Header ADS

اخر الأخبار

المسؤولية المدنية للموثق طبق قانون 32.09

مقال بعنوان: المسؤولية المدنية للموثق وفق قانون 32.09

مقال بعنوان: المسؤولية المدنية للموثق وفق قانون 32.09


تقديم:
ظهر التوثيق القانوني في المغرب بصورة واضحة لأول مرة بعد صدور ظهير 4 ماي 1925، وكان الهدف من وراءه تسخير مساعي المستعمر، من أجل بسط نفوذه على رصيد عقاري مهم من الأراضي المغربية، يمكنه معها مواصلة التقدم في مخططه الاستعماري. وإن كانت أسباب ظهور مهنة التوثيق بالمغرب ترجع إلى ظروف تاريخية فرضت نفسها، فإنها تبقى من بين المخلفات الايجابية التي تركتها الحماية كما هو الشأن بالنسبة لنظام التحفيظ العقاري وقانون الالتزامات والعقود. وتظل مهنة التوثيق تلعب دورا مهما في حماية حقوق الأفراد وتأمين ركائز السلم القانوني والعدالة الوقائية داخل المجتمع. غير أن هذا الدور أصبح يعرف بعض القصور خلال السنوات الأخيرة ومرد ذلك إلى عدم قدرة ظهير 4 ماي 1925 على مواكبة التطورات التي عرفها المجتمع المغربي، والتي أصبحت تتطلب صياغة قانون جديد لمهنة التوثيق وهو ما ثم بالفعل في ظهير رقم 1-11-179 الصادر بتاريخ 22 نونبر 2011 القاضي بتنفيذ القانون رقم 32.09 المتعلق بتنظيم مهنة التوثيق والذي جاء في سياق تحديث المنظومة التشريعية وتجاوزها من شوائب الحماية ومواكبتها لتطلعات المجتمع المغربي الهادفة إلى ترسيخ دعائم الديمقراطية والمساواة.
فمهنة التوثيق من المهن القانونية المنظمة وتعتمد في تنظيمها على مرجعية قانونية تتمثل في القانون الأساسي للمهنة من خلال القواعد القانونية المنظمة لمهنة التوثيق بالإضافة إلى ما يعرف بأعراف المهنة وتقاليدها وأديباتها الناتجة عن دور مهنة التوثيق في حماية الحقوق والأموال واستقرار المعاملات.
ونظرا لمكانة الموثق ودوره في نشر ثقافة العدالة الوقائية، فقد عمل القانون على حمايته والحفاظ على حقوقه سواء في التشريع السابق والتشريع الحالي وانطلاقا مما سبق نجد ان مهنة التوثيق في ظل العالم المعاصر لا تزداد الا اتساعا وانتشارا ومعها تزداد المسؤوليات تنوعا بتنوع وتشابك مصالح الافراد والمجتمعات.
وباعتبار موضوعنا ينحصر في نطاق المسؤولية المدنية للموثق فإننا سنقتصر في هذه المقدمة على التعريف بها وبالعوامل التي ساهمت في بلورتها.
يمكن تعريف مسؤولية الموثق بأنها حالة الشخص الذي يمارس مهنة التوثيق العصري حسب الاصول، الذي يرتكب خطأ أو اخلال بالتزام يستوجب المساءلة وتحمل نتائجه، وهي اما مسؤولية ادبية أو مسؤولية قانونية. فالمسؤولية الادبية للموثق هي جزاء لكل سلوك يسئ للقواعد المفروضة على الشخص باعتباره ممارسا لمهنة التوثيق. وقد شرعت للحفاظ على الاعتبار الشخصي للموثق الذي يجب أن يتصف بالأمانة والثقة والنزاهة والشرف.وهي صفات يجب ان يتحلى بها كل شخص يمارس مهنة التوثيق العصري. 
فالمادة الثانية من القانون رقم 32.09 المنظم لهذه المهنة تنص صراحة على أن:" الموثق يتقيد في سلوكه المهني بمبادئ الامانة والنزاهة والتجرد والشرف وما تقتضيه الاخلاق الحميدة وأعراف وتقاليد المهنة" وتطال المسؤولية التأديبية الموثق سواء كان الخطأ الذي ارتكبه بمناسبة عمله، كمخالفة النصوص القانونية أو سمسرة الزبناء. أو كان الخطأ او الانحراف خارج اطار العمل شريطة أن يمس بشرف المهنة والاستقامة والمروءة والسلوك الحسن. فطبقا للمادة 72 من نفس القانون وما بعدها، فان المسؤولية التأديبية تطال الموثق والمتمرن معا. ولا تحول هذه المسؤولية دون قيام المسؤولية القانونية عندما تتوفر شروطها، مع العلم أن هذه المسؤولية تتحقق ولو لم يحدث الخطأ أو الانحراف أي الضرر. 
وبذلك فمجالها أوسع من المسؤولية القانونية التي تتحقق اذا كان الفعل المرتكب خروج وانحراف عن مقتضيات القاعدة القانونية وهي اما جنائية أو مدنية.
فالمسؤولية الجنائية هي جزاء لضرر لحق المجتمع بصفة عامة أو الفرد بصفة خاصة. والافعال المنشئة للمسؤولية الجنائية والجزاءات عنها محددة قانونا. وهو ما يعبر عنه بمبدأ الشرعية الذي يلخص في مبدا لا جريمة ولا عقاب الا بنص. أما المسؤولية المدنية فمجالها اكثر اتساعا من مجال المسؤولية الجنائية، فهي تنشا عن كل فعل يشكل ضررا للغير. وتتحقق عند كل مخالفة لقواعد القانون المدني التي احدثت ضررا للغير.والاخلال قد يطال واجبا قانونيا او التزاما تعاقديا. وبذلك فهي اما مسؤولية تقصيرية أو مسؤولية تعاقدية.
ويتجلى الفرق بينهما في ان الاولى تنشا نتيجة خطا ارتكبه شخص فسبب ضررا لأخر لا تربطه به اية رابطة تعاقدية. بينما في المسؤولية العقدية فان الخطأ يكون مستندا الى العقد. فهي اخلال بالتزام ناشئ عن عقد صحيح بين المتسبب في الضرر والمضرور. الا أنه رغم الفارق المذكور، فان التشابه بينهما كبير اذ أن كلا منهما ناشئة عن مبدا رئيسي هو الخطأ. فما هو موقع مسؤولية الموثق من الاحكام العامة للمسؤولية ؟
ولإيضاح اكبر سنتناول في هذا البحث طبيعة مسؤولية الموثق المدنية، في المبحث الاول، ثم نتحدث عن أركان المسؤولية المدنية وأحكام التعويض فيها.

