Header ADS

اخر الأخبار

المحكمة النموذجية والحكامة القضائية

عرض بعنوان: المحكمة النموذجية والحكامة القضائية بالمغرب PDF

عرض بعنوان: المحكمة النموذجية والحكامة القضائية بالمغرب PDF

المقدمة 
القضاء عند الأمم رمز لسيادتها واستقلالها، والأمة التي لا قضاء فيها لا حق ولا عدل فيها، وبالعدل قامت السموات والأرض فهو أساس العمران، وأساس الملك، وهو أقوى دعامة لاستتباب الأمن ورقي المجتمع واستقرار النظام ، وفي هذا يقول النباهيال مالقي في كتابه "خطة القضاء في نفسها عند الكفة من اسمى الخطط، فإن الله تعالى قد رفع درجة الحكام، و جعلى إليهم تصريف أمور الأنام، يحكون في الدماء والابضاع والأموال، والحلال والحرام، وتلك خطة الأنبياء ومن بعدهم الخلفاء، فلا شرف في الدنيا بعد الخلافة أشرف من القضاء." 

وايمانا مكانة القضاء، فإن منظومة العدالة تعد من بين الاوراش الكبرى التي عزم المغرب على إصلاجها من خلال وضع ميثاق يتضمن عدة أهداف توالت الجهود من أجل تحقيقها، وهو ما يظهر جليا في توالي محطات الإصلاح التي همت مختلف مكونات حقل العدالة والتي من بينها القضاء، ومن بين الاليات المعتمدة التي تروم الرفع من النجاعة القضائية في ضوء متطلبات الحكامة القضائية إرساء معالم المحكمة النموذجية، تقوم على معايير وهيكلة تستجيب لانتظارات المتقاضين، وتواكب متطلبات العصر، من خلال الرفع من أداء المحاكم وتطوير الخدمات القضائية. 

وبمكن تعريف المحكمة النموذجية بأنها تلك المحكمة التي تستجيب لعدة معايير محددة ، بحيث لا يمكن نعت أي محكمة بأنها نموذجية إلا إذا احترمت في إنشائها وكذلك في تسييرها عدة معايير تدل على أنها حققت أهداف الإصلاح المسطرة لها بما يدفع للقول بأنها تستجيب لضوابط الحكامة القضائية، مما يدفع للقول بأنها المحكمة المنشودة من الاصلاح والمثالية التي تروم تحقيق إنتظارات المتقاضين،."فهي المحكمة الممكنة التي تختصر الجهد والوقت، والتي تعتمد على الوسائل التكنولوجية الحديثة خصوصا الالكترونية كأداة أساسية في التواصل مع مصالح الشرطة القضائية، والشركاء المرتبطين بالمحكمة، إلى جانب المتقاضين وغيره" . 

هذا، ولابد من تسليط الضوء على علاقة المحكمة النموذجية كآلية من آليات الرفع من النجاعة القضائية بالحكامة القضائية، التي تعتبر مقدمة لكل إصلاح مرتقب للجهاز القضائي والتي يمكن تعريفها من خلال عناصرها الاسترشادية و أهدافها، أنها أسلوب أو نهج متبع من أجل تحقيق نتاج ملموسة لفائدة المتقاضين على وجه الخصوص والموطنين عموما، حيث تتجلى هذه العلاقة في كون العمل على إنشاء المحكمة النموذجية ، باعتبارها وسيلة لتحسين أداء مرفق العدالة، يعد من مظهرا من تمظهرات الحكامة القضائية. 

والحكامة القضائية تعني توحيد الجهود من أجل تحسين الأداء وتحقيق الفعالية والنجاعة في النظم القضائية والرفع من مستوى الجودة في الخدمات، وهي ممارسة لا تتم إلا بتوافر أركانها المتمثلة في: الشفافية والفعالية وحسن التدبير والتقييم والتتبع للرقي بأداء الإدارة القضائية، وهي أداة أساسية في التواصل مع كافة المتدخلين. وحسب معايير المحكمة النموذجية تقوم الحكامة على تسهيل الولوج الى القضاء واقتضاء الحقوق ومساءلة الفاعلين في هذه السلطة. 

