Header ADS

اخر الأخبار

مفهوم القانون الدستوري و طبيعة مصادره

عرض بعنوان: مفهوم القانون الدستوري و طبيعة مصادره PDF

مفهوم القانون الدستوري و طبيعة مصادره PDF

مقدمة :
إذا كان مفهوم الدستور حديثا نسبيا، وارتبط بصفة خاصة بالتطور الذي حصل على مستوى الدولة الوطنية أو القومية، فإن ذلك لا يمنع من القول إن فكرة الدستور لم تظهر متأخرة عن نظام الدولة، وإنما كانت معاصرة لقيام المجتمع السياسي المنظم .فقد دفعت الصراعات السياسية على السلطة، التي كانت قائمة منذ العصور القديمة، إلى البحث من أجل إيجاد وسائل وأدوات ملائمة لتنظيم أعمال السلطة في المجتمع من أجل التحكم في الأوضاع القائمة وعدم السماح بقيام حكم الطغيان والاستبداد. وكانت نتيجة ذلك البحث نشوء قواعد قانونية تضبط أعمال السلطة وتجعلها منتظمة في إطار القانون.

هكذا، فمن خلال تراكمات تجارب الدول والبحث عن حلول للصراعات القائمة، خاصة في السياق السياسي الغربي، تولدت القواعد الدستورية في الدولة، وأصبح بالإمكان الحديث عن وجود دستور ينظم السلطات العامة في الدولة ويضمن الحقوق والحريات، كما أصبح بالإمكان الحديث عن وجود قانون دستوري باعتباره فرعا من فروع القانون. فكيف تطور مفهوم الدستور ؟ وما هو تعريف القانون الدستوري ؟ وكيف تتم التفرقة بينه وبين بعض المفاهيم المشابهة له ؟ وما علاقته بفروع القانون الأخرى؟ هي بعض الأسئلة التي سنحاول تقد يم بعض عناصر الإجابة عنها، لكن قبل ذلك سيكون من المفيد أن نتوقف عند تعريف القانون وبيان أقسامه.

المبحث الأول: مفهوم القانون الدستوري

يتطلب تحديد مفهوم القانون الدستوري تحديد مفهوم الدستور، خاصة وأنه يجري في الكثير من الأحيان الخلط بينهما، واعتبار أن القانون الدستوري هو الدستور، مع أن هناك فرقا بين المفهومين. بيد أن هذه المهمة كثيرا ما ظلت تثير الاختلاف بين فقهاءالقانون الدستوري.

المطلب الأول: مفهوم الدستور وطبيعة قواعده

لم يحمل مصطلح الدستور نفس المعنى في جميع المراحل التاريخية التي مر منها. فس واء من ناحية مدلوله اللغوي أو من ناحية معناه السياسي ،فقد اختلف مفهومه ع بر اختلاف العصور واختلاف الأمكنة، حيث تطلب الوصول إلى تحديد المعنى الذي يحمله في عالمنا المعاصر، جدالا فقهيا أنصب ليس فقط حول طبيعة المعايير التي يجب الاعتماد عليها في تحديد هذا المفهوم، وإنما أيضا حول طبيعة القواعد التي يتضمنها .

الفقرة الأولى، مفهوم الدستور
بالرغم من شيوع مصطلح الدستور وانتشاره الواسع، فإن ذلك لم يمنع من وجود بعض الاختلاف حول تعريفه، حيث تنوعت تعريفات الفقهاء حول الدستور، بحسب الزاوية التي ينظر من خلالها كل واحد منهم لهذا الموضوع، وبحسب المعايير التي يع تمد عليها في تحديد نطاقه وتعريفه. وإذا كان هؤلاء الفقهاء قد بلوروا عدة معايير في هذا الإطار، فإن اثنين منها هما اللذان أثارا أكثر من غيرهما الجدال حول مشروعية امتلاك حقيقة المعنى الدقيق والفهم القويم للدستور، هما المعيار الشكلي والمعيار الموضوعي .

أ ـ المعيار الشكلي
يقوم هذا المعيار، الذي اعتمده العديد من الفقهاء في تعريف القانون الدستوري، على أساس الأخذ بعين الاعتبار فقط ما احتوت عليه الوثيقة الدستورية الرسمية من قواعد، أما باقي القواعد الدستورية غير المدونة فلا يعتبرها هذا الاتجاه الفقهي من القواعد الدستورية الرسمية. حيث يصبح القانون الدستوري وفقا لهذا المعيار هو "مجموعة من القواعد القانونية التي تتولى وضعها هيأة خاصة تمسى السلطة التأسيسية يختلف تكوينها باختلاف الدساتير وتتبع في سنها وتعديلها وإلغائها إجراءات خاصة، تختلف عن الإجراءات المتبعة في وضع وإلغاء القوانين العادية"[1].
ومعنى هذا، فإن دراسة القانون الدستوري "تبقى محصورة في شرح وتفسير النصوص الوضعية المدونة في وثيقة رسمية، أي شرح قانون الدستور. أما ما يخرج عن نطاق الوثيقة الدستورية من مواضيع، حتى وإن كانت من طبيعة دستورية، فإنها لا تعتبر منضوية في إطار القانون الدستوري"[2]. وبالتالي، يتطابق الدستور مع القانون الدستوري .

بيد أن أهمية وواقعية هذا الاتجاه، الذي يمتاز بالوضوح وتطبيقه مرتبط بالوثيقةالدستورية التي يسهل التعرف عليها، لم تجعله يسلم من كثير من الانتقادات التي وجهت إليه، من أهمها:
أولا: أن الاكتفاء بما هو مكتوب في الوثيقة الدستورية قد لا يسمح بإعطاء فكرة دقيقة عن حقيقة نظام الحكم في دولة معينة وطبيعة العلاقات الناظمة بين السلطات العامة فيها، خاصة في الحالة التي يجري فيها تطبيق نصوص الدستور في الواقع بكيفية مخالفة لما هو مدون في الوثيقة الدستورية. فوجود مثل هذا الخلاف بين "الدستور الذي اعتقد واضعوه أنهم صنعوه والدستور الذي أظهرته الحوادث"، كما سبق وأن بين الفقيه الفرنسي بريلو) Prélot( عند تحليله للدستور الفرنسي لسنة 1875، يحتم بالضرورة الأخذ بعين الاعتبار "الدستور الفعلي" في كل محاولة لفهم النظام السياسي وتفسيره .والمثال التاريخي الذي يمكن تقديمه هنا يتعلق بنشأة الرقابة القضائية على دستورية القوانين في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ من المعروف أن دستور هذا البلد لم ينص عليها بكيفية صريحة بل جرى استنتاجها من مق تضيات المادة السادسة منه[3]، قبل أن تتكرس بكيفية فعلية في سياق تداعيات القضية الشهيرة ب"مارلبوري ضد ماديسون"[4].
ثانيا: أن هناك موضوعات تعد من صميم القانون الدستوري ولا يتم إدراجها ضمن الوثيقة الدستورية، من قبيل نظام الانتخابات، الذي تحجم الكثير من الوثائق الدستورية ومنها الدستور الفرنسي والمغربي على تحديدها تاركة هذا الأمر إلى قوانين تنظيمية، ونظام الأحزاب السياسية، الذي إما تتجاهله بعض الوثائق الدستورية الإشارة إليه بكيفية مطلقة )الدستور الأمريكي(، أو تشير إليه بكيفية عامة وتحيل أمر تحديده إلى قوانين عادية.
ثالثا: أن هناك ما يمكن أن يدرج ضمن الوثيقة الدستورية وهو ليس من موضوعات القانون الدستوري، من قبيل نص الدستور السويسري على طريقة وإجراءات ذبح الحيوانات بالمجازر العمومية[5]، وإقرار الدستور الأمريكي بتحريم الخمور ومعاقبة الاتجار فيها وتعاطيها[6]، وكذا بالحق في حمل السلاح[7].
رابعا: أن هناك من الدول التي يقوم فيها نظام الحكم على أساس قواعد عرفية، مثل إنجلترا وإسرائيل[8]. وبالتالي، فإن الأخذ بالمعيار الشكلي يؤدي إلى إخراجها من دائرة الدول التي تتوفر على دستور، والحال أن لهاتين الدولتين، كباقي الدول الأخرى ،دس تورا يبين شكلها ونظام الحكم فيها ويحدد الروابط المختلفة التي تربط السلطات العامة فيها، حتى ولو كان ذلك الدستور عرفيا، ونشأت أغلب قواعده من تلقاء ذاتهانتيجة للعادة والتكرار .