المبحث الاول: طبيعة المسؤولية المدنية للموثق

مسؤولية الموثق المدنية هي جزاء أو نتيجة اخلالات أو أخطاء مهنية ارتكبها الموثق بمناسبة القيام بعمله احدثت ضررا للمتعاقدين أو أحدهما. واحكام المسؤولية المدنية هاته تخضع من حيث تطبيقاتها للقواعد العامة للمسؤولية المدنية طبقا للقانون المدني مع تقييدها بالقواعد الخاصة المنصوص عليها بقانون التوثيق العصري. ومن هنا يتبين بأن المشرع ميز بين مسؤولية الموثق المدنية العقدية، وهو ما عبر عنه بالمسؤولية اتجاه أطراف العقد، وبين مسؤولية الموثق المدنية التقصيرية، وهي مسؤوليته اتجاه الغير. كما اعتبر المشرع الموثق مسؤولا عن فعل الغير، ونص على المسؤولية التشاركية.

المطلب الاول: المسؤولية المدنية للموثق العقدية والتقصيرية

أولا: المسؤولية العقدية للموثق

إن طبيعة الالتزامات التي تربط بين الموثق وزبونه تبين أنهما مرتبطين بعقد، فالموثق يكون التزامه في الغالب التزام بتحقيق نتيجة والمتمثلة في صحة المحرر الرسمي من الناحية الشكلية، وان كان الموثق ملزم ببذل العناية بخصوص إرشاد زبنائه ونصحهم فيما يخص البيانات الموضوعية. بل انه ملزم بإبراز مزايا المحررات الرسمية للزبناء قبل أن يقدم على تحرير المحررات العرفية لهم.

