التأديب في الهيئة العليا للإتصال السمعي البصري

مقال بعنوان: التأديب في الهيئات الإدارية المستقلة "الـهيئة العليا للإتصال السمعي البصري" نموذجا

الـهيئة العليا للإتصال السمعي-البصري

مقدمة:
لقد كان من نتائج تحرير المرفق العمومي، الذي انتهجته مختلف الدول الديمقراطية في بداية مطلع القرن العشرين بروز هيئات إدارية مستقلة، أو ما يصطلـح عليها بهيئـات النوظمة، كشكـل جديد من أشكـال الضبـط و التنظيم، خلقت هذه الهيئات كرد فعل على فشل البنيات الإدارية التقليدية وما كان يسودها من بيروقراطية و تركيز السلطة و انعدام الشفافية.
وقد عرف مجلس الدولة الفرنسي هذا النوع من الهيئات، بأنها هيئات إدارية مستقلة عن أجهزة الحكومة، تعمل أو تتصرف باسم الدولة و تتمتع بسلطات حقيقية دون خضوعها للسلطات الأخرى.[1]
تختص هذه الهيئات بتنظيم و ضبط مختلف القطاعات التي تسهر عليها، و التي تعتبر قطاعات إستراتيجية، كما تسعى للوساطة و التحكيم و الفصل بين المصالح المتنازعة و كذا وضع إطار قانوني و أخلاقي ملزم ومؤطر للعمل المهني، لكافة المتعهدين في القطاع.
وقد أصبح اللجوء الى هذا النوع من المرافق يفرض نفسه بقوة، و ذلك لأجل إزالة ومحو كل تعارض للمصالح بين الدولة كفاعل أساسي في بناء اقتصاد وطني تنافسي، و بين مختلف المتدخلين الذين يشتغلون في هذا الإطار، و بالتالي كان من الضروري وجود جهاز إداري مستقل تسعى الدولة من خلاله تحقيق هذا الغرض.
ويتوفر المغرب على مجموعة من الهيئات الإدارية المستقلة، و نخص بالذكر مجلس المنافسة، و مجلس القيم المنقولة، و الهيئة العليا للاتصال السمعي-البصري، يعكس هذا التنوع في مجال عمل هذه الهيئات، وجود نهضة حقوقية و تشريعية قوية ورائدة.
فالمغرب كباقي الدول تبنى نظم حديثة شبه قضائية كقضاء لتسوية بعض المنازعات، ويتعلق الأمر بهيئات إدارية تنتفي عنها الصبغة القضائية، ولكن تساهم في حماية الحقوق و صون الحريات، و السهر على مراقبة المؤسسات العامة والخاصة.
تتمتع هذه الهيئات بسلطات استشارية و تقريرية تملك بمقتضاها سلطة إصدار قرارات إدارية تنظيمية وفردية، تستطيع من خلالها توجيه و تنظيم القطاعات المشرفة عليها، في إطار ضبط وزجر كل المخالفين للقوانين الجاري بها العمل، و الأخلاق العامة.[2]