والتفكير في إنشاء المحكمة النموذجية وارساء معالمها ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج لمسلسل الإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة، والتي يعتبر القضاء مكونا من مكوناتها الأساسية، عبر تنزيل مختلف التوصيات التي جاء بها الميثاق الوطني لإصلاح القضاء، بغية بلوغ الهدف المنشود، ألا وهو الارتقاء بفعالية ونجاعة العدالة، وتطوير الخدمات القضائية بشكل يستجيب لانتظارات المتقاضين وكل الفاعلين الاقتصاديين، ومواكبة للتحولات الدولية في مجال العدالة. 

والحديث عن الإصلاحات التي طالت جهاز العدالة من أجل تحسين أدائه والرفع من نجاعته، وضمان جودته، لن يستقيم إلا من خلال الوقوف على محطتين أساسيتين: 

المحطة الاولى: إصلاحات ما قبل ميثاق إصلاح منظومة العدالة 
إن الحديث عن مسلسل إصلاح مرفق العدالة قبل صدور ميثاق إصلاح منظومة العدالة، يستوجب التطرق للإصلاحات التي شملت هذا الأخير خلال مرحلة الاستقلال كمرحلة أولى، قام المغرب في تلك الفترة بعدة إصلاحات تهم النظام القضائي برمته- سنقتصر على ذكر ما له علاقة بموضوعنا- ومن بين هذه الإصلاحات ، نذكر إصدار قانون توحيد القضاء المؤرخ في 26 يناير 1965 الذي نص على توحيد القانون ومغربته، حيث تم بموجب هذا القانون إدماج المحاكم الموجودة لإنشاء نظام موحد للمحاكم، كما تم دمج محاكم السدد والمحاكم الإقليمية في الدرجة الابتدائية (محاكم أول درجة» والمحاكم الإقليمية ومحاكم الاستئناف في درجة الاستئناف (محاكم ثاني درجة)، وأخيرا المجلس الأعلى في مرحلة النقض، كما تم إحداث 23 محكة للسدد تختص بالحكم عن طرق القضاء الفردي في القضايا البسيطة مع مراعاة الاستئناف فيما يرجع للقضايا التي تتجاوز قيمة معينة، وكذلك تم إحداث 16 محكمة إقليمية، كما بقيت المسطرة المطبقة أمام هذه المحاكم هي تلك المنصوص عليها في الظهير المتعلق بالمسطرة المدنية لسنة 1913، و من مستجدات هذا القانون كذلك مغربة القضاء، أي ضرورة التوفر على الجنسية المغربية لمزاولة مهنة القضاء"، بحيث أصبح لا يقبل أمام الحاكم سوى اللغة العربية، سواء خلال المداولات أو المرافعات أو لتحرير الاحكام كما تم كذلك بموجب هذا التوحيد القانون أمام المحاكم ، واضافة عدة محاكم ابتدائية جديدة، من أجل تقريب القضاء من المواطن، حيث وصل عدد المحاكم سنة 1966 ثلاثين محكمة ابتدائية، كما تبنى المشرع مبدا شفوية المسطرة أمام المحاكم و استثناء كتابية في بعض القضايا، كما تبنى مبدأ القاضي الفرد، وعيا منه بأن هذا المبدأ يشكل ضمانة هامة للمتقاضين. 

لكن هذا الاصلاح الذي دخل حيز التنفيذ في فاح يناير 1966 واجه عدة صعوبات مختلفة من بينها التعقيد النسبي لقواعد القانون الإجرائي الجديد وكذلك قواعد القانون الموضوعي. 

وكل هذه الإصلاحات كانت تهدف في جوهرها إلى تسهيل الولوج إلى القانون والعدالة وشفافية الإجراءات والمساطر أمام مرفق العدالة. 

