مدخل للمسؤولية المهنية

 عرض بعنوان: مدخل للمسؤولية المهنية PDF

مدخل للمسؤولية المهنية PDF
مقدمة :
لم يخلق الإنسان في هذا الكون مسلوبا في الإرادة ولا سيدا مطلقا يتصرف حسب ما تملي عليه حريته بل هو مسير ومخير في آن واحد إذ منذ مجيئه إلى الوجود وهو يحمل أخطر المميزات والصفات سواء على مستوى العقل أو الذات أو على مستوى القدرة. هذه الصفات التي تحملها الإنسان أوجبت عليه الاضطلاع بالمسؤولية لضمان الحقوق والقيام بالواجبات.

وأمام تطور الحياة العملية للإنسان وتشعب فروع العلم ودقتها والتي أوجدت أساليب وتقنيات جد متطورة في جميع الميادين الاقتصادية والتقنية والاجتماعية مما أوجب على الإنسان مواكبة هذا الركب الحضاري وتنظيم هذه الميادين العملية عن طريق إخضاعها لأنظمة داخلية وضوابط قانونية تطور معها مفهوم المسؤولية من التعريف التجريدي العام إلى التعريف العملي أو التطبيقي.

فالمسؤولية إذن هي حالة الشخص الذي ارتكب أمرا يستوجب المؤاخذة فإذا كان هذا الأمر مخالفا لقواعد الأخلاق فحسب اعتبرت المسؤولية أدبية والمؤاخذة تكون أدبية أما إذا كان الأمر المرتكب مخالفا للقانون اعتبرت المسؤولية قانونية وبالتالي تستتبع جزاء قانونيا وهذه المسؤولية تنقسم إلى نوعين :مدنية وجنائية.

ففي حالة المسؤولية الجنائية يكون مرتكب الفعل الضار مسؤولا من طرف الدولة باعتبار ها للمجتمع ويكون جزاؤه عقوبة توقع عليه باسم المجتمع زجرا له وردعا لغيره. عكس المسؤولية المدنية التي لا تقع تحت حصر ولكن يشملها مبدأ عام يتمثل في تعويض المضرور عما حل به من أضرار حصر الأفعال التي مادية ومعنوية بسبب خطا الغير (المادة 77 من ق ل ع) حيث يكون من الصعب تستوجب المسؤولية. فالعمل غير المشروع متعدد الصور والمجالات وكذلك الشأن في مجال العقود. كما أن انتشار التأمين في مجال المسؤولية المدنية كان له الأثر البالغ إذ أن عدد دعاوى المسؤولية تضاعف والقضاء الفرنسي حافل بهذا النوع من الدعاوى التي إن دلت على شيء فإنما تدل على فكرة التعويض عن الضرر التي ترسخ لدى المجتمع لدرجة أصبح الحديث فيه عن الضرر كأساس المسؤولية وليس الخطا.

ويتضح من هذا أن المسؤولية المدنية ليست في مركز الأهمية بالنسبة للقانون فحسب بل هي تتجه باتساع نطاق تطبيقها إلى احتواء كل قواعد القانون إذ أن المبدأ العام الذي أقرته جل التشريعات في مجال المسؤولية المدنية أقره المشرع المغربي في المادة 77 من ق ل ع: "كل فعل ارتكبه الإنسان عن بينة واختيار ومن غير أن يسمح له به القانون فأحدث ضررا ماديا أو معنويا للغير التزم مرتكبه بتعويض 4 الضرر إذا ثبت أن ذلك الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر وكل شرط مخالف لذلك يكون عديم الأثر". فهذه المادة تشير بشكل واضح للعناصر التي تتحقق بها المسؤولية المدنية (التقصيرية) والعقدية.

ويقصد بالمسؤولية العقدية ذلك الجزاء المترتب عن الإخلال بالالتزامات التعاقدية وفق ما عبر عنه المشرع المغربي في المادة 263 من ق ل ع: "يستحق التعويض إما بسبب عدم الوفاء بالالتزام وإما بسبب التأخر بالوفاء به وذلك ولو لم يكن هناك أي سوء نية من جانب المدين أما المسؤولية التقصيرية فإنها تترتب على مجرد إخلال بالواجبات القانونية (المادة 77 من ق ل غ)، إلا أن التقسيم الازدواجي للمسؤولية المدنية إلى تقصيرية وعقدية يطرح عدة إشكالات على مستوى الجمع والخيار بينهما. حيث تعتبر من المواضيع التي اهتم بها الفقه والقضاء المعاصرين منذ بداية القرن 20 إلى الان. وتتمثل عناصر هذه الإشكالات في الحالة التي يتولد فيها عن الفعل الواحد دعوتان إحداهما عقدية والثانية تقصيرية كالأضرار الناجمة عن الأخطاء التي تسبب فيها أرباب المهن الحرة أو ما يصطلح عليه بالمسؤولية المهنية ويقصد بهذه الأخيرة المسؤولية عما يقع من بعض الأشخاص بمناسبة مزاولتهم لمهنهم: كالطبيب إذا أخطأ وهو يقوم بعملية جراحية والمحامي إذا أخطأ في إجراءات التقادم والصيدلي إذا أخطأ في تركيب الدواء...