فالهيئات الإدارية المستقلة أنشأت بغرض ضبط و تنظيم مجموعة من القطاعات الاقتصادية والمالية الحساسة، للحيلولة دون تدخل الدولة بشكل مباشر، وغرضها في ذلك تحقيق المزيد من الشفافية و الفعالية، فهي لا تتوفر فقط على استقلال عضوي يتعلق بنظام التكوين، بل تتوفر كذلك على استقلال وظيفي بحيث لا تتلقى في إنجاز مهامها أية تعليمات أو أوامر من الحكومة أو البرلمان، غير أن أعمالها تبقى خاضعة للرقابة القضائية، و ترجع المبررات الفلسفية والقانونية لهذه الرقابة إلى كون القضاء يعد الضمانة الوحيدة لحماية الحقوق والحريات.
وتعتبر سلطة التأديب من السلطات المخولة للهيئات الإدارية المستقلة، تعمل من خلالها على ضبط و زجر كل المخالفات التي يرتكبها المتعهدين في القطاعات التي تشرف عليها هذه الهيئات.
وفي إطار الحديث عن دور هذه الهيئات في التأديب، فقد حصرنا موضوع هذا المقال في التأديب الذي تمارسه "الهيئة العليا للاتصال السمعي-البصري"، فهذه الأخيرة تعتبر مؤسسة إدارية مستقلة مكلفة بالسهر على حسن تطبيق القواعد المنظمة لقطاع الاتصال السمعي-البصري من قبل الشركات المستغلة للقنوات التلفزية أو المحطات الإذاعية.
تتكون هذه الهيئة من المجلس الأعلى للاتصال السمعي- البصري ويعتبر جهازا تقريرا، إضافة الى المديرية العامة للاتصال السمعي-البصري و تعتبر جهازا إداريا و تقنيا للهيئة.[3]
ومن المهام التي تقوم بها هذه الهيئة منح التراخيص والأذون لاستغلال الخدمات السمعية البصرية، وكذا تعيين الترددات الراديو كهربائية لمتعهدي الاتصال السمعي- البصري لتمكينهم من بث خدماتهم الإذاعية والتلفزية عبر الشبكة الهرتزية ،إضافة الى السهر على ضمان احترام، المتعهدين، للمقتضيات القانونية والتنظيمية المتعلقة بقطاع الاتصال السمعي البصري.[4]
إن معالجة موضوع التأديب في الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، يكتسي أهمية نظرية وعلمية، بحيث سنتعرف من خلاله على أنواع المخالفات المرتكبة في هذا القطاع، والعقوبات الموقعة بشأن هذه المخالفات، كما سيمكننا من الاطلاع على مسطرة التأديب داخل الهيئة، وبعض التطبيقات في هذا المجال.
وقبل الخوض في هذا الموضوع يتطلب الأمر طرح بعض التساؤلات و التي من خلالها سنحاول ملامسة الأجوبة في المحتوى.
فما هي أنواع هذه المخالفات؟ و هل حدد المشرع عقوبات في حالة ارتكابها؟ ومن هي الجهة المختصة في التأديب؟ وكيف تتخذ المسطرة التأديبية في مجال الاتصال السمعي البصري؟
كل هذه الأسئلة سنحاول الإجابة عنها من خلال اعتماد مبحثين أساسيين:

المبحث الأول: الإطار القانوني للتأديب في مجال الاتصال السمعي-البصري.
المبحث الثاني: مسطرة تحريك المتابعة التأديبية وتطبيقاتها.


المبحث الأول: الإطار القانوني للتأديب في مجال الاتصال السمعي-البصري.

تختص الهيئة المكلفة بالاتصال السمعي-البصري بتنظيم و ضبط مختلف القطاعات التي تسهر عليها، و التي تعتبر قطاعات إستراتيجية، كما تسعى للوساطة و التحكيم و الفصل بين المصالح المتنازعة و كذا وضع إطار قانوني و أخلاقي ملزم ومؤطر للعمل المهني، لكافة المتعهدين في القطاع.
في هذا المبحث سنتطرق إلى الإطار القانوني للتأديب في مجال الاتصال السمعي البصري، من خلال ذكر المخالفات التأديبية التي حددها المشرع في (المطلب الأول)، وأنواع العقوبات المتخذة بشأن هذه المخالفات في (المطلب الثاني).

المطلب الأول : أنواع المخالفات التأديبية في مجال الاتصال السمعي-البصري.

إذا كان قطاع الاتصال السمعي-البصري حر كما أقرت بذلك المادة 3 من قانون 03-77 والمتعلق بالاتصال السمعي-البصري، فإن هذه الحرية لا يمكن ممارستها إلا في احترام تام لكرامة الإنسان وحرية الغير وملكيته، وفي إطار التنوع والطابع التعددي للتعبير في جميع أشكاله، من تيارات الفكر والرأي، وكذا احترام القيم الدينية والحفاظ على النظام العام، والأخلاق الحميدة، ومتطلبات الدفاع الوطني.[5]
هذا وقد حدد المادة 9 من القانون رقم 03-77 المتعلق بالاتصال السمعي البصري أنواع هذه المخالفات، حيث نصت على أنه: "يجب ألا يكون من شأن البرامج وإعادة بث البرامج أو أجزاء من البرامج:
- الإخلال بثوابت المملكة المغربية كما هي محددة في الدستور، ومنها بالخصوص تلك المتعلقة بالإسلام وبالوحدة الترابية للملكة وبالنظام الملكي.
- المس بالأخلاق العامة.
- تمجيد مجموعات ذات مصالح سياسية أو عرقية أو اقتصادية أو مالية أو إيديولوجية أو خدمة مصالحها وقضاياها الخاصة فقط.
- الحث على العنف أو التمييز العنصري أو على الإرهاب أو العنف ضد شخص أو مجموعة من الأشخاص بسبب أصلهم أو انتمائهم أو عدم انتمائهم إلى سلالة أو أمة أو عرق أو ديانة معينة.
- التحريض على نهج سلوك يضر بالصحة أو سلامة الأشخاص، والممتلكات أو حماية البيئة.
- الاحتواء بأي شكل من الأشكال على إدعاءات وبيانات أو تقديمات خاطئة أو من شأنها أن توقع المستهلكين في الخطأ.
- إلحاق الضرر بحقوق الطفل كما هي متعارف عليها دوليا."[6]
كذلك يعتبر مخالفة كل بث لإشهار غير معلن عنه، أو إشهار يحتوي على عناصر للتمييز بسبب العرق أو الجنس أو الجنسية أو الديانة أو على مشاهد تحط من كرامة الإنسان وتمس بحقوقه أو يتضمن أي إشارة إلى علامة منتوج أو خدمات أو أي تلميح إلى تلك العلامة سواء من خلال شكل الخطاب أو مطابقته مع خطاب مماثل ولكن يتضمن ذلك التلميح.[7]
وتعد كذلك مخالفة للمقتضيات القانونية، كل استعمال لترددات راديو كهربائية سمعية-بصرية بدون ترخيص أو إذن مسلم من طرف الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري لهذا الغرض.[8]
هذه إذا هي أغلب المخالفات التي يمكن أن ترتكب في قطاع الاتصال السمعي البصري، والتي ينتج عنها في حالة ثبوتها توقيع جزاءات كما هو منصوص على ذلك في القوانين المنظمة لهذا القطاع أو في دفتر تحملات الملزم.

