آخر مقالات

إشكالية النفقة على ضوء مدونة الأسرة والعمل القضائي

عرض بعنوان: إشكالية النفقة على ضوء مدونة الأسرة والعمل القضائي المغربي PDF

عرض بعنوان: إشكالية النفقة على ضوء مدونة الأسرة والعمل القضائي المغربي PDF
مقدمة
من منطلق كون الأسرة الخلية الأساس في المجتمع، فهي اللبنة الأولى التي تشكله ، فاستقامته رهينة باستقامتها، وبانحلالها يتخلخل البناء السليم للمجتمع، فهي متكونة من روابط الزواج والأبوة...، وقائمة على أساس علاقات المودة والرحمة والمعاملة بالمعروف والالتزام المتبادل بين الزوجين، وفي ذلك يقول جل شأنه:" ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة"[1]
وقد نظم القانون العلاقات الأسرية كجزء من العلاقات الإنسانية وئاما وخلافا، سعيا لإقاماتها على أمتن الدعائم، والالتزام فيها بحسن الصحبة وجميل المعاشرة ،وإشاعة السعادة داخل الأسرة ،وهي الفضاء الذي يشبع فيه الفرد حاجياته المعنوية ومتطلباته المادية.
وتتجلى الحكمة في إحاطة العلاقات الأسرية بالتنظيم الدقيق، في عدم ترك الناس إلى طبائعهم إزاء واجباتهم ومسؤولياتهم العائلية، لما قد يدعو إليه من مفاسد عظيمة الخطر ، بتخلص الأزواج من واجبهم نحو زوجاتهم ،وقلة عناية الاباء بالأبناء وهم صعاف في مسيس الحاجة إلى العناية بهم ،وتملص الأبناء من الإحسان إلى ابائهم. 
ولعل من بين أهم الواجبات المترتبة عن عقد الزواج، ما يتحمله الزوج من واجب الرعاية الاقتصادية للأسرة، وذلك بالإنفاق على الزوجة والأطفال، كما يتحمل الأطفال عند بلوغهم مع القدرة على الكسب، واجب الإنفاق على والديهم بشروط معينة.

أهمية الموضوع:
وتكمن أهمية دراسة موضوع النفقة في التغيير الحاصل للأسرة على مستوى  تركيبتها، ودور كل فرد فيها، فلم يعد الرجل وحده القادر على الكسب وإعالة الأسرة، كما لم تعد المرأة تكتفي بالدور التقليدي المتمثل في العمل داخل البيت، والسهر على تربية الأطفال، بل تحولت إلى فاعل اقتصادي هام ،وتشكل نسبة مهمة من اليد العاملة في مختلف الميادين. أضف إلى ذلك ما حصل من تغيير على مستوى المقتضيات القانونية المنظمة للنفقة.

الإشكالية:
ومن هذا المنطلق يمكن طرح الإشكال التالي: إلى أي حد استطاع المشرع المغربي من خلال مدونة الأسرة وضع تنظيم قانوني دقيق عالج معه ما تطرحه النفقة من إشكالات؟
يمكن القول إن أهمها أساس وجوب نفقة الزوجة؟، ومدى إمكانية مساهمتها في النفقة الزوجية؟ وما هي مشتملا النفقة؟ وما هي الاعتبارات المعتمدة في تقديرها؟ وكيف تعامل القضاء المغربي مع كل ذلك؟...

المنهج المعتمد:
سنعتمد في دراستنا لهذا الموضوع على المنهج الوصفي التحليلي والمقارن

خطة البحث:
وللإجابة عن الإشكالية المتعلقة بهذا الموضوع سنعتمد للتصميم التالي:

المبحث الأول: ماهية النفقة وحكم مشروعيتها.
المطلب الأول: الاحكام العامة للنفقة
الفقرة الأولى: تعريف النفقة.
الفقرة الثانية: أسباب وجوب النفقة
المطلب الثاني: أنواع النفقة ومشتملاتها.
الفقرة الأولى: أنواع النفقة.
الفقرة الثانية: مشتملات النفقة وعناصرها.
المبحث الثاني : سلطة القاضي في تقدير النفقة وآثار الامتناع عن أداءها.
المطلب الأول : خصوصيات دعوى النفقة وسلطة القاضي في تقديرها
الفقرة الأولى : خصوصيات دعوى النفقة
الفقرة الثانية : سلطة القاضي في تقدير النفقة.
المطلب الثاني: آثر الامتناع عن أداء النفقة:
الفقرة الأولى: شروط قيام جريمة إهمال الأسرة
1 وجود أساس شرعي عائلي بالالتزام بالنفقة:
2 صدور حكم قضائي نهائي:.
الفقرة الثانية: أركان جريمة إهمال الأسرة:
أولا: الامتناع عن أداء النفقة:
ثانيا: القصد الجنائي:

المبحث الأول: ماهية النفقة وحكم مشروعيتها

في ظل الحياة الاجتماعية وضغط الظروف الاقتصادية التي باتت تطال المجتمع المغربي، وهروب الكثير من الأزواج من الواجبات الملقاة على عاتقهم بحكم القانون والشرع، فقد أصبحت العديد من القضايا تعم محاكمنا ومنها دعاوى النفقة، وهذا ما يفرض التعرض لموضوع المبحث الذي بينا ايدينا بتقسيمه الي مطلبين، يتناول الأول منها الاحكام العامة للنفقة، ويتناول الثاني أنواع النفقة ومشتملاتها.

المطلب الأول: الاحكام العامة للنفقة

يقصد بالأحكام العامة للنفقة تلك القواعد التي تتضمن مقتضيات مشتركة تسري على جميع أنواع النفقات حيث سنتطرق لتعريف النفقة (الفقرة الأولى)، أسباب وجوب النفقة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: تعريف النفقة