أما ثاني مرحلة جوهرية هي مرحلة إصلاحات 1974 التي طالت مرفق القضاء من أجل تفادي المشاكل المثارة في تلك الفترة، من قبيل قلة عدد المحاكم الذي كان لا يسمح للكثير من المتقاضين اللجوء إليها، مما دفع للقول إن الخريطة القضائية آنذاك كانت تجعل القضاء عسير المنال، بالإضافة إلى بطء القضاء وارتفاع تكاليفه المالية مما كان يؤدي للإعراض عنه واللجوء لمختلف الإجراءات غير الرسمية لتسوية النزاعات مثل التحكم، والإجراءات العرفية الأخرى. 

حيث تم إصدار ظهير 15 يوليوز 1974 المتعلق بالتنظيم القضائي الذي ألغى اغلبية المحام التي كانت سائدة من قبل، ليصبح التنظيم القضائي مكونا من محاكم الجماعات ومحاكم المقاطعات والمحاكم الابتدائية ومحام الاستئناف و المجلس الأعلى والذي نظم الإجراءات والمساطر التي ينبغي إتباعها أمام النظام القضائي الجديد. 

ومما سبق فقد كان هدف الإصلاحات التي عرفها القضاء خلال تلك الفترة تقريب القضاء من المواطنين، من خلال إحداث محاكم الجماعات والمقاطعات - قضاء القرب حاليا، تختص بالنظر في النزاعات البسيطة " ، وكذلك من بين ما شملته هذه الإصلاحات هي المساطر" المتبعة أمام المحاكم، حيث تم تبسيطها إلى حد أقصى حد، حيث أجاز رفع الدعوى كتابيا بواسطة مقال أو شفاهيا، بشكل يسهل الولوج للعدالة. 

وقد توالت الإصلاحات بعد ذلك، حيث تم إنشاء محاكم متخصصة تتمثل في المحاكم الإدارية والتجارية، وكذلك محاكم الاستئناف التجارية، ومحاكم الاستئناف الإدارية، وتنظيم قضاء القرب، واعتماد المحاكم المصنفة (المدنية والزجرية والاجتاعية)، كتجربة أولية بمدينة الدار البيضاء، بالإضافة إلى إصدار ومراجعة العديد من القوانين بغية مواكبة كل هذه الإصلاحات، لأجل تحسين أداء المحاكم والرفع من نجاعتها. 

المحطة الثانية : إصلاحات ما بعد ميثاق إصلاح منظومة العدالة 
لقد عرف المغرب بعد الإعلان عن تشكيل الهيئة العليا للحوار الوطني حول الإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة سنة 2012 بموجب قرار ملكي، بداية ورش حقيقي لإصلاح منظومة العدالة، أنيطت بهذه الهيئة مهمة الإشراف على هذا الحوار ورفع مشاريعها وتوصياتها عبر ميثاق لعرضه على الملك قصد المصادقة عليه، وبالفعل صدر هذا الميثاق الذي حظي بالموافقة الملكية وهو ما أكده نص خطاب جلالته المؤرخ في 30 يوليوز 2013. 

ومن بين ما تضمنه هذا الميثاء، جزء خاص بالأسس العامة لإصلاح منظومة العدالة تم استهلاله بتشخيص الوضع الراهن لمنظومة العدالة، حيث خلصت الهيئة من خلاله إلى حصر مواطن الخلل بالمنظومة في ست مجالات والتي من بينها: فعالية ونجاعة القضاء و تدبير الإدارة القضائية اللذان يشكلان بيت القصيد في هذا الموضوع. 

ولمعالجة هذه الاختلالات تم وضع ستة أهداف إستراتيجية كأهداف موازية لتلك المجالات، بحيث نجد فعالية القضاء و نجاعته يقابله هدف الارتقاء بالفعالية والنجاعة القضائية، أما مجال تدبير إدارة المحاكم يقابه هدف تحديث الإدارة القضائية وتعزيز حكامتها. 

