Header ADS

اخر الأخبار

جريمة التسميم في التشريع المغربي

 عرض بعنوان: جريمة التسميم في التشريع المغربي PDF

جريمة التسميم في التشريع المغربي PDF

مقدمة :
يحتل الحق في الحياة مكانة الصدارة في سلم القيم المعترف بها عالميا، و قد شكل هذا الحق عبر العصور نورا في مشكاة القيم الإنسانية و قبسا في محرابها، ضمنته التعاليم السماوية، وكرسته المذاهب الفلسفية، و أمسى حقا كونيا، تصدى لحمايته التشريع الدولي المتعلق بحقوق الإنسان من خلال ما تضمنته العديد من العهود و الأفاق الدولية أ، و تبنته جميع دساتير العالم، و نصت عليه مختلف القوانين الجنائية.

و دليل ذلك ما جاء من آيات في القرآن الكريم تحرم القتل نذكر منها قوله تعالى : ( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).2

أما سند تحريمه في السنة النبوية الشريفة فقد روي عن الرسول عليه أفضل الصلوات و أزكى التسليم أنه قال: "اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول الله و ما هن ؟ قال: الشرك بالله، و السحر، و قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، و أكل الربا، و أكل مال اليتيم، و التولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات".7

و بالرجوع إلى نصوص دستور المملكة لسنة 2011 نجده أقر هذا الحق في الفصل 20 منه حيث جاء فيه أن: "الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان، ويحمي القانون هذا الحق. 4"

أما على مستوى الاتفاقيات و المعاهدات الدولية؛ فقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 3 منه: "لكل فرد حق في الحياة والحرية وفى الأمان على شخصه"، و جاء في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية" في المادة 6 منه: " الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان، و على القانون أن يحمي هذا الحق، و لا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفا"، كما نص الميثاق العربي لحقوق الإنسان في المادة 5 منه : "1- الحق في الحياة حق ملازم لكل شخص2- يحمي القانون هذا الحق، و لا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفا""7.

أما في القانون الجنائي المغربي؛ فالمشرع كان صريحا و متشددا في حماية حق الإنسان في الحياة منذ ولادته إلى وفاته، و امتدت هذه الحماية أكثر من ذلك لتشمل الجنين في بطن أمه8، فتم تجريم القتل بمختلف أشكاله، و تعدد صوره وألوانه، سواء ما هو ظاهر للعيان و منها ما هو خفي عن العيان، كجريمة التسميم موضوع دراستنا في هذا العرض.

و جدير بالذكر أن المشرع المغربي نظم جريمة التسميم ضمن الباب السابع المتعلق بالاعتداء على الأشخاص9، الذي استهله بجريمة القتل باعتبارها أخطر الأفعال التي يمكن ارتكابها في حق الأشخاص، لكون الروح تأتي في مقدمة القيم التي يسعى المشرع إلى صيانتها و سلامتها. 10

و القوانين الجنائية المعاصرة لم تتفق على إيراد تعريف موحد لجريمة التسميم، لهذا اختلفت التعريفات باختلاف القوانين، حيث نص المشرع الفرنسي على جريمة التسميم في المادة (5-221) من قانون العقوبات والتي جاء فيها (يعد تسمما كل اعتداء على حياة الإنسان بتأثير جواهر يتسبب عنها الموت عاجلا أم أجلا أيا كانت كيفية استعمال تلك الجواهر ومهما كانت نتائجها)11، أما المشرع المصري فقد نص في المادة 233 : (من قتل أحدا عمدا بجواهر يتسبب عنها الموت عاجلا أو أجلا يعد قاتلا بالسم أيا كانت كيفية استعمال تلك الجواهر ويعاقب بالإعدام)12، في حين نص المشرع الجزائري في المادة 260: (التسميم هو الاعتداء على حياة إنسان بتأثير مواد يمكن أن تؤدي إلى الوفاة عاجلا أو آجلا أيا كان استعمال أو إعطاء هذه المواد و مهما كانت النتائج التي تؤدي إليها)13، أما المشرع المغربي فلم يورد تعريف لجريمة التسميم و اكتفى بتحديد الأفعال المكونة لهذه الجريمة في الفصل 398 من ق ج: حيث نص على أنه : (من اعتدى على حياة شخص بواسطة مواد من شأنها أن تسبب الموت عاجلا أو آجلا، أيا كانت الطريقة التي استعملت أو أعطيت بها تلك المواد و أيا كانت النتيجة، يعد مرتكبا لجريمة التسميم و يعاقب بالإعدام).14