وعليه، فقد اعتبر المعيار الشكلي بأنه يبقى عاجزا عن تقديم تعريف جامع مانع يحدد المدلول الحقيقي للقانون الدستوري، طرحت الحاجة إلى البحث عن معايير أخرى لعلها تكون أقدر من المعيار الشكلي على التحديد الدقيق لمفهوم الدستور ولقواعد القانون الدستوري، وهو الأمر الذي تحقق مع المعيار الموضوعي، الذي سعى أنصاره إلى تجاوز عيوب المعيار الشكلي .

ب ـ المعيار الموضوعي
بسبب الانتقادات الشديدة التي وجهت إلى المعيار الشكلي، ظهر المذهب الموضوعي أو المادي لإعطاء تعريف يتجاوز تلك الانتقادات. وعليه، فوفقا لهذا الاتجاه يتضمن القانون الدستوري جميع القواعد التي لها علاقة بموضوع السلطة، سواء جاءت في صلب الوثيقة الدستورية الرسمية المعتمدة لدى الدولة كانت عبارة عن قواعد عرفية غير مدونة أو قواعد تشريعية تصدر عن البرلمان لتنظيم السلطة كقانون الانتخابات، أو قانون الأحزاب السياسية مثلا. فكل القواعد المنظمة للسلطة واختصاصاتها، والتي تبين نشاطات السلطة العامة والعلاقات التي تربط فيما بينها أو التي تبين طبيعة الأنظمة، تعتبر من القواعد الدستورية في إطار المعيار الموضوعي .
لكن، إذا كان أغلب الفقه يأخذون بهذا المعيار في تعريف الدستور، وقدموا في هذا الشأن عدة تعريفات، يمكن أن نذكر من بينها ذلك الذي يعتبر" الدستور مجموعة من القواعد القانونية مهما كان شكلها والتي تحدد تنظيم السلطة السياسية وممارستها وانتقالها وعلاقتها بالأفراد في الدولة"[9]، فإنهم يختلفون في تحديد الموضوعات التي تعتبر قواعد دستورية طبقا لهذا المعيار.
ففي الوقت الذي يتفقون فيه على أن الموضوعات التي تعتبر دستورية بحكم طبيعتها أو جوهرها تنحصر في تلك التي تتعلق بنظام الحكم في الدولة، أي تلك التي تبين شكلها ونوع الحكم فيها وتنظيم السلطات العامة وكيفية ممارستها، واختصاصاتها والعلاقات فيما بينها، إضافة إلى حقوق وواجبات المواطنين في مواجهة الدولة ،يختلفون، بالمقابل، حول الموضوعات التي تتعلق بالمذهب الاجتماعي والاقتصادي للدول ة[10]. حيث "ذهب أغلب الفقهاء إلى إنكار الطبيعة الدستورية لهذه الموضوعات ولم يروا فيها سوى أهدافا سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية موجهة من قبل المشرع الدستوري إلى المشرع العادي أو الحكومة لرسم السياسة العامة للدولة"[11].

هذا المفهوم الموضوعي للدستور هو الذي ينقلنا للحديث عن مفهوم القانونالدستوري على اعتبار أنه يؤدي إلى نوع من التطابق بين المفهومين، ويجعل ،بالتالي، من القانون الدستوري ذلك الفرع من القانون العام الذي يعنى بكل القواعد المتعلقة بتنظيم السلطات العامة في الدولة حتى ولو كانت تلك القواعد توجد خارج الوثيقة الدستورية.
فبعد أن كان الربط الذي أقامه جيزو[12]، الذي يعود الفضل له في وضع أول كرسي للقانون الدستوري في فرنسا سنة 1834، بين القانون الدستوري والدستور المكتوب قد ضيق كثيرا من طبيعة القانون الدستوري وجعله مجرد مادة لشرح وثيقة القانون الدستوري[13]، لم يعد من الممكن مع تطور الأوضاع السياسية في القرن العشرين حصر نطاق هذا القانون في دراسة الوثيقة الدستورية، بل تولى بعض المختصين توسيع نطاق هذه المادة لكي تشمل المؤسسات السياسية[14].

قبل أن يتوج ذلك بصدور مرسوم 1954، في فرنسا، الذي أصبحت بمقتضاه مادة القانون الدستوري تحمل اسم "القانون الدستوري والمؤسسات السياسية"[15]. خاصة وأن تجاهل دراسة المؤسسات، مثل الأحزاب السياسية وجماعات الضغط والنقابات والطوائف الدينية والقبائل كان يؤدي إلى الانفصال والتباعد بين السير الواقعي للأنظمة السياسية والدراسات الأكاديمية التي كانت تقتصر على دراسة القواعد القانونية بمعزل عن مدى تطبيقها أو فاعليتها[16].

وإن كان تطور هذه المادة، التي كان تدريسها قد انطلق في سنة 1797 في الجامعات الايطالية، وبالضبط في جامعة فيراري، لم يتوقف عند هذا الحد ،بل بدلت مجهودات كبرى من طرف المختصين في حقل الدراسات الدستورية من أجل المزيد من تطويرها وجعلها تواكب التحولات التي تحصل. وهو ما يظهر من خلال المكانة التي أضحى يحتلها موضوع الحقوق والحريات في صلب الدراسات المتعلقة بالقانون الدستوري، إلى درجة أن هناك من أصبح يقيم ربطا بين الدستور والحرية، ويعتبر أن الدستور هو "آلية تنظيم الحرية"[17] بل إن هناك ذهب أبعد من ذلك إلى حد الحديث عن "دستور الحقوق والحريات"، سيما بعد أن أصبحنا، في الوقت الحاضر، أمام موجة من الدساتير، التي تعنى بالكثير من التفاصيل المرتبطة ليس فقط بتنظيم السلطات العامة في الدولة، وإنما بالحقوق والحريات .

الفقرة الثانية: طبيعة قواعد القانون الدستوري
عادة ما يتم تعريف القانون بالمعنى الاصطلاحي بأنه "مجموعة من القواعد القانونية التي تنظم سلوك الأفراد في الجماعة، وتتوفر على جزاء يكفل إطاعتها واحترامها." وإذا كان يظهر من هذا التعريف أن ما يميز القاعدة القانونية عن غيرها من القواعد الاجتماعية هو أنها قاعدة اجتماعية تقوم على أساس العمومية والتجريد والاستمرار ، وتقترن بجزاء توقعه الدولة على مخالفيها، فإن التساؤل الذي يطرح يتعلق بطبيعة قواعد القانون الدستوري وما إذا كانت تنطبق عليها هذه السمات التي تميز عموما القاعدة القانونية؟
هذا التساؤل يثار، بصفة خاصة، فيما يتعلق بالطابع الإلزامي لقواعد هذا القانون ،علما أن باقي الخصائص الأخرى للقاعدة القانونية تنطبق أيضا على قواعد القانون الدستوري، ولا تثير أي إشكال. فهي قواعد اجتماعية لكونها تنظم علاقة الدولة بالأفراد الخاضعين لسلطانها، كما أنها قواعد عامة من حيث تطبيقها باعتبار أنها تصدر بصيغة العموم والتجر يد لتطبق متى توفرت شروط تطبيقها. وجوابا على هذا الس ؤال انقسم الفقه إلى اتجاهين رئيسيين، الأول يتعلق باتجاه المدرسة الشكلية ، والثاني يهم اتجاه المذاهب الاجتماعية.