النفقة لغة: اسم من الانفاق، وهو الإخراج ولا يستعمل الا في الخير، وجمعها نفقات ونفاق –بكسر النون- وتطلق على ما ينفق الانسان على عياله[2].
وشرعا: اخراج الشخص مالا ينفق به من تجب عليه نفقته[3]وتجب النفقة على الزوج انطلاقا من الحكم التعبدي المنصوص عليه بالكتاب والسنة والإجماع، يقول تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها}[4].
النفقة في الاصطلاح القانوني: لم يعمد المشرع المغربي الى إعطاء تعريف لنفقة على شاكلة الفقه، وانما اكتفى بالذكر الأصناف التي تجب لهم النفقة وشروط ذلك، وهذا ما قام بيه المشرع الجزائري حيث أكد بدوره على وجوب النفقة بداية من الزوجة الى الأولاد فالأقارب، من خلال نصوص المواد من 74 إلى 77 من القانون رقم 84/11.
فلا جدال مبدئيا في أن نفقة الزوجة لا تعني في مجمل المبادئ الفقهية إلا نفقة الزوج على الزوجة والذي تنص عليه المادة 194 “تجب نفقة الزوجة بمجرد البناء، وإذا دعته للبناء بعد أن يكون قد عقد عليها”. قد اتفقت جل المذاهب الفقهية على وجوب نفقة الزوجة على زوجها ومن ذلك جاءت المادة 199 من مدونة الأسرة الباب الثالث فيها يتعلق بالنفقة على الأولاد والتي نصت على أنه “إذا عجز الأب كليا أو جزئيا عن الإنفاق على أولاده ،وكانت الأم موسرة وجبت عليها النفقة بمقدار ما عجز عنه الأب”، وينتج عن ذلك عدم سماع دعوى الزوجة (التطليق) إذا تزوجت الرجل وهي عالمة بأنه عاجز عن الإنفاق عليها
وبذلك فقد استجاب المشرع المغربي بشكل فعلي للاتفاقية الدولية التي صادق عليها والمبرمة بنيويورك بتاريخ 16 دجنبر 1966 والتي تنص على المساواة بين الرجال والنساء حسب ما ورد في الفصل 23 منها: ” على الدول الأطراف في الاتفاقية الحالية اتخاذ الخطوات المناسبة لتأمين المساواة في الحقوق – والمسؤوليات- عند الزواج وأثناء قيامه وعند فسخه” وقد يأتي السند الواقعي ليؤكد أن المرأة في الواقع هي صاحبة الولاية على الأولاد بل حتى على الزوج[5] في هذا الصدد أكد المجلس الأعلى في قرار جاء فيه : "[6] حيث انه بمقتضى المادة 199 من مدونة الاسرة فان الام اذا كانت ميسورة وجبت عليها النفقة على أولادها بمقدار ما عجز عنه الاب والمحكمة لما قضت بجعل واجبات تمدرس الأبناء الباهظة للتكاليف في ثلاثة اشهر على كاهل الطرفين بناء على اتفاقهما المسبق والبحث والخبرة اللتين أنجزتهما المحكمة على الوضعية المادية للطرفين والتي استنتجت منهما يسر الام التي تشغل مهنة الصيدلة، وإقرارها بفتح حساب بنكي مشترك بينهما وبين المطلوب قبل وقوع النزاع المخصص لنفقة الأبناء، تكون قد استعملت سلطتها في تقدير ما ال اليه قضائها واقامته على وثائق لها اصلها في الملف. "

الفقرة الثانية: أسباب وجوب النفقة

بالرجوع الى مقتضيات مدونة الاسرة نجدها حددت أسباب وجوب النفقة على الغير في ثلاثة: الزوجية، والقربة، والالتزام، والفقهاء جعلوها أربعة بزيادة" الملك"[7] واصل ذللك ما روى البخاري ومسلم ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : " افضل الصدقة ما ترك غني ، واليد العليا خير من السفلي ، وابدا بمن تعول، تقول المرأة : اما ان تطعمني ، واما ان تطلقني ، ويقول العبد : اطعمني واستعملني ، ويقول الابن : اطعمني الى من تدعني "[8]، وما روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم : "من نذر ان يطيع الله فيلطعه، ومن نذر ان يعصيه فلا يعصه" [9] وترتب عليه وحسب ما جاء به الفقه فأسباب وجوب النفقة أربعة اولي هذه الأسباب الزوجية لقوليه تعالى : "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما انفقوا من أموالهم "[10] وثاني أسباب وجوب النفقة القرابة وتشمل الولدين والأولاد ، اما الولدين فلقوله تعالى : وقضى ربك الا تعبدوا الا إياه وبالولدين احسانا " [11] اما الأولاد فلقوله سبحانه وتعالى :"وعلى المولد له ,رزقهن وكسوتهن بالمعروف "[12] وثالت هذه الأسباب الالتزام ويقصد به كل وعد مبني على شرط او سبب فيجب تنفده بوجود هذا الشرط او هذا السبب ، ويدخل في ذللك الالتزام بالنفقة على الغير .واصل ذلك قوله تعالى :
"يأيها الذين امنوا لن تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون "[13]ومن بين حالات الالتزام بالنفقة التزام الزوجة بالنفقة على أبنائها بمقتضى الخلع ،اما رابع هذه الأسباب والتي لم تأخذ بيه مدونة الاسرة فهو الملك استنادا للقاعدة الفقهية :"كل مالك ملزم بنفقة مملوكه" ويشمل العبيد والحيوان.
ونلاحظ ان السبب وراء ازالت سبب الملك في المدونة راجع بالأساس لعدم وجود العبودية اليوم، ولان مللك الحيون يدخل ضمن القانون النظم للممتلكات. وجدير بالإشارة انهلا يمكن تصور الانفاق ممن ليست له الكفاية عن نفسه، ولا يستطيع ذلك البتة، فمن افتقد نفقة نفسه لا يكلف بنفقة غيره، نسبة لقاعدة: "فاقد شيء لا يعطيه، اما إذا كان مليء الذمة ،فانه ملزم بالإنفاق على من تجب نفقتهم عليه، وهذا ما أكده المشرع المغربي في المادة 188 من مدونة الاسرة التي نصت على "لا تجب على الانسان نفقة غيره الابعد ان يكون له مقدار نفقة نفسه، وتفترض الملاءة الى ان يثبت العكس". ونرى انا المشرع أحسن صنعا عندما افترض في شخص دائما ملاءة الذمة ما لم يثبت عكس ذلك، لأنه بذلك يحمي حقوق الغير من أي تملص. وفي نفس الاتجاه سار التشريع الجزائري الذي اعتبر بدوره ان من حقوق الزوجة على الزوج النفقة ويجعل ذلك مرتبط بتوفر شرطين أولهما: الدخول بالزوجة: بغد ان يكون عقد الزواج صحيحا ن وهذا ما نصت عليه المادة 74 من القانون 84/ 11اما الزوجة المعقود عليها فقط دون الدخول بها فلا نفقة لها على زوجها الا في الحالة التي يتم العقد بصفة رسمية صحيحة ويتباطأ الزوج في الخول بها لسبب غير معروف او غير شرعي وللمحكمة ان تقضي لها بها إذا طلبتها وقدمت بيانات وادلة لتدعيم طالبيها[14]. وتأني شروط وجوب النفقة على الزوجة هو الحكم القضائي عن طريق رفع دعوى مدنية كما هو موضح في المادة 74من القانون رقم 84/11او عن طريق الحكم الاستعجالي كما نصت عليه المادة 57 مكرر من الامر 02/05. كما اوجب المشرع الجزائري النفقة على أصناف اخرى الى جانب الزوجة، كواجب نفقة الاب على ولده ما لم يكن له مال وهي بالنسبة للذكر الى سن الرشد المدني وهو 19 سنة وبنسبة للأنثى الى الزواج والدخول بيها.

