Header ADS

اخر الأخبار

حق الإضراب في الوظيفة العمومية

مقال بعنوان:حق الإضراب في الوظيفة العمومية

حق الإضراب في الوظيفة العمومية



مقدمة: 
الإضراب هو اتفاق مجموعة من العمال على امتناع عن العمل لفترة مؤقتة قصد إبراز استياءهم من أمرها، أو بتحقيق بعض المطالب المتعلقة بظروف العمل و الحياة بصفة عامة.[1]
إذ فلا أحدا يجادل من حيث المبدأ في إقرار حق ممارسة الإضراب لكن ينبغي في المقابل وضع مجموعة من الضوابط من شأنها تنظيمه دون حذره أو منعه لكونه ذلك الحق هو حق دستوري أصيل.
وتثير مسألة الإضراب في الوظيفة العمومية بالمغرب جدلا كثيرا ويرجع ذلك أساسا لوجود نصوص أحيانا متناقضة في الموضوع ولحرص الموظفين على ممارسة هذا الحق في عدة مناسبات[2] نظرا كما العديد من الدول اعترف بممارسة حق الإضراب بالقطاع الخاص كما بالقطاع العام، لكن تبقى لكل نوع خصوصيات تميزه ، حيث وإن كان حق الإضراب بالقطاع الخاص يقابل الإغلاق من طرف الجهة المشغلة، فإنه وبالنسبة للقطاع العام لا يمكننا تصور لجوء مؤسسة أو إدارة عمومية الى إجراء الإغلاق ، لكون ذلك يتعارض مع مبدأ استمرارية المرفق العام ، كما أن الملاحظ في الآونة الأخيرة هو اللجوء إلى الاقتطاع من رواتب الموظف
المضرب،أدى هذا الى العديد من الاشكاليات المتمثلة في أثر هده الاقتطاعات على الإطار القانوني المقرر لممارسة حق الإضراب المكفول دستوريا ودوليا ، ثم هل هناك بعض الضوابط و الإجراءات التي يجب سلوكها قبل ممارسة الإضراب في الوظيفة العمومية ، وما مدى احترام هده الضوابط من قبل المتضاربين ، ثم ماهي القيمة القانونية لتلك الضوابط مادامت أنها رهينة بقانون تنظيمي الذي لم يخرج بعد لحيز الوجود ، وهل سيكون المشروع تكبيل لهذا الحق أم دعامة للديمقراطية .
وللإجابة عن هذه التساؤلات سنقسم الموضوع ألى مبحثين أساسين : 


ـ المبحث الأول: الإطار القانوني لممارسة حق الإضراب في الوظيفة العمومية .
ـ المبحث الثاني : ضوابط ممارسة حق الإضراب في الوظيفة العمومية وفق الاجتهادات القضائية .


المبحث الأول : الإطار القانوني لممارسة حق الإضراب في الوظيفة العمومية 

بالرغم من مشروعية حق الإضراب إلا أن هناك بعض القيود التي وضعت على ممارستهم لهذا الحق ، وهو ما انتبهت إليه تشريعات الدول المتقدمة منذ قرن ونصف من الزمان وما أقرته ، مواثيق وعهود حقوق الإنسان الدولية بعد ذلك والواقع أن مشكلة الإضراب لم تكن دائما محل معالجة واضحة ، فمن الأنظمة:
- من تعترف به وتقيده بضوابط قانونية وإدارية وقضائية صارمة.
- ومنها من تقف منه موقف بين عدم حضره وعدم الترخيص.
-ومنها من تحضره بصفة مطلقة .
ومن هذا المنطلق سوف نتحدث عن ممارسة حق الإضراب في التشريع المقارن (المطلب الأول). على أن نتطرف ألى ممارسة حق الإضراب في التشريع المغربي (المطلب الثاني) المحيطة بالترخيص له . 


المطلب الأول: ممارسة حق الإضراب في الوظيفة العمومية 
تعتبر فرنسا من البلدان التي يمارس فيها حق الإضراب بصفة واسعة، ودلك رغم القيود الدستورية والقانونية و الإدارية والقضائية المحيطة بالترخيص له.
فبعد حضره لمدة طويلة بالنسبة للموظفين نظرا لتعارضه مع مبدأ استمرارية المرافق العمومية ، فإن الدستور 27 أكتوبر 1946 كرس لأول مرة الاعتراف به في إطار القوانين و التنظيمات التي قد تضبط ممارسته ، فكل الأجراء الحق في اللجوء إلى الإضراب شريطة ألا يتعسف في استعماله لاسيما لأسباب غير مهنية[3]، وقد أخد مجلس الدولة بهذه القاعدة بالنسبة للموظفين رغم أنه من الصعوبة بمكان التأكد من الطابع المهني للإضراب . إلا أن القوانين التي صدرت بهذا الشأن تطبيقا لدستور جاءت متأخرة ولم تشكل في نظر القضاء نصوصا شاملة ومتكاملة من شأنها أن تحيط بمختلف أبعاد الموضوع ، الأمر الذي حمل مجلس الدولة على القول "أمام هذا العجز القانوني والتقصير البرلماني في سده يرجع الى السلطة التنفيذية أن تتدخل تحت رقابة القضاء لوضع الضوابط التي ينبغي احترامها في حالة الإضراب وبقي هذا المبدأ ساري المفعول حثى بعد صدور القانون 31 يوليوز 1963.[4]
أما إدا استهدفت الإضراب أغراضا سياسية أوأغراضا أخرى فإنه يضحى غير مشروع وهده الصيغة موجودة في حكم "دوهين"[5] وهذا ما استقر عليه مجلس الدولة الفرنسي منذ هدا الحكم و الأحكام اللاحقة له – والذي قام على أنه ولئن كان حق الإضراب معترفا به في فرنسا منذ عام 1946 إلا أن هذا الحق يمكن أن ترد عليه قيود بسبب مقتضيات سير المرافق العامة.
ويمكن القول بأن حق الإضراب في الوظيفة العمومية الفرنسية مقيد بضرورة التوفيق بين مقتضيات الاستمرارية الإدارية والنظام العام من جهة وبالسهر قدر الإمكان على احترام الحريات العمومية المعترف بها للموظفين من جهة أخرى ، الأمر الذي قد ينتج عنه:
ـ حضر الإضراب بالنسبة لفئات معينة من الموظفين إما بناءا على طبيعة المهمة المسندة إليهم أو الرتبة التي يحتلونها.
ـ أو إلزامية ضمان الحد الأدنى من الخدمة العمومية وتحديد قائمة المناصب التي لايمكن بالنسبة لمختلف المصالح أن ينقطع بها العمل وبالتالي أن يمارس أصحابها حق الإضراب . 

المطلب الثاني: حق الإضراب في التشريع المغربي

لقد أثار حق الإضراب في الوظيفة العمومية الكثير من الجدل و التساؤلات التي مازالت مستمرة منذ الستينات وإلى الآن.
ويرجع أصل الجدل حول حق الإضراب في الوظيفة العمومية الى نص الفصل الخامس من مرسوم 2 فبراير 1958 المتعلق بمباشرة الموظفين لحق نقابي والدي جاء فيه" كل توقف عن العمل بصفة مدبرة وكل عمل جماعي أدى إلى عدم الانقياد بصفة بينة يمكن المعاقبة عليه خارج الضمانات التأديبية[6].