المطلب الثاني: أشكال العقوبات التأديبية.

كما سبقت الإشارة فإن كل إخلال من طرف شركات الاتصال السمعي البصري بالمقتضيات القانونية المنظمة للقطاع لاسيما دفتر التحملات، يعرض هذه الأخيرة إلى عقوبات من طرف الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري.
بحيث نصت المادة 17 من الظهير المحدث للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري على أنه: "إذا لم يتقيد حامل الرخصة بتأسيس واستغلال وسائل الاتصال السمعي البصري، بالشروط المفروضة عليه، وفقا للنصوص التشريعية والتنظيمية أو لمضمون رخصته، فإن المدير العام للإتصال السمعي-البصري يوجه إليه إعذار لوقف المخالفة المثبتة، داخل أجل لا يزيد على ثلاثين يوما.
وفي حالة عدم امتثال المرخص له للإعذار الموجه إليه من قبل المدير العام، واستمرت بذلك المخالفة، فإن هذا الأخير يرفع بيانا بشأنها إلى المجلس الأعلى للإتصال السمعي البصري والذي يجوز له بعد المداولة أن يقرر ما يلي :[9]
- توجيه إنذار إلى المنشأة المعنية، كما يجوز له أن يقرر نشر هذا الإنذار في الجريدة الرسمية أو بثه وجوبا على قنوات المنشأة أو هما مع.
- إيقاع العقوبات المالية المنصوص عليها في دفتر التحملات.
- توجيه ملف المخالفة إلى السلطة المختصة، من أجل الإيقاف المؤقت أو النهائي للرخصة المسلمة.
- إحالة الأمر إلى السلطة القضائية أو المهنية المختصة للمعاقبة على المخالفة المثبتة.
وفي حالة الإخلال بالشروط التي يفرضها الدفع الوطني والأمن العام، وتم إثبات المخالفة من لدن المراقبين التابعين للهيئة العليا، فإن رئيس المجلس الأعلى للإتصال السمعي البصري يؤهل ليوقف على الفورـ رخصة الاستغلال الممنوح للمنشأة التي تقدم الخدمات الإذاعية، ويتم ذلك بقرار معلل يتخذه بعد أن يخبر بذلك مدير الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، والسلطة الحكومية المختصة.
كما أنه في حالة إذا لم يتقيد حامل رخصة استعمال موجات الراديو كهربائية بالشروط المحددة لهذا الغرض، فإن مدير الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات يوجه إليه إعذارا للتقيد بها داخل أجل 30 يوما، ويخبر بذلك على الفور المدير العام للإتصال السمعي البصري.
وإذا لم يمتثل المرخص له للإعذار الموجه إليه، يحيل مدير الوكالة الأمر في الحال إلى المدير العام للإتصال السمعي البصري، قصد اتخاذ في حقه إحدى العقوبات المشار إليها سابقا، وفي حالة الاستعجال يؤهل مدير الوكالة على إيقاف رخصة استعمال الموجات الراديو كهربائية.
ويمكن للمجلس الأعلى للإتصال السمعي البصري كذلك إلزام منشآت الاتصال السمعي البصري بنشر بيان حقيقة أو جواب، بناء على طلب من كل شخص لحق به ضرر من جراء بث معلومة تمس بشرفه أو يبدو أنها تخالف الحقيقة، ويحدد المجلس بشأن ذلك مضمون وكيفية النشر المذكور، وفي حالة عدم التقيد به فإن المعني بالأمر يعرض إلى عقوبة مالية يتولى المجلس بنفسه تحديدها، ويعمل المدير العام للإتصال السمعي البصري على تحصيلها كما هو الشأن فيما يتعلق بتحصيل الديون العامة للدولة.[10]