المطلب الثاني: أنواع النفقة ومشتملاتها

بعد ان تناولنا في المطلب الأول الاحكام العامة لنفقة سننتقل في هذا المطلب لمعاجلة شق الاخر متعلق بأنواع النفقة واستحقاقها وحالات سقوطها من خلال تقسم هذا المطلب بدوره الى فقرتين نخصص الأولى لأنواع النفقة لننتقل بعد ذلك لنتطرق في الفقرة الثانية إلى مشتملاتها.

الفقرة الأولى: أنواع النفقة

باستقرائنا للمادة [15]193 من مدونة الاسرة، يتضح لنا انها رتبت مستحقي النفقة بالأولوية، بحيث ان المكلف بالنفقة إذا لم يستطيع لسبب من الأسباب ان يسدد نفقة كل من تلزمه نفقتهم، فان الله عز وجل لا يكلف نفسا الا وسعها، وهذا ما سار عليه الفقهاء حين رتبوا مستحقي النفقة أولا بأول[16] حسب التالي:
1) أولى الناس بنفقة الشخص هو نفسه أولا.
2) ان فضل شيء قدمت الزوجة، لان نفقتها كانت في مقابل القوامة والطاعة والاحتباس في بيت الزوجة للقيام بواجباتها الزوجية، لقوله تعالي "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بغض وبما أنفقوا من أموالهم" [17]
3) ثم الأولاد الصغار لضعفهم وقلة حلتهم وعدم قدرتهم على الكسب، ثم الأولاد الكبار المحتاجين للنفقة، تقدم الأنثى من الأولاد على الذكر لأنها احوج بالنفقة من الذكر، لأنها إذا خرجت للبحث عن نفقتها تكون معرضة للافتان بها، لأنه لا تكاد انثى تخلو من شهوة.
4) ثم الولدين وتقدم الام على الاب لما روى البخاري ومسلم واللفظ له عن ابي هريرة قال رجل: يا رسول الله من أحق الناس بحسن الصحبة؟" أمك ثم أمك ثم أمك ثم ابوك ثم ادناك"[18]
وفي نفس السياق نجد ان المشرع الجزائري بدوره قضي في المادة 74 من القانون11/84 بوجوب النفقة على الزوجة متى توفرت شروطها، علاوة عن وجوب النفقة على الام، وهذا في حالة ما اذا اصبح الاب عاجزا عن الكسب وهذا الواجب لا ينتقل للام الا اذا كانت ذات مال وذات دخل[19]، واما اذا أصبح كل منهما عاجزا عن النفقة فان الواجب ينتقل الى الأقارب، فإن انعدمت القرابة، فإنه ينتقل الى خزينة الدولة المكلفة برعاية العجزة من أبناء الشعب[20]، وهذا ما يستشف من احكام المادة76والمادة 77 من القانون رقم 84/11. ناهيك عن وجوب النفقة على الأصول والفروع .
وعلى الرغم من ان مذهب الامام مالك قد اقتصر في وجوب النفقة على الابوين دون الأجداد والجدات، وعلى الأبناء دون الأحفاد والحفيدات فإن قانون الأسرة الجزائري لم يعتمد على ذلك، وإنما أخذ جزئيا بما في المذهبين الشافعي والحنبلي من حيث تمديد النفقة الواجبة لتشمل كل الأصول وكل الفروع، وهذا ما أخذت به مجلة الأحوال الشخصية التونسية في الفصلين 43-[21]44.

الفقرة الثانية: مشتملات النفقة وعناصرها

بالرجوع الى مقتضيات المادة 189 من مدون الاسرة التي نصت على" تشمل النفقة الغداء والكسوة والعلاج، وما يعتبر من الضروريات والتعليم للأولاد...." نجد أنها حددت مشتملات النفقة في السكنى[22][23][24][25]، ويعني بيها بيت الزوجية حيث يقم الزوجان وابناؤهما، والطعام حيث يلزم الزوج بتوفر الطعام لأسرته، والكسوة من لباس يحمى الجسد من الشتاء، ويستر من القيظ صيفا، ثم العلاج إذا مرض أحد افراد الاسرة وكل ما يعتبر ضروريا يدخل في النفقة بما في ذلك مصاريف تعليم الأولاد .
وعليه نستشف من منطوق المادة 189 ان ما ليس ضروري لا يدخل في النفقة كما هو شان بالنسبة لمصارف التعليم الخصوصى وفي هذا الصدد جاء قرار[26] بما يلي :"لكن حيث ان المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه أسست ما قضت بيه من عدم قبول طلب المصاريف الدراسية لابن على عدم إثبات الطاعنة ما ادعته من كون المطلوب هو الذي ختار تسجل ابنه في مؤسسة خصوصية مؤدى عنها بدلا من التعليم العمومي المجاني رغم تكليفها من طرف المحكمة مما يكون معها قرارها مرتكز على أساس قانوني ". في حين تناول المشرع الجزائري أيضا مشمولات النفقة من خلال المادة 78من القانون 84 /11 والتي نصت على "الغداء والكسوة والعلاج والسكن او أجرته وما يعتبر من الضروريات في العرف والعادة "
وبالرجوع الى المادتين أعلاه يتضح انا كل من التشريعين ح ك ما العرف والعادة لبيان الأمور الضرورية في النفقة، لان عادات الناس تختلف من زمن الاخر. وإذا كان الاجتهاد الحنفي وغيره لا يوجب علي الزوج نفقة تطبيب لزوجته لكون فائدة التطبيب غير متيقنة في تلك الازمنة، فانه لا يصح ابدا ان يقال في عصرنا هذا الذي أصبحت للطب فيه نتائج كثيرة من الحالات محققة يقينية، والحاجة اليه توزي حاجة الانسان الي الطعام والكساء[27].
وعلى هذا أساس فان المشرع المغربي والجزائري بإدخالهما للعلاج في النفقة قد ساير في ذلك متطلبات العصر الحالي وازدياد الحاجة الى العلا."
وجدير بالذكر ان المشهور في فقه مالك ان اجرة الولادة على الزوج ولو كانت الزوجة مطلقة، وكذلك ما جرت به العادة مما تتقوى به المرأة عند الولادة ومذهب الزيدية ان ثمن الادوية واجرة الطبيب من نفقة الزوجة لان المراد بها دوام الحياة، وقرر الشافعي ان الدواء واجرة الطبيب للاب وان علا وللولد وإن نزل[28].