ومما سبق، فقد عملت الوزارة المكلفة على العمل على تحقيق هذه الاهداف، والتي من بينها الهدف الرابع المتعلق بالارتقاء بالفعالية والنجاعة القضائية، وهو ما تبلور من خلال مختلف البرامج والخطط التي وضعت من أجل تحقيق هذه الغاية، حيث نجد من بينها برنامج المحكمة النموذجية، التي تعتبر من بين الاليات التي تروم تحقيق النجاعة القضائية وتمثل في هذا المقام إصلاحا من الإصلاحات التي همت الإدارة القضائية. 

هذا، ومن بين الأهداف التي تسعى الوزارة المكلفة بالعدل إلى تحقيقها كذلك هو الهدف السادس والأخير من ميثاق منظومة العدالة، المتعلق بتحديث الإدارة القضائية وتعزيز حكامتها، حيث عملت الوزارة على إدخال عدة إصلاحات على المحاكم من قبيل استعمال الوسائل التكنولوجيا، ورقمنتها، وهو ما يبدو جليا في حوسبة المحاكم إنشاء تطبيقات وبوابات إلكترونية، ومنصات رقمية من أجل تسهيل الولوج إلى القضاء عن بعد في أفق تحقيق ما يسمى بالعدالة الرقمية. 

وهذه الإصلاحات في جملتها تعد ضرورية لتجويد العمل القضائي والرفع من نجاعته من جهة، ومواكبة تطورات العصر عبر الاستغلال الأمثل للوسائل التكنولوجية في تدبير وتسيير مرفق القضاء من جهة ثانية. 

هذا. ولابد من استحضار المواثيق الدولية والمعاهدات التي صادق عليها المغرب والتي تكرس في جوهرها لمعايير المحكمة النموذجية، حيث نستحضر في هذا الصدد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي أقر في مادته الرابعة عشر بمجموعة من المبادئ من قبيل أن يحال المتهم بجريمة ما دون تأخير لا مبرر له أي في اجل معقول، كما نجد كذلك تزويد المتهم مجانا بترجمان إذا كان لا يفهم اللغة المستخدمة في المحكمة وذلك ضمانا لشفافية المساطر والإجراءات التي تعد من بين معايير المحكمة النموذجية. 

وفي هذا المقام لابد من الإشارة إلى ما تضمنه الدستور المغربي لسنة 2011 في بابه السابع الخاص بالسلطة القضائية من احكام ومبادئ، تعتبر من أهم مرتكزات إصلاح مرفق القضاء من أجل تحقيق النجاعة القضائية ، ومؤشرا من مؤشرات ضرورة إنشاء محكمة نموذجية، حيث نجد الفصل 118 من الدستور ضمن حق التقاضي لكل شخص للدفاع عن حقوقه ومصالحه، وكذا ما تضمنه الفصل 121 الذي أقر مبدأ المساعدة القضائية الني يندرج في المعيار الخاص بتسهيل الولوج للعدالة والذي يعد من مقومات المحكمة النموذجية، كما نجد الفصل 123 أقر علنية الجلسات كأصل وذلك من أجل ضمان الشفافية. 

والجدير بالذكر أن الدساتير المقارنة تضمنت احكاما تحمل في ثناياها معايير المحكمة النموذجية، حيث نجد الإيطالي كما تم تعديله سنة 2012 "، نص على ضرورة البت في أجل معقول وفي وقت قصير بالنسبة للقضايا الجنائية، وكذلك الدستور التونسي الذي أقر في المادة 108 منه على أن "حق التقاضي والدفاع مضمونان، وييسر القانون اللجوء إلى القضاء ويكفل لغير القادرين ماليا الإعانة العدلية...جلسات المحاكم علنية...ولا يكون التصريح بالحكم إلا في جلسة علنية " 