المبحث الثاني: مسطرة تحريك المتابعة التأديبية وتطبيقاتها.

سنتناول في هذا المبحث المسطرة التأديبية في مجال الاتصال السمعي البصري، والجهات المختصة بذلك في(المطلب الأول)، هذا وسنتطرق إلى بعض تطبيقات المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري في مجال التأديب في(المطلب الثاني).

المطلب الأول: مسطرة التأديب والجهة المختصة.

لقد أجاز المشرع للهيئة العليا أن تنظر من تلقاء ذاتها في كل حالة من حالات خرق أو عدم مراعاة المقتضيات القانونية والتنظيمية من طرف قناة تلفزية أو محطة إذاعية، كما يمكنها فتح تحقيق في حالة تلقيها إشعار من طرف ثالث، وعلى الخصوص إثر تقديم شكاية، ولهذا الغرض تتوفر الهيئة على مجموعة من المراقبين يوضعون تحت سلطة المديرية العامة للاتصال السمعي البصري، يكلفون عند الحاجة بمراقبة الوثائق في عين المكان قصد إثبات المخالفات التي خرقت مقتضيات دفاتر التحملات والقوانين أو الأنظمة الجاري بها العمل.[11]
ويمكن للمجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري أن يتلقى من المنظمات السياسية أو النقابية أو الجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة، شكايات متعلقة بخرق أجهزة الاتصال السمعي-البصري للقوانين والأنظمة المطبقة على القطاع، كما يمكن للسلطة القضائية أن تحيل إلى المجلس لأجل إبداء الرأي في الشكايات المستندة إلى خرق أحكام النصوص التشريعية أو التنظيمية المتعلقة بقطاع الاتصال السمعي البصري، ويعمل المجلس على بحث هذه الشكايات ويتخذ في شأنها الإجراء المنصوص عليه في القوانين والأنظمة المطبقة على المخالفة.[12]
كما أنه عندما تبلغ إلى علم المدير العام للاتصال السمعي البصري، بمناسبة مزاولة مهامه أو بعد إجراء مراقبة بطلب من رئيس المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري، الوقائع المنشئة والمتعلقة بمخالفة القوانين و الأنظمة الجاري بها العمل، لاسيما تلك الممارسات المنافية للقانون والأخلاق العامة، والاحترام الواجب لشخص الإنسان وكرامته وحماية الأطفال والمراهقين ولمدونات الأدب المهنية وأخلاقيات المهنة، فإن المدير العام يخبر بذلك على الفور رئيس المجلس الأعلى للاتصال السمعي-البصري، والذي يقرر بعد تداول المجلس التدابير الواجب اتخاذها، وفي هذا الإطار يمكن له أن يؤذن وبوجه خاص للمدير العام التقاضي باسم الهيئة العليا، ويرفع الأمر إلى السلطات الإدارية والقضائية والمهنية المختصة.[13]
ويعتبر المجلس الأعلى للاتصال السمعي-البصري الجهاز المقرر في الهيئة العليا، و من تم فهو المختص بإصدار القرارات التأديبية في حق وسائل الاتصال السمعي-البصري، و يتخذ هذه القرارات بأغلبية الأعضاء الحاضرين في جلسة التداول. و في حالة تعادل الأصوات يرجع الجانب الذي يكون فيه الرئيس، ويشترط لصحة هذه المداولات حضور الرئيس و أربعة أعضاء على الأقل، وتكون مداولات المجلس سرية.[14]
تجدر الإشارة في هذا الإطار أن المجلس الأعلى للإتصال السمعي البصري يضم تسعة أعضاء، يتولى الملك تعيين الرئيس وأربعة أعضاء منهم، فيما يعين الوزير الأول (رئيس الحكومة حاليا) عضوين منهم لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، كما يعين كل من رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين عضوا لنفس المدة ووفق شروط تجديد الانتداب المنصوص عليها فيما يخص الأعضاء الذين يعينهم رئيس الحكومة.[15]
يتعين على هؤلاء الأعضاء طيلة مدة عضويتهم وخلال سنتين انطلاقا من تاريخ انتهاء مهامهم، الإمتناع من اتخاذ أي موقف علني بخصوص القضايا التي يبث فيها المجلس أو التي سبق له البث فيها، أو التي يمكن أن تحال إليه في إطار ممارسة مهمته.[16]
وإذا كان المجلس هو من يختص في إصدار قرارات تأديبية في مجال الاتصال السمعي-البصري فإن قراراته هذه تعتبر قرارات إدارية يمكن الطعن فيها أمام المحكمة الإدارية بالرباط، حيث نصت المادة 70 من القانون رقم 03-77 على أنه:" تختص المحكمة الإدارية بالرباط وحدها بالنظر ابتدائيا في الدعاوى المتعلقة بالنزاعات التي تدخل ضمن اختصاص المحاكم الإدارية والناشئة عن تطبيق هذا القانون والنصوص المتخذة لتطبيقه."[17]
وإذا كانت المحكمة الإدارية تنظر ابتدائيا في قرارات المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري بسبب تجاوز السلطة، فإنه يمكن استئناف أحكام هذه المحكمة أمام محكمة الاستئناف بالرباط في نفس أجل الاستئناف المنصوص علية في القانون رقم 83.03 المحدث بموجبه لمحاكم الاستئناف الإدارية، كما يمكن الطعن فيها بالنقض أمام الغرفة الإدارية بمحكمة النقض.
هذا وتجدر الإشارة إلى أنه لا يمكن للمجلس الأعلى للاتصال السمعي-البصري اتخاذ عقوبات بشأن المخالفات المرتكبة في قطاع الاتصال السمعي-البصري، إلا بعد أن تكون هذه المخالفات ثابتة على المعني بالأمر وتم تبليغه بذلك، وكان باستطاعته الاطلاع على الملف لتقديم إثباتاته و تبريراته الكتابية والشفوية، ماعدا إذا لم يمتثل المرخص له للإعذار الموجه له من طرف مدير الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات بشأن عدم التقيد بالشروط اللازمة لاستعمال موجات الراديو كهربائية.[18]