ثانيا: المسؤولية التقصيرية للموثق

لا شك أن مسؤولية الموثق تنشا عند مخالفته للقانون وذلك بقيامه بعمل غير مشروع اتجاه الغير.
إلا انه في مواجهة الزبناء فتختلف مسؤوليته بين العمل غير المشروع وإخلاله بالتزاماته. وعلى ذلك فان الموثق يمكن أن يساءل اتجاه زبنائه خارج العمل التعاقدي، خصوصا في الحالة التي يصل فيها خطا الموثق إلى مستوى الجريمة. ففي هذه الحالة تقتضي مصلحة الزبون تكييف مسؤولية الموثق على أساس تقصيري. إلا أن مسؤولية الموثق التقصيرية لا تنتج عن فعله الشخصي فقط، وإنما تمتد كذلك إلى فعل معاونيه وذلك طبقا للمادة 85 من ق.ل.ع التي تنص على أن الشخص لا يكون مسؤولا عن الضرر الذي يحدثه بفعله فحسب لكن يكون كذلك مسؤولا عن الضرر الذي يحدثه الأشخاص الذين في عهدته وهذا ما أكدته المادة 26 من القانون 32.09 وقد اختلف الفقه في الحكم على طبيعة مسؤولية الموثق المدنية بين قائل بانها مسؤولية تقصيرية وقائل بأنها مسؤولية عقدية.
فالرأي الذي يقول بأن مسؤولية الموثق المدنية هي مسؤولية تقصيرية استمد نظريته هاته من مقتضيات المادة 39 من ظهير 1925 الذي اعتبر الموثقين ونوابهم مسؤولين شخصيا وماليا عن أخطائهم وأخطاء كتابهم أو مستخدميهم. 
أما الاتجاه الثاني فيرى بأن الزبون عندما يتوجه الى الموثق من أجل التعاقد، فان ذلك يدخل في اطار الايجاب والقبول بين الموثق وأطراف العقد. وبذلك فان شروط التعاقد متوفرة.
والحقيقة أن خطأ الموثق كما قد يصيب أحد أطراف العقد الذي لجأ اليه من أجل اضفاء صبغة الرسمية على اتفاقهم، وقد يصيب الغير أيضا الذي لا علاقة له بالعقد أو اتفاق المتعاقدين. فطبقا للمادتين 26 و28 من هذا القانون ميز المشرع بين مسؤولية الموثق المدنية عن أخطائه اتجاه أطراف العقد ومسؤوليته المدنية اتجاه الغير. فالمادة 28 المذكورة قصرت مسؤولية الموثق المدنية على أطراف العقد، واعتبرت أن هذه المسؤولية هي مسؤولية عقدية. أما المادة 26 فجاءت عامة واعتبرت الموثق مسؤولا مسؤولية شخصية عن كل ضرر يصيب الغير نتيجة خطأ ارتكبه أثناء عمله التوثيقي. وهكذا فان مسؤولية الموثق المدنية قد تكون ذات طبيعة تقصيرية عندما يكون المضرور من خطئه غيرا لا علاقة له بالموثق. وقد تكون مسؤولية عقدية عندما يكون المضرور من خطأ الموثق أحد أطراف العقد.

المطلب الثاني: مسؤولية الموثق المدنية غير المباشرة والتشاركية

ان الموثق العصري لا يسال عن خطئه الشخصي فقط أو المباشر، وانما يسأل كذلك عن خطأ الغير. فهو يسال مسؤولية غير مباشرة عن أفعال وأخطاء المتمرنين لديه وأجرائه. وهي مسؤولية تخضع لاحكام وقواعد المسؤولية المدنية. وهي قد تكون مسؤولية تقصيرية وقد تكون مسؤولية عقدية.
أما بخصوص المسؤولية التشاركية فطبقا لقانون التوثيق العصري فالموثق قد يعمل بشكل منفرد ومستقل، وقد يعمل في اطار عقد مشاركة مع موثق اخر أو أكثر. فقد نصت المادة 59 من القانون المذكور بأنه: " يمكن لموثقين أو أكثر ابرام عقد مشاركة في الوسائل اللازمة لممارسة مهنتهم وادارة وتسيير المكتب اذا كانوا معينين في نفس الدائرة الترابية للمحكمة الاستئنافية..." اذ ان عقد المشاركة بين الموثقين يقف عند حدود الوسائل اللازمة لممارسة مهنتهم وادارة وتسيير المكتب فقط. أما بالنسبة للعمل التوثيقي المتجلي في ابرام وتحرير العقود فان كل موثق يبقى مستقلا عن مشاركيه، ويسأل شخصيا عن الاخطاء التي يرتكبها عند تلقي العقود وتحريرها. اذن فالمسؤولية المدنية للموثق، الذي يعمل في اطار عقد مشاركة، هي مسؤولية شخصية عن أخطاءه المهنية طبقا لما نصت عليه المادة 62 من نفس القانون.