أ ـ رأي أنصار المدرسة الشكلية
في نظر أنصار المدرسة الشكلية فإن الصورة الوحيدة للجزاء المترتب على انتهاك قواعد القانون تكمن فيما تفرضه الدولة من إجبار وإكراه عن طريق أجهزتها الخاصة عندما تحدث المخالفة. فتوماس هوبز، مثلا، كان يرى أن القانون ليس مجرد نصيحة وإنما هو أمر من الحاكم المسلم له بالطاعة إلى آخر عليه واجب الطاعة ،حيث يلزم بإتباع ذلك الأمر ولو دعت الضرورة إلى استعمال الجبر والإكراه .في نفس الاتجاه كان الفقيه الإنجليزي "جون أوستن John Austen" 1790 ـ 1859  يقصر القاعدة القانونية على الأمر أو التكليف الذي تصدره السلطة صراحة أو ضمنا ويكون له جزاء يكفل طاعته.

وانطلاقا من هذه الفكرة ينكر أصحاب هذا الاتجاه صفة القاعدة القانونية على قواعد القانون الدستوري، معللين رأيهم هذا بأن القانون الدستوري يورد قيودا على السلطة الحاكمة التي تقوم بتوقيع الجزاء وفرض الطاعة على المحكومين، وهذا يؤدي إلى أن تكون نفس السلطة هي المطالبة بتوقيع الجزاء على نفسها، إذا ما خرجت على القيود التي يفرضها القانون، وهذا ما سيجعل الدولة خصما وحكما في نفس الوقت ،وهو شيء غير معقول .
ولذلك يقول أنصار هذا الاتجاه إن قواعد القانون الدستوري تظل بغير جزاء، مادام لا يمكن تنفيذه قسرا وجبرا على السلطات الحاكمة، لأن الدولة وحدها هي التي تملك سلطة الإجبار والإكراه عند مخالفتها لقواعد القانون الدستوري بمحض إرادتها، وإذا ما خالفت القانون فليس هناك ما يرغمها على الامتثال لمقتضياته.

في هذا الصدد يعتبر" جون أوستن "أن القانون الدستوري لا يعدو أن يكون مجرد قواعد آداب مرعية تحميها جزاءات أدبية بحتة. فقيام الحاكم بعمل مخالف للدستوري يجيز نعث هذا العمل بأنه غير دستوري، ولكنه لا يكون مخالفا للقانون بالمعنى الصح يح، ومن ثم لا يجوز وصفه، أي عمل الحاكم، بأنه غير قانوني .وهذا الأمر ،بحسب هذا الاتجاه، يجعل قواعد القانون الدستوري مجردة من الصفة القانونية، لأن كل قاعدة قانونية لا تكون مزودة بوسائل القهر والإجبار على احترامها هي، كما يقول أحد أنصار هذا الاتجاه، "نار لا تحرق ونور لا تضيء ."

ب ـ رأي أنصار المذاهب الاجتماعية
على خلاف أنصار الاتجاه السابق، يذهب أنصار المذاهب الاجتماعية إلى القول إن الجزاء ليس من الضروري أن يكون ماديا تنفرد السلطة العامة بتوقيعه عند حدوث المخالفة، بل يمكن أن يتمثل في رد الفعل الاجتماعي الذي يترتب على مخالفة القاعدة القانونية .ذلك أن القانون بوصفه قاعدة اجتماعية يحمل بين طياته الجزاء على مخالفته. وهذا الجزاء حتمي، إذ لا يتصور وجود قانون بدون جزاء يحميه من العبث بأحكامه، ويكفي أن يكون الجزاء معنويا يظهر في صورة رد الفعل من جانب المجتمع .

وهذا الاتجاه، الذي يوسع من مفهوم الجزاء، لم يتردد في اعتبار قواعد القانون الدستوري قواعد قانونية بالمعنى الصحيح، باعتبار أن الجزاء متوفر فيها وإن كان معنويا. فالعميد "دوغي"، صاحب نظرية التضامن الاجتماعي، يعتبر أن كل قاعدة قانونية تحمل بين طياتها الجزاء الخاص بها. وإذا كانت الصورة المعتادة لجزاء مخالفة القاعدة القانونية تتجسد في الجزاء المباشر، المتمثل في استعمال القوة مع المخالف، فإن هذه الصورة لا تصلح لكل القواعد القانونية، خاصة تلك التي تخاطب الحكام، كما هو الشأن في النصوص الدستورية. فإذا خالف الحاكم الدستور فلا يتص ور استخدام القوة ضده، لأن استخدام القوة هنا يعني الانقلاب أو الثورة أو الحرب عليه، ولكن الجزاء في هذه الحالة هو جزاء غير مباشر يتمثل في رد الفعل الاجتماعي .

ويضيف دوجي، بأنه يكفي لقيام القانون مجرد شعور الأفراد بأن ثمة جزاء يمكن تنظيمه اجتماعيا ولو لم ينظم فعلا، أو كان في طور التنظيم. ويستدل على ذلك بأن القاعدة القانونية كثيرا ما تتكون بعيدا عن سلطان الدولة، مثل القواعد العرفية .كما أن القاعدة القانونية، إنما هي وليدة المجتمع بظروفه وأحاسيسه المختلفة، فهي سابقة على تدخل الدولة أو حتى على وجودها. وبناء على ما سبق يرى "دوغي" أن القواعد الدستورية هي قواعد قانونية بكل معنى الكلمة .

وهذا الاتجاه، الذي يضفي على القاعدة الدستورية الصفة القانونية (وهو الاتجاه الراجح في الفقه)، يرى أن القاعدة الدستورية يتوفر فيها عنصر الجزاء. فهناك الجزاء المرسل، أو غير المنظم، الذي يتمثل في الضغط الشعبي والمظاهرات التي تعكس روح التذمر من مخالفة الدولة للدستور، وقد يصل أحيانا إلى حد الثورة التي تقضي على السلطة التي تخل بهذه القواعد .

وإضافة إلى الجزاء غير المنظم، توجد صورا للجزاء المنظم الذي يحمي القواعد الدستورية .فالدستور نفسه يقرر الرقابة المتبادلة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، حيث يعطي للأولى إمكانية حل الثانية ووضع حد لوجودها (حق الحل الرئاسي أو الوزاري)، ويعطي للثانية إمكانية التأثير في الثانية، الذي يمكن أن يصل إلى حد إثارة مسؤوليتها(المسؤولية الوزارية). 

وبالنسبة للدول التي تأخذ بالرقابة على دستورية القوانين، فإن القضاء يستطيع حماية القواعد الدستورية عن طريق مراقبة مدى تطابق القوانين التي تضعها الهيئة التشريعية مع الدستور، وذلك عن طريق إلغاء القوانين المخالفة للدستور (رقابة الإلغاء) أو الامتناع عن تطبيقها (رقابة الامتناع).

ثم أن المنطق يقوي قانونية القواعد الدستورية ،يضيف أنصار هذا الاتجاه ،لأنه إذا كانت القوانين العادية تستمد شرعيتها ووجودها من الدستور، فإنه لا يتصور أن يكون الفرع متمتعا بالصفة القانونية ويحرم منها الأصل، وإلا ترتب على غير ذلك أن تسيطر قواعد غير قانونية على القواعد القانونية، مما يترتب عنه أن تفقد القواعد غير الدستورية قوتها الإلزامية، لأنه لا يستساغ أن تستمد القواعد القانونية قوتها الإلزامية من قواعد غير ملزمة.

وخلاصة القول، هو أن قواعد القانون الدستوري هي قواعد قانو نية بالمعنى الكامل ،وكل ما في الأمر هو أن جزاءه يتخذ صور مختلفة عن الجزاءات العادية المعروفة في بقية فروع القانون .ذلك أن الجزاء الذي يوقع وقت مخالفة القاعدة القانونية، لا يتصف بطبيعة واحدة فيما يتعلق بكل فروع القانون، نظرا لكون كل فرع من فروع القانون له جزاء يتفق مع طبيعة ذلك الفرع .