المبحث الثاني : سلطة القاضي في تقدير النفقة وآثار الامتناع عن أداءها

تعتبر السلطة التقديرية للقاضي لصيقة بممارسته لنشاطه القضائي. أيا كان موضوع المنازعة فهذه السلطة عمل يقوم به القاضي بهدف تحقيق الغاية الموضوعية من القانون ومن تم تعد من صميم عمله ،ومن الصعوبة بما كان ان نجد تعريف واضحا دقيقا لهذه السلطة لأنها لا تقوم على أساس موضوعي فهي لا تختلف من حيث ممارستها من قاض الى اخر فحسب. بل انها قد تختلف لدى نفس القاضي باختلاف الظروف والازمنة وكل ما يمكن قوله ان السلطة التقديرية وسيلة لمواجهة ظروف تطبيق القانون.
وتجدر الإشارة في هذا الصدد الى مدونة الاسرة المغربية جاءت معظم نصوصه مرنة تسمح للقاضي بإيجاد الحل المناسب باختلاف الظروف والملابسات، فقد فتحت الباب واسعا امام القاضي لإعمال سلطته التقديرية. وعليه سنكتفي خلال هذا المبحث بدراسة خصوصيات دعوى النفقة وسلطة القاضي في تقديرها (المطلب الأول) واثار الامتناع عن اداءها (المطلب الثاني) .

المطلب الأول : خصوصيات دعوى النفقة وسلطة القاضي في تقديرها

سوف نتطرق في هذا المطلب إلى خصوصيات دعوى النفقة (الفقرة الأولى) وكذا إلى سلطة القاضي في تقدير تلك النفقة (الفقرة الثانية)

الفقرة الأولى : خصوصيات دعوى النفقة

تتصف دعوى النفقة في القانون المغربي بمجموعة من الخصوصيات التي تميزها عن غيرها من الدعاوى المرتبطة بالنزاعات الأسرية، فمن جهة تعتبر هذه الدعوى من بين الدعاوى التي استثناها المشرع[29][30] من الخضوع لأحكام المسطرة الكتابية، وبالتالي فتطبق بخصوصها قواعد المسطرة الشفوية في الإجراءات وفي المرافعات.
كما أن طلبات النفقة معفاة من أداء الرسوم القضائية بقوة القانون بحكم الطابع الاجتماعي الذي يكتسيها بموجب قانون المالية لسنة 1984 المتعلق بتطبيق المصاريف القضائية، إضافة إلى أنها معفاة من إلزامية تنصيب محام وهو استثناء تم التنصيص عليه في قانون المحاماة [31][32][33].
ونجد أن الفصل الرابع من التنظيم القضائي الحالي للمملكة جعل الاختصاص في دعاوى النفقة ينعقد للقضاء الفردي، مع الإشارة انه كلما ارتبط طلب النفقة لأحد الطلبات الإضافية أو المقابلة التي ينعقد فيها الاختصاص إلى القضاء الجماعي، فان القاضي ملزم برفع يده عن القضية بموجب أمر ولائي قصد إحالتها على القضاء الجماعي[34].
ومن بين خصوصيات دعوى النفقة أيضا كون المشرع حدد لها أجلا يتعين على المحكمة البت فيها داخل أجل أقصاه شهر واحد[35].
ومن البديهي أن مدة الشهر هي عبارة عن اجل تحفيزي القصد منه الإسراع بإصدار حكم النفقة نظرا لطابعها المعيشي، حيث يستحيل عمليا احترام ذلك الأجل في كافة الظروف والأحوال. لاعتبارات إجرائية وموضوعية في مقدمتها اكتظاظ المحاكم بالملفات وتأخيرها لأسباب غالبا ما تكون وجيهة، ومن ذلك التغيبات[36].
وكذلك الحكم الصادر في دعوى النفقة لا يستنفذ أثره كله بمجرد تنفيذه، وإنما يستمر في ترتيب ذلك الأثر في المستقبل بالنسبة للنفقات التي لم تكن محل طلب، وهو ما يستفاد من الفقرة الأخيرة من المادة 191 من مدونة الأسرة وتنص على انه: " الحكم الصادر بتقدير النفقة يبقى ساري المفعول إلى أن يصدر حكم أخر يحل محله، أو يسقك حق المحكوم له في النفقة ".
والظاهر ان هذه القاعدة الأخيرة، إنما هي في واقع الأمر ردة فعل منطقية ضد المتاعب الكبرى التي كانت تتعرض لها الزوجة أو المطلقة، بسبب أن الحكم القضائي كان تنفيذه قاصرا على مضمونه وحده والمرتبط بفترة زمنية سابقة على الحكم، أو على الأقل مرتبطة بوقت صدوره. وهو مما كان يغرق الزوجة في دعاوى النفقة[37].
ومن خصوصيات الأحكام الصادرة في قضايا الأسرة أنها تكون مشمولة بالتنفيذ المعجل وذلك طبقا للفصل 179 مكرر من قانون المسطرة المدنية " : يبت في طلبات النفقة باستعجال وتنفذ الأوامر والأحكام في هذه القضايا رغم كل طعن ".
وهكذا، وحسب هذا المقتضى، فالتنفيذ المعجل للأحكام والأوامر المتعلقة بالنفقة مقرر بقوة القانون لا يحتاج إلى أن يقدم بشأنه طلب، ولا إلى النص عليه في صلب الحكم ،وليس لمحكمة الاستئناف أن توقفه .
وفي هذا الصدد، جاء في قرار للمجلس الأعلى " : ...الأوامر الصادرة في طلبات النفقة تنفذ بقوة القانون الأمر الذي يجرد محكمة الاستئناف من سلطة البت في طلب إيقاف التنفيذ قبل البت في موضوع الاستئناف المرفوع إليها.".. وهذا الموقف هو بكل بساطة تطبيق لمقتضيات الفصل 179 مكرر من ق.م.م.
أما بخصوص المعايير التي تستند إليها المحكمة لتحديد مبلغ النفقة المحكوم بها، فقد أشارت إليها صراحة المادة 189 من مدونة الأسرة وهي التي سنتطرق إليها في الفقرة التالية المعنونة بسلطة القاضي في تقدير النفقة.

