي أن تكون الملاحظات والاثباتات صريحة ودقيقة ومختصرة ومدعمة ان اقتضى الحال بالمستندات المثبتة ويجب على مفتشي المالية دراسة هذه الأجوبة وإبداء ملاحظاتهم النهائية بشانها.
بعد ذلك تسلم مجموع المستندات إلى المفتش العام للمالية الذي يرفعها إلى وزير المالية وكذلك إلى الوزير التابعة إليه هذه المصالح المعنية بالتحقيق.
وتعمل المفتشية خلال السنة وفق برنامج يحدده وزير المالية باقتراح من المفتش العام وبالتالي فعمل المفتشية لا يمكن أن يكون إلا انتقائيا لكثرة عدد الأشخاص والأجهزة الخاضعة لرقابته سواء على المستوى الإداري أو الحسابي7.
كما أن عمل المفتشية العامة للمالية تتسم بالمفاجئة أي أنها تفاجئ الأشخاص الخاضعة لمراقبتها. إلا أنها بالمقابل تعاني من قلة الموارد البشرية ومركزتها الشيء الذي لا يمكنها من تغطية كافة التراب الوطني كما أن عمليات التفتيش الموكولة إليها لا تمتد إلى قطاعات أخرى كإدارة الدفاع الوطني وأموال الأوقاف8.
اما فيما يخص سلطة العقاب فالعقوبات تبقى ضعيفة جدا إضافة إلى سلطة غائبة فيما يخص الآمرين بالصرف ، حينما تعثر المفتشية العامة للمالية على مخالفة خطيرة للقانون يمكن أن تطلب من الجهة التي يخضع لها هذا المحاسب توقيف هذا الأخير لمدة لا تزيد عن شهر.
لكن قوة عمل المفتشية لا تقف عند هذا الحد بل إن ما قد يأتي من بعد المراقبة يمكن أن يصل إلى متابعات جنائية. وبالتالي نستخلص مما سبق أن مراقبة المفتشية العامة للمالية هي مراقبة مزامنة للتنفيد أي أنها تتم وقت تنفيذ العمليات المالية العمومية9.

المبحث الثاني: الرقابة الخارجية على المالية العامة

المطلب الأول: الرقابة السياسية

تكاد جميع الدول أن تجمع على مسألة احداث المراقبة السياسية على تنفيذ الميزانية، وتختلف درجة قوة هذه المراقبة من بلد لأخر وذلك حسب درجة التقدم الديمقراطي والفصل بين السلط، وتختص السلطة التشريعية بالقيام بهذه المراقبة على العمليات المالية العمومية، ويمكن تقسيم هذه المراقبة إلى مراقبة سابقة على تنفيذ الميزانية، ومراقبة مزامنة لذا التنفيذ، وأخرى لاحقة له، فالمراقبة السابقة هي تلك المراقبة التي يجريها البرلمان على النشاط المالي للحكوكة من خلال دراسته ومناقشته لمشروع قانون المالية والتصويت عليه، أما المراقبة المزامنة فتجري عن طريق الأسئلىة الكتابية والشفوية وعن طريق التصويت على القوانين المعدلة لقانون مالية السنة، وإحداث لجان التقصي، أما المراقبة اللاحقة فتجري عن طريق التصويت على مشروع قانون التصفية، وفي بعض الحالات إحدات لجان التقصي.

أولا: المراقبة السياسية السابقة على تنفيذ الميزانية:
تعتبر مسألة مناقشة والموافقة على مشروع القانون المالي بمثابة مراقبة سياسية سابقة على تنفيذ المال العام، وتعتبر هذه المسألة بمثابة فرصة سانحة لأعضاء البرلمان لمراقبة تنفيذ الميزانية أو المال العام قبل الشروع في تنفيذه من قبل السلطة التنفيذية، وهذا ما أكدت عيه المادتين 33 و 34 من القانون التنظيمي للمالية رقم 7-98.