هذا، ولا يمكن إغفال ما تضمنته الخطب الملكية السامية التي تعد بمثابة خارطة طريق للإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة عموما، وعلى وجه الخصوص القضاء، ومن بين الخطب السامية التي تناولت ماله صلة بالعدالة ومرفق القضاء، ما تضمنه خطاب الماك محمد السادس بمناسبة افتتاح أشغال المجلس الأعلى للقضاء في الخامس عشر من دجنبر سنة 1999، حيث جاء فيه " ...فإننا نتطلع كذلك أن يكون هذا القضاء متطورا ومتجددا يواكب ما يعرفه العالم المتقدم في مواجهة المشكلات التي يثيرها العصر وتولدها الحضارة الحديثه... "، وقد أكد ايضا على ضرورة استكمال إصلاح النظام القضائي بقوله "..فإن المجهودات المستقبلية يجب أن تنصب على استكمال إصلاح النظام القضائي وتثبيت استقلاليته ، وتحديث الجهاز الإداري، وعقلنته، حتي يتم بعث جو الثقة لدى المواطن وغرس قيمه في نفوسهم..." وقد نبه إلى أن الإصلاح العميق للقضاء يعتبر اللبنة الأساسية لتحقيق الحكامة الجيدة وهو ما عبر عنه في إحدى خطبه السامية التي جاء فيها " ...وادراكا منا بأن الحكامة الجيدة لن تستقيم إلا بالإصلاح العميق للقضاء...". 

ولا تفوتنا الفرصة بالإشارة إلى الرسالة الملكية التي وجهها للمشاركين في المؤتمر الدولي الأول للعدالة بمراكش بتاريخ 2018/04/20 حيث جاء في نصها "...إن تعزيز الثقة في القضاء باعتباره الحصن المنيع لدولة القانون، والرافعة الاساسية للتنمية يشكل تحدي أخر يجب رفعه بتطوير العدالة، وتحسين أدائها، لمواكبة التحولات الاقتصادية و الاجتاعية التي تشهدها مختلف المجتمعات، ومن بين الاسباب المحققة لذلك، تسهيل الولوج للقانون والعدالة..."، كما تجدر الإشارة إلى أن المؤتمر الدولي للعدالة في نسخته الثانية لسنة 2019 سيكون موضوعه المحكمة الرقية. 

ولقد صدرت عدة تقارير خصوص إصلاح القضاء والرفع من نجاعته وتجويد العمل القضائي، منها ما صدر عن مؤسسات وطنية ، ومنها ما يرتقب صدوره عن مؤسسات دولية. 

ومن بين التقارير الوطنية في هذا الصدد نجد التقرير الصادر عن وزارة العدل الذي يتضمن حصيلة بأهم منجزات وزارة العدل خلال سنة 2012 ، حيث من بين ما تناوله هذا التقرير، البرامج التي سطرتها الوزارة المكلفة بالعدل للرفع من النجاعة القضائية، والتي من بينها برنامج المحكمة النموذجية باعتباره آلية تهدف لتحسين أداء المحاكم، حيث قامت الوزارة بوضع هذا البرنامج واختارت المحكمة الابتدائية بالقنيطرة انطلاقة لهذا الورش الإصلاحي، الذي بهدف إلى تطوير وتنفيذ أفضل الممارسات في إدارة المحكمة لتحسين أداء الإدارة القضائية، حيث يتم إظهار المبادرة الناجحة في هذا الإطار في تعميم التجربة على باقي المحاكم. 

وبما أن المحكمة النموذجية هي الاصل التي يجب ان تكون عليه المحاكم فإن معاييرها تعتبر معايير دولية، وهنا نستحضر عدة تقارير دولية، نخص بالذكر منها تقرير اللجنة الأوربية لفعالية العدالة الخاص بتفعيل آليات ساترون لتدبير الوقت القضائي حيث أرست بموجبه 15 قاعدة توجهيه ذات أسبقية، نذكر من بين هذه القواعد القاعدة 14 التي جاء فيها "يتعين على القاضي كل ما كان ذلك مكنا، أن يحاول الوصول الى اتفاق مع جميع الأطر اف المتدخلة في المسطرة القضائية من أجل تحديد الجدول الزمني للبت فيها وليتمكن من تحقيق ذلك، ينبغي أن يستفيد من مساعدة الموظفين الضرورين كتاب الضبط (ومن تكنولوجيا المعلومات)" 

وتجدر الإشارة إلى أن المغرب بصفته عضوا ملاحظا داخل اللجنة الأوربية لفعالية العدالة (CEPEJ)، سيشارك في التقييم الذي ستعده هذه الأخيرة، والذي سيخضع من خلاله لتشخيص دقيق للنظام القضائي، وتحليل نتائجه، وتحديد مكامن الخلل التي تعتريه، وبالتالي تحديد الوسائل الملموسة من أجل تحسين أدائه. 