الفقرة الثانية : سلطة القاضي في تقدير النفقة

تشمل النفقة الغذاء والكسوة والعلاج وما يعتبر من الضروريات والتعليم للأطفال[38].
إذا امتنع الزوج عن الإنفاق أمكن للزوجة أن ترفع دعوى بذلك إلى القضاء الذي عليه أن يقدر مبلغها وأن يحكم به، بالإضافة إلى أن المشرع خول لها رفع دعوى التطليق لعدم[39] الإنفاق.
واذا كانت القاعدة في الفقه الإسلامي عموما هي أن النفقة تقدر بالاعتماد على الوضعية المادية للزوج انطلاقا من قوله تعالى {لينفق ذو سعة من سعته}[40]. في حين أن المذهب المالكي أوجب في المشهور عنه مراعاة حالة الزوجة كذلك[41]، وهذا ما كرسته مدونة الأسرة في الفقرة الثانية من المادة 189 والتي جاء فيها:
" يراعى في تقدير كل ذلك، التوسط ودخل الملزم بالنفقة، وحال مستحقها، ومستوى الأسعار والأعراف والعادات السائدة في الوسط الذي تفرض فيه النفقة."
وبذلك يكون المشرع قد احتفظ بنفس المعايير لتقدير النفقة التي كان معمولا بها في إطار قانون الأحوال الشخصية الملغى[42].
وبالرجوع إلى الفقرة الثانية من المادة 189أعلاه، التي حددت معايير تقدير النفقة فيما يلي:
التوسط: يمكن القول بأن اعتبار التوسط من طرف القاضي هو الكفيل بتنفيذ ما قدر من نفقة لان إثقال كاهل الملزم بأداء النفقة قد يكون حائل دون أدائها.
ودخل الملزم بالنفقة : و يعد أهم عنصر يدخل في تقدير النفقة، إذ يتعين أن يكون ذلك التقدير على أساس مداخيل المكلف بأداء النفقة من مرتب أو أجر أو أرباح، كما يمكن للقاضي أن يقوم بتعيين خبير للتأكد من الوضعية المادية للزوج[43]، ومع ذلك فإن عبء إثبات الدخل دائما ما يقع على عاتق الملزم بأداء النفقة ، و هذا ما عملت على تطبيقه بعض محاكم المملكة كاستئنافية طنجة مثلا حيث جاء في أحد قراراتها" و حيث إن المستأنف لم يدل للمحكمة بما يثبت دخله حتى يمكنها أن تبسط رقابتها و تقدير ما إذا كان المبلغ المحكوم به كنفقة للبنت هدى مناسبا أو غير مناسب لوضعيته المادية، الأمر الذي يجعل ادعاءه بكونه مجرد مياوم بدخل يومي قدره 30 درهما يفتقر للإثبات و بالتالي يستدعي عدم الأخذ به[44]".
ومن خلال قراءة هذا القرار يتضح أن المحكمة لم تقم بتعيين خبير رغم أن المعني بالأمر لم يدلي بما يثبت دخله.
و جاء في قرار اخر للمجلس الأعلى ": إن إجراء البحث من شأن السلطة التقديرية للمحكمة التي لها أن تستغني عنه إذا وجدت في الملف العناصر الكافية للبث في النازلة"[45]
حال مستحقها : المقصود بها هنا حال الزوجة أو المطلقة وكذا حال الأطفال أي الوضعية المعيشية أو التعليمية[46].
حالة الأسعار : لم يعد لهذا المعيار نفس الآثار الذي كان له في السابق حيث كانت الأسعار ترتفع و تنخفض حسب الأحوال. أما في الوقت الراهن فان الأسعار في ارتفاع مطرد وفي تزايد مستمر. لذلك فمن الناحية العملية لا يتصور النقص في النفقة بعلة انخفاض الأسعار، بل ترتفع فقط بمضي الوقت مع ارتفاع الأسعار[47].
الوسط المكاني : وهو ما عبرت عنه المدونة بالأعراف والعادات السائدة في الوسط الذي تفرض فيه النفقة، ذلك أن النفقة تختلف ما بين البادية والمدينة بل حتى بين المدن .فمثلا المتطلبات المعيشية في مدينة كلميم ليست هي نفسها في مدينة اكادير. ومن تم فالقاضي ملزم بمراعاة هذا المعيار بعناية شديدة.
و يقترب النص المغربي كثيرا من مقتضيات المادة 62 من قانون الأسرة القطري والذي نصت على " : يراعى في تقدير النفقة سعة المنفق، وحال المنفق عليه، و الأوضاع الاقتصادية زمانا و مكانا "
بالرجوع إلى المادة 190 من مدونة الأسرة نجد أن المحكمة هي المكلفة بتقدير النفقة إلا أنها في سبيل حسن التقدير تعتمد على مجموعة من المعايير إذ تعد هذه العناصر بمثابة قيود على السلطة التقديرية للقاضي وهذا ما تؤكده عدة قرارات صادرة عن المجلس الأعلى نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر القرار القاضي بان " : قضاة الموضوع لهم صلاحية في تحديد قدر النفقة بعد أن تتوفر لهم العناصر الراجعة إلى اعتبار الأسعار وعادة أهل البلد وحال الطرفين كما أنهم غير مجبرين بالأخذ بالقدر المطالب به، إذ بوسعهم الحكم بأقل منه أو أكثر[48].
وجاء في قرار لمحكمة الاستئناف بالبيضاء" إن النفقة تخضع في تقديرها لسلطة القضاء. غير أن هذه السلطة قد جعل لها المشرع سببا يحفظها من طغيان هذه السلطة مدا وجزرا"[49].

المطلب الثاني: آثر الامتناع عن أداء النفقة:

لقد اعتبر المشرع المغربي الممتنع عن أداء النفقة مرتكبا لجريمة إهمال الأسرة طبقا للفصل 480 من القانون الجنائي، فما هي شروط قيام هذه الجريمة (الفقرة الأولى)، وما هي أركانها (الفقرة الثانية.)