المبحث الثاني: أركان المسؤولية المدنية للموثق وأحكام التعويض فيها

لم يخص المشرع المغربي مسؤولية الموثق المدنية بأي مقتضى خاص، وبذلك تبقى القواعد العامة للمسؤولية المدنية هي الواجبة التطبيق في هذا المجال، الأمر الذي يسير عليه القضاء الفرنسي الذي درج على استعمال عبارات عامة لا تسمح حتى بالتمييز بين المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية. ولما كانت هاتان المسؤوليتان تتحدان في المبدأ القاضي بإلزام كل من ارتكب خطأ يسبب للغير ضررا بالتعويض وتقومان على نفس الأركان المتمثلة في الخطأ والضرر والعلاقة السببية بينهما فان ذلك يقتضي دراسة شروط قيام مسؤولية الموثق المدنية دون التمييز بين نوعيها، وكيفية التعويض في حال تبوثها.

المطلب الاول: شروط قيام المسؤولية المدنية

اذا كانت كل الاخطاء والاخلالات المهنية التي يرتكبها الموثق ترتب مسؤوليته التأديبية وفق ما سبقت الاشارة اليه: فان ذلك خلاف المسؤولية القانونية. فالمسؤولية الجنائية للموثق لا تقوم الا اذا كان الخطأ أو الاخلال يشكل جريمة معاقب عليها بنص قانوني. أما المسؤولية المدنية للموثق فلا تتحقق الا اذا تحققت شروطها القانونية طبقا لأحكام قواعد القانون المدني وقواعد القانون المنظم لمهنة التوثيق، وهي: الخطأ-الضرر-العلاقة السببية بين الخطأ والضرر بالنسبة لمسؤولية الموثق المدنية بصفة عامة، مع اضافة الشرط الخاص المتجلي في وجوب الحكم ببطلان العقد لقيام مسؤولية الموثق المدنية اتجاه أطراف العقد بصفة خاصة.

أولا: الخطأ

الخطأ بصفة عامة هو " كل فعل ارتكبه الانسان عن بينة واختيار، ومن غير أن يسمح به القانون، فأحدث ضررا ماديا أو معنويا للغير..." أما الخطأ التوثيقي، فهو كل خطأ أو اخلال بالتزام قانوني ارتكبه الموثق بمناسبة عمله التوثيقي وأحدث ضررا للغير أو لأطراف العقد بعد تصريح المحكمة ببطلانه.
ومن خلال هذا التعريف نميز بين نوعين من الخطأ: الخطأ المضر بالغير بصفة عامة، والخطأ المضر بأطراف العقد بصفة خاصة.فالخطأ المضر بالغير بصفة عامة، هو الخطأ الذي لا يمس مصلحة المتعاقدين، فقد يحدث أن ينصب التعاقد على عقار ليس في ملكية المتعاقدين وليس لهما الحق في التصرف فيه. وذلك سواء عن طريق الخطأ أو عن طريق التواطؤ والتدليس. وهنا
فالموثق يتحمل مسؤولية خطئه وتكون مسؤوليته مسؤولية تقصيرية تخضع لأحكام الفصل 77 وما بعده من قانون الالتزامات والعقود.
أما الخطأ المضر بأطراف العقد، فهو الخطأ الذي تحدث عنه المشرع بالمادة 28 من قانون التوثيق العصري، أي الخطأ المهني المنتج لبطلان العقد وسبب ضررا لاحد أطراف العقد. وتعتبر مسؤولية الموثق هنا مسؤولية عقدية. وبخلاف هذه الحالة، التي تشترط الحكم ببطلان العقد لقيام مسؤولية الموثق المدنية عن خطئه المهني، فان المادة 29 من نفس القانون لم تشترط بطلان العقد لقيام مسؤولية الموثق عندما يمتنع عن القيام بواجبه بدون سبب مشروع، واكتفت باشتراط حصول الضرر فقط. فالموثق مطالب بالحرص على تطبيق القانون والعمل على انهاء مهمته باضفاء صبغة الرسمية على العقد، بحيث انه يقع عليه عبء اثبات عدم ارتكاب الخطأ ولا يعفيه من ذلك الا الحادث الفجائي والقوة القاهرة.