وحري بالبيان أن انضمام المغرب لتقرير اللجنة الاوروبية لفعالية العدالة، سيمكنه من تقديم كافة المعطيات المتعلقة بالنظام القضائي المغربي ومقارنتها مع الدول الـ47 المشكلة لمجلس أوروبا، وهي مناسبة ستمكن المغرب من الوقوف على جوانب القوة لتدعيمها، وكذلك على جوانب الضعف لتجاوزها سيرا نحو الرفع من النجاعة القضائية التي تعد المحكمة النموذجية من اهم آليات تحقيقها. 

كما تجدر الإشارة إلى المجهودات التي قامت بها وزارة العدل في مواصلة مسلسل إصلاح مرفق القضاء، وهو ما يتبلور من خلال التقارير المعدة من طرفها والبرامج التي سطرتها، وعملت على البدا في تنزيلها، حيث نجد من بينها برنامج المحكمة النموذجية الذي تم الشروع في تنزيله منذ سنة 2012، واختارت المحكمة الابتدائية للقنيطرة كنموذج تجريبي، ليتم بعد ذلك نقل التجربة لبعض المحاكم الاخرى والتي كان أخرها المحكمة الابتدائية بسيدي بنور التي دشنت في يومه الخميس 22 مارس 2018 العمل بمكاتب الواجهة الامامية لخدمة المواطنين في إطار التحديث الذي تسعى إليه المملكة في أفق 2020. 

إن تجربة المحكمة النموذجية تعد من بين التجارب الدولية التي تجد صداها في العديد من الدول التي سار على غرارها المغرب، من بين هذه التجارب العربية، تجربة الإمارات العربية المتحدة التي دشنت أول محكة نموذجية فريدة من نوعها في العالم وهي تجربة المحكمة النموذجية المتنقلة، أما على مستوى التجارب الاوربية نستحضر التجربة الفرسية التي اعتمدت ما يسمى بمنازل العدل والقانون. 

ويحظى هذا الموضوع قيد الدراسة والتحليل أهمية بالغة تبرز من خلال كون المحكمة النموذجية تمثل مظهرا ملموسا من تمظهرات الحكامة القضائية، بالإضافة إلى أنها تمثل النتيجة الملموسة التي ترضي تطلعات المتقاضين من مرفق القضاء، وهو ما يتضح من خلال المعايير المحددة لها، التي تؤدي بالفعل إذا توفرت إلى تحسن أداء الإدارة القضائية وتجويد العمل القضائي وبالتالي الرفع من النجاعة القضائية، وعليه "فإلى أي حد تساهم المحكمة النموذجية وفق المعايير المحددة لها من إرساء معالم قضاء متكامل تتوفر فيه شروط الحكامة القضائية بشكل يستجيب لإنتظارات المواطنين" 

يمكن القول إن إرساء محكمة نموذجية وفق المعاير المحددة لها كفيل بتحقيق الحكامة القضائية بشكل يحقق إنتظارات المتقاضين ، إلا ان امر استكمال تنزيل المحكمة النموذجية واجه عدة إكراهات ومعيقات تظافرت الجهود من أجل تجاوزها. 

انطلاقا مما سبق فدراسة هذا الموضوع تقتضي تناوله وفق التصميم الاتي: 

المبحث الأول: مقومات المحكمة النموذجية في ضوء الحكامة القضائية 
المبحث الثاني: المحكمة النموذجية كآلية لتحقيق الحكامة القضائية: بين إكراهات التنزيل وآفاق التعميم

إرسال تعليق

0 تعليقات