المطلب الثاني: علاقة القانون الدستوري بغيره من فروع القانون

لقد درج الفقه على تقسيم القانون إلى قسمين، قانون خاص وقانون عام، رغم اختلاف المعايير التي يعتمدها في هذا التقسيم بين من يأخذ بالمعيار الموضوعي (المصلحة المستهدفة بالقاعدة القانونية) أو المعيار الشكلي (الوسائل المستعملة) أو المعيار الشخصي العضوي (الأشخاص المخاطبين بالقاعدة القانونية) أو المعيار المختلط .وإذا كان القانون الدستوري يندرج، وفقا لهذا التقسيم، في إطار القانون العام ،وبالتالي تبدو علاقاته أقوى بفروع هذا القانون، فإنه ظل يحتفظ بعلاقات مش تركة مع فروع القانون الخاص أيضا.

الفقرة الأولى: القانون الدستوري وفروع القانون العام
لا يمنع تعدد فروع القانون العام من اشتراكها في دراسة موضوع واحد هو الدولة. فهي جميعها تهتم في تخصصها بدراسة صورة معينة من نشاط الدولة. وهذا ما يجعل الصلة وثيقة بين القانون الدستوري، الذي تدور دراساته هو الآخر حول الدولة، وباقي فروع القانون العام .

أ ـ القانون الدستوري وفروع القانون العام الخارجي
يتعلق الأمر هنا بصفة خاصة بالقانون الدولي. ففي حين يهتم هذا الأخير أساسا بنشاطات الدولة في المجال الخارجي، أي بعلاقاتها مع باقي الدول والمنظمات الدولية، نجد أن القانون الدستوري يبحث في القواعد التي تحدد نظام الحكم في الدولة وشكلها واختصاصات السلطات العامة فيها .

لكن، بالرغم من اختلاف مجال اهتمامات القانونين إلا أنه توجد بينهما صلات قوية تتمثل في ما يلي:
أولا: قواعد القانون الدولي تهم الدول من خلال الاتفاقيات والمعاهدات التي تبرمها ،أما القانون الدستوري فإنه يحدد ويبين طرق وإجراءات ووسائل نشاط الدولة في المجتمع الدولي.
ثانيا: الأشخاص الذين يمثلون الدولة في الخارج ويملكون حق إبرام المعاهدات باعتبارهم يمثلونها يعدون من موضوعات القانون الدولي العام وهم أنفسهم أعضاء السلطة التنفيذية التي هي من اهتمامات القانون الدستوري.
ثالثا: هناك العديد من المبادئ القانونية الدولية تنص عليها دساتير الدول وتكرسها مثل المساواة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
رابعا: الدساتير تحدد مدى القوة الإلزام ية للمعاهدات الدولية داخل الدولة، وهذه الأخيرة، أي المعاهدات الدولية، هي جزء لا يتجزأ من القانون الدولي .

ب ـ القانون الدستوري وفروع القانون العام الداخلي
يقصد بالقانون العام الداخلي مجموعة من القواعد القانونية التي تحكم أو تنظم شؤون الدولة العامة الداخل ية، حيث تطبق داخل حدود الدولة ولا تتعداها إلى خارجها. وبناء عليه تتفرع عن القانون العام الداخلي ثلاثة فروع أساسية هي القانون الإداري والقانون المالي إضافة إلى القانون الدستوري .

أولا ، القانون الدستوري والقانون الإداري
إذا كان القانون الدستوري هو القانون الأسمى في الدولة، الذي ينظم القواعد القانونية التي تتعلق بنظام الحكم في الدولة والسلطات العامة فيها والعلاقة بينها وحقوق الأفراد، فإن القانون الإداري هو الذي "يحكم السلطات الإدارية في الدولة بوصفها سلطات عامة تعمل على تحقيق النفع العام، معتمدة في ذلك على ما تملكه بهذه الصفة من حقوق وامتيازات خاصة بها"[18]. وعلى هذا الأساس فإن القانون الإداري وثيقة الصلة بالقانون الدستوري. فهذا الأخير هو الذي يضع الأسس التي يبنى عليها القانون الإداري والفلسفة التي تقوم عليها الإدارة، بينما يهتم القانون الإداري بتنفيذ تلك المبادئ الدستورية.

بمعنى آخر، فإن القانون الدستوري يضع الأحكام الكلية أو العامة للسلطة التنفيذية ،بينما يضع القانون الإداري القواعد التفصيلية، التي تكفل تشغيل الأجهزة الإدارية وأدائها لوظيفتها. ولعل هذا ما كان قد أوضحه الفقيه بارتملي عندما أشار إلى أن "القانون الدستوري يبين لنا كيف شيدت الآلة الحكومية، أما القانون الإداري فيبين كيف تسير هذه الآلة وكيف تقوم كل قطعة منها بوظيفتها"[19].

هذا التداخل بين القانون الدستوري والقانون الإداري دفعت بعض الفقهاء، وفي مقدمتهم جيز )Jese(، إلى حد إنكار كل تفرقة بين الفرعين، منطلقا في ذلك من خضوع وسائل الإدارة وحدود نشاطها، موضوع القانون الإداري، للمبادئ السياسية في كل دولة، موضوع القانون الدستوري. وإن كان لذلك لا يمنع من القول إن الأمر يتعلق بفرعين قانونيين مستقلين، خاصة وقد جرى التقليد المتبع في الجامعات على التمييز بينهما ودراسة كل واحد منها على حدة .

ثانيا، القانون الدستوري والقانون المالي
باعتباره العلم الذي يبحث في إيرادات الدولة ونفقاتها والموازنة بينها، فإن القانون المالي يستمد المبادئ والقواعد المتصلة بكل هذه الجوانب من الدستور، على اعتبار أن هذا الأخير هو الذي يحدد الفلسفة الاجتماعية والسياسية التي يقوم عليها النظام السياسي، وضمنها المبادئ المتعلقة بالميزانية، خاصة الجانب المتعلق منها بالضرائب والإيرادات وطرق الإنفاق. ولهذا، يظل القانون المالي مرتبط أشد الارتباط بالقانون الدستوري، حتى ولو كان كل منهما يمثل فرعا مستقلا من فروع القانون العام .

الفقرة الثانية: القانون الدستوري وفروع القانون الخاص
يترك الدستور العلاقات الخاصة في الغالب لكي تنتظم بشكل حر ودون تدخل من جانبه، خاصة وأن القوانين التي تضبط تلك العلاقات يغلب عليها الاستقرار والثبات ،مثل القانون الجنائي والقانون المدني وقانون الأسرة. ولكن رغم ذلك نجد القانون الدستوري يتضمن المبادئ والأسس العامة للتنظيم الاقتصادي والاجتماعي مثل النص على أن الملكية الخاصة مضمونة وحق الإرث وكذلك حماية الأسرة، ويعود إلى القوانين الخاصة تنظيم وتجسيد تلك المبادئ وتفصيلها.

وما يمكن ملاحظته في العلاقة بين القانون الدستوري والقوانين الخاصة أنها ضعيفة نسبيا بحكم أن القانون الدستوري يهتم بنظام الحكم وشكل السلطة، بينما تهتم القوانين الخاصة بالعلاقات القائمة بين الأفراد والأشخاص الاعتبارية الخاصة وكذلك العامة، عندما تتصرف هذه الأخيرة ليس بوصفها صاحبة سلطة وسيادة وإنما كشخص عادي.

وتظهر هذه العلاقة بصفة خاصة عندما يتعلق الأمر بالقانون الجنائي، الذي ظل الجدل قائما حتى وقت قريب حول تنصيفه في إطار فروع القانون العام أو فروع القانون الخاص. فالقانون الدستوري حين يرسم شكل الحكم ويحدد قواعده ،فإنه يحدد في نفس الوقت المبادئ التي يبنى على أساسها القانون الجنائي مثل اعتبار المتهم بريء حتى تثبت إدانته من جهة قضائية، وعدم رجعية القانون الجنائي، وقاعدة لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص جنائي، وشخصية العقوبة. بالمقابل، فإن القانون الجنائي حين ينظم العلاقة ب ين الفرد والدولة ويبين الجرائم والعقوبات المقررة لها والإجراءات الواجب إتباعها جنائيا، فإنه يعمل على حماية الدستور ونظام الحكم في الدولة ويعاقب على محاولة المساس بأمنها .