ثانيا: الضرر

يعتبر الضرر شرطا لازما لقيام المسؤولية المدنية للموثق، فلا يكفي أن يصدر عن الموثق خطأ مهني للقول بمسؤوليته، وإنما يجب أن ينتج عن هذا الخطأ ضررا يصيب الزبون أو الغير.
والضرر كما هو معلوم نوعان: ضرر مادي يتمثل في إخلال الموثق بمصلحة ذات قيمة مالية للمضرور، ويجب أن يكون هذا الإخلال محققا ولا يكفي أن يكون احتماليا. وضرر معنوي يصيب الشخص في شعوره ويسبب له ألما في نفسه. ويشترط كذلك في الضرر المعنوي أن يكون محققا لا محتملا. كما أن التعويض عن الضرر المعنوي مقصور على المضرور نفسه، إلا انه يجوز الحكم بالتعويض لذوي الشخص المضرور كالأزواج والأقارب إلى الدرجة الثانية.
ولقد نصت المادة 26 من هذا القانون على أن: "الموثق يتحمل مسؤولية الاضرار الناتجة عن أخطائه المهنية والاخطاء المهنية للمتمرنين لديه وأجرائه وفق قواعد المسؤولية المدنية" الا أن الخضوع لأحكام المسؤولية المدنية بصفة عامة ليس مطلقا، بل أن المشرع قيده بشروط خاصة في حالات معينة. ذلك أن المادة 27 من قانون 32.09 اشترطت لقيام مسؤولية الموثق المدنية اتجاه أطراف العقد، أن يؤدي الخطأ الى بطلان العقد المحرر من طرف الموثق.وأن يكون هذا البطلان قد أحدث ضررا لاحد أطراف العقد. ففي هذه الحالة فان الضرر لا يكون ناشئا مباشرة عن الخطأ بل هو ناشئ عن البطلان المحكوم به. مع استثناء وحيد نص عليه المشرع بالمادة 29 عندما اعتبر أن مجرد امتناع الموثق عن القيام بواجبه بدون سبب مشروع يؤدي الى قيام مسؤوليته المدنية شريطة أن يكون هذا الامتناع قد احدث ضررا لاحد أطراف العقد. ففي هذه الحالة يعتبر الخطأ المتجلي في الامتناع عن القيام بالواجب بدون سبب مشروع محدثا للضرر مباشرة. وتكون مسؤولية الموثق المدنية قائمة، طبقا للمادة 29 المذكورة، عندما تتوفر الاركان العامة للمسؤولية وهي الخطأ والضرر والعلاقة السببية بينهما، ودون حاجة الى بطلان العقد المنصوص عليه بالمادة 28 اعلاه.
واذا كان المشرع قد اشترط بطلان العقد لقيام مسؤولية الموثق المدنية، طبقا للمادة 28 المذكورة، فانه لم يترك أمر تقدير حالات البطلان لسلطة القضاء. بل حددها وعددها على سبيل الحصر بالمادة 49 من نفس القانون عندما نص على أن: " يكون باطلا كل عقد تم تلقيه وفقا للشكل الرسمي، وأنجز خلافا لمقتضيات أحكام المواد 30 و31 و32 و37 و39 و40 اذا كان غير مذيل بتوقيع كافة الاطراف. واذا كان يحمل توقيع كل الاطراف تكون له فقط قيمة العقد العرفي مع الحق في مطالبة الموثق بالتعويض في الحالتين وامكانية تطبيق العقوبات التأديبية والزجرية في حقه..."