المطلب الثاني: تطبيقات المجلس الأعلى للاتصال السمعي-البصري في مجال التأديب.

لقد عمل المجلس الأعلى للإتصال السمعي البصري باعتباره جهازا تقريريا، منذ إحداث الهيئة العليا، على اتخاذ مجموعة من القرارات في مجال التأديب على الشركات التي تقدم الخدمات الإذاعية و التلفزية، بحيث أقر بوجود مجموعة من المخالفات، أصدر بشأنها أشكال مختلفة من العقوبات، ونظرا لأهمية هذه القرارات عملنا على إدراجها في الموضوع.
حيث أنه فيما يخص مخالفات الإخلال بثوابت المملكة المغربية، عرضت على المجلس قضية تتعلق بحلقة برنامج "ما 5 ماس" و الذي بثته الخدمة الإذاعية "راديو مارس". ففي إطار المراقبة الاعتيادية التي تقوم بها أجهزة الهيئة، صرح المجلس الأعلى للإتصال السمعي البصري في قرار رقم 10-35 الصادر بتاريخ فاتح يونيو 2010 بأن: "شركة راديو 20"، التي تقدم الخدمة الإذاعية "راديو مارس" قد أخلت بثوابت المملكة المغربية، كما هي محددة في الدستور، ومنها تلك المتعلقة بالخصوص بالنظام الملكي، وعلى إثر ذلك أمر المجلس بوقف أداء الخدمة الإذاعية "راديو مارس" كليا لمدة 48 ساعة ابتداءا من الساعة الثانية عشرة من اليوم الموالي لتاريخ تبليغ هذا القرار لشركة راديو 20، كما أمر بفرض عقوبة مالية على هذه الشركة قدرها 57.000 درهم، مع وجوب قيام الإذاعة ببث بلاغ المجلس على أمواجها مباشرة قبل وقف بث الخدمة.[19]
وفيما يتعلق بمخافة المس بالأخلاق العامة، اعتبر المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري في قراره رقم 10-38 الصادر في 9 يوليوز 2010 و المتعلق ببرنامج«le morning de momo» والذي تبثه الخدمة الإذاعية "هيت راديو" بأن "ورود لفظ نابي مخل بالحياء و صادم لشعور المستمعين، وفيه عدم احترام واضح للأخلاق الحميدة ببرنامج إذاعي يشكل مسا بالأخلاق العامة".[20]
وفي قضية أخرى تتعلق ببرنامج "سمع سمع" الذي تبثه الخدمة الإذاعية "شدى إف. إم" صرح المجلس الأعلى للإتصال السمعي البصري، أنه بعد الإستماع للحلقة يوم 10 يوليوز 2008، إتضح أن محتوى هذه الحلقة يشكل مسا صريحا بالفصل 9 الفقرة 3 من قانون 03-77 و الذي ينص على أنه: "لا يجب أن يكون من شأن بث البرامج أو إعادة البث تمجيد مجموعات ذات مصالح سياسية أو عرقية أو اقتصادية أو مالية، أو إيديولوجية، أو خدمة مصالحها أو قضاياها الخاصة فقط"، كما اعتبر مضمون الحلقة يعد شكلا من أشكال الدعاية التجارية الغير المعلنة لصالح منعش عقاري ومشاريعه وعروضه السكنية، مما تشكل معه مخالفة ثابتة لمقتضيات القوانين المنظمة للإتصال السمعي البصري، لكل ذلك أمر المجلس باتخاذ عقوبة مالية في حق شركة "شدى راديو" وقدرها 35.000 درهم، مع وقف خدماتها الإذاعية "شدى إف إم" من الساعة الثانية عشرة إلى الساعة الواحدة بعد الزوال لمدة سبعة أيام دون انقطاع، ابتداءا من اليوم الموالي لتاريخ تبليغ هذا القرار لشركة "شدى راديو".[21]
و فيما يتعلق بالمخالفات المرتبطة بتقديم خدمة الأخبار، اعتبر المجلس في قرار رقم 6 الصادر في 13 أبريل 2005 بشأن شكاية تقدمت بها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ضد الإذاعة والتلفزة المغربية وشركة صورياد – القناة الثانية، بأن "عدم قيام الشركات الوطنية للإتصال السمعي البصري بتغطية وقائع جلسات الإستماع لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان المنظمة من طرف جمعية حقوقية بخلاف نقل وقائع جلسات الإستماع المنظمة من طرف هيئة الإنصاف والمصالحة لا يشكل تمييزا أو خرقا لمبدئ المساواة، نظرا لإختلاف الأهداف والطبيعة القانونية بين المؤسستين.
غير أن المجلس أقر بحق المستمعين و المشاهدين في الإعلام، وواجب متعهدي الإتصال السمعي البصري في تقديم الأحداث بحياد و موضوعية، و هذين المبدئين يفرضان على الشركة الوطنية للإتصال السمعي البصري الإخبار بكل حدث إعلامي هام، مع الحرص على صيانة حرمة الأشخاص و كرامتهم." [22]