ثانيا: المراقبة السياسية المزامنة على تنفيذ الميزانية
إن تنفيذ المال العمومي يخضع لمراقبة إدارية مزامنة، الهدف منها الحيلولة دون وقوع السلطات المكلفة بالتحصيل والانفاق في الخطأ أثناء التنفيذ، إلا أن هذه المراقبة تعد غير كافية لحماية المال العام من الضياع لأنها تجري داخل دواليب السلطة التنفيذية الأمر الذي يمكن معه اغفال والتغاضي عن الأخطاء والإختلاسات التي قد تشوب أموال الأمة، وهذا ما يبرر فرض المشرع لمراقبة سياسية مزامنة مستقلة عن السلطة التنفيذية، والتي تتمثل في الأسئلة الشفوية والكتابة لأعضاء البرلمان والاختصاصات الموكولة للجنة المالية بالبرلمان واحداث لجان تقصي الحقائق، والمصادقة على القوانين المعدلة لقانون مالية السنة.

1- الأسئلة الشفوية والكتابية:
تعتبر الأسئلة الشفوية والكتابية من الوسائل النهمة لمتابعة السياسة العامة للحكومة خصوصا في المجال المالي ذلك أن الفصل 100 من الدستور الجديد أشار إلى أنه تخصص بالأسبقية جلسة في كل أسبوع لأسئلة أعضاء مجلسي البرلمان وأجوبة الحكومة. ويجب أن تدلي الحكومة خلال العشرون يوما الموالية لإحالة السؤال إليها.

2- لجان المالية:
إذا كانت لجان المالية للبرلمان تختص بالنظر في مشاريع قوانين المالية وكل المسائل المتعلقة بالسياسة المالية والاقتصادية للدولة، فإنها تلعب دورا كبيرا في مراقبة المال العام، وذلك من خلال الوسائل والآليات التي تخوله لها النصوص التشريعية والتنظيمية ونورد على سبيل المثال مايلي:
- إمكانية عقد اجتماع اللجنة خارج الدورات البرلمانية 
- الحصول على معلومات حول الالتزامات بالانفاق ونقل الاعتمادات المتعلقة بتدبير المؤسسات العمومية وشبه العمومية والشركات ذات الاقتصاد المختلط.
- الإطلاع على الوثائق الادارية لجميع مرافق الدولة.


3- إحداث لجان تقصي الحقائق:
نص الفصل 67 من دستور سنة 2011 إلى أنه يجوز أن تشكل بمبادرة من الملك أو بطلب من ثلث أعضاء مجلس النواب أو ثلث أعضاء مجلس المستشارين، لجان مالية لتقصي الحقائق يناط بها جمع المعلومات المتعلقة بوقائع معينة وإطلاع المجلس الذي شكلها على النتائج التي تنتهي إليها أعمالها. ويمكن القول بأن هذه اللجان تلعب دورا كبيرا في تتبع السياسة المالية العامة للحكومة، حيث خول لها المشرع الإطلاع على جميع الوثائق والمستندات التي من شأنها تسهيل مهمتها، وقد لعبت دورا كبيرا في كشف أهم القضايا المالية التي عرفتها المملكة وندرج على الخصوص قضايا نهب وتحويل المال العام، إلا أن الملاحظ هو أن هناك العديد من العراقيل التي تحول دون قيام هذه اللجان بمهامها ومن أهمها تعقد مسطرة تنفيذ هذا الاختيار، والتي تستلزم التوافق الداخلي ذي الطابع السياسي المحض.

4- المصادقة على القوانين المعدلة لقانون مالية السنة:
لا يمكن للسلطة التنفيذية أن تعدل السياسة المالية التي صادق عليها البرلمان، إلا بموافقته، لذا فالمصادقة على مشروع القانون المعدل لقانون مالية السنة يعتبر من أهم وسائل المراقبة الموازية على تنفيذ الميزانية.