ثالثا: العلاقة السببية

تعتبر علاقة السببية الركن الثالث لقيام مسؤولية الموثق، فهي تلك الرابطة التي تجمع بين الخطأ الذي ارتكبه الموثق والضرر الناتج عنه بمعنى أن يكون خطا الموثق هو الذي سبب الضرر للزبون المضرور وبالتالي فان مسؤولية الموثق مقرونة بصدور خطا عنه، وحدوث ضرر وأن يكون الضرر ناشئا بشكل مباشر عن هذا الخطأ.
ويقع عبء إثبات العلاقة السببية كقاعدة عامة على عاتق المضرور ويقع على الموثق عبء نفي هذه السببية إذا ادعى عدم قيامها وذلك بإثبات أن عدم تنفيذه للالتزامات الملقاة على عاتقه يعود إلى سبب أجنبي لا بد له فيه مثل القوة القاهرة أو الحادث الفجائي.
لكن بالعودة إلى طبيعة الالتزام الملقى على عاتق الموثق والذي هو التزام بتحقيق نتيجة، يمكن القول بان الضرر اللاحق بالزبون مرتبط بشكل مباشر بالاخلالات الصادرة عن الموثق. والمهم في السببية هو اعتماد السبب المباشر للضرر وعلى ذلك ففي حالة اشتراك المتضرر مع الموثق في الخطأ تتوزع المسؤولية بينهما وهو ما يشكل إعفاء جزئيا للموثق من المسؤولية.
فأركان المسؤولية المدنية، بصفة عامة، هي الخطأ والضرر والعلاقة السببية بينهما، الا أنه طبقا لقانون 32.09 يتبين أن المشرع أضاف لهذه الاركان شرطا جديدا يتجلى في أن يكون خطأ الموثق أدى الى صدور حكم قضائي ببطلان العقد، وأن يكون هذا البطلان أحدث ضررا لاحد أطراف العقد فقد نصت المادة 28 على أن: " الموثق يسأل مدنيا اذا قضت المحكمة ببطلان عقد أنجزه بسبب خطئه المهني، ونتج عن هذا البطلان ضرر لاحد الاطراف."فمن خلال هذا النص يظهر الفرق بين المسؤولية المدنية الخاضعة لأحكام القواعد العامة، وبين مسؤولية الموثق المدنية اتجاه أطراف العقد. ففي الاولى يكون الضرر ناتج مباشرة عن الخطأ، بينما في الثانية يكون الضرر ناتج عن بطلان العقد.

المطلب الثاني: التعويض

يستحق التعويض بثبوت مسؤولية الموثق المدنية، والمحكمة هي التي تملك سلطة تقدير التعويض المستحق، بحسب الظروف الخاصة بكل حالة وجسامة الضرر الحاصل. وبالرجوع الى قانون 32.09 المنظم لمهنة التوثيق يتبين أن المشرع لم يتحدث عن التعويض من حيث شروط استحقاقه وانقضائه. فهو يخضع لأحكام القواعد العامة في القانون المدني.
ومن بين أسباب انقضاء التعويض التقادم والذي يخضع في تقدير وجوده لأحكام القانون المدني سواء بالنسبة للمسؤولية التعاقدية أو المسؤولية التقصيرية.

خاتمة:
يكتسب التوثيق أهمية بارزة في اثبات الحقوق واستقرار المجتمع وتشجيع الاستثمار، بحيث يعتبر من أهم الوسائل المادية والعلمية في الاثبات سواء أمام القضاء أو الادارة. لذلك حدد المشرع المغربي بدقة مجال ممارسة هذه المهنة وقيدها بقواعد صارمة تؤدي في حال الاخلال بها الى المساءلة القانونية للموثق.
من خلال هذه النقط يمكننا القول بأن القانون الجديد للمهنة لن يخلو من صعوبة التنزيل على المستوى العملي لما تتميز به هذه المهنة من اكراهات وتحديات، لكنه يبقى طفرة ايجابية في مجال التوثيق بالمغرب لا يمكن نكران دورها في ترسيخ مبادئ وأسس المهنة التي ستمكن الفقه القانوني من التفكير وتنظير لمستقبل جديد للمهنة.
-----------------------------
لائحة المراجع:
قانون رقم 32-09 المنظم لمهنة الموثق الصادر بتاريخ 22 نونبر 2011
قانون الالتزامات والعقود
سليمان مرقص "الوافي في شرح القانون المدني"
اللقاء الوطني الأول بين محكمة النقض والغرفة الوطنية للتوثيق العصري بالمغرب، تحت شعار مهنة التوثيق على ضوء القانون رقم 32.09 والعمل القضائي: "مفهوم المسؤولية المدنية ومفهوم الخطأ المهني الموجب لها" ذ.محمد بن حم

إرسال تعليق

1 تعليقات

  1. السلام عليكم و رحمة الله ما اسم صاحب المقال و شكرا

    ردحذف