وفي نفس الإطار اعتبر المجلس في قرار رقم 08-34 الصادر في 12 نونبر 2008 بشأن حق الرد المقدم من طرف شركة "المساء ميديا" ضد شركة " صورياد- القناة الثانية" أن إقحام إسم جريدة لا علاقة لها بها بدون مبرر لا يمكن اعتباره عنصرا من عناصر الخبر، و إنما عنصرا خارجيا من شأنه التشهير بالجريدة ورسم صورة سلبية عن مؤسسيها، و بالتالي التأثير على المشاهد في تحليله للخبر والتعامل معه، الشئ الذي يخل بموضوعية الخبر، كما أن أخذ الخبر من قصاصة الوكالة المغرب العربي للأنباء بصفتها من بين المصادر الإعلامية الرسمية، ومزودا رئيسيا لمختلف مؤسسات الصحافة الوطنية، لا يعفي المتعهد من المسؤولية في تعامله مع الخبر ونقله إلى المشاهد، وبذلك أمر المجلس شركة (سورياد- القناة الثانية) بأن تبث على "القناة الثانية" في بداية نشرتيها الإخباريتين المسائيتين باللغتين العربية والفرنسية لليوم الموالي لتاريخ تبليغ هذا القرار حق الرد المقدم من طرف شركة " المساء ميديا".[23]
وفي قرار آخر للمجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري رقم 08-45 صادر في 12 نونبر 2008، أكد فيه أنه:" لا يمكن للنشرات الإخبارية الإذاعية والتلفزية أو للبرامج أو المجلات الإخبارية أو لبرامج أخرى تتعلق بممارسة الحقوق السياسية أن تحتوي على إشهار أو تكون موضوع رعاية، ويجب أن تكون كذلك خالية من الاستطلاعات الإشهارية.
وتتلخص وقائع هذه القضية في أن "إذاعة أطلنتيك" قدمت في إطار بثها لنشرة إخبارية يوم 13 أكتوبر 2008 على الساعة الثامنة صباحا والتي تناولت موضوع الوقاية من حوادث السير والمقارنة بين أسطول السيارات بالمغرب وفرنسا، تصريح لمدير التسويق بشركة "وفا التأمين" تحدث فيه هذا الأخير عن عروض التي تقدمها الشركة، ومن بينها العرض الخاص بالسائق المثالي وما له من خاصية في مجال الوقاية من حوادث السير.
إستنتج المجلس من خلال تصريحات مدير تسويق الخدمات بشركة "وفا التأمين" أن الهدف الرئيسي من نقلها هو الترويج لخدمات الشركة، عوض المساهمة في العمل التوعوي للوقاية من حوادث السير موضوع الخبر، و اعتبر أن المتعهد "راديو أطلنتيك" قدم للمتدخل فرصة للترويج بشكل صريح لبعض خدمات الشركة خلال نشرة الأخبار.
وبعد أن سبق للمجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري أن أقام بإثارة انتباه إذاعة أطلنتيك برسالة بتاريخ 15 أكتوبر 2007، وبتوجيه إنذار إليها بتاريخ 28 فبراير2008 بخصوص أفعال من نفس القبيل، صرح المجلس بشأن هذه المخالفة بفرض عقوبة مالية على شركة " إيكوميديا " قدرها عشرون ألف درهم مع نشر القرار في الجريدة الرسمية".[24]
وعلاقة بمخالفات الإشهار صرح المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري في قرار رقم 7 صادر في 29 أبريل 2005 على أنه: " تعتبر مخالفة لمبادئ المنافسة الشريفة، الوصلات الإشهارية التي من شأنها إيقاع المستهلكين في الخطأ بالاعتقاد بأن خدمات مؤسسة معينة لا مثيل لها عند أية مؤسسة أخرى منافسة، خاصة في حالة إمكانية التعرف بسهولة على الطرف المنافس".[25]
وأخيرا وبخصوص تقيد وسائل الاتصال السمعي البصري بتعددية التعبير، صرح المجلس في قرار رقم 4 صادر في 1 فبراير 2005 والمتعلق بالشكاية التي تقدم بها حزب العدالة و التنمية في شخص أمينه العام عبد الإله بن كيران ضد شركة " سورياد-القناة الثانية" بأنه: " يتعين على المسؤولين عن مرفق الاتصال السمعي البصري عند تناولهم للمواضيع التي من شأنها إثارة المنازعات داخل المجتمع، خاصة في البرامج التي تعطى فيها الكلمة لبعض الضيوف أو النظارة، الحرص على تناولها بما يلزم من الاتزان و الرزانة و الصرامة، مع السهر على التقيد بتعددية التعبير عن مختلف تيارات الفكر و الرأي و احترام الجمهور و ذكائه و قدرته على أن يكون لنفسه بنفسه رأيا خاصا به".[26]