و يعتبر التسميم من الجرائم الدنيئة التي تشددت التشريعات القديمة و الحديثة على حد سواء في العقاب عنها. وينبعث حرص القوانين على ذلك كون هذه الجريمة تنبني على غدر وخيانة، فالتسميم يتم في الغالب من أكثر الناس اتصالا بالمجني عليه وقربا منه15، فهو ينطوي على خيانة كبرى تجرى في هدوء و كتمان مما يصعب معه إسنادها إلى الجاني وإثباتها عليه و ذلك لسهولة تنفيذ هذه الجريمة، كما أن مفعول المادة السامة في بعض الأحيان لا يظهر على الفور بل يستغرق الأشهر و السنوات.

و لقد تم اكتشاف السم في العهود الغابرة من الزمن، وقد استخدمته القبائل والحضارات القديمة كأداة للصيد لتسريع إماتة الفريسة - أو العدو، وهكذا بدأ هذا الاستعمال بالتطور، هذا و لا تعد جريمة التسميم من قبيل الجرائم المستحدثة بل من قبيل الجرائم ذات جذور و أصول تاريخية، وفي فترة متأخرة من التاريخ وفي عهد الإمبراطورية الرومانية خصوصا - استعمل السم بشكل واسع لتنفيذ عمليات الاغتيال، كما عرفت فرنسا و خلال الحكم الملكي قبيل الثورة الفرنسية مجموعة من حوادث القتل بالسم حتى أنها شملت طبقات راقية من المجتمع فقد كانوا يستخدمون هذه الطريقة للتخلص من غير المرغوب بهم من معارضيهم السياسيين أو الاقتصادي، الأمر الذي هز آنذاك الرأي العام في كل أرجاء البلاد .16

و لقد كان العرب في الشرق الأوسط أول من قام بتطوير سم الزرنيخ الذي هو سم شفاف وعديم الرائحة، الأمر الذي صعب اكتشاف السم كثيرا. ولا يزال هذا "السم الوبائي" منتشرا في بعض الأجزاء من قارة آسيا إلى يومنا هذا.

أهمية دراسة هذه الجريمة من خلال تفريدها عن جرائم القتل العادية و ذلك بالتركيز على الوسيلة التي يستعملها الجاني في سبيل إزهاق روح الضحية، مما يجعل هذه الجريمة استثناء للقاعدة العامة التي لا تعير أهمية للوسيلة المستخدمة في ارتكاب الجرائم، كما ترجع أهمية الموضوع إلى سهولة و صعوبته من حيث الإثبات، و اطمئنان المجنى عليه و غدر الجاني17.

إن معالجة جريمة التسميم تدفعنا للاجابة عن مجموعة من التساولات :
ما هي طبيعة المواد التي أشار إليها المشرع في الفصل 398 من القانون الجنائي ؟
هل اشترط المشرع أن تكون هذه المواد سامة أم أن تكون مجرد مواد ضارة ؟
ما هو دافع المشرع من خلال عدم تحديد الوسيلة في جريمة التسميم ؟
كيف يمكن تكييف وضع السم بنية قتل المجني عليه و لم تحدث الوفاة ؟ و هل تتحقق المحاولة
بصورها في هاته الحالة ؟
ما هو الأثر الناجم عن العدول الاختياري بعد تنفيذ الجاني لجريمته ؟
ما الحكمة من تشديد عقوبة جريمة التسميم خصوصا مع وجود فرضية عدم تحقق النتيجة الإجرامية ؟

المبحث الأول: سياسة التجريم في جريمة التسميم
المبحث الثاني: السياسة العقابية في جريمة التسميم

---------------------------
المصدر:
- دة.سعاد التيالي، محاضرة في القانون الجنائي الخاص تحت عنوان - جريمة التسميم ، السداسية الرابعة - الفوج الأول، جامعة محمد بن عبد الله بفاش، كلية العلوم القانونية و الإقتصادية و الإجتماعية - فاس - ظهر المهراز.

إرسال تعليق

0 تعليقات