المبحث الثاني: مصادر القانون الدستوري

أخذا بعين الاعتبار أن معظم الفقه لم يعد يعير اهتماما كبيرا للمعيار الشكلي في تعريف الدستور، ومن ثم القانون الدستوري، ويعتمد، بالمقابل، على المعيار الموضوعي، فإن الدستور يضم، كما سبقت الإشارة إلى ذلك من قبل، معظم القواعد التي تعتبر من حيث طبيعتها أو جوهرها دستورية سواء وردت في الوثيقة الدستورية أم لا. بمعنى آخر، فإن تعبير الدستور يحيل على جميع القواعد ذات الطبيعة الدستورية بغض النظر عما إذا كان مصدرها الوثيقة الدستورية أو القوانين التنظيمية أو القوانين العادية أو العرف الدستوري.

على هذا الأساس، فإن مصادر القانون الدستوري تبدو متعددة ومتنوعة. وهذا ما فرض ضرورة ترتيبها وتصنيفها، حيث درج الفقه على التمييز بين المصادر الرسمية، والمصادر غير الرسمية أو التفسيرية. منطلقا في ذلك من اعتبار أن النوع الأول يعمل على إعلان القواعد الملزمة، إما عن طريق السلطة العامة من خلال التشريع وإما نتيجة الزاميتها في ضمائر الناس من خلال تكرارها واستقرارها كما هو الحال بالنسبة للعرف. أما النوع الثاني، فدوره ليس تشريع القواعد القانونية وإنما يقتصر على مجرد شرحها وتفسيرها.

المطلب الأول: المصادر الرسمية للقانون الدستوري
تتحدد هذه المصادر الرسم ية أيضا في نوعين، الأول يتعلق بالمصادر المكتوبة (التشريع بمعناه الواسع) والنوع الثاني يهم المصادر غير المكتوبة (العرف)، الذي تزداد أهميته خاصة في الدول التي لا تتوفر على وثيقة دستورية مكتوبة، مثل بريطانيا وإسرائيل.

الفقرة الأولى: التشريع كمصدر رسمي للدستور
عند دراسة التشريع كمصدر رسمي للقانون الدستوري، يأخذ بالمفهوم الموضوعي لتعريفه على اعتبار أنه المعيار المرجح لدى الفقه. فعلى ضوء هذا التعريف يمكن أن يشمل التشريع كل القواعد والنصوص التي تتناول بالتنظيم موضوعا من موضوعات القانون الدستوري، سواء وردت في وثيقة دستور ية مكتوبة أو في القوانين التنظيمية الصادرة عن البرلمان والتي تنصب على موضوعات دستورية، أو إعلانات الحقوق وكذا مقدمات الدساتير.

أـ الوثيقة الدستورية المكتوبة
إن أهم ما يميز الدولة الدستورية الحديثة في نظر فقهاء القانون الدستوري، هو تدوين القواعد المنظمة للسلطة فيها في وثيقة تسمى الدستور ،وهي القواعد التي كانت عرفية حتى القرن الثامن عشر، حيث كان الحكام يتمتعون بسلطة مطلقة ولا يتقيدون بأي نظام قانوني يحد من سلطتهم.

ويعد الدستور الذي أصدره كرومويل، بعد استيلائه على السلطة في انجلترا سنة 1653، أول وثيقة دستورية مكتوبة ينطبق عليها هذا المعنى ،والذي استوحى فيه أحكام "ميثاق الشعب" والمبادئ التي صدرت من المجلس الحربي لكرومويل. فقد نص هذا الميثاق على أن السيادة للشعب وهو صاحب الحق في إصدار الدستور. وبعده جاء دستور مقاطعة فرجينيا لسنة 1776، الصادر في أعقاب الاستقلال عن الاستعمار البريطاني .

لكن أولى الدساتير التي تجلت فيها الأغراض السياسية للدولة الحديثة تبقى هي دستور الولايات المتحدة الأمريكية لسنة 1787، ودستور السنة الأولى للجمهورية في فرنسا سنة 1791، قبل أن تعم فكرة الدساتير المدونة، في أعقاب الحرب العالمية الثانية ،خاصة بعد موجة من الحركات الاس تقلالية التي عرفتها هذه الفترة، حيث كان أول ما تفكر فيه الحركات ال تحريرية بعد حصولها على الاستقلال هو تمكين الدولة المستقلة من دستور ينظم شؤون الحكم فيها .

وبحكم سموه على جميع القوانين في الدولة، فإنه يعد المصدر الأول لقواعد القانون الدستوري، على اعتبار أن كل القوانين الأخرى يجب أن تخضع لقواعده ومبادئه وإلا اعتبرت غير دستورية وكان مصيرها الإلغاء أو على الأقل عدم التطبيق. وهذه الأهمية التي يحتلها الدستور في سلم هرم القوانين في الدولة هي التي فرضت عدم تعديله أو إلغائه إلا وفقا لمسطرة خاصة وإجراءات محددة ينص عليها الدستور. كما فرضت حمايته من كل إمكانية لانتهاك قواعده من طرف المشرع نفسه، من خلال ما يعرف بدستورية القوانين، التي تتولى القيام بها إما المحاكم العادية أو محاكم متخصصة (المحكمة الدستورية) أو أجهزة ذات طبيعة سياسية (المجلس الدستوري في فرنسا) بحسب اختلاف التجارب الدولية في هذا المجال.

ب ـ القوانين التنظيمية أو العضوية
في الدول التي تأخذ بالدساتير المكتوبة توجد نصوص قانونية تنظيمية تصدر عن السلطة التشريعية (البرلمان)، تأخذ وصف القوانين الأساسية، أو القوانين التنظيمية، أو القوانين العضوية (Les lois organiques) بحسب اختلاف التسميات السائدة في هذا البلد أو ذاك. وهي تتميز عن القوانين العادية شكلا، أي من حيث إجراءات ومسطرة اعتمادها ،ومضمونا، أي من حيث طبيعة المواضيع التي تتولى تنظيمها، إذ عادة ما تتصل بمواضيع لها علاقة مباشرة بتنظيم السلطات العامة في الدولة، وكذا بحقوق الإنسان وحرياته، مثل القوانين المتعلقة بالانتخابات، والنظام الداخلي للبرلمان وقوانين الأحزاب السياسية، والدفع بعدم دستورية القوانين المنظمة للحقوق والحريات..

وهذا النوع من القوانين، الذي يعود أمر ابتكاره إلى محاولة تسهيل مهمة تعديلها لمعالجة م وضوعات دستورية لا يمكن إدراجها ضمن الوثيقة الدستورية الجامدة ،التي يتطلب تعديها إجراءات تبدو صعبة ومعقدة، وكذلك لتكملة نصوص ناقصة في الدستور ،يعتمد الفقه في تحديد مدلولها على معيارين أساسيين:

أولا: المعيار الشكلي ،الذي يرتكز في تعريفه لها على التفرقة التي جاء بها دستور الجمهورية الخامسة الفرنس ية لسنة 1958 وعلى وجه التحديد المادة 46 منه، والتي تنص على أن القوانين التنظيمية هي القوانين التي ورد النص عليها في الوثيقة الدستورية ويتبع بشأن إصدارها إجراءات خاصة تختلف عن الإجراءات المقررة في القوانين العادية. وهو نفس النهج الذي اتبعته دساتير دول أخرى خاصة تلك التي تساير التقليد الدستوري الفرنسي، مثل الدساتير المغربية المتوالية منذ 1962 إلى اليوم. ومعنى هذا أن المعيار الشكلي يجعل من القوانين التنظيمية صادرة عن المشرع العادي بناء على تكليف من المشرع الدستوري .