خاتمة:
لكل ما سبق يمكن القول بأن المجلس الأعلى للاتصال السمعي-البصري، ومن خلاله الهيئة العليا للاتصال السمعي-البصري، يقوم بدور مهم في تخليق المشهد السمعي-البصري، فهو وبذلك يتوفر على آليات قانونية مهمة تمنح لم كل الإمكانيات لتحقيق هذا الغرض.
وتعد سلطة المجلس في تأديب وسائل الاتصال السمعي البصري من بين أهم هذه الآليات، يتدخل من خلالها المجلس إذا اقتضى الأمر ذلك لزجر كل المخالفات المنافية للأخلاق المهنية، والأنظمة القانونية الجاري بها العمل.
غير أنه إذا كان المجلس يتمتع بهذه السلطة بشكل قانوني، فإن الأمر قد لا يخلو من تعسف أو شطط في بعض استعمالاتها، الشيء الذي كان لزاما وجود جهاز قضائي مستقل يعمل على مراقبة هذه القرارات، وهذا ما تم تقريره بنص تشريعي الذي منح الاختصاص في ذلك إلى المحكمة الإدارية بالرباط، ويعد ذلك ضمانة مهمة منحها المشرع إلى متعهدي وسائل الاتصال السمعي البصري للدفاع عن حقوقهم.
وتجدر الإشارة أنه إذا كان هذا القطاع الإستراتيجي و الحيوي لا يخلو من إكراهات، فإن العمل على تطبيق القانون واحترام الإلتزامات المتعهد عليها، واجب ينبغي على الجميع التقيد به لتجاوز هذه الإكراهات وتفادي المتابعات التأديبية.
________________________________________
الهوامش
[1] - ذ محمد الهيني :"دور هيئات النوظمة في ضمان حكامة إدارية واقتصادية فعالة" مقال منشور على شبكة الأنترنيت، مأخوذ بتاريخ 15 دجنبر 2012 على الساعة 17h، ص-4.
[2] - ذ محمد الهيني : المرجع السابق، ص-5.
[3] - المادة 2 من الظهير الشريف رقم 212-02-1 الصادر بتاريخ 31 أغسطس 2002 المحدث للهيئة العليا للإتصال السمعي البصري، كما تم تعديله وتتميمه بالظهير الشريف رقم 73-08-1 الصادر بتاريخ 20/10/2008.
[4] - المادة 3 من نفس الظهير.
[5] - المادة 3 من القانون رقم 03-77 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 257-04-1 بتاريخ 7 يناير 2005، الجريدة الرسمية عدد 5288 بتاريخ 3 فبراير 2005.
[6] - المادة 9 من القانون أعلاه.
[7] - أنظر المادة 2 الفقرة 2 والفقرة 3 (أ).(هـ) من القانون رقم 03-77.
[8] - هذا ما بستفاد من المادة 5 من القانون رقم 03-77.
[9] - المادة 17 من الظهير الشريف رقم 212-02-1 الصادر بتاريخ 31 أغسطس 2002، والقاضي بإحداث الهيئة العليا للإتصال السمعي-البصري، الجريدة الرسمية رقم 5035 بتاريخ 2 شتنبر 2002.
[10] - المادة 5 من الظهير المحدث للهيئة العليا للإتصال السمعي البصري.
[11]- المادة 15 من الظهير المحدث للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري.
[12]- المادة 16 من الظهير المحدث للهيئة العليا للاتصال السمعي-البصري.
[13]- المادة 4 من نفس الظهير.
[14]- المادة 12 من نفس الظهير.
[15]- المادة 6 من نفس الظهير.
[16] - المادة 7 الفقرة الأخيرة من نفس الظهير أعلاه.
[17]- المادة 70 من القانون رقم 03-77 والمتعلق بالاتصال السمعي-البصري.
[18]- الفقرة الأخيرة من المادة 17 من الظهير المحدث للهيئة العليا.
[19] - قرر المجلس الأعلى للإتصال السمعي البصري رقم 10-35 الصادر في فاتح يونيو 2010 ، و المتعلق بحلقة برنامج ما 5 مارس، الذي البثته الخدمة الإذعية "رادو مارس".
[20]- قرار منشور بالمجلة الغربية للإدارة المحلية و التنمية، عدد 93 ، طبعة 2010 ، ص 151 .
[21]- www.maghress.com/alalam/3102
[22]- قرار منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، عدد 63-62 ، ماي-غشت 2005 ، ص 293 .
[23] - قرار منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، عدد 85-84 يناير- أبريل 2009، ص 255.
[24] - قرار منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 85-84 يناير- أبريل 2009، ص 259.
[25] - قرار منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، عدد 63-62 ماي - غشت 2005، ص 300.
[26] - قرار منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، عدد 60 يناير – فبراير 2005، ص 175.

تعليقات