ويلاحظ أن مسؤولية هؤلاء تكون في أكثر من الأحوال عقدية قائمة على الالتزام ببذل عناية وناشئة عن عقد صحيح بين طرفين وهو نفس الالتزام الذي يقع على عاتقهم بموجب المسؤولية التقصيرية. فدح عليهم أداء عملهم وفقا لسلوك رجل في أوسطهم علما وكفاية ويقظة. ويثور التساؤل بهذا الصدد حول طبيعة الخطأ المهني: هل هو عقدي أم تقصيري أم هو خارج عن هذا التنظيم الثنائي وبالتالي يشكل خطأ مهنيا مستقلا تطبق عليه القواعد والمبادئ المنظمة لكل مهنة على حدى وهذا التفاوت في الآراء راجع إلى عدم وضوح المشرع والقضاء في حسم مسألة الخطأ إذ أنه في كثير من الأحيان يكون الخطأ المهني عقدي وتطبق عليه قواعد المسؤولية التقصيرية ويكون تقصيري وتطبق عليه قواعد المسؤولية العقدية. إلى جانب ذلك هناك إشكالية أخرى لا تقل أهمية وتتجلى في مسألة التمييز بين الخطا العادي والخطا المهني مع ملاحظة أن الفقه والقضاء الفرنسيين لم يأخذوا بهذا التمييز واعتبروا معيار الخطأ واحد ولا مجال للتمييز بينهما وقد صار على نهجهم المشرع المغربي حينما اعتبر الشخص المهني مسؤولا عن خطئه المهني مسؤوليته عن خطأه العادي حتى ولو كان يسيرا وذلك ما أقره في المادة 31 من ق ل ع ولعل سبب الخلاف حول مركز الخطأ هو راجع بالأساس إلى عدم وضوح النصوص التشريعية المنظمة له واختلاف مواقف القضاء والفقه حول مسألة تكيفه.

وباستقرائنا لمواقف التشريع والقضاء المغربيين والفرنسيين: فإن التشريع الفرنسي من بين التشريعات التي أخذت بمبدأ ازدواجية فكرة الخطأ حيث نظم أحكام المسؤولية الناتجة عن الخطأ العقدي في المواد من (1155-1146) من القانون المدني الفرنسي تحت عنوان "التعويض عن الأضرار الناتجة عن تنفيذ الالتزام". 
في حين نظم أحكام المسؤولية عن الخطأ التقصيري في المواد من (1386-1382) في القانون المدني الفرنسي تحت عنوان "الجرائم وأشباه الجرائم". وتجدر الإشارة أن المشرع الفرنسي نظرا للتطور الهائل الذي عرفه مجال المسؤولية المهنية قد ساعد على ظهور نظرية جديدة وهي نظرية تحمل التبعة.

أما المشرع المغربي فمن الواضح جدا انه أخذ أيضا بفكرة ازدواجية الخطأ حيث نظم قواعد المسؤولية الناتجة عن الخطأ التقصيري في الباب الخاص بالالتزامات الناتجة عن الجرائم وأشباه الجرائم (المادة 77 من ق ل ع وما يليها). في حين نظم أحكام المسؤولية العقدية في الباب الخاص باثار الالتزام في المادة 230 من ق ل ع وما يليها.

ومن خلال بعض النصوص المنظمة للمسؤولية العقدية نجد المشرع يحيل فيها على المسؤولية التقصيرية ومن ذلك المادة 245 من ق ل ع: "تبرأ ذمة المدين بشيء معين بذاته بتسليمه في الحالة التي كان عليها وقت العقد ومع ذلك يكون مسؤولا عن العيوب التي تحصل منذ هذا التاريخ". وهذه الإحالة لا يستنتج منها بالضرورة وحدة الخطأ بل كل ما في الأمر أن المشرع باستعماله لهذه الحالة حاول تفادي
التكرار. 