ثانيا: المعيار الموضوعي، الذي يعتمد على جوهر ومضمون القاعدة القانونية دون النظر إلى الشكل والإجراءات التي تتبع في وضعها، سواء تضمنتها الوثيقة الدستورية أو تم النص عليها في قوانين صادرة عن البرلمان. فبما أن تلك القواعد تتعلق بمواضيع هامة تتصل بنظام الحكم في الدولة أو بحقوق وحريات الأفراد في مواجهة الدولة، فإنها تعتبر قوانين تنظيمية. ووفقا لهذا المعيار، فإن هذا النوع من القوانين تصدر عن المشرع العادي من تلقاء نفسه ودون حاجة إلى تكليفه بذلك من طرف المشرع الدستوري .
فيما يخص قيمتها القانونية ،فالقوانين الت نظيمية أو العضوية، فإذا كانت تأتي، بشكل عام، في المرتبة ال ثانية بعد القواعد الدستورية، ولا يثار أي خلاف على هذا المستوى، فإن الأمر لا يبدو كذلك عندما يجعل الدستور إجراءات إقرارها وتعديلها مشابهة لإجراءات وضع وتعديل القواعد الدستورية، إذ في هذه الحالة تكون لها نفس القيمة التي للقواعد الدستورية المدونة في الوثيقة الدستورية المكتوبة.

ج ـ إعلانات الحقوق ومقدمات الدساتير
إلى جانب الوثيقة الدستورية المكتوبة توجد وثائق أخرى يتم فيها إعلان مبادئ عامة وتوضيحات تتصل بالحقوق والحريات المكفولة للمواطنين في مواجهة السلطات العامة في الدولة، هي التي يطلق عليها إعلانات الحقوق والحريات، كما هو الأمر بالنسبة ل"إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي" الصادر سنة 1789، والذي يتم إلحاقه فيما بعد بدستور السنة الأولى للجمهورية (1791)، وإن كان التقليد الذي أضحى متبعا في وقتنا الحاضر هو أن هذه المبادئ أصبحت متضم نة في الوثيقة الدستورية نفسها إما في شكل مقدمات (ديباجات)، أو في شكل أبواب مستقلة عادة ما تسبق الأبواب المخصصة لتنظيم السلطات العامة في الدولة .
هذه الإعلانات والمبادئ تعتبر أيضا مصدرا من مصادر القانون الدستوري، حتى ولو كان الفقه قد اختلف فيما يخص مدى أهميتها وقيمتها القانونية إلى ثلاثة اتجاهات:

اتجاه أول يعتبرها مجرد مبادئ فلسفية أخلاقية، وبالتالي ينكر عليها أي قيمة قانونية. اتجاه ثاني ، يؤيد فكرة إضفاء القوة الإلزامية عليها. واتجاه ثالث، وأخير ، يرى ضرورة التمييز داخلها بين النصوص القانونية والنصوص التوجيهية، حيث لا يعترف إلا بإلزامية الأولى.
مع الإشارة هنا، إلى أن هذا النقاش قد فقد في الوقت الحاضر الكثير من أهميته، أولا ،بالنظر إلى التراكم الذي حصل في مجال الأحكام القضائية التي تعترف بالقيمة القانونية لمقدمة الدساتير[20]، وبالنظر إلى التطور الذي حصل في تصور المشرع الدستوري للمبادئ والقيم التي عادة ما تتم الإشارة في مقدمات الدساتير، وعلى رأسها المبادئ المتعلقة بالتزامات الدول في مجال الحقوق والحريات، إذ أضحت بعض الوثائق الدستورية، وضمنها الدستور المغربي لسنة 2011، تنص بصريح العبارة على اعتبار الديباجة أو المقدمة أو التصدير جزءا لا يتجزأ من الدستور نفسه .
وبالتالي، فقد أصبحت لها نفس القيمة القانونية التي للمقتضيات الأخرى من الدستور.

الفقرة الثاني: العرف كمصدر رسمي للقواعد الدستورية
بالرغم من أن الانتشار الكبير الذي عرفته الوثائق الدستورية المكتوبة قد أدى إلى تراجع الأهمية السابقة التي ظل يحتلها العرف باعتباره من أقدم المصادر الرسمية للقواعد القانونية بصفة عامة وللقانون الدستوري بصفة خاصة، فإن ذلك لا يمنع من استمراره إلى يومنا هذا كمصدر أساسي للقواعد الدستورية في الدول ذات الدساتير العرفية.

وإذا كان تقسيم الدساتير إلى مدونة وعرفية يقوم على أساس العنصر الغالب في القواعد الدستورية في الدولة ،هل هي القواعد المكتوبة (الدستور المكتوب) أم القواعد العرفية (الدستور العرفي)، فإن ذلك يطرح ضرورة التمييز بين الدستور العرفي والعرف الدستوري. ويفرض هذا التمييز نفسه خاصة عندما نأخذ الاعتبار أن وجود دستور عرفي لا يعني أن كل القواعد القانونية الموجودة في الدولة ذات طبيعة عرفية، كما أن وجود دستور مكتوب لا يمنع م قيام بعض الأعراف التي تنظم بعض الجوانب المرتبطة بتنظيم السلطات.

وعلى هذا الأساس، فإذا كان الدس تور العرفي هو الذي تكون أغلب قواعده غير مكتوبة ،وينحصر فيه وجود وثائق مكتوبة على تنظيم مواضيع ومجالات ذات طبيعة دستورية جد محدودة، فإن العرف الدستوري يحيل على مجموعة من القواعد غير المدونة (ممارسات دستورية) التي اعتادت السلطات الحاكمة في الدولة ذات الدستور المكتوب على إتباعها دون أن تلقى معارضة، بحيث يشعر الأفراد بأنها ملزمة لهم. وهذا يعني أن أية "ممارسة دستورية" لا يمكن أن تكون عرفا دستوريا إلا إذا تحقق فيها ركنين أساسيين، الركن المادي متمثلا في اعتياد السلطات الحاكمة على إتباع سلوك معين في قضية ذات طبيعة دستورية، والركن المعني المجسد في إدراك الناس وشع ورهم بإلزامية ذلك السلوك المتبع، واقتناعهم بأهميته وجدواه .

لكن، بما أن العرف الدستوري لا يمكن تصور وجوده إلا في ظل دولة ذات دستور مكتوب، فإن السؤال الذي يطرح يتعلق بطبيعة علاقته بهذا الدستور المكتوب. في هذا الإطار، عادة ما ينظر إلى العرف الدستوري بأنه يأتي إما لتفسير ما يشوب الوثيقة الدستورية من غموض أو ليكمل ما قد يكون يعتريها من نقص أو يدخل عليها تعديلات بما يتماشى وأهداف معينة .

أ ـ العرف الدستوري المفسر
هذا النوع من العرف يبرز في حالة وجود غموض وعدم وض وح في الوثيقة الدستورية، وعليه فهو لا ينشئ قواعد دستورية جديدة وإنما يبين التطبيق السليم أو المعنى الحقيقي للنص المكتوب. وهذا يعني أن العرف الدستوري المفسر لا يخرج عن دائرة النصوص المكتوبة وإنما يعمل في إطارها. والمثال الواضح الذي يقدمه عادة الفقهاء للتأكيد على هذا النوع من العرف هو ما جرى العمل به في ظل في دستور فرنسا لسنة 1875، الذي لعب العرف دورا هاما في تفسير وتوضيح العديد من نصوصه ومقتضياته. 

فعلى سبيل المثال، فقد جرى تفسير ما كان ينص عليه الدستور المذكور من أن "رئيس الجمهورية يكفل تنفيذ القوانين" (المادة 3)، بإعطائه، أي رئيس الجمهورية، سلطة إصدار اللوائح التنفيذية (المراسيم التطبيقية) ،رغم أن نص الدستور لم يذكر أي شيء من هذا القبيل، وذلك لأن ضمان تنفيذ القوانين لا يكون إلا من خلال إصدار اللوائح الملزمة لتنفيذها.