وهذا النص القانوني هو الذي استندت إليه الغرفة الإدارية في قضية الحيحي محمد ضد وزير التربية الوطنية بتاريخ 17 أبريل 1961 والدي جاء فيه" وحيث أنه من جهة أخرى فإن الفصل الخامس من المرسوم السالف الذكر الذي يستبعد الضمانات التأديبية في حالة الإضراب المدبر عن العمل، لايمكن اعتباره ملغى ضمنيا لكون ظهير 24 فبراير 1958 المتعلق بالنظام الأساسي للوظيفة العمومية ، واللاحق له ، لاينص على أي حالة تعفى فيها الإدارة من إتباع الإجراء التأديبي الواجب قبل إصدار أي جزاء ، في الواقع أن الموظفين عند إضرابهم عن العمل جماعيا لايرتكبون فقط خطأ شخصيا شنيعا ، بل يضعون أنفسهم خارج نطاق تطبيق المقتضيات القانونية المتعلقة بالوظيفة العمومية ، تلك المقتضيات التي تضمن حقوقا يقابلها الالتزام بالممارسة الفصلية والمستمرة للوظيفة باستثناء التغييبات المبررة[7].
- مخالفة مبدأ تدرج القواعد القانونية : دلك لأن هناك رأي يمنح الفصل الخامس من المرسوم قيمة تساوي قيمة الفصل 14 من الدستور 1996 علما بأن ذلك الفصل لايمكن اعتباره تدبيرا تنظيميا في غياب القانون التنظيمي المنصوص عليه في الدستور ، نظرا لما يترتب عنه من منع عام و مطلق لممارسة حق الإضراب مخالفة مبدأ التخصيص لنص : من جهة أولى فإن المرسوم سابق من الناحية الزمنية لصدور الدستور ، ومن جهة ثانية كان لابد من سند قانوني لاعتباره كذلك.
أما الرأي الثاني فقد حاول التوفيق بين المعطيات القانونية و استمرارية المرفق العام ، وقال بأن الفصل 14 من الدستور لايتضمن أي تحديد لنطاق تطبيقه، و بالتالي فهو ينطبق على الموظفين وينسخ ضمنيا مرسوم 1958.[8]
غير أن ممارسته كحق يجب ان يتلاءم مع مستلزمات النظام العام وسير المرافق العامة في غياب قانون تنظيمي ، وبالتالي فإن السلطة التنظيمية يجوز لها ممارسته شريطة ألا تتجه نحو المنع العام والمطلق مما يجعل النصوص المحرمة للإضراب على بعض أصناف من الموظفين قبل صدور الدستور محتفظة بقيمتها كتلك المتعلقة بمرافق الدفاع و الأمن وكل من يحمل سلاحا أو يرتدي زيا رسميا أو إشارة، وكذلك الشأن بالنسبة لنصوص المحرمة للإضراب بعد صدور الدستور كالنظام الأساسي لمتصرفي وزارة الداخلية والنظام الأساسي لموظفي إدارة السجون والنظام الأساسي لرجال القضاء ، وغيرها[9] .

في المقابل حرص الموظفون بالمغرب على ممارسة حق الإضراب في عدة مناسبات لضغط على الحكومة للاستجابة للملفات المطلبية المطروحة من طرف منظماتهم النقابية ، ويجب أن نشير الى ان ممارسة الإضراب في عدة محطات من تاريخ المغرب أدى إلى طرد العديد من الموظفين من الوظيفة العمومية ، مثل طرد موظفي وزارة الخارجية المضربين في دجنبر 1961 ، وعرضت قضايا الطرد من الوظيفة العمومية على المجلس الأعلى[10]، نذكر منها قضية الحيحي محمد ، المذكورة أعلاه ، وإدريس نداء موظف بوزارة البريد والمواصلات السلكية و اللاسلكية بتاريخ 25-08-1984 ، وسنتعرض لأهم الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية بهذا الصدد.


المبحث الثاني : الضوابط القضائية لممارسة حق الإضراب في الوظيفة العمومية وجزاءات الإخلال بها 
أمام الفراغ التشريعي تدخل القضاء من أجل وضع ضوابط تسمح بالتوفيق بين ممارسة حق الإضراب ومتطلبات استمرار المرافق العام ، غير أن الإخلال بها قد يعرض الموظف إلى المسائل التأديبية[11]. 


المطلب الأول : ضوابط ممارسة حق الإضراب في الوظيفة العمومية وفق الاجتهادات القضائية 
يعتبر الأساس الدستوري لحق الإضراب أهم المكاسب الحقوقية التي تتمسك به نقابات المأجورين في القطاعين العام والخاص ، وإذا كان النص الدستوري قد أناط بالمشرع تنظيم هذا الحق فقد أكسبه في المقابل حصانة قانونية ، حيث ان القوانين التي تنظم هذا الحق في حالة صدورها تنبثق عن الدستور وتكمله في نفس الوقت. 


القانون التنظيمي: 

أفرزت عدة أسئلة تتمحور حول القاعدة و الضوابط المتعلقة بممارسة الإضراب وكيفية التوفيق بينه وبين استمرار العمل بالمرفق العمومية ، فأمام هذا الفراغ التشريعي الذي يتمثل في عدم صدور القانون التنظيمي الذي من المفروض أن يبين شروط وإجراءات ممارسة حق الإضراب ، تدخل القضاء الإداري لوضع بعض الضوابط الضرورية للتوفيق بين الإضراب كوسيلة ضرورية للدفاع عن المطالب المهنية بين الحفاظ على السير الجيد للمرافق العمومية واستمرارها ، الأن عدم صدور قانون تنظيمي يحدد كيفية ممارسة حق الإضراب ، لايعني إطلاق هدا الحق بلا قيود ، بل لابد من ممارسته في إطار ضوابط تمنع إساءة استعماله وتضمن انسجامه مع مقتضيات النظام العام و السير العادي للمرافق العامة[12] على نحو لايمس سيرها المنتظم بشكل مؤثر فإذا انطوت ممارسة هدا الحق على اخلال خطير بسير أحد المرافق العامة أو تعريض النظام العام للخطر ، كان للإدارة بل من واجبها توقيع
الجزاء على من خرج الموظفين ، قصد بدلك دعوة المشرع إلى القيام بالتوثيق الضروري بين الدفاع عن المصالح المهنية الذي يشمل الإضراب أحد وسائله، وتأمين المصلحة العامة التي قد يترتب على الإضراب المماس بها.
ومن أهم الأحكام الصادرة عن هذا الشأن حكم إدارية مكناس عدد 63-2001-3 غ بتاريخ 12 يوليوز 2001 في قضية محمد شيبان ضد وزير التربية الوطنية تتلخص وقائع الحكم في كون الطاعن محمد شيبان أضرب عن العمل كباقي زملائه لمدة يوم واحد فوجه إليه وزير التربية الوطنية إنذارا لتقصيره في واجبه التربوي بناءا على تقرير مفتش الذي صادفت زيارته لطاعن يوم الإضراب ، اعتبر الطاعن أن العقوبة التي أنزلت به تتنافى مع حقه في الإضراب المنصوص عليه بمقتضى الدستور ، الشئ الذي دفعه الى طرق باب القضاء طالبا للإنصاف وتمثلت النقطة القانونية التي وجهت الى المحكمة في " تحديد مدى مشروعية الإضراب بالنظر الى المنظومة الدستورية و القانونية ، ومدى تبريرها لواقعة التوقف عن العمل كمخالفة في حق الطاعن والمعتمدة من قبل اللإدارة كسبب لإتخاد عقوبة الإنذار[13].
وبالرجوع الى مضمون حكم شيبان نستشف فكرة أساسية تتعلق بالقيود و الضوابط الواردة على ممارسة حق اللإضراب .
حيث أن المحكمة رغبة منها في مسايرة الاجتهاد القضائي الأجنبي إقتسبت من الاجتهاد المتواتر لمجلس الدولة الفرنسي نظرا لقيمته العلمية وحلوله المتميزة وذلك رغبة في تبرير وتوضيح التوجه الجديد للمحاكم الإدارية إزاء حق الإضراب .
"وحيث أنه اعتبارا لذلك فإن الإضراب ليس حقا مطلقا بل يخضع كغيره من الحقوق لقيود تضمن ممارسته بشكل سليم وتحفظ السير العادي للمرفق مع ضمان حرية التعبير عن المطالب المهنية.
وهكذا فإن الاجتهاد القضائي في فرنسا استقر على تقييد ممارسة حق الإضراب باحترام ضوابط معينة.
ومن جملة ذلك وجوب إخبار السلطات المعنية بالإضراب المراد القيام به وتوقيته، والإخطار بهذا المعنى يشجع الحوار بين الموظفين و الإدارة لتمكين هده الأخيرة من التعرف على مطالب موظفيها[14] ،وذلك حتى تتحسب الإدارة لما يمكن أن يحدثه هذا التوقف من تأثير على سير المرافق ، وعليه فإن الإضراب المباعث أو المفاجئ يعتبر غير مشروع (قرار مجلس الدولة الفرنسي الصادر بتاريخ 31 أكتوبر 1984 في قضية الفدرالية الوطنية للنقابات الحرة للبريد و المواصلات )، كما يجب أن يستهدف الإضراب تحقيق مكاسب مهنية أو الدفاع عنها، وهذا ما أكدت عليه المحكمة الإدارية بالرباط بأن الإضراب ينبغي أن يكون لأسباب مهنية، لذلك فإذا خرج الإضراب عن ذلك الموضوع وعن تلك الأهداف ، يصبح غير مشروع، كما هو بالشأن بالنسبة للإضراب لأهداف سياسية ، فالإضراب السياسي لايندرج ضمن الإضراب المشروع (قرار مجلس الدولة الفرنسي الصادر بتاريخ 18 فبراير 1951 في قضية bernot) إضافة الى ذلك فإن ممارسة الإضراب يجب أن يكون بناءا على توجيه من نقابة ذات تمثيلية ومشكلة تشكيلا قانونيا( قرار مجلس الدولة الفرنسي الصادر 21/7/1972 في قضية الفدرالية النقابية المسيحية للعاملين بالبريد و المواصلات ، كما أنه يجب أن يكون الإضراب محددا في الزمان ، أما الإضراب المفتوح الغير محدد المدة فلا يكتسي طابعا شرعيا لما له من تأثير خطير على سير المرفق العمومي ، وعموما ، فإن الإضراب لاينبغي أن يمارس بشكل تعسفي أو يستغل في إطار المساومات السياسية .
وخلاصة لما سبق أمام غياب قانون تنظيمي المتعلق بالإضراب ووجود فراغ تشريعي بخصوص تنظيم هذا الحق فقد لعب القاضي الإداري الدور المنوط به وهو ملئ الثغرات القانونية ووضع ضوابط يضمن ممارسة بعض الحقوق إضافة الى خلقه لمجموعة من الضوابط القانونية لممارسة حق الإضراب (التقييد بنظام الإخطار – الإعلان المسبق عن الإضراب ـ توضيح أسباب الإضراب ومدته ...) فإنه مارس المهام الموكولة إليه وهي الموازنة و التوفيق بين استمرارية المرفق العام وسيره بنظام و انتظام وضمان ممارسة حق الإضراب من طرف العاملين في المرافق العامة.