ثالثا: المراقبة السياسية اللاحقة على تنفيذ الميزانية:
لقد نصت المادة 47 من القانون التنظيمي للمالية رقم 7-98 على أنه يثبت في قانون يسمى"قانون التصفية" المبلغ النهائي للمداخيل المقبوضة والنفقات المأمور بصرفها والمتعلقة بنفس السنة المالية ويحصر فيها حساب نتيجة السنة، لقد نصت المادة 47 من القانون التنظيمي للمالية رقم 7-98 على أنه يثبت في قانون يسمى"قانون التصفية" المبلغ النهائي للمداخيل المقبوضة والنفقات المأمور بصرفها والمتعلقة بنفس السنة المالية ويحصر فيها حساب نتيجة السنة، لقد نصت المادة 47 من القانون التنظيمي للمالية رقم 7-98 على أنه يثبت في قانون يسمى"قانون التصفية" المبلغ النهائي للمداخيل المقبوضة والنفقات المأمور بصرفها والمتعلقة بنفس السنة المالية ويحصر فيها حساب نتيجة السنة، ويجب أن يودع بمجلس النواب في نهاية السنة الثانية الموالية لسنة تنفيذ قانون مالية السنة. ويظهر من خلال النص أن هذه المراقبة اللاحقة تتم عن طريق التصويت على مشروع قانون التصفية، لأن ذا القانون من شأنه أن يبين الفروق بين التوقعات والإنجازات المحصل عليها.
والعراقيل التي تعترض هذه الطريقة في مراقبة أعمال الحكومة هو أن جل القوانين التي عرفتها المملكة لم يتم التصويت عليها في الوقت المحدد قانونا، وهذا ما يفرغ هذه المراقبة من محتواها، ولم تصبح إلا إجراءات شكلية تقوم بها السلطة التشريعية بعد مرور خمس سنوات أو أكثر على نهاية السنة المالية المعنية، فقانون مالية سنة 1995 لم يصوت علية إلا في سنة 2003، لذلك يجب أن يعاد النظر في هذه المسألة لإجبار الحكومة على تقديم مشاريع قوانين التصفية في الموعد المحدد له حتى تتم معرفة الأخطاء المرتكبة وتتدعم قوة البرلمان في مراقبة أموال الشعب، والذي أنشئ من أجل مراقبة حسن تدبيرها وتوجيهها نحو الأهداف التي تم جبايتها من أجلها.
وكما ذكرنا سابقا فإن إحداث لجان التقصي يدخل في إطار المراقبة المزامنة، إلا أن هذا لا يمنع من أن تكون مسألة احداث لجان التقصي كشكل من أشكال المراقبة اللاحقة، لأنه قد تظهر بعض المستجدات أو المستندات لوقائع مالية سابقة تم تنفيذها لسنوات مضت، وهذا لا يمنع السلطة التشريعية من تبني هذه التقنية المتميزة في مراقبة اموال الامة، وهذا ما تم العمل به في قضية القرض العقاري والسياحي حيث أن المكلفين بلجنة التقصي، وجدوا أنفسهم يحققون في ملفات مالية مضت عليها أكثر من عشر سنوات. 

المطلب الثاني: المراقبة القضائية

هي المراقبة التي تجري بعد تنفيذ العمليات المالية العمومية من قبل المحاكم المالية أي المجلس الأعلى للحسابات و المجالس الجهوية للحسابات، هذه المحاكم تعتبر هيئات دستورية وهي منظمة بمقتضى قانون 13 يونيو 2002.