الفقرة الأولى: شروط قيام جريمة إهمال الأسرة

بعدما أشار المشرع المغربي في الفصل [50]479 من القانون الجنائي إلى الأحكام الخاصة بجريمة إهمال الأسرة والعقوبة المخصصة لها، أوضح في الفصل 480 من نفس القانون أنه" يعاقب بنفس العقوبة من صدر عليه حكم نهائي أو قابل للتنفيذ المؤقت بدفع نفقة إلى زوجه أو أحد أصوله أو فروعه وأمسك عمدا عن دفعها في موعدها المحدد.
وفي حالة العود الحكم بعقوبة الحبس حتما، والنفقة التي يحددها القاضي تكون واجبة الأداء في المحل المستحق لها ما لم ينص قانون على خلاف ذلك."
من خلال قراءة هذا النص يتضح أن تطبيق مقتضياته يتطلب توفر شرطين أساسيين:

1- وجود أساس شرعي عائلي بالالتزام بالنفقة:
حصر المشرع المغربي مستحقي النفقة في الزوج و الأصول و الفروع، النفقة المقصودة هنا هي النفقة التي ترتكز على التزام قانوني ناتج عن علاقة أسرية ( علاقة زوجية أو قرابة ) مما يقصي الالتزام التعاقدي أو الوصية .
كما أن عدم التزام الأب الطبيعي تجاه ابنه بأداء النفقة، لا يدخل في دائرة جريمة إهمال الأسرة، وذلك لأن العلاقة بينهما لا ترتكز على أساس النسب الشرعي[51].
لكن مستجدات مدونة الأسرة توسع من دائرة الالتزام القانوني، وعلى الأ قل المادة 156 تدعو إلى التأمل في سبب آخر من أسباب النفقة، ألا وهي فترة الخطوبة التي تم فيها حمل وتوفرت الشروط المنصوص عليها وتعذر توثيق عقد الزواج.[52]
وتجدر الإشارة إلى أن الأم يمكن أن تتابع هي الأخرى بجريمة إهمال الأسرة طالما أن الأسرة أصبحت تحت رعاية الزوجين أن الزوجة تكون ملزمة بالإنفاق في حالة إعسار الزوج، وعموما فالفصل 480 لا يقضي في هذه الحالة إذ أن الخطاب جاء على صيغة " من أصر عليه" ومن تكون للعاقل من الرجال والنساء.

2 صدور حكم قضائي نهائي:
انطلاقا من الفصل 480 من القانون الجنائي يتضح أن المشرع المغربي اشترط ضرورة وجود حكم قانوني قابل للتنفيذ أم مشمولا بالتنفيذ المعجل كأساس للمتابعة بالإهمال.
فإذا توفرت هذه الشروط، تقوم جريمة إهمال الأسرة والتي تتمثل في عدم تنفيذ الحكم القضائي بأداء النفقة في وقتها المحدد، مع توفر نية الجريمة المتمثلة في الإمساك ألعمدي.

الفقرة الثانية: أركان جريمة إهمال الأسرة:

لا سبيل لقيام جريمة إهمال الأسرة إلا بامتناع الملزم بالنفقة عن أداء ما بذمته (أولا) مع توفر القصد الجنائي أي توفر النية العمدية للإضرار بمستحق النفقة (ثانيا.)

أولا: الامتناع عن أداء النفقة:
بعد صدور الحكم القاضي بالنفقة، وتوصل الملزم بالنفقة أي علمه بفحواه، فإذا امتثل سقطت الجريمة، وإذا امتنع فالمحكوم له لا يجد بدا من الالتجاء إلى رفع شكوى إلى النيابة العامة متهما الممتنع بإهمال الأسرة ويتحقق فعل الامتناع بعد مضي آخر لحظة من الفترة المحددة للقيام بالعمل الذي وقع عنه الامتناع وهي 15 يوما من استجواب ضابط الشرطة القضائية الذي أحيل إليه أمر الاستجواب[53]، وأما في حالة هروب المدين أو عدم معرفة محل إقامته، يتم التنصيص على ذلك في محضر، وتجري المتابعة دون التفات إلى ذلك.[54]
هكذا إذن إذا أقدم الملزم بالأداء قبل مضي 15 يوما ولو بلحظة فإن الجريمة لا تتحقق كما أنه لو انتهت المدة وقام بعد ذلك بالأداء فإن الجريمة تتحقق رغم هذا الأداء[55] حبذا لو أن المشرع المغربي نحا نفس منحى المشرع الليبي إذ اعتبر أنه وفي جميع الأحوال إذا أدى المحكوم عليه ما بذمته أو قدم كفيلا يقبل صاحب الشأن فلا تنفذ العقوبة.[56] فطالما أدى ما بذمته حتى ولو مرت المدة فما الجدوى من سجنه
تجدر الإشارة إلى أن المشرع المغربي في الفصل 480 لم يحدد ما إذا كان الأداء يجب أن يكون كليا أو جزئيا، وإن كان هناك من يعتبر أن الأداء الجزئي هو أداء مشوب بخلل خاصة إذا كان مصحوبا بنية إجرامية يقصد منها عدم تنفيذ الحكم بالشكل المطلوب ،أو بعث المبلغ إلى عنوان مجهول أو كتابة اسم المنفذ له خطئا في الحوالات البريدية، هادفا من وراء ذلك الإضرار بالمنفذ له[57]، وبالتالي فلا بد من توفر القصد الجنائي.

ثانيا: القصد الجنائي:
انطلاقا من الفصل 480 من القانون الجنائي نجد ان المشرع يخاطب الزوج المتابع الذي أمسك عمدا عن دفعها في موعدها المحدد مما يفيد ضرورة توفر شرط الإمساك العمدي للقول بتوفر النية الإجرامية عند الممتنع، ذلك أن هذه الجريمة لا يمكن أن تتحقق على سبيل الخطأ، وإنما يجب أن يكون امتناعا إراديا، حيث أكد المجلس الأعلى في قراره عدد 6/2588 أنه " يكون عديم الأساس القانوني الحكم الذي يقضي بإدانة الزوج من أجل جنحة إهمال الأسرة دون أن تبين الصفة الإرادية لعدم الأداء ودون وجود أي عائق.[58] أما إذا كان عدم انصياع الزوج راجعا لعسره وعدم قدرته على الوفاء فآنذاك ينتفي القصد الجنائي،[59] ويمكن للمحكمة منح الملزم بالنفقة مدة أخرى لتمكنه من تأمين المبلغ المطلوب ولكن شريطة أن تتحقق المحكمة من عنصر الإعسار.
وعموما فالحقوق المالية للطفل تبقى واحدة من بين مجموعة حقوق تعتبر الدولة مسؤولة عن اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأطفال وضمان حقوقهم ورعايتها طبقا للقانون.
كما أوكل للنيابة العامة مهمة السهر على مراقبة تنفيذ الأحكام وذلك حسب الفقرة الأخيرة من المادة 54 وهذا يدل على مدى وعي الدولة بصفتها دولة الحق على أهمية الطفولة، وبالتالي فهي تسعى نحو توفير أعلى مقومات الرعاية والحماية لها حتى تكون معاول بناء لا معاول هدم.
إلا أن الممارسة العملية تفرز أحكاما تتسم فيها المستحقات بالمحدودية والقصور عن تلبية المتطلبات المعيشية للمرأة والطفل...، والتي لا ترجع إلى الممارسة القضائية فحسب ،بل هي مرتبطة أشد الارتباط بالظرفية الاقتصادية العامة للبلاد وبالضبط بالقوة الشرائية للمواطن المغربي.

