دور القاضي الإداري في تحقيق التنمية المحلية

 رسالة بعنوان : دور القاضي الإداري في تحقيق التنمية المحلية PDF

دور القاضي الإداري في تحقيق التنمية المحلية PDF

مقدمة :
تعتبر إشكالية التنمية من الإشكالات المطروحة بشدة في أجندة كل دول العالم وخاصة الدول في طور النمو والمغرب بحكم انتماءه إليها، فإنه ينظر إلى التنمية كالحل الوحيد للمشاكل والمعضلات التي يتخبط فيها، فمنذ حصوله على الاستقلال حاول القيام بمجموعة من الإصلاحات التي شملت كل القطاعات والأنشطة بغية تحقيق تنمية شاملة وبالتالي تجاوز مخلفات الحماية ستقلال حيث كانت الدولة هي إلا نظام التركيز الإداري الذي طبقه المغرب بعد الا المحرك الرئيسي لعملية التنمية الاقتصادية من خلال هيمنة القطاع الاقتصادي العام على كل المجالات جعل عجلة التنمية تدور ببطئ.

في هذا السياق أصبح التفكير جديا في ضرورة الانتقال من التدبير المركزي إلى التدبير على المستوى المحلي من منطلق أن السياسة التنموية التي تقرر على الحكومة المركزية لا تعتمد على وسائل تنفيذها فقط، بل تعتمد كذلك على الأسلوب الذي تؤدي به الخدمات الحكومية لكل منطقة وفي كل جزء من أجزاء البلاد ؟ 

لذلك فقد عزز المغرب اختياره للمنهج اللامركزي بإصداره لظهير 1976-9-30 الجماعات المحلية اختصاصات جديدة جعلها تلعب إلى جانب الدولة دورا طلائعيا الذي منح في تحقيق التنمية المحلية، حيث نص الفصل 30 من هذا القانون على أن المجلس الجماعي هو الذي يضع مخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية للجماعة طبقا للاتجاهات والأهداف المقررة في المخطط الوطنى :

أما القانون الحالي المتعلق بالميثاق الجماعي الجديد لسنة 2002 فإنه يعتبر الجماعات المحلية إطارا حقيقيا للتنمية المحلية من خلال منح هذه الأخيرة بمقتضى المادة 36 منه محورا مهما من الاختصاصات الذاتية التي تهم المجالات الاقتصادية والاجتماعية على المستوى المحلي ونفس الشيء أكده القانون المتعلق بتنظيم الجهة.

ويمكن تعريف التنمية المحلية بأنها ترك جزء من الوظيفة الإدارية والاقتصادية إلى جماعات ترابية لها شخصيتها المعنوية تدير شؤونها بنفسها في نطاق استقلال إداري ومالي تحت إشراف الحكومة المركزية.

كما يمكن تعريف التدخل الجماعي في التنمية المحلية بالأساليب المختلفة التي تتبعها الجماعات المحلية في تنشيط الدولاب الاقتصادي والاجتماعي على الصعيد المحلى.

لكن إذا كان هذا التحديد التشريعي يفيد ويؤكد بشكل واضح أن مهام التنمية المحلية هي من اختصاص الجماعات المحلية في إطار اللامركزية الإدارية بحيث إن هذه الأخيرة تبقى هي المعنية بالدرجة الأولى بالحصيلة التنموية على المستوى المحلي 4 ، فإن هذا لا ينفي وجود متدخلين وفاعلين اخرين في هذه العملية خصوصا وإذا علمنا أن هذه العملية في حد ذاتها عملية معقدة تفرض مشاركة جميع الأجهزة والهيات المتواجدة على المستوى المحلي، كما أن مفهوم التنمية المحلية غدا يسجد نقطة تقاطع لتدخل العديد من المتدخلين والفاعلين المحليين؟

فمن هذا المنطلق إذا كانت السنوات الأخيرة عرفت تزايد الحديث عن أهمية المؤسسة القضائية في عملية التنمية من منطلق أن نجاح أي سياسة تهدف إلى إصلاح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لا يمكن أن تتحقق دون إصلاح حقيقي للمؤسسة القضائية، وباعتبار أن سمعة الدول باتت تقاس بمستوى قضائها، إذ بقدر ما يكون هذا الانطباع إيجابيا بقدر ما تزداد الثقة وتتكرس في كافة المؤسسات الأخرى، وبالتالي فالمستثمر يتطلع أولا لمعرفة أحوال القضاء والنصوص القانونية الجاري بها العمل قبل الإقدام على الاستثمار في بلد معين.

فالقضاء يبدو لأول وهلة أن ليس دور يلعبه في التنمية المحلية على اعتبار أن القضاء يشكل مؤسسة مكلفة بتطبيق القانون، لكن هذا الانطباع في واقع الأمر خاطئ بل مجرد حكم جاهز ومسبق مادام القضاء من المتدخلين الأساسين في التنمية عموما والتنمية المحلية على وجه الخصوص.

وقد بدا اقتناع المغرب بدور القضاء في التنمية في بداية التسعينات وهذا ما أكده الملك الراحل الحسن الثاني في خطابه بتاريخ 8 ماي 1990 بقوله "نطلب من المستثمرين أن يأتوا ليستثمروا عندنا ولكن إذا لم يعرفوا أن بلادنا تنعم بالسلم والضمان الجبائي فإنهم لن يأتوا وبقطع النظر عن الخارج والأجانب علينا على الأقل أن ننصف رعايانا ومواطنينا" ويضيف جلالته ... لذا قررنا إعطاء المواطنين الوسيلة القانونية السريعة والجدية وذات الفعالية للدفاع عن حقوقهم كمواطنين إزاء الإدارة أو السلطة أو الدولة نفسها" وهذه الوسيلة التي تحدث عنها جلالته هي المحاكم الإدارية.

لذلك فقد عزز المغرب نظامه القضائي بإصداره للقانون 41-90 المحدث بموجبه المحاكم الإدارية سنة 1993 واتبعها بمحاكم استئناف إدارية سنة 2005 بموجب القانون 80-03 وبالطبع فالقضاء الإداري أصبح يشكل فاعلا أساسيا لخلق مناح سليم يسوده الاطمئنان والثقة وأيضا دعامة قوية للعملية التنموية.

فالقاضي الإداري قد يتبنى جملة من الحلول بمناسبة تصديه للنزاعات القضائية ومن شأن هذه الحلول أن تساهم بطريقة تدريجية وعبر لمسات متتالية في ترقية أو إنعاش التنمية المحلية.

تحديد الاشكالية:

انطلاقا مما سبق فإن الإشكالية المحورية التي يتعين علينا معالجتها في هذا الموضوع المتعلق بدور القاضي الإداري في التنمية المحلية هي تحديد المجالات التي بمعنى أخر إذا كان القاضي الإداري بإمكانه يتدخل فيها القاضي الإداري في التنمية المحلية أن يساهم في عملية التنمية المحلية فما هو مجال أو نطاق هذه المساهمة القضائية؟ ما هي التجليات والمظاهر العملية لهذه المساهمة في الاجتهاد القضائي الإداري المغربى؟ وأخيرا ما هي حدود وإكراهات هذه المساهمة؟

إن أهمية الإجابة عن هذه التساؤلات وبالتالي موضوع دور القاضي الإداري في التنمية المحلية، تتجسد في كون أن إنشاء المحاكم الإدارية بالمغرب جاء في سياق تعزيز نظام حماية فعلية لحريات وحقوق المواطنين عموما ، والممارسين في كل القطاعات الاقتصادية على وجه الخصوص 5، لذلك فإن الرغبة في إقحام المحاكم الإدارية في عملية التنمية المحلية كانت من الدوافع الأساسية لإحداثها بل الأكثر من هذا أن هذه المحاكم جاءت في سياق تأهيل النظام القضائي المغربي مع الاقتصاد العالمي، والمستجدات الراهنة التي تتطلب من القضاء أن يكون فاعلا في تنشيط عملية الاستثمار، وضبط نزاعات العمليات الاقتصادية وتطويرها وحماية المهتمين بها و خصوصا بعد انضمام المغرب إلى الاتفاقية العالمية للتجارة والتعريفات الجمركية ( GATT) الموقع عليها بمراكش في أبريل 1994 والتي ترمي إلى توسيع التجارة الدولية وتحريرها على أساس منهج لبرالي، وكذا توقيعه الاتفاقية الأورو متوسطية للشراكة مع أوربا في بروكسيل بتاريخ 26 فبراير 1996 والتي تهدف إلى تقوية الروابط القائمة بين المغرب والاتحاد الأوربي لإنشاء علاقات مؤسسة على التبادل والشراكة وما صاحب ذلك من تعديلات على مستوى الترسانة القانونية سواء بمراجعة وتحيين نصوص قديمة من قبيل مدونة التجارة، وقانون شركات المساهمة، ومدونة الصفقات العمومية أو صدور أخرى جديدة كما هو الشأن بالنسبة لقانون المحاكم التجارية وقانون المنافسة وخلق المراكز الجهوية للاستثمار وغيرها من الإجراءات والنصوص الجديدة.

لذلك وإذا كانت كل هذه الاعتبارات تفيد أن القاضي الإداري من الفاعلين الأساسين المراهن عليه لتحقيق التنمية بشكل عام فإن دوره على مستوى تحقيق التنمية المحلية يبدو أكثر أهمية من منطلق أن هذه المحاكم جاءت بهدف تقريب القضاء من المواطنين والفاعلين الاقتصاديين كيفما كانت طبيعة نشاطهم أ، في إطار تكريس مبدا اللامركزية الإدارية ، خصوصا بالنسبة لدعوى الإلغاء التي كانت سابقا من اختصاص الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى بالرباط وهو وضع لم يكن يستقيم ومصلحة الفاعلين الاقتصاديين المتواجدين محليا. من جهة ثانية فإن هذه الأهمية تبرز أكثر من خلال كون المشرع قد منح إلى هذه المحاكم جملة من الاختصاصات تعد شديدة الصلة بالتنمية المحلية وينطبق الأمر حسب المادة 8 من قانون 90-41 بكل من:

- الطعون بإلغاء القرارات الإدارية بسبب التجاوز في استعمال السلطة التي قد تؤثر فى المراكز القانونية للمستثمرين.
- النزاعات المتعلقة بالعقود الإدارية.
- دعاوى التعويض عن الأضرار التي تتسبب فيها أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام.
- نزاعات الوضعية الفردية للعاملين في مرافق الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية فهذه الاختصاصات هى بالضبط المجال الذي يمكن أن يساهم من خلاله قاضي المحاكم الإدارية في تفعيل التنمية المحلية، وهو ما سنحاول معالجته في هذا الموضوع سيما وإذا علمنا أن تجربة الجماعات المحلية بخصوص التنمية المحلية ظلت تجربة محدودة، إذ لم نقل فاشلة، لذلك فإننا سنعتمد المنهج الأتي:

منهج الدراسة

إذا كان المنهج هو عبارة عن الصيرورة والكيفية المتبعة من أجل الكشف عن حقيقة علمية معينة، أي مجموع الخطوات التي على الباحث اتباعها بغية البرهنة أو الوصول إلى حقيقة ما، فإنه ولما كان موضوع دراستنا يتعلق بمعرفة دور القاضي الإداري في التنمية المحلية فإن المناهج التي ستناسبنا ستكون هي المنهج القانوني وذلك قصد تحديد الإطار القانوني والتشريعي للدراسة، ثم المنهج الاستقرائي الذي عن طريقه يمكن الرجوع إلى استقراء الأحكام القضائية، ذات الصلة بالموضوع، لتأكيد ما تدعيه ثم المنهج التحليلى الذي يسمح لنا بتحليل مضمون هاته الأحكام ومقارنتها أحيانا بمجلس الدولة الفرنسي في إطار المنهج المقارن، أو العودة أحيانا أخرى إلى قرارات المجلس الأعلى، وهذا كله وفق الخطة الاتية:

خطة الدراسة

هكذا ستكون الخطة التي سنعمل على اتباعها بالدراسة والتحليل في هذا الموضوع المتعلق بدور القاضي الإداري في التنمية المحلية تتوزع إلى شقين، حيث سنتعرض في الفصل الأول إلى مساهمة القاضي الإداري في التنمية الاجتماعية، بينما سنتعرض في الفصل الثاني إلى مساهمة القاضي الإداري في التنمية الاقتصادية وذلك على النحو التالى:

- الفصل الأول: مساهمة القاضي الإداري في التنمية الاجتماعية
- الفصل الثاني: مساهمة القاضي الإداري في التنمية الاقتصادية

--------------------------

لائحة المراجع :

• رضوان بوجمعة: المقتضب في القانون الإداري، مطبعة النجاح الجديدة الدارالبيضاء 1999.
• محمد الحياني: مظاهر التنمية المحلية وعوائقها، الجماعات الحضرية والقروية نموذجا مطبعة بن ميمون وجدة 1998.
• عبد الله حداد: تطبيقات الدعوى الإدارية في القانون المغربي منشورات عكاظ الطبعة الثانية شتنبر 2002.
• إبراهيم زعيم: قضاء المشروعية ومساهمته في تدعيم النشاط الاقتصادي مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء ووور.
• محمد بوغالب: الرقابة القضائية في مجال المنازعات الجبائية، المنازعات الانتخابية والجبائية من خلال اجتهادات المجلس الأعلى.
• محمد الأعرج: المنازعات الجبائية في العمل القضائي للمحاكم الإدارية المجلة المغربية للإدارة والتنمية المحلية عدد 2004/59.
• محمد النجاري: هل المحاكم الإدارية دور في الإصلاح الإداري، المجلة المغربية للإدارة والتمنية المحلية عدد 2001/40.
• محمد عنتري: عشر سنوات من العمل القضائي بمحاكم الإدارية بالمغرب المجلة المغربية للإدارة والتنمية المحلية عدد 47 /2004.
• عبد الله حداد: قطاع الإسكان بالمغرب، دراسة قانونية وقضائية مطبعة يناير 2004.
• محمد الأعرج: منازعات الجماعية المحلية، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد 2008-58 .
• محمد الخلفي : الوظيفة العمومية المغربية ،وكالة الصحافة والإعلام ،الدار البيضاء.
• محمد الأعرج أية ضمانات قانونية لوضعية مستخدمي المؤسسات العمومية والتجارية والصناعية في أحكام الخصوصة: المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد:2002-35.
• عبد السلام المصباحي: التعمير إعداد التراب الوطني :البلابل فاس 1997.

تعليقات