أ‌- المجلس الأعلى للحسابات
يتولى المجلس الأعلى للحسابات ممارسة الرقابة القضائية العليا على تنفيذ قوانين المالية ويتحقق من سلامة العمليات المتعلقة بمداخيل ونفقات الأجهزة الخاضعة لرقابته ويقيم كيفية قيامها في تدبير شؤونها ويبذل مساعدته للبرلمان والحكومة في الميادين التي تدخل في نطاق اختصاصاته ويرفع إلى الملك بيان عن جميع الأعمال التي يقوم بها هكذا فهو يبث في حدود اختصاصاته مع مراعاة اختصاصات المجالس الجهوية للحسابات ويمارس مهمة قضائية في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية . 
كما يتولى مراقبة تسيير الأجهزة الخاضعة لرقابته وهو يشكل هيئة استئناف بالنسبة للأحكام الصادرة عن المجالس الجهوية للحسابات كما يقوم بمهمة تنسيق وتفتيش إزاء المجالس الجهوية10.
+ تنظيم المجلس : يتألف المجلس من قضاة هم الرئيس الأول والوكيل العام للملك والمستشارون كما يتوفرون على كتابة عامة وكتابة ضبط. ويمكن للرئيس الأول أن يعين موظفين وأعوان ويمكن كذلك للمجلس أن يستعين بخبراء. ويضم المجلس المجلس مجموعة من الهيئات : 
  • الجلسة الرسمية : يعقد المجلس جلسات رسمية على الخصوص لتنصيب القضاة وتلقي أداء يمينهم. ويحضر هذه الجلسات الرئيس الأول والوكيل العام للملك وجميع القضاة. 
  • هيئة الغرف المجتمعة : تتكلف بما يخص الإجتهاد القضائي او المسطرة كما تتولى البث في القضايا المعروضة على المجلس.
  • هيئة الغرف المشتركة : تبث في طلبات الإستئناف المرفوعة ضد القرارات الصادرة ابتدائيا عن غرف المجلس.
  • غرفة المشورة : تصادق غرفة المشورة على التقرير السنوي للمجلس والتقرير المتعلق بتنفيذ قانون والتصريح العام بالمطابقة. ويجوز استشارتها من طرف الرئيس الأول في القضايا التي يرى رأيها فيها ضروريا، وتتألف هذه الهيئة من الرئيس الأول ورؤساء الغرف والكاتب العام للمجلس وأقدم مستشار في كل غرفة.
  •  لجنة البرامج والتقارير
+ اختصاصات المجلس 10: 
  • التدقيق والبث في الحسابات : يلزم المحاسبون العموميون لمرافق الدولة بتقديم حسابات هذه المصالح سنويا إلى المجلس وتتكون هذه الحسابات من وثائق عامة ومستندات مثبتة. فيما يخص المستندات يجب على المحاسب أن يوجهها كل 3 أشهر إلى المجلس، وإذا لم يقدم هذه الوثائق طلب منه المجلس ذلك وإذا لم يمتثل يجوز للرئيس الأول أن يفرض عليه غرامة أقصاها 1000 درهم مع غرامة تهديدية لا تتجاوز 500 درهم عن كل شهر. وبعد إجراء المراقبة تثبت القرارات النهائية للمجلس ما إذا كان المحاسب بريء الذمة أو في حسابه فائض أو في حسابه عجز.
  • التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية : يمارس المجلس الأعلى للحسابات مهمة قضائية في ميدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية بالنسبة لكل مسؤول أو موظف أو عون بأحد الأجهزة الخاضعة لرقابتهوالتي تتمثل في مرافق الدولة و المؤسسات العمومية والشركات أو المقاولات التي تملك فيها الدولة على انفراد أو بصفة مشتركة بشكل مباشر أو غير مباشر أغلبية الأسهم في الرأسمال أو سلطة مرجحة في اتخاذ القرار.
على أنه لا يخضع لسلطة المجلس على هذا المستوى أعضاء الحكومة، أعضاء مجلسي البرلمان عندما يمارسون مهامهم بهذه الصفة. 
والملاحظ أن مراقبة المجلس في مجال التأديب ليست بعامة و ليست بمنهجية. ليست بعامة لأن هناك اشخاص يتدخلون في التنفيذ الاداري للعمليات المالية العمومية ولا يخضعون لمراقبة المجلس. كذلك ليست بمنهجية لأن المجلس لا يتدخل على هذا المستوى إلا إذا عرضت عليه قضايا من قبل واحد من الأشخاص الذين خول لهم القانون ذلك وهم : رئيس الحكومة، رئيس مجلس النواب، رئيس مجلس المستشارين، الوزير المكلف بالمالية، الوكيل العام للملك بالمجلس من تلقاء نفسه أو بطلب من الرئيس الأول أو بطلب من إحدى هيئات المجلس، الوزراء فيما يخص الأفعال المنسوبة للموظفين والأعوان الذين يعملون تحت سلطتهم.