المطلب الثاني: موقف القضاء الإداري من اقتطاع رواتب الموظفين 

إذا كانت النتيجة الحتمية لممارسة حق الإضراب خارج الضوابط المشار إليها سابقا اعتبار الموظف مرتكبا لخطاء مهني يعرضه للمساءلة التأديبية , فإنه حتى مع احترام تلك الضوابط قد يتعرض للاقتطاع من راتب اليوم الذي خاض فيه الإضراب تطبيقا لقواعد محاسبانية .
فبالنسبة للمساءلة التأديبية , فإن ممارسة الإضراب خارج تلك الضوابط تجعله عملا غير مشروع من جانب الموظف , لان خروج الإضراب عن ضوابطه يؤدي إلى تعارض مطلق مع المرفق العام , فوحدها تلك الضوابط تضمن التوفيق بينهما . إذ بتعارضه مع المرفق العام , يؤدي الإضراب بأصحابه إلى وضعهم خارج تطبيق القوانين التي ترسي الضمانات و الحقوق.
وهدا هو الجدير في العمل القضائي ، فقد تحول _ على مستوى المنازعات التأديبية ـ من نظرة مجردة إلى الإضراب باعتباره خطأ موجبا للمساءلة التأديبية ، إلى التمييز بين ما إذا كانت ممارسته في احترام لتلك الضوابط وفي انسجام مع متطلبات سير المرفق العام ولا يشكل أي إخلال مهني كما لا تستوجب العقاب ، وبين الممارسة المتعسفة لهدا الحق خارج ضوابط التي تشكل خطأ موجبا للعقاب[15].
غير انه لاينبغي الخلط بين مشروعية ممارسة حق الإضراب بالنظر إلى احترام تلك الضوابط من عدمه ، وبين اقتطاع راتب الموظف المتوقف عن العمل أو المتغيب عنه دون الحصول على ترخيص .
تجدر الإشارة أن السمة الشرعية للإضراب يمكن أن تؤدي إلى عدم شرعية الإجراءات التي تتخذها الإدارة قصد منع الإضراب ، وأي إجراء غير شرعي يمكن أن يؤدي إلى تحميل مسؤولية الإدارة في تطبيق قاعدة الخدمة المنجزة , كنتيجة أقر مجلس الدولة الفرنسي بان لا يمكن الحديث عن قاعدة الاقتطاع من أجر المضربين في حالة إضرابهم الذي يقل عن مدة اليوم الواحد، لكن المشروع تدخل في هده الحالة , بأن الاقتطاع يكون