أما بخصوص التشريع المقارن الذي أخذ بوحدة الخطأ خصوصا في الدول ذات الطابع الاشتراكي كبلونيا ويوغزلافيا والسينغال إذ يرون أن المسؤولية سواء كانت عقدية أو تقصيرية فإنها تنتج آثار متشابهة تتحقق بتوفر أركانها. أما عن الفوارق الأخرى التي تفصل بين هاتين المسؤوليتين فإن أنصار وحدة (المسؤولية) الخطا لا يرونها إلا فروعا ثانوية هي أقرب للميدان النظري منها للميدان العملي
التطبيقي.

أما موقف الفقه فقد ذهب غالبيته طوال القرن 19 إلى الأن إلى أن المسؤولية التقصيرية والعقدية متميزتين كل التمييز بطبيعة أحكامها. وقد رأى بعضهم قصر مصطلح المسؤولية على أحوال المسؤولية التقصيرية ورفض عبارة المسؤولية العقدية مقترحين مصطلح الضمان.

وبالنسبة لموقف القضاء سواء في المغرب أو فرنسا لم يميز في العديد من القرارات الصادرة عنه بين الخطأ العقدي والخطا التقصيري حيث طبق أحكام المسؤولية التقصيرية على أخطاء صادرة في أحد المتعاقدين والعكس صحيح بالنسبة للمسؤولية العقدية. فعلى مستوى القضاء الفرنسي مثلا نجد قرارات قضائية حديثة صادرة عنه تؤكد ذلك ونفس الاتجاه صار عليه القضاء المغربي في حكم صادر عن محكمة أنفا بالبيضاء (إلى أن العلاقة بين صاحب الحمام والزبون الذي حصل له ضرر إثر انزلاقه بالحمام تخضع لأحكام المسؤولية التقصيرية واعتبرت صاحب الحمام حارسا له) وأيدتها في ذلك محكمة الاستئناف وعندما عرض الحكم على المجلس الأعلى نقض الحكم واعتبر العلاقة بين صاحب الحمام لمقتضيات المسؤولية العقدية.

والزبون هي علاقة تعاقدية "وإذا كان تحديد الخطأ يحتل أهمية كبيرة فإن ذلك لا يقل أهمية عن ركن الضرر باعتبار أنه لا يمكن الحديث عن المسؤولية في غياب الضرر. وما دمنا نحن بصدد دراسة الخطأ من أركان المسؤولية المهنية وحيث سبق القول أنها تكون في كثير من الأحيان مسؤولية عقدية لا يتصور فيها إثبات الضرر بقدر ما يطلب إثبات خطا أو مخالفة مقتضيات العقد غير أن ركن الضرر تبقى له أهمية كركن من أركان المسؤولية عموما والمهنية على الخصوص.

ومن بين الإشكالات الأخرى التي تطرح بهذا الصدد عندما يتعلق الأمر بضرر مستقبل يتوقف على عامل مجهول لم يعرف وقته وكذلك الحالات التي يكون فيها الضرر محتمل لا هو قد تحقق (فعلا) حالا ولا هو محقق الوقوع في المستقبل وكذا مسألة التعويض عن الضرر الأدبي والتي تختلف بين المسؤولية العقدية والتقصيرية. بالإضافة إلى قصر التعويض عن الضرر المتوقع والمباشر في المسؤولية العقدية و لا تتعداه إلى الضرر غير المتوقع وغير المباشر. ومن بين الإشكالات الأخرى تطرح على مستوى تحديد الضرر هل معيار فني مهني أم عادي...

كما أنه لا يكفي وقوع الخطا أو ثبوت الضرر بل لابد من وجود علاقة سببية بينهما وتتجلى مكانة هذا الركن بالخصوص في المسؤولية المهنية للطبيب في علاقته مع المريض خصوصا ونحن نعلم أن الجسم البشري جد مركب ومعقد. ويصعب معه بذلك تبيين العلاقة السببية رغم أن المبدا المشهور يعتبر أنه متى أثبت المضرور الخطأ والضرر وكان من شأن ذلك الخطأ أن يحدث عادة مثل هذا الضرر فإن القرينة على توفر علاقة السببية تقوم لصالح المضرور وللمسؤول أن يثبت السبب الأجنبي كالحادث الفجائي أو القوة القاهرة أو أن هذا الخطأ وقع من المضرور أو من الغير.

---------------------------
المصدر :
ذ.حسن رقيب، محاضرة في مادة المسؤولية المهنية، من إعداد طلبة السداسية الخامسة - جميع الأفواج - الموظفين - طلبة السجن المحلي، جامعة محمد الخامس - كلية العلوم القانونية و الإقتصادية و الإجتماعية - سلا الجديدة، الموسم الجامعي 2020/2021.

تعليقات