أما فيما يخص العقوبات فإن المجلس يحكم على مرتكبي المخالفات بغرامة يحدد مبلغها حسب خطورة وتكرار المخالفة على ألا يقل هذا المبلغ عن 1000 درهم عن كل مخالفة ومن غير تجاوز مجموع مبلغ الغرامة على كل مخالفة الأجرة السنوية الصافية التي كان يتقاضاها المعني بالأمر عند تاريخ ارتكاب المخالفة. غير أن مجموع مبالغ الغرامات لا يمكن أن يتعدى 4 مرات مبلغ الأجرة السنوية الصافية السالفة الذكر مع إمكانية الحكم على المعي بالأمر بإرجاع مبالغ الخسارة التي يكون قد تسبب فيها من رأسمال الفوائد.
على أن المتابعات أمام المجلس لا تحول دون ممارسة الدعوى الجنائية أو التاديبية ضد مرتكبي المخالفات.
مراقبة التسيير : يمارس المجلس اختصاصات غير قضائية تخص مجال مراقبة التسيير الإداري والمجلس لا يتخذ عند ممارسته لهذه الاختصاصات جزاءات جزرية بل يكتفي بالتوجيه وتقديم النصح للمنظمات والأجهزة العمومية الخاضعة لهذا النوع من المراقبة والكشف عن النقص الذي يعتري هذه الأجهزة في ميدان التسيير. والملاحظ أن مهمة الرقابة هنا لا تنحصر في التاكد من أن الأعمال تنفذ بل ينضاف غليها التاكد من أن التنفيذ يتم بأفضل الوسائل والطرق ويعطي النتائج المتوقعة في ظروف ممكنة، وبالتالي فمهمة المجلس هنا لا تقوم على الضبط والمنع والمسائلة وإنما تحديد أسباب الانحراف أو الخلل و العمل على التوجيه لعدم الوقوع فيها.
هكذا فمنذ إنشاء المجلس الأعلى للحسابات داب المشرع المالي على العمل بتوصيات المنظمة الدولية للرقابة المالية والمحاسبة " الأنتوساي " التي أوصت الهيئات العليا للرقابة المالية على ضرورة ممارسة رقابة التسيير والتركيز على الفعالية والكفاءة في الادارة العامة. لذلك جاءت مدونة المحاكم المالية لتمنح القضاة الماليين صلاحية القيام بهذا الاختصاص ذو الطابع الاداري إلى جانب الاختصاص القضائي.
  • مراقبة استخدام الأموال العمومية : يراقب المجلس استخدام الأموال العمومية التي تتلقاها المقاولات غير الأجهزة الخاضعة لرقابته، أو الجمعيات أو كل الأجهزة الكبرى التي تستفيد من مساهمة في الرأسمال أو من مساعدة كيفما كان من شأنها من طرف الدولة مثلا جمعية تحصل على دعم من جهاز عام فالمجلس من حقه أن يراقب استعمال هذه المساعدات.
  • مراقبة استخدام الأموال التي يتم جمعها عن طريق الالتماس العمومي : يمكن أيضا للمجلس، بناء على طلب الوزير الأول، مراقبة الحسابات المتعلقة باستخدام الموارد التي تم جمعها من طرف الجمعيات على سبيل الإحسان العمومي.
  • استئناف الأحكام الصادرة بصفة نهائية عن المجالس الجهوية للحسابات: في المجالات القضائية (البت في الحسابات والتأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية) ،يبت المجلس في طلبات استئناف الأحكام الصادرة بصفة نهائية عن المجالس الجهوية
  •  تقديم المساعدة : نص الفصل 148 من الدستور على أنه " يقدم المجلس الأعلى للحسابات مساعدته للبرلمان في المجالات المتعلقة بمراقبة المالية العامة، ويجيب عن الأسئلة والاستشارات المرتبطة بوظائف البرلمان في التشريع والمراقبة والتقييم المتعلقة بالمالية العامة.
يقدم المجلس الأعلى للحسابات مساعدته للهيئات القضائية .
يقدم المجلس الأعلى للحسابات مساعدته للحكومة في الميادين التي تدخل في نطاق اختصاصاته بمقتضى القانون."

ب‌- المجالس الجهوية للحسابات:
تمارس المجالس الجهوية للحسابات الاختصاصات التي يمارسها المجلس الأعلى للحسابات، على مستوى الجماعات الترابية ومجموعاتها والمؤسسات العمومية الخاضعة لهذه الجماعات كما تراقب تسييرها.

خاتمة
وأخيرا يمكن القول بأن المال العام بحاجة للحماية والرقابة لتجنب التبديد وسوء الاستعمال، لأن المحافظة على المال العام تعني التحقق من أن الانفاق قد تم وفقا لما هو مقرر له لأن الموارد العمومية قد حصلت واستخدمت أحسن استخدام، فالرقابة ليست هدفا في حد داتها لكنها تعتبر عنصرا ضروريا من أجل الكشف عن كل مخالفة للمعايير السليمة وعن كل مساس بمشروعية القانون المالي بهدف التصحيح والمحاسبة واتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع تكرارها.

تعليقات