شرعيا في حالة إضراب اليوم الواحد (الفصل الرابع من قانون المالية التعديلي 29 يوليوز (1961.[16]
وكمثال على دلك الإضراب الذي يخوضه موظف بقطاع الصحة يدفع بالإدارة إلى الاتجاه إلى الالتجاء إلى الاقتطاعات من الراتب.[17]
ومع صدور دستور 1962 و الدساتير اللاحقة فقد نص الفصل 14 على أن "حق الإضراب مضمون ،وسيبين قانون تنظيمي الشروط و الإجراءات التي يمكن معها ممارسة ذلك الحق" . وقد أثار هذا النص خلافا حول من يتمتع بهذا الحق الدستوري .
فهناك رأي قال بأن النص الدستوري يقتصر على العمال المسموح لهم بمزاولته قبل صدور الدستور ، وبالتالي استثناء جميع العاملين في المرافق العامة الذين يحكمهم الفصل الخامس من مرسوم 2 فبراير 1958 ، والملاحظ أن الإدارة تشبثت بهذا الرأي لأنه ملائم لاستمرارية المرفق العام ، ولأن نزاعات الموظفين مع الإدارة يجب أن تسوى بطرق و أساليب أخرى [18].
ولذلك نجد أن الموظف المضرب عن مزاولة الوظيفة تصرفه هذا يسقط له التمتع بكل الضمانات و الحقوق التي خولها له قانون الوظيفة العمومية بما في ذلك الضمانات التأديبية .

و في هذا المضمار أكد القضاء الإداري أكثر من مرة أنه في حالة الإضراب عن العمل تستبعد الضمانات التأديبية ، بمعنى أن الموظفين العموميين عند إضرابهم عن العمل يضعون أنفسهم خارج نطاق تطبيق المقتضيات المتعلقة بقانون الوظيفة العمومية ، لأن التمتع بالحقوق يقابله الالتزام بالممارسة الفعلية للوظيفة باستثناء التغيبات المبررة . وهذا ما قضت به الغرفة الإدارية في قضية محمد الحيحي ضد وزير التربية الوطنية[19] ، مستندة في ذلك على الفصل الخامس
من مرسوم 2 فبراير 1958 وظلت الغرفة الإدارية تعتبر كل عمل جماعي مخالف لقواعد الانضباط يعاقب عليه دون مراعاة الضمانات التأديبية و الإدارة معفاة من تمتيع الطاعن بذلك.[20]
- لقد ظل القضاء الإداري متشددا وغير منفتح على القضايا التي تهم ممارسة حق الإضراب فقد ظلت الغرفة الإدارية تعتبر استمرارية المرافق العامة فوق كل اعتبار إلا لأنه في الآونة الأخيرة بدأ يلاحظ أن الحماية القضائية بدأت تشمل أيضا ممارسة حق الإضراب ولخير دليل على ذلك الموقف المشرف الذي وقفه الإداري المغربي ، وما خصصه رجال الفقه و القانون من تعليقات على حكم صدر عن المحكمة الإدارية بمكناس في قضية محمد شيبان ضد وزير التربية الوطنية ، حيث قضت المحكمة بإلغاء قرار صادر عن الوزير المذكور لأنه عاقب الموظف محمد شيبان الذي مارس حق الإضراب بصفة مشروعة وعلى إثر إشعار ودعوة من نقابات معينة .
وقد نوه العديد من الأساتذة بالموفق الشجاع للقاضي الإداري المغربي ، واعتبروه من الأحكام الطلائعية التي أصدرها القضاء الإداري المغربي في موضوع الإضراب في المرافق العامة ويعبر هذا الحكم عن جرأة القاضي الإداري المغربي.[21]


حيث ألغى قرارا يهم المعاقبة على الإضراب في مرفق عمومي هو مرفق التعليم، ولقد كان توجه المحكمة الإدارية في ذلك هو أن:[22] 
  •  الإضراب حق دستوري أكدته جميع الدساتير المتعاقبة. 
  •  الإضراب يعبر عن ضرورة سياسة واجتماعية عميقة. 
  •  عدم صدور تشريع تنظيمي يحدد كيفية ممارسة حق الإضراب لا يعني إطلاق هدا الحق بلا قيود، بل لابد من ممارسته في إطار ضوابط تمنع إساءة استعماله، وتضمن انسجامه مع مقتضيات النظام العام و السير العادي للمرافق العمومية و الإضراب الذي قام به المدعي رفقة باقي الموظفين قد احترم في شأنه مسطرة الإشعار ، و الإضراب كان ليوم واحد فقط ، وبدعوة من النقابة ، مما لايمكن اعتباره تقصيرا في الواجب المهني . 
وبذلك يكون قاضي المحكمة الإدارية بمكناس في هده القضية ، قد كرس مبدءا هاما جدا وهو أن الإضراب في المرافق العمومية لم يعد محرما بصفة عامة ، ويجوز تحريمه في بعض المرافق العمومية بالقدر اللازم لضمان استمراريتها وقصد تلبية احتياجات المصلحة العامة كما يجوز تقييد ممارسة هذا الحق ببعض القيود و الإجراءات القانونية كالإشعار . وعدم الإخلال بالسير المنتظم للمرافق العمومية ولذلك يعتبر القضاء اللإداري الإضراب المفاجئ أو المباغت غير مشروع ، وكذلك يجب أن تكون الغاية منه تحقيق أهداف ومكاسب مهنية وليس ذا أبعاد سياسية .

خاتمة: 
من خلال ما سبق يتضح لنا أن الاجتهاد القضائي يبدل جهدا كبيرا ، وهو يحاول ملئ الفراغات التشريعية بتحريكه للنصوص القانونية الجامدة و إعطاءها تفسيرات ليقربها من روح العدالة و الإنصاف وهو الشيء الذي قام به في موقفه من ممارسة حق الإضراب في الوظيفة العمومية في انتظار صدور القانون التنظيمي الموعود به منذ سنة 1962 .
وبذلك فالاجتهادات القضائية أصبحت تشكل ضمانات لا تقل أهمية في قوتها الملزمة عن النصوص القانونية بل يمكن القول إنها أضحت مرجعا لا يمكن الإستغناء عنه.


______________________________________________________________________________

الهوامش:
[1] محمد الأعرج، المبادئ العامة لنظام المرافق العامة في العمل القضائي للمحاكم الإدارية، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسة مواضيع الساعة، عدد 47ـ 2004، ص 223.
[2] عبد القادر باينة، الموضفون العموميون بالمغرب، دار توبقال للنشر، طبعة 2002، ص 266.
[3] Andre de laubadere . traitè de droit adminictatif. Tomell .9 editoin. 199 p.125
[4] Andre de laubadere. Adm. Tomell. 9 edition ;1992.p. 134.
[5] مارسولونغ، القرارات الكبرى في القضاء الإداري، الطبعة الأولى 2009، مجد المؤسسة الجامعية لدراسات والنشر و التوزيع، ص 440.
[6] مرسوم 22 ـ 1958 المنظم لممارسة الحق النقابي، الجريدة الرسمية عدد 2372 ـ 1958.
[7] محمد الأعرج، مرجع سابق، ص 93.
[8] محمد الأعرج، مرجع سابق ص 93.
[9] محمد البدوي الإضراب، رسالة لنيل الدراسات العليا ،كلية الحقوق الرباط، 1975.
[10] مريم بنفضيفة، ضمانة حق الدفاع في الوظيفة العمومية"بين النص القانوني والاجتهاد القضائي"، رسالة لنيل شهادة الماستر، جامعة محمد الخامس السويسي، 2010 ـ 2011، ص 2.
[11] حميد ولد لبلاد، توجهات القضاء الإداري حول الإضراب في الوظيفة العمومية، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 84ـ85 ، 2009 ، ص 67.
[12] محمد الأعرج، المنازاعات الإدارية و الدستورية في تطبيق القضاء المغربي، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 78، سنة 2012، ص 266.
[13] حميد الربيعي، بين اجتهاد المجلس الأعلى و المحاكم الإدارية، عدد 2 ـ 2004، ص 85.
[14] Mohammed amine benabdllah . de la lègalitè d’exercice du droit de grève dans la fonction publique.rimaldi N 70. P. 67.
[15] حميد ولد لبلاد، مرجع سابق، ص 70.
[16] Andre de laubadère. Adm. Tom ll. 9 edition. 1992. P 134.
[17] Jean marie auby.droit de la fonction publique.3 eme edution. Dalloz. 2005. P 715.
[18] محمد البدوي، الإضراب رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، كلية الحقوق الرباط، 1975، ص 70.
[19] قرار الغرفة الإدارية عدد 135 بتاريخ 17 ـ 4ـ 1961.
[20] قرار الغرفة الإدارية عدد 406 بتاريخ 25 ـ 5 ـ 1984، إدريس نداء ضد وزير البريد و المواصلات السلكية و اللاسلكية (اتخدت الإدارة في حقه عقوبة العزل دون ضمانات تأديبية).
[21]
[22] محمد الأعرج ، المرجع السابق، ص 225.

إرسال تعليق

0 تعليقات