دور الجهة في تدبير المجال الترابي

 رسالة بعنوان: دور الجهة في تدبير المجال الترابي PDF

رسالة بعنوان: دور الجهة في تدبير المجال الترابي PDF

مقدمة :
تعتبر الجهة مجموعة ترابية منسجمة محليا تهدف إلى خلق نوع من التكامل التنموي بغية تحقيق قدر من التوازن الإقتصادي والإجتماعيبين أقاليم، يلائم تدخل الدولة قصد إنجاز عمليات التخطيط والتنمية المحلية، إنها مظهر من مظاهر التنظيم الإداري الذي يضع مجموعة من الإختصاصات الهامة بيد الفاعلين المحليين في مجموع التراب الوطني، غير أنه ليس هناك شكل واحد ومحدد للجهة إذ تختلف بإختلاف المعطيات الحضارية والإقتصادية لكل أمة، ولكن الهدف يبقى واحد وهو السعي إلى تقليص الفوارق بين مختلف الأقاليم بغية تحقيق تنمية مستديمة ومتوازنة والحرص على ضمان وحدة الدولة الوطنية".

يعتبر موضوع الجهوية من المواضيع التي تحظى باهتمام كبير من قبل العديد من الباحثين، ليس في المغرب فحسب بل في مختلف التجارب العالمية، كنمط حديث لبلورة استراتيجية جديدة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المحلية، من أجل ترسيخ التنمية المحلية والبناء الديمقراطي، فهذه الأخيرة تتحكم فيها معطيات وخصوصيات تختلف حسب الأنظمة السياسية التي تتبناها، حيث تتنوع علاقة تنظيم المجال ومدى استقلاليته عن المركز.

ويرجع الاهتمام الكبير بهذا الموضوع في الوقت الحاضر بالأساس إلى دورها في التنمية الشاملة للمجتمع، خاصة في ظل مطالبة كل جهة بأن تنظم نفسها وتبتك حلولا خاصة بها لمواجهة التحولات، وبأن تعمل على الرفع من تنافسية مجالها وتنتج شروط تنميتها المستدامة.

من هذا المنطلق اعتبرت الجهوية خيارا استراتيجيا في مختلف بلدان العالم للنهوض بالتنمية الاقتصادية، وللإقلاع السوسيو اقتصادي بصفة عامة، ذلك أن عقلية النخب الحاكمة أمنت واقتنعت أن التنمية الشاملة لا يمكن تحقيقها إلا بالمرور عبر التنمية الجهوية، إذ أن التنمية بصفة عامة لابد لإنجاحها من مجال ترابي واسع ومتكامل، كفيل بإدماج كل العوامل 2 التنموية في مسلسل الإقلاع الاقتصادي الجهوي.

وقبل ملامسة هذا الموضوع سيتم تحديد الإطار المفاهيمي للمصطلحات الواردة في موضوع البحث فالجهة وحسب المادة الثالثة من القانون التنظيمي رقم بالشخصية 14.111 المتعلق بالجهات، هي جماعة ترابية خاضعة للقانون العام، تتمتع الإعتبارية والإستقلال الإداري والمالي، وتشكل أحد مستويات التنظيم الترابي للمملكة، باعتباره تنظيما لامركزيا يقوم على الجهوية المتقدمة.

وكما عرفتها لجنة الشؤون الجهوية لمجلس أوروبا على أن " الجهات هي كيانات تتموقع مباشرة تحت رتبة الدولة المركزية، كيانات مزودة بتمثيلية سياسية من خلال وجود "مجلس جهوي منتخب" يدعمه مبدأ الأجدرية، إن الجهوية ترادفها الديمقراطية والمشاركة الشعبية، أي الديمقراطية الجهوية، ولا يمكن تطوير الديمقراطية إلا بالإنطلاق من هذا المبدأ، لأن الجهة تمثل رتبة تتوسط بين الديمقراطية المحلية والديمقراطية الوطنية أو ديمقراطية الدولة، حيث أن صلاحيتها والأشخاص المسيرين لها، هم أكثرقربا من القاعدة
الشعبية أما المجال الترابي  فمفهوم المجال يرتكز في احدى أبعاده الأكاديمية على المقاربة الإعدادية والتنظيمية المتوازنة، أي العمل على تنظيم مختلف الأنشطة الاقتصادية والإجتماعية فوق مجال معين بهدف تحقيق التنمية المندمجة، وهو من جملة المفاهيم التي أصبحت متداولة ليس فقط في العلوم الإنسانية، وإنما أيضا  الإهتمام به من قبل علماء السياسة وعلماء الإجتماع والأنتروبولوجيا.

إذن يكون المجال الترابي هو ذاك الفضاء المركب الذي تمارس الدولة فوقه تنظيم الحكم، حيث أن العلاقة مع المجال تحدد وتعكس نوعية نظام الحكم، وبذلك يكون المجال الترابي موضوعا وألية ورهانا للحكم، وشرطا لوجوده ومبدأ لفعاليته، وبهذا يكون تنظيم الدولة لمجالها الترابي يعكس أهداف وغاية الحكم، وبالتالي يتحدد نوع النظام الإداري الذي تتبناه الدولة في إدارة هذا المجال.

وتعد السياسات العمومية مجال متنوع الإختصاص يجمع بين العلم والتطبيق أو بين النظريات العلمية من جهة وبين المهارات العلمية التطبيقية من جهة أخرى، وهي كل فعل أو عمل تقوم به الحكومة أو من في مقامها يهدف لحل مشكل عمومي في قطاع معين أو داخل مجال جغرافي محدد؟ هي جواب مماسس لمشكل محدد، أما المعهد العالي للدراسات العمومية في فرنسا يعرفها على أنها:

"هي مجموع القرارات والأعمال والتدخلات المتخذة من قبل الفاعلين المؤسساتيينوالإجتماعيين لأجل إيجاد الحلول لمشكل جماعي".
أما بخصوص السياسات العمومية الترابية فهي سياسة تهدف إلى تحقيق توزيع أفضل للسكان والأنشطة فوق مجال معين من خلال سياسة قطاعية ومجالية للتخفيف من التباينات وتحقيق نوع من التوازن المجالي. و تقدمها السلطات السفلى أي الجماعات الترابية إلى الدولة، هكذا فمثلا في فرنسا يتم إجراء ما يقارب 75% من الإستثمارات العمومية في سياق السياسات العمومية المحلية ولقد كان اجماع على أن المستوى المحلي هو الحيز الذي يجب أن تطرح في إطاره المسائل الحقيقية للنمو، هذا الإجماع تثيره كذلك الصعوبة المتزايدة التي يعرفها التسيير المركزي للسياسات الإقتصادية في ظروف وطنية تتميزبالندرة النسبية للموارد العامة، وبمحيط دولي أصبح فيه تمويل التنمية أكثر انتقالية وأقل إرادية.

مسايرة لهذا التوجه عمل المغرب على الإهتمام بالجهة وإعطائها كل الصلاحيات لتباشر عملها من أجل إشباع حاجيات الأفراد، وعرف المغرب فكرة الجهة مند زمن بعيد حيث كان التقسيم الإداري يقوم على أساس قبلي نتيجة كبر مساحة المغرب، كما كان يقوم على اعتبارات عسكرية، تجلت من قبل "الكيش".

والتنظيم الجهوي في بلادنا، عرف تطورا على مر الزمان، لكنه كان يتميز بمركزية للسلطات في العاصمة، وعدم التركيز على الصعيد الجهوي، كما كان التنظيم المحكم للجيش يعتبر أساس التنظيم الجهوي.

فبعد توقيع معاهدة فاس سنة 1912، عمل المستعمر على طمس روح التنظيم المحلي والجهوي الذي عرفه المغرب قبل هذه السنة بغية بسط نفوذه وإحكام القبضة على المغاربة، واستمر في عمليته العسكرية، ولم يستقر له الأمن إلا سنة 1935، وهذا ما حدا بفرنسا إلى تقسيم المغرب إلى جهات مدنية وأخرى عسكرية، وقد عرف المغرب عدة تقسيمات جهوية سنوات 1913، 1919، 1920، 1923، 1926، 1935، 1940.

وبعد الإستقلال، وجد المغرب أمام تركة استعمارية جسيمة ليس فحسب على الفوارق الجهوية بل شملت كافة الأصعدة الإقتصادية، السياسية والإجتماعية، حيث أهمل التقسيم الجهوي الإستعماري ليأخذ الإطار الإقليمي محله كوسيلة تمكن من فرض سلطة الدولة الفتية سياسيا وإداريا بحيث اعتبر الإقليم أهم التقسيمات الإدارية للدول.

فبالرغم من كافة المشاكل التي خلفها الإستعمار المزدوج الفرنسي والإسباني، فإن الدولة أولت اهتماما خاصا بالأقاليم والمناطق الواقعة خارج محور الدار البيضاء- القيطرة محاولة بذلك محاربة فكرة المغرب النافع والمغرب غير النافع باعتبارها فكرة استعمارية تميز بين أقطاب البلد الواحد".

ولم يظهر الإهتمام بالمجال الجهوي والجهة إلا بعد استفحال خطورة الفوارق والتفاوتات الجهوية وعجز الإطار الإقليمي عن مواجهتها نظرا لأنه محدود لا يلائم الهدف المرجو منه في التنمية الإقتصادية والإجتماعية والقضاء على الإختلالات واللاتوازنات التي تعرفها مختلف جهات المملكة.

والحديث عن تجربة واعية مرسومة، ومتكاملة للتنمية الجهوية، ومحاربة الفوارق الإقتصادية بين الجهات والأقاليم التي تتكون منها المملكة، لم يبدأ إلا بعد سنة 1971، أي بعد صدور الظهير المتعلق بإحداث الجهات الإقتصادية السبع، الذي استبعد الطابع الإقتصادي كمعيار لتحديد الجهات وتم الأخذ بالطابع الإداري المحض كأساس لتحديد الجهات السبع حيث بقيت العمالة أو الإقليم الإطار المهيكل والمحدد للقرارات الجهوية البعيدة عن سياسة أعداد التراب الوطني مما خلق خلل واضح في توزيع الإستثمارات التي ظلت متمركزة في جهات عوض أخرى، وبالخصوص مدينة الدار البيضاء؟

وفي ظل هذه العيوب وغيرها، ثم منح الجهة خصوصيتها الدستورية لأول مرة بموجب دستور 1992 الذي اعتبر الجهة مستوى ثالث من الجماعات المحلية بالمملكة"، كان عبارة عن اعتراف صريحا من الدولة بأن الجهة هي أبرز الفاعلين التنمويين المتوقعين في صدارة هرم الوحدات الترابية"، وبعد هذا وبمناسبة افتتاح الدورة التشريعية الرابعة في أكتوبرمن سنة 1992 قال جلالة الملك الحسن الثاني رحمة الله عليه "إن المغرب محتاج إلى تلك الجهات، ذات المجال السياسي المحدود والمجال الاقتصادي والإجتماعي الواسع" وإن لم يكن إلا لسبب واحد وهو الاتي.... هو أنه محتاج إلى الدارس التكوينية التي ستعطيه رجالات يعرفون فيدبرون، فيحسنون التدبير، رجالات يعيشون جنبا إلى جنب مع واقع جهتهم ويتصرفون فيها أحسن تصرف ويخططون لها أحسن تخطيط وأدقه ويعلمون ما هم مقبلون عليه من مسؤولية اقتصادية واجتماعية، هذا ما ينتظره المغرب من الحهات.."، وفي نفس السنة، وبمناسبة عيد العرش قال في خطاب له بهذه المناسبة:"...وسنعمل على تمكين الجهة من الاطار القانوني اللازم لها استكمالا للاصلاح الدستوري لسنة 1992 الذي ارتقى بالجهة إلى جماعة تدير بطريقة ديمقراطية شوونها مشكلة بذلك الأداة الأساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، علما بأن تمكين الجهات من ابراز خصوصيتها لا يمكن أبد ولا يجوز أن يمس بالوحدة الوطنية للبلاد"أ، وهو ما تم تأكيده من خلال دستور 13 شتنبر 1996، حيث أصبحت الجهات وحدة جماعية محلية تخضع لنفس المقتضيات الدستورية التي كانت تخضع لها الوحدات الجماعية الأخرى وذلك بمقتضى الفصول 100، 101، 102 من دستور 1996، كما حاول هذا الأخير إدماج الجهة في المجال السياسي بواسطة نظام التمثيلية، مثلها مثل الأحزاب السياسية والنقابات والغرف المهنية، وذلك في إطار مجلس المستشارين كمؤسسة دستورية تمارس السيادة بصفة غير مباشرة وفقا للفصل الثاني من الدستور5، وبعد هذا عمل المشرع المغربي على وضع إطار قانوني لتحديد اختصاصات الجهة وتنظيمها من أجل معالجة وتجاوز هفوات التنظيم الجهوي القديم، وفي هذا السياق صدر قانون 47.96 المتعلق بتنظيم الجهات".