من ناحية القيمة القانونية لهذا النوع من العرف، فقد ذهب أغلب الفقهاء إلى إعطائه نفس القيمة القانونية التي للنصوص الدستورية، بحيث يصبح جزءا منها، سواء تعلق الأمر بالدساتير المكتوبة المرنة أو الدساتير المكتوبة الصلبة .

‌ب ـ العرف الدستوري المكمل
ينشأ هذا العرف ليكمل المجالات التي لم تنظم في الوثيقة الدستورية، حيث تظهر نصوص عرفية جديدة إلى جانب الوثيقة المكتوبة لاستكمال نقص معين غفل عنه المشرع الدستوري. ومن الأمثلة التي تقدم على هذا النوع من العرف اكتفاء الدستور الفرنسي لسنة 1875 باشتراط أن يكون مجلس النواب منتخبا بطريق الاقتراع العام ،د ون أن يبين شكل هذا الانتخاب، قبل أن يأتي العرف الدستوري لكي يكمل هذا النقص عندما تم اتباع طريقة الانتخاب المباشر. وهذا معناه أن العرف الدستوري المكمل، وعلى خلاف العرف الدستوري المفسر، لا ينحصر دوره في الوثيقة الدستورية المكتوبة بل إنه يذهب أبعد منها لإنشاء قاعدة جديدة لا تستند على نص مكتوب .

وهذا النوع من العرف وإن كان لا يثير جدالا فقهيا من حيث مدى شرعية وجوده، فإن مصدر الخلاف الفقهي الدائر حوله ينحصر في قيمته القانونية، إذ بينهما ذهب جانب من الفقه إلى إلحاقه بالعرف المفسر واعتباره في مرتبة القواعد الدستورية ، يفضل جانب آخر من الفقه المساواة بينه وبين القوانين العادية. ففي تقديرهم أن العرف إذا خرج عن نطاق تفسير الدستور يكون قد أنشأ قاعدة جديدة وقام بالتالي بتعديل الدستور وهو الأمر الذي لا يجور في ظل الدساتير الجامدة التي تتطلب إجراءات خاصة لتعديلها يكون منصوصا عليها في الدستور نفسه .

وبين الرأي الأول والرأي الثاني، حاول فريق ثالث من الفقهاء ،وفي مقدمتهم جوليان لافريير(Julien – Laferrière)، التمييز بين أمرين على هذا المستوى: الأول، يهم اقتصار العرف الدستوري على تحديد الكيفية أو الوسائل التي يتم من خلالها تطبيق حكم من الأحكام المقررة في وثيقة الدستور، ففي هذه الحالة يصبح العرف المكمل مثل العرف المفسر، ويكون له، بالتالي، نفس قيمته القانونية. الثاني، يتعلق بتجاوز دور العرف المكمل حدود إكمال النص وسد النقص إلى إنشاء قواعد قانونية جديدة لا تستند إلى أي نص من نصوص الدستور المكتوب، وفي هذه الحالة نكون إزاء عرف معدل لا يمكن الاعتراف له بأية قيمة قانونية في ظل الدستور الجامد.

‌ج ـ العرف الدستوري المعدل
لا يقتصر العرف الدستوري على تفسير الغموض الذي قد يكتنف بعض بنود الدستور أو إكمال النقص الذي قد يعتري الوثيقة الدستورية ،وإنما يمكن أن يذهب إلى حد تعديل نصوص الدستور. ولذلك، يقصد بالعرف الدستوري المعدل ذلك العرف الذي ينصرف أثره إلى تعديل حكم ورد في الدستور، سواء باستحداث قاعدة دستورية جديدة (عرف إيجابي) أو بحذف بعض أحكامها (عرف سلبي).

ففي الحالة الأولى، نكون إزاء تدخل للعرف لإضافة حكم جديد لقواعد القانون الدستوري، تماما كما هو الأمر بالنسبة للعرف المكمل ،مثلما كان يحدث في فرنسا من تفويض البرلمان للسلطة التنفيذية بالتشريع عن طر يق مراسيم بقوانين. أما في الحالة الثانية، فإن التعديل يكون هدفه إسقاط حق أو اختصاص من الاختصاصات المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية، أي عدم تطبيق نص ورد في الدستور، كما هو الشأن بالنسبة لسقوط حق رئيس الجمهورية في فرنسا في حل مجلس النواب ،بعدما أن كان هذا الحق، المنصوص عليه في دستور 1875، لم يستعمل طيلة الفترة الممتدة بين 1877 و1930.

ونظرا لأهمية، بل و"خطورة"، هذا النوع من العرف الدستوري، فقد طرح التساؤل ليس فقط حول قيمته القانونية، وإنما حول مدى شرعية وجوده، حيث انقسم الفقهاء في ذلك إلى ثلاثة اتجاهات:

الأول منها، لا يعترف تماما بشرعية العرف المعدل بحجة أن تعديل الدستور الجامد يتطلب إجراءات مشددة لا يجوز مخالفتها، وفي حالة استحداث هذا التعديل العرفي فسيكون عملا غير مشروع، ويتعارض ،بالتالي، مع سيادة الشعب.
الثاني، يقر بشعرية العرف المعدل ويعتبره وليد إرادة الأمة والتعبير المباشر عن سيادتها. فلما كانت الأمة، يقول أصحاب هذا الرأي، هي السلطة التأسيسية العليا فإن القواعد العرفية تستمد قيمتها من هذه السيادة وتكون بالتالي أقوى من القانون المكتوب بل ومن الدستور نفسه. ولكن اتفاق أنصار هذا الاتجاه حول شرعية العرف المعدل، لم يمنع اختلافهم حول مرتبته القانونية، فمنهم من يرى أنه يحتل مرتبة القواعد العادية، ومنهم من يرى أنه يأخذ مرتبة النصوص الدستورية .
أما الفريق الثالث، والأخير، فهو يقيم تمييزا بين العرف المعدل بالإضافة والعرف المعدل بالحذف، حيث يعترف بشرعية النوع الأول، ويعطيه نفس القيمة القانونية التي تتوفر عليها القواعد الدستورية، بينما لا يحكمهم نفس الموقف إزاء ال نوع الثاني .فهم يعتبرون أن "العرف المعدل بالإضافة" ليس فقط غير مشروع من الناحية القانونية، وإنما غير ممكن الحدوث من الناحية العملية لأن عدم استعمال سلطة من السلطات العمومية لأحد حقوقها الدستورية لا يؤدي إلى فقدانها ممارسته، بحيث يمكنها اللجوء إلى الاستفادة منه في أية لحظة تشاء .

المطلب الثاني: المصادر التفسيرية للقانون الدستوري
إذا كانت المصادر الرسمية، وخاصة المكتوبة منها، تعتبر ذات أهمية خاصة كمصدر من مصادر القانون الدستوري، فإن هذه الأخيرة لا تنحصر فيها أو تتوقف عندها، بل بجانبها توجد مصادر أخرى لها هي الأخرى أهميتها في هذا المجال، وإن لم يكن ذلك على مستوى إنتاج القواعد الدستورية فعلى الأقل على مستوى تفسيرها وشرحها. وهذه المصادر، التي توجد في كل الدول، كيفما كانت طبيعة القواعد الدستورية التي تنظم شؤون الحكم فيها، سواء أكانت مضمنة في وثيقة مكتوبة أو عبارة عن قواعد عرفية، تتحدد غالبا في مصدرين أحدهما يمثله الاجتهاد القضائي ،والثاني يعبر عنه الاجتهاد الفقهي.

الفقرة الأولى: الاجتهاد القضائي
بشكل عام ،يقصد بالقضاء كمصدر للقانون "مجموعة الأحكام التي تصدر عن المحاكم عندما تكون بصدد تطبيقها للقانون على المنازعات التي تعرض عليها ،"وهذا يعني أن الأحكام التي تصدر من المحاكم والمتضمنة مبادئ لم ينص عليها ،ولها حجج قانونية عامة، تعتبر من مصادر القانون.

وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن القضاء كمصدر للقانون الدستوري يعني مجموعة القواعد المستنبطة من أحكام المحاكم في المجال الدستوري. ويهم الأمر هنا بصفة خاصة أحكام القضاء أثناء ممارسته لما يعرف بالرقابة على دستورية القوانين ،سواء كان القضاء المعني هنا بمراقبة دستورية القوانين هو القضاء العادي ،أي المحاكم التي تندرج في إطار التنظيم القضائي لكل دولة، كما هو الشأن في الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض الدول الأخرى التي حدت حذوها، أو القضاء المتخصص، أي القضاء الدستوري، الذي تمثله "المحاكم الدستورية" الواسعة الانتشار خاصة في أوروبا، وفي الدول ذات الديمقراطيات الناشئة، أو "المجلس الدستوري ،"الذي يكاد ينحصر في التجربة الفرنسية، وفي بعض البلدان القليلة جدا التي تأثرت بها، خاصة من مستعمراتها السابقة. بل إن هذه البلدان هي نفسها أخذت تهجر هذه الطريقة في إعمال مراقبة دستورية القوانين لصالح إحداث محاكم دستورية تتولى هذه المهمة، كما هو الأمر بالنسبة للمغرب من خلال دستور 2011 أو تونس من خلال دستور 2014.

فعندما يقوم القضاء الدستوري بالنظر في دستورية أو عدم دستورية قانون ما، فإن الأحكام التي يصدرها في هذا المجال قد تتضمن مقتضيات مفسرة لنصوص الوثيقة الدستورية، بل وحتى مكملة لما يعتري هذه النصوص من غموض أو نقص. ولذلك ،فإن اجتهادات القضاء في المادة الدستورية تبقى ذات أهمية لا يمكن تجاهلها في تحديد مصادر القانون الدستوري، خاصة عندما يكون هذا الاجتهاد يلزم جميع السلطات العامة في الدولة، ويمكن أن يصل إلى حد خلق قواعد جديدة، كما فعلت المحكمة العليا الأمريكية، عندما أقرت، في قضية المشهورة بمارلبوري ضد ماديسون، بأحقية القضاء في مراقبة دستورية القوانين على الرغم من أن الدستور الأمريكي لم يكن ينص على ذلك. ولذلك، يقال أن الدستور الأمريكي ليس ما هو متضمن في النص الذي كتب في سنة 1787، وفي التعديلات الأخرى التي أدخلت عليه، وإنما هو ما يصدر من اجتهادات عن المحكمة العليا .

الفقرة الثانية: الاجتهاد الفقهي
يقصد بمصطلح الفقه كمصدر للقانون "مجموعة البحوث والآراء والدراسات المتخصصة في القانون". فعندما يقوم الفقهاء بتحليل الأحكام وإجراء مقارنات ونقد وتقييم الأعمال فهم بذلك يسهمون في إبراز النقائص والعيوب في التشريع والقضاء .وعليه، فإذا كانت هذه الآراء والنظريات الفقهية تبقى مجرد اجتهادات فكرية فردية وغير رسمية، ولا تنطوي بالتالي على أية قوة إلزامية، فمع ذلك لا يمكن إنكار مساهمتها في تفسير القواعد الدستورية وتوضيح جوانب الغموض والالتباس التي قد تحيط بها. أضف إلى ذلك دورها على مستوى تطوير وتوجيه صياغة النصوص القانونية وكذا تطبيقها من طرف القضاة.

هذه الأهمية تبدو أكثر وضوح عندما نعلم أن القانون الدستوري يدون بالكثير من مبادئه وقواعده لفقهاء ومفكرين كان لهم الدور الكبير في بلورتها وتطويرها. فعندما نتحدث، مثلا، عن فصل السلطات نستحضر مونتسكيو، وعندما نتحدث عن تراتبية القواعد القانونية وسمو الدستور عليها نستحضر هانس كيلسن، وعندما نتكلم عن مفهوم السيادة نستحضر جون بودان.

والفقه من حيث دوره في إنتاج القواعد الدستورية ينقسم إلى نوعين، أحدهما يقوم بدور إنشائي من خلال دراسة ومعالجة المسائل الدستورية، ويطلق عليها الفقه الموجه. والآخر، ينحصر دوره في تحليل وشرح القوانين الدستورية، حيث يبرز ما بها من نقص أو غموض أو إبهام ويسترشد بآرائه التشريع والقضاء على حد سواء ،ويطلق عليه (الفقه المفسر).

---------------------------
الهوامش :
[1] ـ مصطفة قلوش، "القانون الدستوري: النظرية العامة"، مطبعة دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع بالرباط، سنة 2004، ص 29.
[2] ـ نفس المرجع، ص 29.
[4] ـ سيتم الحديث عنها بنوع من التفصيل عند تناول موضوع سمو الدستور ومراقبة دستورية القوانين .
[5] ـ حيث تنص المادة 25 من دستور سويسرا الاتحادي على أنه لا يجوز ذبح الحيوانات إلا بعد تخديرها .
[6] ـ هذا ما كان قد أقره التعديل رقم 18 لسنة 1919 من دستور 1787.
[8] ـ عدم وجود دستور في إسرائيل من الناحية الشكلية لا يمنع من وجود بعض الوثائق المكتوبة التي تنظم بعض الجوانب المرتبطة بنظام الحكم من قبيل القانون الأساسي للكنيسيت لسنة 1958، والقانون الأساسي لرئيس الدولة لسنة 1964.
[9] ـ محمد شفيق صرصار، "القانون الدستوري والمؤسسات السياسية"، سنة 2007، محاضرات موجهة لطلبة المدرسة الوطنية للإدارة، ص 5 ، منشورة بالعنوان الإلكتروني التالي http://www.ena.nat.tn/sysfiles/files/medias
[10] ـ سام سليمان دلة" ،مبادئ القانون الدستوري والنظم السياسية، " مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية، سوريا، سنة 2002.
[11] ـ نفس المرجع .
[12] ـ كان وزيرا للتعليم في عهد لويس فيليب الأورلياني
[13] ـ نفس المرجع، ص 5 ،
[14] ـ نفس المرجع، ص 5.
[15] ـ نفس المرجع، ص 5.
[16] ـ نفس المرجع، ص 5.
[17] ـ كما فعل مثلا بوريس مركين غتزوفيتشـ عميد كلية العلوم السياسية بجامعة نيويورك في كتابه "الاتجاهات الحديثة في القانون الدستوري"، الذي كان قد أصدره بين الحربين العالميتين .
[18] ـ الصروخ مليكة، "القانون الإداري" دراسة مقارنة"، الشركة المغربية لتوزيع الكتب، الطبعة السادسة، سنة 2006، ص 12.
[19] ـ حسب ما تذكر ذلك الصروخ ملكية، مرجع سابق، ص 50.
[20] ـ يمكن أن نشير هنا بصفة خاصة إلى الحكم الشهير الصادر عن محكمة السين الفرنسية بتاريخ 22 يناير 1947، والقاضي بإلغاء الشرط الوارد في وصية سيدة إلى حفيدتها بإلغاء هذه الوصية إذا تزوجت بيهودي، استنادا إلى أن هذا الشرط مخالف للفقرة الأولى من مقدمة الدستور التي تؤكد على مبدأ المساواة بين المواطنين. وهو الاتجاه الذي أكدته محكمة النقض من خلال حكمها الصادر في 27 مارس 1952، حيث استندت إلى الفقرة السابعة من مقدمة الدستور،معتبرة أن إضراب العمال لا يعتبر في حد ذاته سببا لفسخ عقد العمل كما أن هذا الاتجاه هو سلكه المجلس الدستوري الفرنسي في ظل دستور 1958 في العديد من اجتهاداته .

إرسال تعليق

0 تعليقات