خاتمة
يمكن القول أنه بعدما حاولنا الوقوف عند أحكام النفقة في ضوء مدونة الأسرة والعمل القضائي، و بسط بعض مظاهر الحماية التشريعية لها من خلال مدونة الاسرة نفسها والعمل القضائي، فإن نجاعتها أو عدمها أحيانا ترتبطان بأمور لا صلة لها بمقتضيات القانون و لا أحكام القضاء، كالمعاكسات و العناد من جانب الخصوم و الذي يرجع بالأساس إلى تفاقم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية بسبب الأزمات المتزايدة التي يعرفها العالم من حولنا، بفعل سوء التسيير وانعدام الثقة بين الأفراد والمؤسسات، وفشل النظام التربوي في خلق فرص شغل وأجيال صالحة وواعية ومسلحة بثقافة علمية جيدة، و مدى انخراط جهات أخرى في تفعيل النفقة -كالجمعيات مثلا -، فبعض الأحكام و ربما أغلبها تعرف بطء في التنفيذ، و قد تكون إجراءات التنفيذ غير مثمرة بالجملة لكل هذا يجب التفكير في آليات جديدة لمعالجة هذه الظاهرة، على غرار ما هو معمول به في بعض القوانين المقارنة، كالقانون التونسي الذي أحدث صندوقا لضمان النفقة.
----------------------------
لائحة المراجع
الكتب
ü احمد اجوييد : شرح القانون الخاص، ج 2 ، مكتبة المعارف الجامعية، فاس99، 2000
ü امجاط محمد الصغير، أسس تقدير النفقة الزوجة، مجلة الملحق القضائي، العدد 24، سنة 1991،
ü خالد بنيس “النفقة بين الواقع والتشريع” دار النشر المعرفة. الرباط الطبعة الأولى سنة 1992
ü عبد العزيز سعد الزواج والطلاق في قانون الاسرة الجزائري دار هومة للطباعة والنشر الجزائر ط 3 1996
ü محمد الحسن مصطفي البغا شرح قانون الأحوال الشخصية السوري منشورات جامعة دمشق كلية الشريعة 1428ه/2007م
ü محمد الكشبور، الواضح في شرح مدونة الأسرة، الجزء الأول، ط الثالثة ،2015،

الرسائل
ü سعيد اركيك، اهمال الاسرة في التشريع المغربي رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، الهلال العربية للطباعة والنشر الرباط 1992