بعد حصول المغرب على استقلاله لم يهتم الفاعلون السياسيون بالجهة، بل انصب اهتمامهم على استكمال الوحدة الترابية وهذا ما ترجمته من خلال إصدار الظهير الشريف والذي قسم البلاد إلى عمالات وأقاليم؟، وقد واجهت الإدارة المغربية الفتية عدة 1959 عوائق بوصفهما الوصية على إرث الحماية بكل تراكماته. في هذه المرحلة تراجع الاهتمام بالتنظيم الجهوي ليحل محله التنظيم الإقليمي والجماعي بغية فرض سلطة الدولة المستقلة إداريا وسياسيا، إذا اعتبر التقسيم الإقليمي أساس التقسيمات الادارية للدولة ولم يظهر الاهتمام بالمجال الجهوي إلا بعد استفحال خطورة الفوارق والتفاوتات والاختلالات الجهوية وعجز الإطار الإقليمي عن مواجهتها باعتبار محدوديته وقصوره عن تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وبسبب الاختلاف في بناء حجم الأقاليم وعدم تساويها من حيث عدد السكان والموارد الطبيعية لتصبح بعد ذلك الجهة الوسيلة الملائمة لإعداد التراب الوطني"، حيث شكلت الرسالة الملكية الموجهة إلى الحكومة بتاريخ 9 اكتوبر 1967 بمناسبة التحضير للمخطط الخماسي 72.68 إحدى الدعامات التي ارتكز عليها إحداث الجهات الاقتصادية.

وقد أكدت الرسالة على ضرورة إعطاء أهمية كبيرة للمشاكل الخصوصية لمختلف الجهات، وبضرورة تطرق المخطط إلى مشاريع ذات طبيعة وطنية وأخرى جهوية وذلك في إطار متناسق يعطي للبعد الجهوي مضمونه كمعبر عن حاجيات الجهات المختلفة. 

وفي هذا الإطار تؤكد الرسالة الملكية على ضرورة وضع خريطة للمملكة تحدد حدود الجهات على أساس توأمة الأقاليم المجاورة التي لها تجانس التجهيزات وتكامل في الاقتصاد. 

وانطلاقا من هذه الرسالة الملكية انطلق التفكير في الجهة ابتداء من سنة 1968 في إطار وزارة الشؤون الاقتصادية والتخطيط وتكوين الاطارات، ثم في إطار مجموعة دراسة الجهوية بتاريخ 14 يوليوز 1970 والذي حضر مشروعا للجهة منذ 1971.
من هنا جاءت الجهة في تصورات السياسات المغربية على عهد الاستقلال كإطار ملائم لمعالجة الفوارق ولبلورة مخطط جهوي لإعداد التراب على المستوى الجهوي، في إطار التوجهات الوطنية التي تسمح بإدراك الحاجيات الملموسة فيما بين الجهات. 

وقد انطلقت التجربة الجهوية في المغرب سنة 1971 بمقتضى ظهير 16 يونيو 1971 بغية تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، حيث تم تقسيم التراب الوطني الى سبع جهات اقتصادية ونظرا لكون هذا التقسيم لم يكن يسد الثغرة التي جاء من أجلها وبدأت عيوبه تتضح فيما بعد، كان لابد أن يرتقي المشروع بالجهة الى نظام أكثر صلابة وقدرة على مواجهات تحديات الاختلالات الجهوية، وتعزيز اللامركزية وتقوية الديمقراطية المحلية، وذلك بجعلها جماعة محلية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والاداري كباقي الجماعات المحلية الأخرى، وهو ما نص عليه دستور 1992 وسار على هذا النهج دستور 1996 الذي ارتقى بالجهات كتمثيلية سياسية في الغرفة الثانية للبرلمان ( مجلس المستشارين)، وفي هذ السياق صدر قانون 47/96 المنظم للجهات والصادر بمقتضى الظهير الشريف 2 أبريل 1997، غير أن مأل هذه التجربة هو الفشل الذريع حيث لم تستطع تحقيق الأهداف المرجوة منها لتقليص الفوارق وتحقيق التنمية الشاملة وانطلاقا مقتضيات دستور 1996 ومن قانون 47.96 تبين على أن الإرتقاء بالجهة إلى جماعة محلية اختيار وطني وإرادة سياسية لجعل الجهة مكسبا دستوريا وأداة سياسية لتدعيم اللامركزية والديمقراطية المحلية في المغرب وتقليص الفوارق والإختلافات بين المدن والقرى وبين مناطق المملكة، مما أتاح أحداث 16 جهة عبر التراب الوطني بمقتضى مرسوم، ليدخل المغرب بعد ذلك دائرة الدول التي تعمل بهذا النمط من الديمقراطية المحلية واللامركزية، كما حدد هذا القانون اختصاصات ومصادر تمويل الجهة التي تعمل كجماعة محلية تتوفر على مجلس يتمتع بسلطة تداولية وإمكانية مراقبة السلطة التنفيذية من خلال الية تتسم بالإبتكار والتجديد وتغليب جانب التشاور والتواصل والتعاون لكن هذا بدوره لم يعد كافيا لأن الإختصاصات المسندة للجهات لا ترقى إلى مستوى التنفيذ وتصطدم في طياتها بممثل السلطة على مستوى العمالة أو الإقليم (عامل العمالة أو الإقليم مركز الجهة) أضف إلى ذلك الإكراهات المادية، البشرية، الرقابة القبيلة والبعدية.....وقد أثر هذا بشكل سلبي على التجربة الجهوية المغربية وعلى فعاليتها، مما جعلها مثارانتقاد سياسي وقانوني، كان من الضروري على الدولة التعامل معه بجدية، في إطار سياسة الإصلاحات الهيكلية للمنظومة الإدارية والدستورية، ومن أجل توطيد دعائم دولة المؤسسات والحق والقانون، وتأكيدا على الخيار الديمقراطي الذي من أساسياته اشراك المواطن في تدبير الشأن العام، وبذل مجهود حقيقي من أجل الدفع بالتجربة والرقى بها، خاصة وأن المقاربة الجهوية في شقيها التنموي والديمقراطي، بدأت تأخذ بعدا استراتيجيا بالنسبة للدولة من خلال التعاطي مع قضية الوحدة الترابية، والخصوصية اللغوية والثقافية لبعض الجهات، والموقع الجيوستراتيجي لجهات أخرى كالجهة الشرقية والشمالية.

ولما تعددت المطالب والنداءات بضرورة اعادة النظر فى اختصاصات الجهة بشكل يتماشى وينسجم مع تعزيز اللامركزية الإدارية وتقويتها، كان الخطاب الملكي بمناسبة المسيرة الخضراء يتاريخ 6 نونبر 2008 منسجما مع هذا التوجه حيث نص على العمل على تطبيق جهوية متقدمة ومتدرجة، تشمل كل مناطق المملكة، وفي مقدمتها جهة الصحراء المغربية.

وتزامنا مع هذا التوجه تم تنصيب اللجنة الإستشارية للجهوية يوم الأحد 3 يناير 2010 التي أعدت تقريرا يتضمن تصورا حول عدد الجهات المقترحة ومؤهلاتها ومجموعة من الإقتراحات الكفيلة بتنمية الجهات الفقيرة والمهمشة وغير ذلك5. إضافة إلى ذلك أكد الخطاب الملكي في 9 مارس 2011 "على ضرورة القيام بتكريس دستوري للجهوية ينبني على اللاتمركز الواسع في نطاق وحدة الدولة والوطن والتراب ومتطلبات التوازن والتضامن الوطني مع الجهات وفيما بينها"5. وفي 30 يوليوز 2011 صدر للمسألة الترابية خاصة منها الجهات، وهوالشيء الذي جعل المشرع الدستوري ينص على إصدار مجموعة من القوانين التنظيمية والعادية المرتبطة بالموضوع، حيث خص الباب التاسع منه للجماعات الترابية وعلى رأسها الجهات تحت عنوان، "الجهات والجماعات الترابية الأخرى" وقد أتى بعدة مقتضيات جديدة تهم هده الجماعات.

وأهم مستجد جاءت به المقتضيات الدستورية الجديدة والمرتبط بالتدبير المالي للجماعات الترابية هو ما جاء به الفصل 138، حيث نص على أنه: "يقوم رؤساء مجالس الجهات، ورؤساء مجالس الجماعات الترابية الأخرى، بتنفيذ مداولات هذه المجالس ومقرراتها"، وهذا يعني أن رؤساء جميع مجالس الجماعات الترابية سيتولون تنفيذ الميزانية المحلية بما فيها العمالات والأقاليم والجهات، وبالتالي سيصبح رؤساء مجالس الجهات ورؤساء مجالس العمالات والأقاليم هم الامرون بالصرف، عكس ما كان عليه الوضع في السابق حيث أن الامر بالصرف لمجلس الجهة هو الوالي عامل العمالة أو الإقليم مقر الجهة، والعامل فيما يخص العمالات أو الأقاليم، وبالتالي سيتمكن المنتخبين الذين انتخبهم المواطنين من تنفيذ ميزانية مجالسهم بنوع من الحرية.

أما على مستوى المقتضيات الدستورية المتعلقة بالتدبير الجهوي والحكامة الترابية، فقد نص الفصل 136 من الدستور على أن التنظيم الجهوي والترابي يرتكز على مبادئ التدبير الحر، بمعنى أن تمارس الجماعات الترابية اختصاصاتها بما هو موكول لها في النصوص القانونية، والدولة لها حق المراقبة البعدية، أي ترك نوع من الحرية للمدبر المحلي في ممارسة اختصاصاته في مقابل مسائلته عن النتائج التي أنجزها، وله حرية التصرف في الموارد المتاحة له في إطار احترام القانون، ومبادئ التدبير الحر تستمد أسسها من مفهوم "الشخصية المعنوية" التي تتمتع بها الجماعات الترابية وبمقتضاها "" " هذه الأخيرة بالإستقلال الإداري والمالي، وكانت فرنسا هي السباقة في تطبيق مبدأ التدبير الحر  للجماعات الترابية منذ دستور 1958 من خلال الفصل 34 وأكده لتعديل الدستوري 28J مارس 2003 في الفصل 72، وهذا المبدأ يعني أن الجماعات الترابية تدبر بحرية من طرف مجالسها المنتخبة ؟

كما عمل المشرع المغربي على تنظيم الإطار القانوني للجهة بإصدار قانون تنظيمي جديد رقم 111.14 يعوض القانون القديم رقم 47.96 حيث اسند المشرع مجموعة من الإختصاصات الجديدة للجهة، منها التي تتخذ صبغة ذاتية (الباب الثاني) ونها ما هي مشتركة (الباب الثالث) ومنها ما هي منقولة (الباب الرابع)، وبالرجوع إلى مقتضيات القانون التنظيمي للجهات 111.14 الذي تضمن العديد من المواد التي تبرز الدور المهم للجهات في مجال السياسات العمومية الترابية، حيث نصت المادة 81 على أن الجهة تمارس اختصاصات ذاتية في مجال التنمية الجهوية، كما تقوم بإعداد وتتبع تنفيذ برنامجالتنمية الجهوية والتصميم الجهوي لإعداد التراب. 

وبموجب هذه المقتضيات الدستورية والقانونية الجديدة أضحت الجماعات الترابية بصفة عامة والجهات بصفة خاصة شريكا أساسيا في تفعيل السياسة العامة للدولة، وعنصر مهما في إعداد السياسات العمومية من خلال ممثيلها في مجلس المستشارين، الذي ينتخب لمدة ست سنوات وهي نفس مدة انتداب أعضاء مجالس الجهات وباقي الوحدات الترابية الأخرى، لكن بالرجوع إلى الإختصاصات الجديدة التى تم منحها للجهة من أجل تدبيرها للمجال الترابي يلاحظ أن الهدف الأساسي منها ليس هو تنفيذ السياسات العمومية للدولة فى المجال الترابي وإنما هو دعم دور الجهة في بلورة سياسات عمومية ترابية، لأن تحقيق مجالية السياسات برامج اقتصادية تنموية جهوية والتنسيق بين جميع الفاعلين الجهوين، مؤسسات الدولة ومصالحها الخارجية، المقاولات الخاصة، الجمعيات المهنية والمنظمات المدنية الجهوية، كما تقتضي من جهة ثانية استغلال جميع عناصر المجال الجهوي الطبيعية والبشرية بشكل عقلاني يكون في خدمة المجال الترابي الجهوي.

وموضوع سلطات الجهة في المجال الترابي بالمغرب دراسة تحليلية لأدوات السياسات العمومية الترابية الجهوية على ضوء المقتضيات الدستورية والقانونية لما بعد 2011 يكتسي أهمية بالغة تتمثل في:

توضيح دور الجهة ودور باقي الفاعلين ( الدولة، وباقي الجماعات الترابية الأخرى) في تدبير المجال الترابي ببلادنا، حيث يلاحظ أن الجهة ليست وحدها من تتدخل في تدبير "الشؤون الجهوية" بل أن الدولة تتدخل هي الأخرى بصورة أو بأخرى نظرا للتداخل الملموس بين القضايا الجهوية والقضايا الوطنية، كثيرا من القضايا المشتركة تتطلب حضور الطرفين معا في أن واحد.

توفر الجماعات الترابية بصفة عامة والجهة بصفة خاصة على سلطة تنظيمية، وهذه السلطة التنظيمية جاءت بها المقتضيات الدستورية للدفع بسياسة اللامركزية إلى أبعاد وسياقات أخرى، تجعل من الجماعات الترابية وسيلة وأداء لخدمة التنمية المجالية !

كون السياسات العمومية الترابية أصبحت هي الأداة الأولى التي من خلالها يمكن للجهة تحقيق الأهداف الطامحة إليها، خاصة في ظل تخويلها صلاحيات أكثر اتساعا مما يفترض عقلنة هذه السياسات العمومية الترابية وجعلها أكثر نجاعة حتى تتمكن الجهة من النهوض بصلاحياتها التنموية. 

كون موضوع السياسات العمومية الترابية يهم مختلف الفئات داخل المجتمع فهو يهم الباحث، والمواطن العادي، والحقوقي، والمسؤولين.

كون موضوع اللامركزية وتحقيق الديمقراطية المحلية أصبح يكتسي في الوقت الراهن أهمية بالغة في ظل عالم يتطور باستمرار، وتتوالى أحداثه بشكل مذهل ومثير من الصعب احتواؤها أو التحكم في مجرياتها، لذلك تتطلع أغلب المجتمعات المعاصرة إلى تحقيق المزيد من الإصلاحات في مجال اللامركزية ؟ 

وترسيخ قاعدتها عن طريق تعزيز سلط ومهام المنتخبين حتى تصبح أكثر حداثة وانفتاحا واندماجا في سيرورة التنمية الاقتصادية والإجتماعية للبلادة، وتعزيز كل المجهودات التي تهدف إلى تحديث الإدارة اللامركزية وجعلها تتبنى مفاهيم الحكامة الجيدة والنجاعة والفعالية والسرعة في الأداء كمفاتح للعصر، وذلك من أجل تدبيرجيد ورشيد للشؤون العامة المحلية والسهر على مصالح المواطنين الإدارية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية والبيئية.

و في هذا السياق تندرج إشكالية هذا البحث فيما يلي:

تحليل الفرص التي تتيحها المقتضيات الدستورية والتنظيمية لما بعد 2011 للمتدخلين في بلورة سياسات عمومية بالمجال الترابي الجهوي، وتحديد شكل توزيع الأدوار بين الجهة وباقي المتدخلين وفق هذه المقتضيات.

تفيد هذه الإشكالية على أ، المجال الترابية ليس مجرد إطار تنظيمي لتنفيذ السياسات العامة الوطنية التي يتم رسمها على المستوى المركزي، أي أن السياسات العمومية الترابية الجهوية ليست مجرد تنفيذ للسياسات العامة الوطنية.

بالإضافة إلى أن تحديد موضوع سلطات الجهة في المجال الترابي بالمغرب دراسة تحليلية لأدوات السياسات العمومية الترابية الجهوية على ضوء المقتضيات الدستورية والقانونية لما بعد 2011 بهذا الشكل يتطلب الإجابة عن السؤال المرتبط بعلاقة المركزي بالترابي، أو تحديد أبعاد وسياقات سلطات الدولة وسلطات الجهة وسلطات باقي الوحدات الترابية في تدبير المجال الترابي.

ويتفرع عن هذه الإشكالية العامة مجموعة من التساؤلات الفرعية والتي يمكن إجمالها فيما يلي:

ماهي انعكاسات الصلاحيات الدستورية والقانونية الجديدة على الجهة في تدبير المجال الترابى ؟
ماهي الإختصاصات التي اسندت للجهة بعد 2011 لتدبير المجال الترابي؟ وما هو إطارها المؤسساتي؟
كيف هي العلاقة بين الجهة وباقي الفاعلين في تدبير المجال الترابي؟
ماهي الأدوات التي منحتها المقتضيات الدستورية والقانونية للجهة لتدبير السياسات العمومية الترابيةالجهوية في ظل تعدد المتدخلين؟
لمناقشة هذه الإشكالية سيتم الإنطلاق من الفرضيات التالية؟

الفرضية الأولى: أن تعدد المتدخلين في المجال الترابي يشكل له مجموعة من الإكراهات التي تحد من حرية هامش تصرف الجهة في تدبيرها لهذا المجال.

الفرضية الثانية: أن بلورة السياسات العمومية الترابية من طرف الجهة وتحقيق حكامة ترابية في تدبيرالمجال الترابي مرتبط بنسبة كبيرة بتفعيل الاليات والمبادئ الجديدة التي منحتها المقتضيات الدستورية والتنظيمية لما بعد 2011 للجهة.

الفرضية الثالثة: سلطة الجهة في مسلسل السياسات العمومية الترابية يتعزز بالتوفر على نخبة سياسية وإدارية وبإشراك الفاعلين المحليين غير العموميين.

إن مسألة تدبير المجال الترابي هي مسألة جد معقدة يتداخل فيها ماهو سياسي، قانوني وإقتصادي.... وللإحاطة بعناصر الإشكالية المطروحة والتحقق من الفرضيات الموضوعة سوف يتم الإعتماد على المنهج القانوني لكونه يعد المدخل الصحيح لفهم الواقع ومعطياته، على هذا الأساس سوف يتم اعتماده لدراسة ما جاءت به المقتضيات القانونية خاصة منها: دستور المملكة لسنة 2011، والقانون التنظيمي للجهات رقم 111.14.

أما عن استعمال المنهج الوظيفي فسيكون من خلال التحليل الذي ينصب على الجهة ووظائفها وكذا باقي الفاعلين في تدبير المجال الترابي، والتغيرات التي طرأت عليها (الجهة) على المستوى الوظيفي من خلال المحطات التاريخية التي مرت منها وكذا الرهانات المعقودة عليهاة.

أما المنهج التاريخي سيتم من خلاله مناقشة السيرورة التاريخية لتطور الجهة بالمغرب وذلك من أجل الثأتيت والبناء الأولي في هذا الموضوع.

بالإضافة إلى الإعتماد على المقاربة المنهجية سيتم الإعتماد على مجموعة من الأدوات المنهجية الأخرى ومنها نظرية المجال الترابي والتي ترتبط بالوحدات الترابية، أي وجود مجال ترابي مكون من مجموعة من الفاعلين يقومومن بتنفيذ مشاريع وسياسات عمومية ترابية يجب أن تكون فيها التقائية بين المصالح وإيجاد توازن بين المجالات. 

ولتحليل الموضوع والإجابة تبعا لذلك عن الإشكالية المركزية المطروحة سيتم تناول الموضوع من خلال نقطتين أساسيتين:

الفصل الأول: المقومات القانونية لتذبير المجال الترابي الجهوي

الفصل الثاني: أدوات واليات تجويد تدبير المجال الترابي

---------------------------

لائحة المراجع :

الكتب :

- عبد الله حارسي، دراسة في القانون العام، سنة 2013.
- عبدالله شنفار:"الفاعلون المحليون والسياسات العمومية المحلية - دراسة في القرار المحلي"المطبعة والوراقة الوطنية بمراكش،سنة 2015.
- بوجمعة بوعزاوي، المغرب الجهوي ورهان الجهوية المتقدمة، سنة 2015
- علي سدجاري:"الدولة والإدارة بين التقليد والتحديث"،دار المناهل للطباعة والنشر الرباط،طبعة 1994.
- علي بولربح:"الجهوية والتنظيم الترابي-نحو جهوية متقدمة بالمغرب"، مطبعة الطوبريس للطباعة والنشر طنجة،مارس 2012.
- علي بولربح:"الجهوية والتنظيم الترابينحو جهوية متقدمة بالمغرب"، مطبعة الطوبريس للطباعة والنشر طنجة،مارس.
- المهدي بنمير:"الجماعات المحلية ومسألة التنمية المحلية"سلسلة اللامركزية والجماعات المحلية، مطبعة الوراقة الوطنية، طبعة اولى،مراكش.
- حميد ابولاس:"تدبير الموارد البشرية،نموذج الإدارة الجامعية"مطبعة دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع،ط2005.
- بهيجة هسكر:الجماعات المقاولة بالمغرب، الأسس، المقومات والرهانات،س.اللامركزية وادارة المحلية عددو طوب بريس رباط.ط،الاولى2010
- محمد بوجيدة:"التنظيم الجهوي اللامركزي بالمغرب:دراسة تحليلية نقدية على ضوء القانون الجديد للجهات والممارسة العملية"، مطبعة دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع،سنة 2000.
- جمال خلوق:"التدبير الترابي بالمغرب-واقع الحال ومطلب التنمية"، مكتبة الرشاد سطات، فبراير،2009.


تعليقات