المقالات
ü حدو عبد الرحمان، إهمال الأسرة في التشريع المغربي، مجلة الميادين، عدد 3 شتنبر 1988
----------------------------
الهوامش:
[1] - سورة الروم الاية 21
[2] - انظر المادة: 187 من مدونة الاسرة (نفق) في كل من: لسان العرب لابن منظور، والقاموس الفقهي لسعد أبو جيب
[3] - عرفها الحنيفة بقولهم:"الادرار على شيء بما فيه بقاؤه" حاشية ابن عابدين: 3/572.
[4] - الآية 7 سورة الطلاق.
[5] - خالد بنيس “النفقة بين الواقع والتشريع” دار النشر المعرفة. الرباط الطبعة الأولى سنة 1992 ص29
[6] - قرار مجلس الأعلى عدد 678 الصادر بتاريخ : 2006/11/29 بملف رقم 305/2/1/2006 .
[7] - حاشية الصاوي على الشرح الصغير : 1/480
[8] - صحيح البخاري: 5/2048، وصحيح مسلم: 2/717
[9] - وصحيح مسلم : 4/2110 صحيح البخارى: 3/1205
[10] - سورة النساء الآية 34
[11] - سورة الاسراء الآية 23
[12] - سورة البقرة الآية 233
[13] - سورة الصف الآية: 2-3
[14] عبد العزيز سعد الزواج والطلاق في قانون الاسرة الجزائري دار هومة للطباعة والنشر الجزائر ط3 1996ص 224
[15] - تنص المادة 193 من مدونة الاسرة على ما يلي:" إذا كان الملزم بالنفقة غير قادر على أدائها لكل من يلزمه القانون بالإنفاق عليه، تقدم الزوجة، ثم الأولاد الصغار ذكورا أو إناثا، ثم البنات، ثم الذكور من أولاده، ثم الأم، ثم الأب."
[16] مواهب الجليل للحطاب: 4/211، ومدونة الفقه المالكي للغرياني: 3/135
[17] سورة النساء الآية 34
[18] صحيح البخاري 5/222، وصحيح مسلم: 4/1974
[19] - عبد العزيز سعد، مرجع سابق ص225
[20] - عبد العزيز سعد، مرجع سابق ص225
[21] - عبد العزيز سعد، مرجع سابق ص225
[22] -استئنافية الرباط قرار رقم 185/بتاريخ 22/11/
وكلها احكام تؤكد على حق الزوجة في الاستقال ببيت الزوجية بعيدا عن عائلة الزوج.
[23] -استئنافية الدار البيضاء ،قرار رقم 1779بتاريخ 21/4/
[24] -ابتدائية الدار البيضاء ،عدد208/33/2004 بتاريخ 21/04/
[25] تعتبر السكنى من مشمولات النفقة ، حيث يجب ان يوفره الزوج ،وقد استقر القضاء المغربي على اعتباره كذلك، انظر مثلا :
[26] - قرار المجلس الأعلى عدد 254 الصادر بتاريخ 4/5/205ملف رقم 293 /2/1/2003
[27] - محمد الحسن مصطفي البغا مرجع سابق ص91
[28] - محمد الحسن مصطفي البغا مرجع سابق ص92
[29] - القضايا التي تختص المحاكم الابتدائية فيها ابتدائيا وانتهائيا؛
[30] - تنص الفصل45 من قانون المسطرة المدنية على ما بلي " : تطبق أمام المحاكم الابتدائية وغرف الاستئنافات بها قواعد المسطرة الكتابية المطبقة أمام محاكم الاستئناف وفقا لأحكام الفصول 329 و331 و332 و334 و335 و336 و342 و344 الآتية بعده.
تمارس المحكمة الابتدائية ورئيسها أو القاضي المقرر، كل فيما يخصه، الاختصاصات المخولة حسب الفصول المذكورة لمحكمة الاستئناف ولرئيسها الأول أو للمستشار المقرر.
غير أن المسطرة تكون شفوية في القضايا التالية :
[31] - المادة 31 من قانون 28.08 بتعديل القانون المنظم لقانون المنظم لقانون المحاماة و كذا الفصل 45 من قانون المسطرة المدنية .
".... -
[33] - قضايا النفقة والطلاق والتطليق؛
[34] - الفقرة الثانية من الفصل 4 من قانون التنظيم القضائي.
[35] - تنص المادة 190 من مدونة الأسرة في فقرتها الثانية على ما يلي : " يتعين البث في القضايا المتعلقة بالنفقة في اجل أقصاه شهر واحد".
[36] - محمد الكشبور، الواضح في شرح مدونة الأسرة، الجزء الأول، ط الثالثة ،2015، ص 522 .
[37] - محمد الكشبور ،مرجع السابق ص523 .
[38] ـ الفقرة الأولى من المادة 189 من مدونة الأسرة: " تشمل النفقة الغذاء و الكسوة و العلاج، و ما يعتبر من الضروريات و التعليم للأولاد، مع مراعاة أحكام المادة أحكام المادة 168 أعلاه".
33 [39] ـ المادة 102 تنص على ما يلي : للزوجة الطلب التطليق بسبب إخلال الزوج بالنفقة الحالة الواجبة عليه، وفق الحالات و الأحكام الآتية:
1. إذا كان للزوج مال يمكن اخذ النفقة منه، قررت المحكمة طريقة تنفيذ نفقة الزوجة عليه و لا تستجيب لطلب التطليق.
2. في حالة ثبوت العجز، تحدد المحكمة حسب الظروفـ أجلا للزوجة لا يتعدى ثلاثين يوما لينفق خلاله و ألا طلقت عليه، و إلا في حالة ظرف قاهر أو استثنائي.
3. تطلق المحكمة الزوجة حالا، إذا امتنع الزوج عن الإنفاق و لم يثبت العجز.
المادة 103 من المدونة تنص:
"تطبق الأحكام نفسها على الزوج الغائب في مكان معلوم بعد توصله مقال الدعوى.
إذا كان محل غيبة الزوج مجهولا، تأكدت المحكمة بمساعدة النيابة العامة من ذلك، زمن صحة دعوى الزوجة، ثم تبت في الدعوى على ضوء نتيجة البحث و مستندات الملف"
[40] ـ الآية 7 من سورة الطلاق.
[41] ـ محمد الكشبور، الواضح في شرح مدونة الأسرة، الزواج ،الطبعة الثالثة 2015، ص 521.
[42] - الفصل 119 من مدونة الأحوال الشخصية:
[43] ـ و تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن الخبير المعين من طرف القاضي يمارس مهامه في إطار مقتضيات قانون المسطرة المدنية المتعلقة بالخبرة.
[44] ـ قرار شرعي عدد 156/7/2003 صادر بتاريخ 2003/3/13 أورده محمد الشرقاوي في رسالة نهاية التدريب إشكالية الإثبات في النفقة بالمعهد الوصفي للدراسات القضائية بالرباط لفترة 2001ـ2003 ص 84.
[45] ـ القرار عدد المؤرخ في 21 أكتوبر 2005 في المؤرخ في 12 أكتوبر 2005 في الملف الشرعي 2005 /1/2/233 غير منشور أورده محمد الكشبور في كتابه الواضح في شرح مدونة الأسرة الجزء الأول ص 552.
[46] - المادة 85 من مدونة الأسرة : " تحدد مستحقات الأطفال الملزم بنفقتهم طبقا للمادتين 186 و 190 بعده ومراعاة الوضعية المعيشية و التعليمية التي كانوا عليها قبل الطلاق.
[47] - امجاط محمد الصغير، أسس تقدير النفقة الزوجة، مجلة الملحق القضائي، العدد 24، سنة 1991، ص 60 .
[48] - قرار عدد526 صادر بتاريخ 90/4/3 في ملف عدد 88/7236 ورده محمد امجاط في بحثه المنشور بمجلة الملحق القضائي عدد 24 لسنة 1991 ص 64 .
[49] - قرار 314 صادر بتاريخ 28 فبراير 1990 ملف شرعي عدد 89/1094 منشور بمجلة المحاكم المغربية، عدد 65 ص.173 وما بعدها.
[50] - الفصل 479 من ق ج : يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة وبالغرامة من 200 درهم إلى 2000 درهم أو باحدى هاتين العقوبتين فقط.....
[51] - سعيد اركيك : اهمال الاسرة في التشريع المغربي رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، الهلال العربية للطباعة والنشر الرباط 1992 ، ص : 11
[52] - هذا ما نصت عليه المادة 58 من حيث بطلان الزواج وما يترتب عليه وكذا الإقرار بالنسب من خلال المادة 160.
[53] - احمد اجوييد : شرح القانون الخاص، ج 2 ، مكتبة المعارف الجامعية، فاس 99، 2000 ،ص 74 .
[54] - حدو عبد الرحمان، إهمال الأسرة في التشريع المغربي، مجلة الميادين، عدد 3 شتنبر 88 ص: 55
[55] - في التشريع التونسي مثلا ثلاثة أشهر من تاريخ صدور الحكم ( الفصل الأول من الأمر المؤرخ في 22 ماي 1926، المعدل بالأمر الصادر في 13 شتنبر 1928). ومدة تتجاوز شهرين في القانون الجزائري ( م ر 33 من قانون العقوبات ) وثلاثة أشهر من القانون المصري ( م 329 من قانون العقوبات )
[56] - احمد اجوييد، مرجع سابق، ص 74
[57] - احمد اجوييد، مرجع سابق، ص 74
[58] - قرار عدد 6/2588 بتاريخ 2001/9/19 ملف جنائي، عدد 96/16937 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 57- 58 يوليوز 2001 ، ص : 385
59] - محمد الكشبور، مرجع سابق، ص 165

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -