Header ADS

اخر الأخبار

عبء الإثبات في المادة الضريبية

مقال بعنوان: عبء الإثبات في المادة الجبائية على ضوء المدونة العامة للضرائب

مقال بعنوان: عبء الإثبات في المادة الجبائية على ضوء المدونة العامة للضرائب المغربية PDF


مقدمة
يعد الإثبات الركيزة التي يعتمد عليها القانون لتأكيد وجود الواقعة محل النزاع، أو عدم وجودها، وبالتالي فإن إدعاء وجود واقعة معينة أو نفيها لا يقبل من دون إثبات.
وقد لا يحوز الطرف الذي له مصلحة الإثبات المعين للواقعة التي يدعيها، ولكن يحوزه الطرف الآخر أو جهة أخرى ليست طرفا في النزاع القائم، وبالتالي فإن وجود هذه الإمكانية من شأنها التخفيف من صعوبة الحصول على الإثبات بعض الوقائع، خاصة بالنسبة للحالات التي يستعصي معها تقديم الدليل المناسب.
والمنازعة الجبائية تتميز بوجود إثبات يكون أمام الإدارة الجبائية وأمام اللجان الإدارية، قبل أن يكون أمام القاضي الإداري، فمسألة الإثبات الجبائية تطرح بمجرد تقديم الخاضع للضريبة لتصريح محل شك من قبل الإدارة، أو فرض الإدارة ضريبة تلقائية لا يستسيغها الخاضع للضريبة. [1] أما الإثبات القضائي فهو إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التي حددها القانون، على وجود واقعة قانونية ترتب آثارها.
إن الجزء الأكبر من عبء الإثبات الجبائي تتحمله الإدارة الجبائية، لهذا السبب فقد مكنها المشرع من مجموعة من الآليات التنظيمية والقانونية التي تيسر لها عملية البحث عن الإثبات الجبائي، والذي يعد أحد أهم الوظائف التي تقوم بها. كما أن وظيفة الإدارة الضريبية تضفي طابع الشرعية على جميع العمليات التي تقوم بها والهادفة إلى البحث عن الإثبات، كما أن المشرع في كثير من الأحيان منح الإدارة مزيدا من الصلاحيات والسلطات فيما يتعلق بأعمال المراقبة، فالمشرع مكن الإدارة من خلال آلية المراقبة خصوصا حق الفحص، وكذلك حق الإطلاع، وحق ممارسة المعاينة في محل الخاضع للضريبة، وفي بعض الأحيان الحق في ملاحقة الملزم في أسلوب عيشه ومصاريفه اليومية، وأحيانا في حريته الشخصية (فحص مجموع الوضعية الجبائية) من سلطات أوسع، وبهذه الصلاحيات تقوم الإدارة بوظيفتها في البحث عن المادة الضريبية، ومراقبة مصداقية الإقرارات.
كما أنه إذا نظرنا من زاوية عدم وجود نص قانوني، ولا قاعدة موحدة من شأنها تنظيم عبء الإثبات في المادة الجبائية، فإنه وبحسب معايير توزيع عبء الإثبات، يتم تطبيق قاعدة تحميل عبء الإثبات لمن كلفه المشرع بمباشرة إجراء معين، فالإجراءات تشكل الوسيلة التي يتوصل بها إلى تطبيق القواعد الموضوعية للقانون تطبيقا سليما، وبما أن من يتحمل عبء القيام بإجراء معين يتحمل عبء إثبات قيامه بهذا الإجراء على الوجه القانوني المطلوب، بينما يتحمل الطرف الآخر إثبات العكس وهذه القاعدة منطقية ومقبولة لأنه هو الطرف الذي يحوز وسيلته، لأنه من المؤكد أن من قام بالإجراء هو من يتوفر على الوسيلة التي تثبت قيامه بهذا الإجراء،[2] لذلك فإن أغلب الإجراءات في المدونة العامة للضرائب تقوم بها الإدارة، فمن الطبيعي أن يوكل لها حصة الأسد في الإثبات.
وعلى سبيل المثال، ففي آليات المراقبة الجبائية تمر مسطرة الفحص الجبائي من مجموعة من الإجراءات والآجال المنصوص عليها في المدونة العامة للضرائب، والتي يتعين على المفتش الفاحص التقيد بها، وتبدأ هذه المسطرة بتبليغ الملزم بإشعار بالفحص 15 يوما على الأقل قبل البدء في فحص المحاسبة وتنتهي بالإشعار بتاريخ انتهاء الفحص، وهنا تتحمل الإدارة عبء إثبات قيامها بهذا الإجراء واحترام الآجال القانونية المحددة لمسطرة الفحص ومدته والتي تختلف حسب أهمية رقم الأعمال المصرح به.
وهكذا فإن عبء الإثبات في المادة الجبائية يقع في أغلبية الحالات على الإدارة الضريبية، بينما لا يتحمله الملزم إلا استثناء، وقد تحكمت هذه القاعدة في تحديد طبيعة الإثبات في هذه المادة بين أن يكون حرا بالنسبة للإدارة وأن يكون مقيدا بالنسبة للملزم.[3]

المبحث الأول: الإثبات في مسطرة فحص المحاسبة

تمر العملية الضريبية من مجموعة من المراحل الأساسية بدء بالواقعة المنشئة للضريبة مرورا بمسطرة الفرض ومسطرة المراقبة والتصحيح، وصولا إلى مسطرة الاستخلاص، وبعدها المنازعة في الوعاء أو الاستخلاص، وتتضمن كل مرحلة من هذه المراحل مجموعة من الإجراءات الضرورية التي يتعين على طرفي العلاقة الضريبية (الملزم، الإدارة الضريبية) الالتزام بها باعتبارها إجراءات أقرت بمقتضى نصوص آمرة، ومنه يتعين على كل طرف أن يتحمل عبء إثبات الإجراءات التي يتعين عليه القيام بها.

الفرع الأول: الإثبات من خلال المحاسبة

إن المحاسبة هي وسيلة تجسد خصوصية الإثبات في النظام الجبائي، فهي حق للملزم تمكنه من مواجهة الإدارة الضريبية بمجموعة من الأرقام والوقائع المفيدة في تحديد المادة الضريبية، والتي هي من صنعه كما ترك المجال للإدارة لمراقبة انتظام وصدق هذه المحاسبة تحت مراقبة مباشرة للجن الضريبة وللقضاء فيما بعد.

الفقرة الأولى: مبدأ مسك المحاسبة

لقد نص المشرع في أكثر من نص قانوني على مبدأ مسك المحاسبة، وذلك تأكيدا منه على أهمية هذا الالتزام، وقبل الإصلاح الجبائي الذي وضع مبادئه قانون الإطار لسنة 1984، كانت المحاسبة تعتبر نظاما استثنائيا في تحديد الناتج الخاضع للضريبة، ولهذا كانت بالنسبة للملزم مسألة اختيارية، وغير واجبة إلا بالنسبة للمقاولات الكبرى. [4]
إلا انه وبعد الإصلاح الضريبي سنة 1984 أصبح مسك المحاسبة التزاما إجباريا يشمل أغلبية الملزمين، واختياريا في مواجهة البعض الآخر الذي لا يصل دخله أو رقم أعماله حدا معينا، ومواكبة لهذا الدور فقد أحاط المشرع المحاسبة بعدة ضوابط حتى تكون وسيلة ناجعة للإثبات.
وقد نصت على المحاسبة عدة نصوص قانونية، أهمها المادة 145 من المدونة العامة للضرائب، والتي ألزمت الخاضعين للضريبة بمسك المحاسبة طبقا للنصوص التشريعية والتنظيمية، كما أن المادة 19 من القانون رقم 95-15 المنظم لمدونة التجارة، والتي تلزم التجار بمسك المحاسبة طبقا للقانون رقم 9.88، كما أنه وطبقا لهذا القانون الأخير المتعلق بالقواعد المحاسبية الواجب على التجار العمل بها، وقد أوجب على كل شخص طبيعي أو معنوي له صفة تاجر أن يمسك محاسبته وفق القواعد التي ينص عليها في هذا القانون.
ووضع المشرع من خلال هذه القوانين مجموعة من الضوابط الشكلية والموضوعية حدد بموجبها منهجية مسك المحاسبة من حيث الشكل ومن حيث المضمون، وذلك بالشكل الذي تعطي فيه صورة صادقة عن نشاط المقاولة وعن نتائجها المحاسبية.
وقد وردت هذه الضوابط مشتتة بين القانون الجبائي والقانون التجاري، وكذا بين القانون المحاسب والدليل العام لمعايير المحاسبة، وكل هذه المقتضيات تهدف إلى توحيد نظام مسك المحاسبة بين الملزمين المنتمين لجميع القطاعات.
وكيفما كان الإطار الذي يشتغل فيه الملزم، مقاولة صغيرة متوسطة أو كبيرة، أو شخصا طبيعيا أو معنويا، فإن ما يؤديه من ضرائب بين على المادة الخام المتمثل في المحاسبة التي يضعها بنفسه ويحتج بها أمام الإدارة الضريبية. لكن يظل مسك المحاسبة أمرا في غاية التعقيد ولذلك من الناذر أن يتولى الملزم بنفسه ملء السجلات ومسك الوثائق المحاسبة، بل يلجأ إلى متخصصين في هذا الميدان من خبراء محاسبين، وخبراء معتمدين، ومكاتب الاستشارة القانونية والجبائية.
وتسعى القوانين التي نصت على الالتزام بمسك المحاسبة وإجماعها على اعتبارها حجة للإثبات، إلى مجموعة من الأهداف، يرمي إليها كل قانون على حدة، فالقانون المحاسبي يرمي إلى عدة أهداف منها:
- تسجيل كل العمليات التي تقوم بها المقاولة خلال فترة زمنية معينة.
- تحديد نتيجة هذه العمليات عن مدة معينة من ربح أو خسارة.
- تحديد المركز المالي للمقاولة، بضبط ما تملكه من أصول ثابتة ومنقولات وما عليها من ديون لفائدة الغير وما لها من مستحقات على الغير.
- وبصفة عامة تحديد صورة صادقة عن نشاط المقاولة، بالشكل الذي يسمح لها باتخاذ قرارات مناسبة في التسيير وتفادي الأخطاء الجسمية.
أما بالنسبة للقانون التجاري فإنه يسعى إلى تحقيق هدف أساسي من مسك المحاسبة، وهو جعلها دليلا قويا في الإثبات لصالح التاجر، ولكن أيضا دليلا ضده، في هذا الإطار ورد في المادة 20 من مدونة التجارة على أنه "يحوز للأغيار أن يحتجوا ضد التاجر بمحتوى محاسبته ولو لم تكن ممسوكة بصفة منتظمة".
ومن هنا تظهر أهمية المحاسبة باعتبارها دليل إثبات، ففي المعاملات التجارية لجأ المشرع إلى إلزام التجار بمسك محاسبة يدونون فيها كافة عملياتهم اليومية أولا بأول، بحيث يمكن الرجوع إليها إذا نشبت خلافات بينهم وبين الغير.
فالتاجر الذي لا يمسك محاسبة، أو الذي لا يحتفظ بالوثائق المحاسبية لا يستفيد من مزية الإثبات التي قررها المشرع للمحاسبة.
أما فيما يخص القانون الضريبي، فإن هدفه الأساسي من مسك المحاسبة هو بيان النتيجة الحقيقية للنشاط الذي يمارسه الملزم في مدة معينة، غالبا ما تكون سنة، وما إذا كان حقق ربحا أو خسارة، وذلك حتى يتسنى تحديد مقدار الضريبية الذي يتعين مطالبته به.
إلا أن المشرع الضريبي عكس المشرعين المحاسبي والتجاري، لم يفرض فقط توفر الشروط الشكلية في المحاسبة الممسوكة، بل ألزم أيضا على توفر شروط موضوعية في المحاسبة تتمثل في التقيد بعدة مبادئ كالصورة الصادقة، وتخصص السنوات المالية، دوام المناهج، ومبدأ الحيطة واستمرار الاستغلال وذلك بهدف أن تكون المحاسبة وسيلة لإقناع الإدارة الضريبية بصحة النتائج الواردة فيها.
وهكذا، فإن كل قانون من القوانين السالفة الذكر، تسعى إلى أهداف تختلف من واحد للآخر فيما يتعلق بالمحاسبة، لكن هناك تكامل بينهما، على الرغم من أن هذه القوانين كلها تهدف لأن تكون المحاسبة وسيلة للإثبات يعتمد عليها الملزم لتأييد ما يدعيه ضد الغير، كما يمكن للغير التمسك بها كإثبات ضد الملزم. [5]

الفقرة الثانية: القوة الإثباتية للمحاسبة

على النقيض من المشرعين التجاري والمحاسبي، فإنه بالنسبة للمشرع الضريبي فإن نظام المحاسبة لا يتكون فقط من بيانات شكلية ومستندات ووثائق، ولكنه يرتبط بمبادئ أساسية يجب أن تنعكس في تقييداتها، ومنه فإنه لا يكفي في القانون الجبائي أن تكون المحاسبة منتظمة في الشكل حتى تكون صالحة للإثبات بل يجب أن تكون صادقة بحيث ستصبح ير منتظمة إذا لم تستوف هذه الشروط.
أولا: المحاسبة المنتظمة
هناك مجموعة من الشروط الأساسية التي بتوفرها تصبح المحاسبة منتظمة، وي شروط شكلية وكذلك موضوعية.
أ‌. المحاسبة المنتظمة من حيث الشكل
مفهوم المحاسبة المنتظمة يرتبط بمجموعة من الشروط الشكلية الواجب توفرها حتى تصبح المحاسبة منتظمة شكليا، كالدفاتر الواجب مسكها، والمستندات المثبتة لقيود المحاسبة، وكذا بكيفية تقييد العمليات.
1. بالنسبة للدفاتر الواجب مسكها:
وهي مجموعة من الدفاتر الإلزامية التي يجب مسكها، وقد تضاف إليها دفاتر أخرى اختيارية قد يمسكها الملزم، سيتم ذكر بعضها فقط على سبيل الإشارة وهي:
- دفتر اليومية: وهو دفتر تقييد فيه كل العمليات التي قام بها الملزم يوما بيوم، ومشتريات ويتعلق ألأمر بحسابين أحدهما في الجانب الأيمن ويسمى دائنا، ويتضمن نفس المبلغ الذي تقيد في الجانب الأيسر ويسمى مدينا. ويجب أن يرقم ويوقع على جميع صفحاته من طرف أحد قضاة المحكمة التجارية التابع لها المقر الاجتماعي لمقاولة الملزم.
- دفتر الأستاذ: وتنقل إليه قيود دفتر اليومية وتسجل فيه قائمة الحسابات المحددة من طرف الملزم، غير أن الأشخاص الطبيعيين الذين لا يتجاوز رقم أعمالهم السنوي مليوني درهم يعفون من مسك دفتر الأستاذ إذا كان بإمكانهم إعداد الميزان التلخيصي للحسابات مباشرة من دفتر اليومية.
- دفتر الجرد: تقيد فيه موازنة كل دورة محاسبية وحساب عائداتها وتكاليفها ويجب أن يكون مؤشرا عليه وموقعا على جميع صفحاته. وحسب تعديل القانون رقم 9.88 بقانون 44.03 فقد اعتبر المشرع أن الأشخاص الطبيعيين الذين لا يتجاوز رقم أعمالهم السنوي مليوني درهم غير ملزمين بترقيم وتوقيع دفتر اليومية ودفتر الجرد من طرف كاتب الضبط لدى المحكمة المختصة.
- دليل وصف التنظيم المحاسبي: والمعمول به بالنسبة للمقاولات التي يتجاوز رقم أعمالها سبع ملايين وخمسمائة ألف درهم (7.500.000) ويتضمن هذا الدليل وصفا للأجهزة الإدارية التي تشرف على تسيير المقاولة وكذلك الأجهزة الإنتاجية فيها (المادة 4). ويبقى الهدف من هذا التنظيم المحاسبي هو تقسيم العمل أمام تعدد المسؤولية والحد من التلاعبات التي يمكن أن تمس تدبير المقاولة، هذه هي الدفاتر الإلزامية التي أوجب المشرع مسكها بالنسبة للمقاولة إلى جانب دفاتر أخرى اختيارية.
2. بالنسبة للوثائق المثبتة للقيود المحاسبية
من الشروط الشكلية الأساسية لانتظام المحاسبة توفرها على الوثائق التي نص عليها المشرع لإثبات صحة العمليات التي قام بها الملزم والتي تضمنتها محاسبته المصرح بها.
وللوثائق المحاسبية أهمية كبرى، لأنها هي التي تثبت المشتريات والبيوعات التي قام بها المقاول.
* الوثيقة المحاسبية:
لقد ربط المشرع صحة القيد في المحاسبة بالوثيقة المؤيدة له، فالدفاتر المحاسبية التي تتوفر عليها المقاولة غير كافية للحكم على المحاسبة شكليا بأنها منتظمة، وكذا لإقناع الإدارة الضريبية بما ورد فيها ما لم يتم تأييدها بمستندات مثبتة، كما أن المدونة العامة للضرائب ربطت صحة القيد بمسك وثيقة منظمة ومتضمنة لمجموعة من البيانات الشكلية، خصوصا فرع الالتزامات المحاسبية المنصوص عليها في المواد 145 إلى 147 من المدونة.
والوثائق المحاسبية على نوعين: وثائق خارجية حصل عليها لملزم من الغير كفواتير الشراء، ووثائق داخلية أعدها الملزم بنفسه كصور فواتير البيع، والتي تعتبر وسيلة للإثبات لصالح الملزم رغم أنه لا يحوز للشخص أن يصنع حجة لنفسه.
هذه المستندات تقوم على قرينة الصدق خاصة إذا استجمعت شروطها الشكلية، لكن هذه القرينة ليست مطلقة إذ يحوز لمفتش الضريبة أن يقيم الإثبات على عدم جديتها.[6]
إلا أنه رغم توفر الوثائق المثبتة فإن المحاسبة قد تكون غير منتظمة، وذلك لمجموعة من الأسباب:
- فقد تكون الدفاتر غير ممسوكة وفق القواعد القانونية الجاري بها العمل.
- قد تكون الدفاتر غير صادقة أي أنها لا تتضمن كل العمليات التي قام بها الملزم.
- قد تكون الوثائق الإثباتية غير مقيدة في الدفاتر.
- قد تكون هناك تلاعبات في القيود المحاسبية كتلك التي تحدث في الجرد، وذلك لخفض حجم المبيعات المصرح بها.[7]
* الشروط الواجب توفرها في الوثيقة المحاسبية
الوثيقة المحاسبية هي قيود تمثل معاملات تكتسي صبغة عقود بين الملزم وبين الغير، وهذه الوثيقة يجب أن تتوفر على بيانات يجب توفرها في العقد حتى يكون قانونيا، وهذه البيانات تتمثل في:
- هوية الطرفين المتعاملين، وقد نصت عليها المادة 145 من المدونة العامة للضرائب على أنه يجب على الخاضعين للضريبة أن يسلموا إلى المشترين منهم فاتورات أو بيانات حسابية تتضمن زيادة على البيانات الأخرى: هوية البائع، الأسماء الشخصية والعائلية للمشترين منهم أو زبنائهم وعناوينهم التجارية وعناوين مقارهم. وعدم توفر هوية أحد المتعاملين يفقد الوثيقة قيمتها الإثباتية، ولذلك غالبا ما تنشا خلافات بين الإدارة وبين بعض الملزمين بسبب عدم تضمين الفاتورات مثلا اسم المشتري ورقم خضوعه للضريبة المهنية، يحدث خاصة بالنسبة للبائعين المتجولين.
- يجب كذلك أن تتوفر في الوثيقة موضوع المعاملة التي قام بها الملزم صفقة أداء خدمة، إستيلام أو دفع مبالغ... بالإضافة إلى الثمن والكمية وطبيعة البضاعة المبيعة أو الأشغال المنجزة أو الخدمات المقدمة. فموضوع المعاملة أو التعاقد يعتبر أهم بيان يجب أن يتوفر في الوثيقة المحاسبية لاعتبارها وثيقة إثباتيه.
- يجب أن تتضمن الوثيقة الإثباتية تاريخ تحريرها، وتكمن أهمية الإشارة إلى التاريخ في ربط العملية بالسنة المحسبية التي وقعت فيها. 
- يجب أن تحتفظ الوثائق المحاسبية بشكل منظم وتكون مرقمة مسبقا ومسحوبة من سلسلة متصلة أو مطبوعة بنظام معلوماتي وفق سلسلة متصلة، وذلك حتى يسهل على الإدارة الضريبية مراجعتها.
- يجب أن تتضمن الوثيقة الإثباتية أيضا مراجع وكيفية الأداء، وتكمن فائدة هذا الشرط في تمكين الإدارة الضريبية من مراقبة التزام الخاضع للضريبة للضوابط القانونية المتعلقة بتسوية المعاملات.
كما أن هناك بيانات أخرى إلزامية منصوص عليها بمقتضى أحكام قانونية أخرى يتعين تضمينها أيضا في الوثيقة وهي خاصة ببعض الوثائق المعينة، وهو ما نستعرض إليه من خلال البحث في أهم الوثائق الإثباتية. [8]
* أنواع الوثائق المحاسبية
تتنوع الوثائق المحاسبية وذلك حسب الموضوع الذي تتضمنه والقيد الحسابي الذي ترتبط به، وهذه الوثائق الإثباتية إما خاصة بالشراء أو بالبيع أو بالنفقات.
الوثائق الإثباتية للشراء: حسب المادة 2 من القانون رقم 9.88 فإنه يجب على الخاضع للضريبة إثبات جميع السلع والخدمات التي يشتريها من بائع يكون خاضع للضريبة المهنية، بفاتوراه قانونية أو أية ورقة أخرى لها قوة الاثبات تحرر في اسم المعني بالأمر.
فمستندات الشراء ليس من الضروري أن تكون فاتورة بل يمكن أن تكون أية ورقة أخرى شريطة أن تتضمن الشروط أو البيانات الواجب توفرها في الوثيقة الاثباتية، إلا أن الإدارة الضريبية وخلافا لنص المادة 2 من قانون 9.88 غالبا ما تستلزم أن يتم الاثبات
( إثبات المشتريات ) بفاتورة، وفي المقابل ترفض الاثبات بغيرها من الوثائق التي يقدمها للملزم.
وقد يحدث ان لا يستطيع الخاضع للضريبة أن يحصل على وثائق الشراء، ويحدث هذا في الحالة التي يشتري فيها مواد من أشخاص غير خاضعين للرسم المهني أو غير مقيدين في جدوله كالفلاحين والحرفيين الصغار، وهنا موقف الإدارة ثابت ويتمثل في رفض الاخذ بدفاتر الخاضع للضريبة التي لاتدعم بوثائق مثبتة لمشتريات واردة في هذه الدفاتر مهما كانت الجهة التي تمت لديها هذه المشتريات، حيث تعتبر عدم وجودها دليل على عدم انتظامية المحاسبة[9].
لكن القضاء ذهب إلى أن تضمين شراءات في المحاسبة بدون الوثائق المثبتة لها، يضفي عليها نوعا من الشفافية، وينم عن حسن نية الخاضع للضريبة الذي كان في إمكانه عدم ادراج هذه المشتريات أصلا في المحاسبة، كما يعتمد القضاء وجود قوة قاهرة حالت دون مسك وثائق إثباتية في هذه الحالة[10].
الوثائق الاثباتية للبيع: وهي فواتير البيع التي سلمها الخاضع للضريبة للمشترين منه والتي يحتفظ بصور منها من أجل إثبات هذه المبيعات من حيث الكمية ومن حيث القيمة.
وهذه الوثائق من المستندات الداخلية التي يقوم الخاضع للضريبة بوضعها بنفسه، وقد نصت المادة 145 من المدونة على أن هذه الفواتير يجب أن تكون مرقمة مسبقا ومحسوبة من سلسلة متصلة ومطبوعة بنظام معلوماتي وفق سلسلة متصلة، كما تضمنت هذه المادة مجموعة من البيانات الالزامية التي يتعين أن تتوفر في هذه الفواتير تحت طائلة عدم قبولها.
ومستندات البيع لها أهمية خاصة بالنسبة لإدارة الضرائب باعتبار انها تيسر لها اكتشاف التلاعب في حركة البضاعة الصادرة والواردة وفي اثمان البيع، لذلك فهي غالبا ما تلجأ إلى مقارنة صور الفواتير التي يحتفظ بها الملزم بأصلها الموجودة لدى المتعاملين معه، وذلك من أجل الحكم على انتظامها.
وغالبا ما تستبعد الإدارة الضريبية محاسبة الملزم بسبب غياب هذه المستندات او بسبب عدم توفرها على بيان او اكثر من البيانات القانونية، وفي الجانب الاخر يتمسك الملزمون بان طبيعة وحجم نشاطهم لا يسمح لهم بمسك هذه المستندات.
كما انه لا يمكن اعفاء اي ملزم من مسك مستندات البيع مهما كان حجم وطبيعة عمله، كما أن المشرع لم يحصر مستندات البيع في الفواتير فقط، بل نص على انه بإمكان الملزم الاستعاضة عنها ببيانات حسابية تتضمن نفس البيانات المحددة في الفاتورة.
الوثائق الاثباتية للنفقات: في كثير من الاحيان تقوم الإدارة برفض النفقات المدرجة في المحاسبة للرفض كليا أو جزئيا بسبب عدم ارتباطها مباشرة بنشاط المقاولة، أو بسبب الافراط فيها، أو بسبب عدم تناسب المقابل الذي دفعته المقاولة مع الاثمنة الجاري بها العمل في السوق، كما أيضا قد تستبعدها بسبب عدم إثباتها من طرف المقاولة، أو عدم إثباتها بالوثيقة التي حددها المشرع.
وعدم توفر هذه المستندات لا يؤثر بشكل مباشر في قيمة المحاسبة، ولا في الدفاتر المحاسبية التي تظل مع ذلك منتظمة ولكنه يدفع بالإدارة الضريبية إلى عدم قبول النفقة إلى حين إثباتها من طرف الملزم، ولذلك فقد جرى العمل على ان تقوم بانذار الملزم بتقديم هذه المستندات.
أما ما يتعلق بشكل هذه المستندات فالمادة 146 من المدونة العامة للضرائب نصت على ان إثبات النفقات، أي السلع والخدمات التي يشتريها الخاضع للضريبة من بائع خاضع للرسم المهني يكون بفاتوراه قانونية أو أية ورقة أخرى لها قوة الاثبات.
ويرى البعض[11]، أن تطبيق هذه المادة طرح مجموعة من الاشكالات، منها:
  • أن هذه المادة تتحدث عن المعاملات التي يجريها الملزم مع بائع أو مقدم للخدمات خاضع للرسم المهني، وهذا الامر يطرح إشكالين اثنين، فقد يكون هذا البائع خاضعا للضريبة المهنية لكنه غير مسجل في قولئمها، وبالتالي كان من الأجدر التركيز على التسجيل عوض الخضوع للضريبة.
  • هذه المادة لاتتطرق للمعاملات التي تجري مع بائع أو مقدم خدمات غير خاضع للرسم المهني، وكيف يجري الاثبات في هذه الحالة.
  • هذه المادة ( 146 ) تخير الخاضع للضريبة بين الاثبات بفاتوراه والاثبات بأية ورقة أخرى لها قوة الاثبات، وقد فتح غموض هذه الوسيلة الاخيرة الباب لخلاف بين الإدارة والملزمين يتعلق بتحديد ماهيتها ويتعلق بتوجيه الإدارة الرافض للاثبات بأية وسيلة غير الفاتوراه.
والمشرع بدوره لم يقيد الاثبات في هذه الحالة، تاركا المجال للملزم ليحدد الوسيلة المناسبة لظروف المعاملة أو النفقة، ولكنه في نفس الوقت فسح المجال للادارة لتحديد قوة الاثبات لهذه الوسيلة، بل تدخل في إطار المفهوم الجديد للمحاسبة المبسطة، بموجب قانون 44.03 ليغير من طبيعة هذه المستندات من مستندات خارجية يعدها الغير لفائدة الملزم الى مستندات داخلية يمكن للملزم أن يصنعها لفائدة نفسه.
3- بالنسبة للشروط المتعلقة بقيود المحاسبة:
بالاضافة الى الدفاتر المحاسبية والوثائق الاثباتية، نص المشرع على ضرورة الالتزام بمجموعة أخرى من الشروط الشكلية المتعلقة بكيفية تقييد العمليات في هذه الدفاتر.
وعدم إلتزام الخاضع للضريبة بهذه الشروط قد لايكون له بالغ الأثر على انتظام الدفاتر المحاسبية خاصة إذا استطاعت أن تقنع بذاتها الإدارة الضريبية، وبالتالي يستحسن ألا تتعسف الإدارة في استعمال حقها في رفض المحاسبة قبل أن تتأكد من صحة العمليات الواردة بها، وكذلك الظروف التي حالت دون التزام الخاضع للضريبة بالشروط المتعلقة بقيود المحاسبة، والتي هي:
- ترقيم السجل اليومي، وسجل الجرد ترقيما متسلسلا، والتأشير عليهما من طرف المحكمة التجارية، إذا كان الملزم تاجرا، وإذا تعذر ذلك يؤشر عليها من طرف رئيس المصلحة المحلية للضرائب، أو من طرف كتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية بالنسبة لغير التاجر.
- قيد العمليات أولا بأول: وتسلسل قيدها حسب تواريخ حدوثها، فالمحاسبة تسجل فيها جميع الحركات المتعلقة بأصول وخصوم منشأته، ومرتبة تبعا لتسلسلها الزمني، عملية عملية ويوما بيوم ( المادة 1 من القانون رقم 9.88 ).
- شرط عدم المسح وترك بياض: تطرقت لهذا الشرط المادة 22 من القانون رقم 9.88، ويعني أنه لايجب أن يكون هناك فراغ عند الكتابة، حتى لايدفع إلى إضافة قيد أو عملية، كما يعني أنه لايجب التشطيب بالقلم أو بالآلة الكاتبة على عملية سبق تقييدها.
هذه هي أهم الجوانب الشكلية التي يتعين أن تتوفر في المحاسبة لكي تكون منتظمة، لكن رغم ذلك فهذه الشروط غير كافية لإعتماد المحاسبة من طرف إدارة الضرائب، وللقبول بالقوة الإثباتية فهناك شروط موضوعية يتوقف عليها صدق وأمانة هذه المحاسبة.
ب - الشروط الموضوعية في المحاسبة ( المحاسبة الصادقة )
لكي تكون المحاسبة منتظمة يجب أن تتوفر على مجموعة من البيانات الشكلية وهي شروط تجعل من المحاسبة وسيلة للإثبات يمكن الاحتجاج بها. لكن هذا لايعني أنها محاسبة صادقة، فإدارة الضرائب تستوجب توفر مجموعة من الشروط الموضوعية التي يتعين مراعاتها في التقييدات المحاسبية.
هذه الشروط الموضوعية الواجب توفرها في المحاسبة هي:
1- مبدأ استقلالية السنوات المحاسبية:
يقضي هذا المبدأ بوجوب تقييد كل العمليات التي أجريت خلال سنة معينة ضمن الفترة المحاسبية الخاصة بهذه السنة، ولا يحوز تقييدها قبل هذه الفترة، ولاترحيلها إلى سنة أخرى.
وينتج عن الإخلال بهذا المبدأ أن يؤدي إلى عدم تقييد عملية أو عمليات في المحاسبة المتعلقة بسنة معينة، وذلك لان من شأنه التأثير على النتيجة المصرح بها كحصيلة خاضعة للضريبة وهو ما يعتبر مبررا كافيا لإستبعاد المحاسبة، وفي حالة لم يؤثر ذلك الإخلال بمبدأ استقلالية السنوات المحاسبية فإنه يتعين على الإدارة عدم الشك في القيمة الاثباتية للمحاسبة.
وغالبا ما يثير تطبيق هذا المبدأ بعض الخلافات بين الإدارة الضريبية والملزمين خصوصا في حالة تطبيق فحص المحاسبة، إذ أن اتلادارة تعتبر أن عدم الالتزام بهذا المبدأ من الاخلالات الموجبة لاستبعاد المحاسبة.
2- مبدأ تطبيق السعر بحسب التاريخ:
ويقضي هذا المبدأ بوجوب تقييد كل عنصر في المحاسبة بقيمته في تاريخ دخوله للمقاولة، ولايجب تغيير هذا السعر حتى مع تغيير الظروف الاقتصادية وتقلب ثمن هذا العنصر أو العناصر المرتبطة به، ولايمكن تصحيح تلك القيم إلا عن طريق تقنية إعادة التقييم لعناصر الأصول.
3- مبدأ الحيطة:
وبحسب هذا المبدأ فإنه لاتقيد العائدات في المحاسبة إلا بعد أن تكتسب بصفة نهائية، بينما تقيد التكاليف كلما كانت محتملة فقط، وتنص المادة 16 من القانون رقم 9.88 على أنه " لاتقيد العائدات في المحاسبة إلا بعد إكتساب المنشأة لها نهائية، ويجب قيد التكاليف إذا كانت محتملة ". والهدف من هذا المبدأ هو أن تتخذ المقاولة الحيطة اللازمة لكل ما من شأنه أن يؤثر على نتائجها النهائية.
4- مبدأ الالتزام بنفس طرق التقدير:
ويقضي هذا المبدأ، بالتزام المقاولة بنفس طرق التقدير التي اعتمدتها في بداية نشاطها لإجراء التقييدات في المحاسبة، ومسك الموازنة السنوية، وبالتالي يتعين الإلتزام بهذا المبدأ خلال كل السنوات المحاسبية، ويتم تقويم المخزونات في آخر السنة وفق طريقتين:
الأولى: التقويم على أساس متوسط سعر الشراء خلال السنة
الثانية: التقويم على أساس أن مايشترى أولا يباع أولا
وإذا اختارت المقاولة لتقويم مخزوناتها إحدى الطريقتين في سنتها المحاسبية الأولى، وجب عليها التقيد بها في جميع السنوات المحاسبية اللاحقة. لكن يمكنها العدول عن طرق التقدير المتبعة من قبلها شريطة بيان الأسباب الداعية إلى ذلك في قائمة المعلومات التكميلية، وذلك حتى تتمكن الإدارة من مراقبة جدية الأسباب ومدى تأثيرها في أصول وخصوم ووضعها المالي ونتائجها المحاسبية والضريبية.
ج – الآثار المترتبة عن المحاسبة المنتظمة:
أهم أثر ينتج عن المحاسبة المنتظمة هو قرينة الصدق التي تكتسيها المحاسبة، وهي قرينة تعفي المقاولة من عبء الإثبات، غير أنها قرينة قابلة لإثبات العكس من طرف كل ذي مصلحة، وخاصة من طرف الإدارة الضريبية عند ممارستها للرقابة الجبائية.
لكن هذا لا يعفي المقاولة من الإثبات في شيئين:
- تتحمل المقاولة عبء إثبات بعض التقييدات الواردة في المحاسبة، كالتكاليف باعتبار أنها هي المدعية بتحملها.
- تبرير المنهجية التي اعتمدتها في مسك بعض التقييدات كتقييم الجرد وحركة البضاعة، كما أنها ملزمة بتوضيح بعض التقييدات الغامضة أو المتضاربة.
ومتى كانت المحاسبة منتظمة في الشكل ولايشوبها أي نقص في الأرقام المصرح بها اعتبرت صحيحة وصادقة، ولايحوز للإدارة استبعادها أوإدخال أي تصحيح عليها.
ثانيا: المحاسبة غير المنتظمة
أ‌. مفهوم المحاسبة غير المنتظمة
تكون المحاسبة غير منتظمة حسب المشرع الضريبي في حالتين:
- عندما يشوبها إخلال من الإخلالات الواردة في القانون
- عندما تتسم الأرقام الواردة فيها بالنقصان
1. وجود إخلال في المحاسبة
حدد المشرع الضريبي على سبيل الحصر، الإخلالات التي يمكن أن تشوب المحاسبة وتقضي إلى التشكيك في قيمتها الإثباتية، واعتبر أن توفر إخلال واحد منها يخول للإدارة الحق في ترتيب الاثار القانونية، وتتمثل هذه الإخلالات في:
1.1 عدم تقديم محاسبة ممسوكة وفقا لأحكام المادة 145 من المدونة العامة للضرائب:
ويتمثل هذا الإخلال في عدم مسك محاسبة طبقا للنصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل، وبشكل يتيح للإدارة أن تقوم بالمراقبة الجبائية لها، كغياب الدفاتر المحاسبية، وغياب الوثائق، والمستندات المثبتة التقييدات.
وعمليا فإن أغلب العيوب التي تكتشفها الإدارة تدرجها في هذا الإطار، ومنها:
- حالة عدم احتواء فواتير البيع أو الشراء على البيانات الإلزامية
- حالة انعدام دفتر اليومية أو دفتر الجرد.
- حالة ترقيم وتوقيع دفتر اليومية قبل البدء في الاستعمال.
2.1 انعدام الجرود:
يحدث هذا الإخلال في حالة انعدام بيان مفصل لمخزونات البضائع والمواد الأولية، وهو البيان المنصوص عليه بمقتضى النصوص الجبائية والمحاسبية الجاري بها العمل، يمكن هذا البيان الإدارة الضريبية من القيام بمراقبة لحركة البضاعة ومعرفة قيمتها وكميتها، كما يمكنها من ضبط الكمية لمباعة، وهو في نفس الوقت أحد المنهجيات التي تلتجئ إليها للتحقق من وجود نقصان في رقم الأعمال المصرح به من عدمه.
3.1 إخفاء بعض الأشربة أو البيوعات إذا أثبتته الإدارة
من أهم الإخلالات التي تعرفها المحاسبة، أن بعض الملزمين يلجئون إلى إخفاء بعض البيوعات أو الأشربة، وذلك من أجل خفض رقم الأعمال الذي حققوه.
لكن الإدارة قد تتمكن من اكتشاف بيوعات أو أشربة قام بها الملزم ولم يصرح بها، وذلك بفعل الآليات الرقابية المخولة لها، خصوصا حق الإطلاع، حيث تستند الإدارة على المعلومات التي حصلت عليها من المتعاملين معه سواء كانوا ممولين أو زبناء له.
ويجب على الإدارة إثبات الإخفاءات الملحوظة وذلك باعتبار أن عبء إثبات وجودي أي إخلال من الإخلالات المحاسبية يقع على الإدارة الضريبية.
4.1 الأخطاء أو الإغفالات أو البيانات غير الصحيحة الجسمية والمتكررة الملاحظة فيما تضمنته المحاسبة من عمليات
قد يحدث أن تفل المقاولة تقييد عملية من العمليات التي قامت بها، كما قد يحدث أن تورد بيانات غير صحيحة، إلا أن المشرع اعتبر أن ذلك قد يحدث بدون أن تكون هناك نية للتهرب، فقد اعتبر أن هذه الأخطاء أو الإغفالات أو البيانات غير الصحيحة لا تشكل موجبا لاستبعاد المحاسبة إلا إذا اتسمت بالخطورة وكانت متكررة.
وكل ذلك كان حرصا من المشرع على أن تعكس المحاسبة الصورة الحقيقية للمقاولة، وذلك بتقييد كل العمليات التي تجريها بكل صدق وأمانة.
ويحسب على المشرع عدم تحديده لأخطاء الجسمية والمتكررة، مما فسح المجال واسعا أمام السلطة التقديرية للإدارة، إلا أن هناك من يرى[12] أن المقصود بها هو الأخطاء والاغفالات الجسمية التي تؤثر على لنتيجة المصرح بها، فإذا كان الخطأ أو الإغفال يسيرا، أي بدون أن يتسبب في تغيير الحصيلة الجبائية المصرح بها، فإنه لا يعتبر خللا موجبا لاستبعاد المحاسبة، هذا بالنسبة للجسيمة.
أما بالنسبة للمتكررة فيجب أن يكون مقترفا على الأقل مرتين أو أكثر وذلك على غرار ما نص عليه في تجريم الغش الضريبي التي اشترط فيها المشرع العود غلى ارتكاب نفس المخالفة.
وبالنسبة لهذه الإخلالات يمكن ذكر عدم تقييد العمليات وفق تسلسلها الزمني، عدم احتواء الفاتورات على بياناتها الإلزامية، وجود عمليات غير مقيدة في المحاسبة.
5.1 انعدام أوراق الإثبات الذي يجرد المحاسبة من كل قيمة إثباتية
كما هو معلوم فالوثيقة المحاسبية هي وسيلة لإثبات صحة القيود الواردة في المحاسبة، وتتمثل أهميتها في أن الدفاتر المحاسبية غير كافية للحكم على المحاسبة بأنها منتظمة ما لم يتم تأييد بمستندات مثبتة، فواتير الشراء أو البيع.
وقد نص على هذا الإخلال المشرع ليؤكد على الأهمية التي تحظى بها الوثائق أو المستندات الإثباتية في المحاسبة. [13]
6.1 عدم إدراج عمليات في المحاسبة بالرغم من إنجاز الملزم لها
وهو الإخفاءات التي يقوم بها الملزم قصد تخفيض من الحصيلة الخاضعة للضريبة الواردة في المحاسبة المصرح بها، وهذا الإخلال له تأثير مباشر ومهم على النتيجة الجبائية.
وهذا الإخلال غالبا ما تكتشفه الإدارة الضريبية عند ممارستها لحقها في الاطلاع، وهو ما يعزز دور الإدارة الضريبية في كشفها الاختلالات، خصوصا أن لها من الوسائل والإمكانيات التي تمكنها من ذلك.
7.1 إدراج عمليات صورية في المحاسبة
وهو آخر إخلال منصوص عليه ضمن لائحة الإخلالات الجسمية المنصوص عليها في المادة 213 من المدونة العامة للضرائب، ويحدث هذا الإخلال عند لجوء بعض لملزمين إلى إدراج تكاليف أو نفقات في المحاسبة، وفي نفس الوقت تقديم المستندات المثبتة لها، غير أنه لم يتحملها في الواقع.
وتتحمل الإدارة عبء إثبات وجود صورية في العملية المدرجة في المحاسبة مستعملة في ذلك وسائل الإثبات الممكنة، وقد أخضع المشرع هذا الإخلال لجزاءات جبائية أيضا، وذلك لخطورته، والجزاءات الجبائية منصوص عليها في المادة 192 من المدونة العامة للضرائب.
هذه الإخلالات السبعة الواردة في المادة 213 من المدونة العامة للضرائب، والمحددة على سبيل الحصر، وبوجود إحداها يجعل الإدارة تشكك في المحاسبة، ومما قد يترتب عنها تصريح الإدارة بعدم انتظامية المحاسبة.
والجدير بالملاحظة إذا لم يكن الإخلال الذي اكتشفته الإدارة ينتمي إلى لائحة الإخلالات الواردة على سبيل الحصر في المادة 213 فلا يحوز للإدارة التشكيك في القيمة الإثباتية للمحاسبة.
2. وجود نقصان في الأرقام المصرح بها
نصت المادة 213 من المدونة العامة للضرائب في الفقرة الأخيرة من البند الأول على أنه "إذا كانت المحاسبة المدلى بها لا يشوبها شيء من الإخلالات الجسمية المبينة أعلاه، لا يحوز للإدارة أن تعيد النظر في المحاسبة المذكورة وتعيد تقدير رقم المعاملات إلا إذا أثبتت نقصان الأرقام التي وقع الإقرار بها".
فإذا كنا أمام نقصان في الأرقام المصرح بها، تعين على الإدارة الضريبية إثبات ذلك بجميع وسائل الإثبات الممكنة، فالمشرع لم يربط الإدارة الضريبية بوسيلة محددة، بل منحها السلطة التقديرية الواسعة في إثبات ذلك، وعند ثباتها لنقص في الأرقام المصرح بها، بأي وسيلة كانت يحوز لها عندئذ أن تعيد النظر في محاسبة الخاضع للضريبية.
وقد عدد الفقه،[14] المنهجيات والوسائل التي تلجأ غليها الإدارة للبحث في مصداقية الأرقام المصرح بها، وفيما إذا كان يشوبها نقص أم لا، وهي وسائل تتدخل فيها مجموعة من المعطيات الخاصة بالمقاولات وبالمجال الذي تزاول فيه نشاطها، ومن أهم الوسائل المستعملة هناك:
v وسيلة العلب أو اللفائف المستعملة في الإنتاج
إن بعض المقاولات تقتني كمية من العلب أو اللفائف، تستعملها في تعليب إنتاجها قبل بيعه، فإنه من الممكن مقارنة عدد العلب واللفائف المشتراة مع تلك المستعملة في الإنتاج المصرح به، وذلك بعد الأخذ بعين الاعتبار نسبة الضياع في العلب.
وتعتبر هذه الوسيلة الأكثر إستعمالا لا من طرف الإدارة الضريبية، وذلك لإثبات أن هناك نقص في الرقم المصرح به كنتيجة جبائية.
v وسيلة المراقبة الكمية:
تعتمد هذه الوسيلة على البيانات الواردة في فاتورات البيع والشراء من حيث نوع البضاعة، وكميتها وثمنها، وتعتمد أيضا على البيانات الواردة في الجرد أو المخزون خاصة ما يتعلق بالبضاعة المتبقية في آخر السنة وفي أولها.
وتقوم الإدارة الضريبية بإجراء مقارنة بين المعطيات المرتبطة بالبضاعة من حيث كميتها وقيمتها، للوصول غلى البضاعة المبيعة وتلك التي صرح بها، بما يمكن من التحقق من وجود أو عدم وجود نقصان في الأرقام الواردة في المحاسبة.
v وسيلة هامش الربح الإجمالي:
وتتمثل هذه الوسيلة في الحكم على مصداقية الربح الإجمالي المصرح به، بسبب انخفاضه عن السنوات السابقة أو في القطاع الذي تعمل فيه المقاولة أو لدى مقاولات مماثلة.
فالقاعدة العامة هي أن معدل الربح يكون ثابتا في الظروف العادية لاشتغال المقاولة، ولا يتذبذب إلا في الظروف الاستثنائية والتي إما ناتجة عن ظروف خارجية دولية، أو ظروف وطنية وهي إما تكون طبيعية أو داخلية في المقاولة (حريق...).
وبالتالي ففي الظروف العادية يجب على المقاولة أن تصرح بهامش ربح إجمالي واحد في جميع السنوات، ونتيجة لذلك، يتم استعمال ذلك الهامش في مراقبة الأرقام المصرح بها من طرف المقاولة، وأي تذبذب يقع في الهامش، خصوصا عند خفضه، يعني أن إخفاء أرباح حققتها المقاولة.
كما أنه قد يحصل أن تصرح المقاولة بهامش ربح إجمالي اقل مما تصرح به مقاولات مماثلة، أو أقل من الربح الإجمالي الجاري به العمل في السوق.
وتعتبر وسيلة معدل الربح الإجمالي من أهم الوسائل المعتمدة من طرف الإدارة للبحث في وجود نقصان ففي الأرقام المصرح بها.
ب- تقييم المحاسبة غير المنتظمة:
يقوم الخاضع للضريبة بمسك المحاسبة والتقيد بالضوابط المحاسبة، فقط لأن القانون يلزمه بذلك، وإنما أيضا لنتائج ذلك وهي العقوبات الجبائية من طرف الإدارة الضريبية في حالة عدم التزامه بذلك وإن اقتضى الحال زيادة على ذلك فرض عليه عقوبات جبائية.
وتعتبر الإدارة أنه لكي تفرض الضريبة وفق ما جاء في المحاسبة، فإنه يجب أن تكون المحاسبة معتمدة من طرف الإدارة. أما إذا أثبتت الإدارة أن المحاسبة منتظمة من حيث الشكل، وأنها لا تظهر النتائج الحقيقية فإنها تقوم باستبعادها.
فالإدارة الضريبية لا تكتفي فقط بالشروط الشكلية في المحاسبة، حتى ولو كانت تظهر المداخيل واٍلأرباح الحقيقية للملزم. فالشروط الشكلية في المحاسبة هي فقط بداية تظهر مدى التزام الخاضع للضريبة بمسك الدفاتر المحاسبة، لأن هذه الشروط ينص عليها القانون المحاسب رقم 9.88 لكن في مجال القانون الضريبي والذي لا يكتفي بذلك بل ينظر صدقية إظهار الأرباح التي حصلت عليها المقاولة، والذي لن يتأتى إلا بوضع شروط موضوعية أخرى تنظر في مدى صدقية ما جاء في تلك الدفاتر، وذلك من قبيل:
  • العمليات المضمنة في المحاسبة يجب أن تكون مدعمة بحجج ثابتة ومقبولة.
  • رقم الأعمال يجب أن يكون مطابقا للحقيقة والواقع.
  • أن لا تكون هناك صعوبة أو استحالة في مراقبة الأرقام الواردة في المحاسبة بمعنى أن تكون المحاسبة قابلة للمراقبة.
هذا فيما يتعلق بتعامل الإدارة مع المحاسبة غير المنتظمة، أما فيما يتعلق بتقييم القضاء للمحاسبة، فإنه ينظر إليها على أنها أمور تقنية، ويقوم بانتداب خبير لذلك، مع التزام الخبير بالأوامر التي أسندها إليه القاضي في الحكم التمهيدي الخاص بالخبرة، ويقوم القاضي بمراقبة الجانب المسطري في الخبرة، فالقضاء لا يتدخل في تفاصيل الضوابط المحاسبية، وكذا المفاهيم الأساسية المتعلقة، مما يجعل عمله فاقدا للتدقيق.
وتبقى هناك بعض الاستثناءات التي قام بها القضاء بتقييم المحاسبة، لا من جانبها المسطري المتعلق بمدى التزام الإدارة بالضمانات والحقوق المخولة للملزم، بل حتى من الناحية الموضوعية عندما ركز على ضرورة إعطاء فرصة للملزم لإصلاح الأخطاء والإغفالات الملاحظة في المحاسبة، فقد اعتبر أن مجرد الأخطاء الحسابية يمكن إصلاحها دون إهدار القيمة الإثباتية للمحاسبة.
ج- آثار المحاسبة غير المنتظمة:
إن المحاسبة غير المنتظمة أي التي اعتبر المشرع أنه يشوبها إخلال من الإخلالات المنصوص عليها قانونا، أو عندما تتسم الأرقام الواردة فيها بالنقصان، فإنه تنتج عنها آثار مختلفة، تتمثل في:
· استفادة القيمة الإثباتية للمحاسبة: فالخاضع للضريبة لم يعد بإمكانه التمسك بمحاسبته كوسيلة للإثبات لصالحه، وهو ما نص عليه المشرع في المادة 213من المدونة العامة للضرائب بأن "التشكيك في قيمة الإثبات التي تكتسبها المحاسبة" وكذلك "إعادة النظر في المحاسبة".
وينتج عن ذلك استبعاد القيمة الإثباتية للمحاسبة في مواجهة الإدارة وإدراج التصحيحات عليها، غير أن الإدارة لا تقوم برفض المحاسبة كلها لوجود عيب وفي أحد أجزائها، بل يجب أن ينصب الرفض فقط على الجزء المعيب[15].
فالإدارة من الناذر أن تستبعد جميع بيانات المحاسبة، فهي لا تتقيد بقاعدة عدم جواز تجزئة الدليل، فهي تستبعد فقط الجزء المعيب، وبالتالي ييتم التشكيك في الجزء المعيب فقط، ويبقى الأجزاء الأخرى شرعية.
· إعادة تقدير أساس جديد لفرض الضريبة: من الآثار المهمة المترتبة على المحاسبة غير المنتظمة، حق الإدارة في تحديد أساس لفرض الضريبة، أي الحق في إدخال تصحيحات تهم الأساس المصرح به، هذا التحديد الذي تقوم به الإدارة نص المشرع على أنه يكون باعتبار العناصر المتوفرة لديها، أي التحديد من جانب واحد، وهو يشبه إلى حد ما الفرض التلقائي للضريبة.
كما أن تحديد أساس جديد لفرض الضريبة هي حالة واقعية تختلف من ملزم إلى آخر ومن نشاط إلى نشاط، ومع أن الإدارة تتمتع بهامش موسع في التقدير إلا أنها ملزمة بتأسيس تقديراتها على منهجية مقبولة حتى لا تتعسف في ذلك.

الفرع الثاني: الإثبات من خلال إجراءات الفحص

في مقابل قرينة الصدق التي تحوزها تصريحات الملزم، والتي تقوم عليه المحاسبة، والتي تعفي الملزم من عبء الإثبات، تتمتع الإدارة بحق إخضاع هذه المحاسبة لمراقبة ضريبية لفحص قيمتها الإثباتية، وهو ما نص عليه المشرع الضريبي في المادة 212 من المدونة.
وتقوم الإدارة بتهييء ملف خاص بالملزم موضوع المراقبة، وفي غالبية الأحوال، فإن الإدارة تتوفر على معلومات معينة عن الملزم ووضعيته الجبائية (نشاطه المهني، مصاريفه، نفقاته...) وذلك عن طريق الوسائل المتوفرة لديها (حق الاطلاع مثلا) وتبحث الإدارة في الأول من عدم وجود إخلالات في المحاسبة قبل البحث في صدق الأرقام المصرح بها.

الفقرة الأولى: إثبات إجراءات الفحص.

ويتعلق الأمر بفحص المحاسبة، أي الفحص الذي تمارسه الإدارة الضريبية في المحلات التي يمارس فيها الملزم نشاطه المهني أي المقر الاجتماعي للشركة، كما يمكن للمفتش نقل الوثائق من مقر الملزم إلى الإدارة وإجراء الفحص عليها شريطة موافقة الملزم على ذلك. وتقوم الإدارة بالتحقق من الآليات المستعملة من طرف المقاولة ومن جميع أصولها، كما تقوم بإجراء فحص شامل للمحاسبة بما فيها فاتورات، سندات الطلبات، الكشوفات البنكية... ويرتبط الفحص بمجموعة من الإجراءات الأساسية تعتبر بمثابة شروط لازمة لصحته وهي شروط تتحمل الإدارة الضريبية عبء إثباتها.
وتبتدئ هذه المسطرة أولا، بالجهة المؤهلة لممارسة الفحص، ثم بتبليغ الإشعار بالفحص كمسطرة قبلية ومحورية لعملية الفحص.
أولا: إثبات الجهة المؤهلة لممارسة الفحص.
إن القانون قد حدد الجهة المختصة بإجراء هذا الفحص في "المأمورين المحلفين التابعين لإدارة الضرائب المتوفرين على الأقل على رتبة مفتش مساعد أو المعتمدين لمراقبة الضرائب".
ويطرح هذا النص بعض الإشكالات في التطبيق وفي الإثبات، أيضا:
- فالنص يتحدث بصيغة الجمع عن المأمورين المحلفين، وهذه الصيغة تحمل على الاعتقاد أن الفحص بالمحلات المهنية يجب أن يقوم به مفتشان اثنان على الأقل، رغم أنه جرت العادة أن يقوم به مفتش واحد.
- اشتراط المشرع أن يتوفر المأمور على الأقل على رتبة مفتش مساعد ومعتمد لمراقبة الضرائب، وهذا الشرط لا يطرح إشكالا لأن جميع العاملين بإدارة الضرائب وخاصة مفتشي الضرائب مصنفين في الرتب التالية: مفتش مساعد، مفتش، مفتش إقليمي، مفتش إقليمي رئيس.
إلا أن الشرط الثاني المتعلق بالمأمور المعتمد للقيام بالمراقبة الجبائية يطرح بعض الإشكال وخاصة فيما إذا كان القصد أن يتوفر هؤلاء على مؤهل علمي وعملي خاص للقيام بالفحص الجبائي، أم فقط يجب أن يكونوا منتمين إلى المصالح الخاصة المكلفة بالتحقيقات، ومتوفرين على بطاقة التكليف بالمأمورية، علما هنا أنه ولحد الآن لا يوجد أي تمييز في هذا الإطار بين العاملين في جميع مصالح مديرية الضرائب.
فكيف يمكن للإدارة إثبات أن المفتش المكلف معتمد للقيام بمأمورية الفحص، في كل الأحوال لم يتردد القضاء في الحكم ببطلان مسطرة لفحص في حالة عدم إدلاء الإدارة بما يثبت أهلية المفتش المحقق.
وهكذا ورد في حكم صادر عن المحكمة الإدارية بالرباط عدد 1375 بتاريخ 7/4/2011 في الملف رقم 1751/07 ما يلي: "عدم إدلاء الإدارة الضريبية بما يفيد ثبوت صفة المفتش في الشخص الذي تولى عملية الفحص والمراقبة على الرغم من تمسك الملزم بهذا المعطى يترتب عنه التصريح ببطلان العملية المذكورة وما ترتب عنها"[16].
وبالتالي يتبين أن على إدارة الضرائب إثبات أن المفتش معتمد للقيام بمأمورية الفحص، وكذلك إثبات توفره على صفة مفتش مساعد على الأقل. وبإمكان المقاولة التأكد قبل ممارسة الفحص من أن الفاحص يتوفر على صفته تلك، عبر التأكد من اسمه ومعلوماته التي في الإشعار، وفي حالة العكس إثارته أمام القضاء مما يترتب عنه بطلان العملية برمتها، ويعتبر إثبات صفة الجهة المؤهلة لممارسة عملية الفحص من الضمانات المهمة المخولة للملزم.
ثانيا: إثبات تبليغ الإشعار بالفحص.
ألزم المشرع الإدارة الضريبية بتوجيه إشعار بالفحص إلى الملزم، وذلك قبل التاريخ المحدد للشروع في عملية الفحص بـ 15 يوما على الأقل، ويتضمن هذا الإشعار لزوما، اسم ورتبة المفتش، ومدة الفحص، ونوعية الضرائب المشمولة بالفحص، وتاريخ بداية عملية الفحص.
وهكذا فالإدارة تكون ملزمة بإثبات أنها بلغت الملزم بإشعار بالفحص بـ 15 يوما وما قبل الشروع فيه متضامنا لكافة البيانات الإلزامية، وأهمية إثبات هذه الواقعة تكمن في أن المشرع اعتبرها من الحالتين اللتين تفضيان إلى سلطات مسطرة التصويب في حالة التزام الإدارة بهذا الأجل.
كما أن القضاء ألزم الإدارة بإعادة مسطرة الإشعار بالفحص في الحالة التي يحدث فيها تغيير في أحد البيانات المتضمنة في الإشعار الأول، كإضافة أحد السنوات المحاسبية ليشملها الفحص، أو إضاعة ضريبة معينة أو كتغيير اسم المفتش المحقق، وقد قضى قرار صادر عن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى: "إنه حتى لو سايرنا مزاعم الإدارة الجبائية فإن تغيير موعد إجراء التفتيش من 7/6/1994 إلى 13/7/1994 يقتضي لزاما توجيه إشعار جديد للشركة المستأنفة بواسطة البريد المضمون مع حتمية التقيد بأجل 15 يوما الفاصلة بين تاريخ التوصل وتاريخ إجراء الفحص"[17].
كما اقر المشرع للخاضعين للضريبة حق الإعلام بالحقوق والواجبات المقررة خلال مسطرة الفحص، لذلك يتعين على الإدارة أن ترفق بالإشعار نسخة من ميثاق الملزم في مجال المراقبة الضريبية تحت طائلة إلغاء مسطرة التصحيح[18].
ويقع على الإدارة عبء إثبات تبليغ الإشعار بالفحص إلى الملزم، ففي قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى بتاريخ 3/1/2003، قضت بما يلي: "حيث إن الآجال الفاصلة بين تاريخ التوصل بالإشعار بإجراء التفتيش وتاريخ حضور المفتش المحقق أمام الشركة المعنية لفحص المستندات يجب ألا يقل عن 15 يوما وإن العبرة في ذلك بتاريخ التوصل بالإشعار ولي بتاريخ الإرسال لما في ذلك من ضمانات لفائدة الملزم ليتمكن من تهييء دفاعه".
وذهبت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى وهي تكرس تلك الضمانة المتعلقة بالإشعار بالفحص والتي من شأنها أن تمكن الملزم من تهييء دفاعه عن مراكزه القانونية إزاء عملية الفحص إلى القول بإلغاء مسطرة فرض الضريبة لإخلال الإدارة بمقتضيات تلك الضمانة، وجاء في قرارها ما يلي: "العبرة بتبليغ الإشعار بالفحص واحترام آجاله وليس بواقعة التوجيه".

الفقرة الثانية: إثبات مدة الفحص.

لقد حدد المشرع في مجال المراقبة الضريبية المدة التي لا ينبغي أن يتجاوزها الفحص، وميز في هذا الإطار بين:
· المنشآت التي يعادل أو يقل مبلغ معاملاتها، المصرح به برسم مجموع السنوات المحاسبية الخاضعة للفحص، عن 50 مليون درهم دون احتساب الضريبة على القيمة المضافة بحيث لا يجب أن تستغرق مدة الفحص أكثر من 6 أشهر.
· المنشآت التي يفوق رقم أعمالها المصرح به، برسم إحدى السنوات المحاسبية الخاصة للفحص، 50 مليون درهم دون احتساب الضريبة على القيمة المضافة بحيث لا يجب أن تتجاوز مدة الفحص 12 شهرا.
هنا يثار إشكال أساسي حول إثبات بداية ونهاية مدة الفحص. ففيما يخص إثبات انطلاق عملية الفحص، فإن المؤكد أن المشرع لم يلزم المفتش المحقق بتحرير محضر بهذه البداية على غرار إلزامه بإشعار الملزم بانتهاء مسطرة الفحص، وإن كان على عمليات الفحص لا يجب أن تبدأ قبل أقل من 15 يوما على تبليغ الملزم بالإشعار بالفحص، وفي غياب النص القانوني، يظهر أنه من المفيد بالنسبة للمفتش المحقق أن يقوم من تلقاء نفسه بتحرير محضر يثبت فيه تاريخ الشروع في عملية الفحص، وهو محضر قد يفيده أيضا في إثبات التزامه بالمدة القانونية الفاصلة بين التوصل بالإشعار بالفحص وبين الشروع في عملية الفحص.
رغم أنه من الناحية العملية غالبا ما يضمن تاريخ الشروع في رسالة انتهاء الفحص، لكن حجيته في هذه الحالة مرهونة بقبول الملزم به.
ويرى بعض الفقه[19]، أنه في حالة عدم وجود ما يثبت تاريخ الشروع في الفحص فإنه يتعين إعمال قرينة بسيطة مفادها أن الشروع في الفحص كان في اليوم 16 لتاريخ تبليغ الإشعار بالفحص، وعلى من له مصلحة سواء الإدارة أو الملزم، إقامة الدليل على خلاف هذه القرينة.
وقد نازع بعض الملزمين أمام القضاء في عدم شروع المفتش في مسطرة الفحص إلا بعد مرور اليوم 16 بأيام، وقد استجاب القضاء لملتمس بطلان مسطرة الفحص في هذه الحالة معتبرا أن الإدارة تنازلت عن حقها في الفحص وأنه كان عليها إعادة مباشرة مسطرة تبليغ الإشعار بالفحص.
من جهة أخرى وبعد انتهاء عملية الفحص، يتعين على المفتش أن يشعر الملزم بتاريخ الانتهاء من الفحص، وذلك وفق قواعد التبليغ الواردة في الماجة 219، لكن يطرح الإشكال التالي، كيف يتم إثبات واقعة انتهاء الفحص؟ هل بتاريخ تحرير الإشعار من طرف المفتش المحقق، أم بتبليغ هذا الإشعار إلى الملزم.
فهناك خلاف بين الإدارة وبعض الملزمين في هذا الشأن، حيث تتمسك الإدارة بالتاريخ الأول لاحتساب أجل انتهاء عملية الفحص، بينما يرى بعض الملزمين أن العبرة تكون بتاريخ تبليغ الإشعار بانتهاء الفحص إليهم.
والواقع أن هذا الإشعار قد يأتي في شكل محضر، فإذا كان موقعا من الطرفين الملزم والمفتش فإنه ينتج كافة الآثار القانونية، منها أنه يكتسب حجية لإثبات واقعة انتهاء عملية الفحص. أما تبليغ نسخة منه إلى الملزم بعد ذلك فهو فقط بهدف تمكينه من حجة على هذه الواقعة. في هذه الحالة تكون الغاية التي أرادها المشرع من إشعار الملزم بواقعة الانتهاء قد تحققت بتوقيع الطرفين على المحضر، وفي هذه الحالة تتحقق الغاية بمجرد تبليغ الملزم بالإشعار وعدم اعتراضه.
ويثور الإشكال بالنسبة للحالة التي لا يكون فيها المحضر موقعا في آن واحد من كلا الطرفين، وخاصة من طرف الملزم، وعند الرجوع إلى الفقرة ما قبل الأخيرة من البند الأول من المادة 212 من المدونة العامة للضرائب، يتبين أن المشرع ألزم المفتش بإشعار الملزم بتاريخ انتهاء عملية الفحص، وتاريخ الانتهاء ليس هو الانتهاء في حد ذاته، فواقعة الانتهاء قد تكون تحققت في وقت سابق، غير أن إشعار الملزم بتاريخها قد يكون في وقت لاحق.
ويرى البعض أن المحضر الذي يعده المفتش، ينتج آثاره من التاريخ الوارد فيه وليس من تاريخ إشعار الملزم به، إذ لو أراد المشرع غير ذلك لأزال كلمة تاريخ واكتفى بعبارة "بانتهاء عملية الفحص".

المبحث الثاني: الإثبات من خلال مساطر حق الاطلاع والمعاينة.

تقوم الإدارة الضريبية بإجراء حق الاطلاع كذلك حق المعاينة، وبما أنها هي الجهة الموكول لها ممارسة هذا الإجراء فهي التي تبحث عن الإثبات من خلال مسطرة ممارسة هذه الإجراءات.
سنتناول الفرع الأول الإثبات في آلية حق الاطلاع، على أن نخصص في الفرع الثاني الإثبات في آلية حق المعاينة.

الفرع الأول: الإثبات في آلية حق الاطلاع.

نصت المدونة العامة للضرائب على المقتضيات الخاصة بممارسة حق الاطلاع من طرف المديرية العامة للضرائب، وذلك في المادة 214، وحق الاطلاع هو حق الإعلام، وهو في نفس الوقت مسطرة للمراقبة مخولة للإدارة الضريبية، تسمح لها بعد الالتزام بمجموعة من الشروط والضوابط، بأن تحاط علما، وإن اقتضى الحال أخذ نسخ من الوثائق الموجودة في حوزة الغير.
فحق الاطلاع لا يمكن أن يمارس إلا اتجاه أشخاص محددين في القانون وبصدد وثائق ومستندات نوعية معينة.

الفقرة الأولى: الإكراهات التي تحول دون مواجهة الملزم بإثباتات حق الاطلاع.

تواجهه ممارسة حق الاطلاع من طرف الإدارة مجموعة من الإكراهات التي تحد من فعاليته، وتفضي إلى عدم إمكانية مواجهة الملزم بالإثباتات المحصل عليها من خلال ممارسة الإدارة لهذا الحق بسبب خرق قاعدة السر المهني، وهذه الإكراهات منها ما هو عام أي الإكراهات العامة، بالإضافة إلى الإكراهات الخاصة.
أولا: الإكراهات العامة.
إن مباشرة الإدارة الضريبية لحق الاطلاع مرهونة بمجموعة من الإكراهات والتي تتعلق إما بـ:
  • الموظف المؤهل الذي ينبغي أن يكون من المأمورين المحلفين الذين لهم على الأقل رتبة مفتش مساعد، كما يجب أن يمارس حق الاطلاع بأماكن المقر الاجتماعي للأشخاص الطبيعيين والمعنويين أو مؤسستهم الرئيسية، أي أنه يجب أن يمارس في المكان الذي يفترض أن توجد فيه الوثائق والمعلومات المطلوبة.
  • الأشخاص الممارس لديهم حق الاطلاع، فهو لا يشمل الخواص العاديين الذين لا يخضعون لأي التزام ضريبي، والفنانين والأجراء والجمعيات والندية غير الخاضعة للضريبة.
  • طبيعة المعلومات المحصل عليها، فممارسة حق الاطلاع يجب أن تأخذ بعين الاعتبار حرمة المعلومات الشخصية التي لا علاقة لها بمداخيل الملزم ونفقاته.
  • هزالة الجزاء القانوني المترتب عن عدم تجاوب الغير مع حق الاطلاع، وهو الجزاء الذي لا يتعدى 300 درهم و500 درهم، وهذا الجزاء جعل هذا الغير لا يقدم المعلومات المطلوبة مفضلا أداء الغرامة والحفاظ على علاقته مع زبنائه، كما هو الشأن مثلا بالنسبة لبعض الممولين وبعض الأبناك، لهذا السبب طالب البعض بضرورة تشديد العقاب إلى إقرار مثلا المسؤولية التضامنية للغير أو اعتباره مساهما أو مشتركا في جريمة التهرب الضريبي.
ثانيا: الإكراهات الخاصة.
وهي التي تتعلق بالمحافظة على السر المهني، بحيث لا يمكن مواجهة الملزم بإثباتات تم الحصول عليها بعد خرق قاعدة السر المهني، وتشكل هذه الإكراهات حجر عثرة أمام الإثباتات المحصل عليها، وغالبا ما يتذرع أصحاب المهن الحرة بهذه القاعدة مما يفوت على الإدارة إثباتات مهمة لصالحها.
فالإدارة الضريبية لا يمكنها الاطلاع لدى الطبيب إلا على المعلومات غير المشمولة بالسر المهني، علما أن الطبيب لا يمسك عادة محاسبة بالشكل المعروف في القانون المحاسبي والجبائي.
فالقانون لم يلزم الطبيب بمسك محررات شخصية من شأنها أن تكشف عن أسرار المرضى أو المتعامل معهم، حيث إن الطبيب يكفيه تسجيل الحصيلة اليومية في آخر كل يوم عمل، ولذلك فإن الدفتر اليومي بالنسبة لهذه المهنة يتضمن فقط بيانات تتعلق بتاريخ ومبلغ الأتعاب المحصل عليها والتي تشكل دخلا خاضعا للتضريب.
إلا أن أهم المعلومات التي قد تمارس الإدارة من أجلها حق الاطلاع لدى الأطباء أو لدى المصحات، تتعلق بطبيعة الخدمة الطبية المنجزة وتكاليفها وأتعابها المختلفة، وطرق الأداء، وقد تحتاج الإدارة أيضا لهذه المعلومات لمواجهة ملزم آخر بها غير الطبيب، من قبيل التأكد من نفقاته المصرح بها، وذلك في الحالة التي يكون فيها هذا الطبيب خاضعا لمسطرة فحص مجموع وضعيته الضريبية.
ونفس الإشكال يثور بالنسبة للمحامين والخبراء المحاسبون والموثقون والعدول، فالإدارة تطلب معلومات متعلقة بالمبالغ المدفوعة من زبون معين، وتاريخها وكذا وسيلة الأداء.
إلا أن هناك إشكال فيما يخص المعلومات المتعلقة بطبيعة الخدمة المقدمة لفائدة الزبون، خصوصا بالنسبة للمحامي، بحيث يعتبر المحامون أن المشرع المغربي أعطاهم حصانة كبيرة، إذ لا يحوز في نظرهم إطلاقا لي شخص أن يطلع على السجلات والوثائق المسلمة باستثناء نقيب المحامين.
وفي الواقع العملي تجد الإدارة صعوبة في الحصول من المحامين على معلومات تهم زبنائه الذين قد يكونوا خاضعين للضريبة، حيث غالبا ما تواجه بالسر المهني، وبالتالي فهي غالبا ما لا تلجأ إلى المحامي لطلب معلومات تهم الغير. إلا أن الأكثر من ذلك هو رفض بعض المحامين لإخضاع حساباته لفحص جبائي بداعي المحافظة على السر المهني ويتذرع المحامون بأن وثائق المحامي المحاسبية موكول فقط إلى نقيب الهيئة وحده دون غيره، ويعتبرون أن حق الاطلاع لم يعط حتى للممثل الأعلى للدولة أمام القضاء وهو الوكيل العام للملك فبالأحرى أن يعطي هذا الحق لمفتش الضريبة.
فالإثباتات المحصل عليها من طرف الإدارة في خرق قاعدة السر المهني تعتبر إثباتات غير مقبولة، لأنه تم الحصول عليها بطريقة غير قانونية، ويدخل في هذا المجال أيضا الإثباتات المحصل عليها عن طريق الخطأ، أو السرقة أو الحيازة غير المشروعة. على الرغم من أن المشرع في المدونة العامة للضرائب، وخلافا لأغلبية التشريعات الضريبية المعاصرة، أجاز للإدارة مواجهة الملزم بالضريبة بالمعلومات المحصل عليها بجميع الوسائل بما فيها الوسائل غير المشروعة، وذلك عندما حث في المادة 214 في فقرتها الأخيرة على أن المديرية العامة للضرائب يمكن لها استعمال المعطيات المحصل عليها بجميع الوسائل بغرض القيام بمهامها في مجال الوعاء والمنازعة ومراقبة وتحصيل الضرائب والواجبات والرسوم.
وفيما يتعلق بالسر المهني فقد قامت المدونة بتحصين المعلومات والمعطيات المتوفرة لديها، وألزمت موظفيها بكتمانه ما لم يكن هناك أمر صادر عن قاضي مختص يجيز تسليم تلك المعلومات، وذلك حسب المادة 246 من المدونة العامة للضرائب والخاصة بالسر المهني.
لكن استثناء من ذلك، فإن الر المهني لفائدة الإدارات والهيئات التالية:
- إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة.
- الخزينة العامة للمملكة.
- مكتب الصرف.
- الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
وذلك بهدف تحقيق مجموعة من الأهداف تتمثل فيما يلي:
  • التأطير وتقوية التعاون فيما يخص تبادل المعلومات بين إدارة الضرائب والهيئات السالفة الذكر.
  • تحسين جودة المعلومات المتبادلة.
  • إنجاز مراقبة متناسقة بين الهيئات السالفة الذكر وذلك في إطار محاربة الغش والتملص في المجالات المتعلقة بالجبايات والجمارك والصرف وتحصيل الديون العمومية والضمان الاجتماعي.
وفي الواقع العملي، فإن هذه الهيئات العمومية هي التي تستفيد من هذا الإجراء، باعتبار أن المديرية العامة للضرائب تمتلك حق الاطلاع منذ مدة طويلة تمكنها من البحث لدى جميع المعلومات والمعطيات التي تحتاجها عن كل أنواع الملزمين بالضريبة، والتي تهدف من خلالها تحقيق نفس الأهداف المذكورة.

الفقرة الثانية: مواجهة الملزمين بالإثباتات المحصل عليها.

من خلال ممارستها لحق الاطلاع، قد تحصل الإدارة على معلومات مفيدة في تحديد المادة الضريبية الخاصة بالملزم، فهي قد تعثر لدى موثق أو لدى عدل على عقد بيع غير مقدم للتسجيل أو غير مصرح به، كما قد تكتشف لدى بنك حسابات تتضمن دخولا غير مصرح بها، أو لدى ممون فاتورات شراء غير واردة في المحاسبة، فتعتزم الإدارة توظيف هذه المعلومات في مواجهة الملزم المعني.
لكن هناك اختلاف حول حجية هذه المعلومات، فالإدارة الضريبية تعتبر أن هذه المعلومات التي في حوزتها معلومات صحيحة ومحصل عليها في إطار ممارستها لحق الاطلاع المخول لها بمقتضى القانون، وبالتالي فهي ترى أن حجية هذه المعلومات حجية قوية، ولا يمكن ربطها بأي شرط.
إلا أن الملزم من جهته يرى أن المعلومات التي يواجه بها مرفوضة طالما أنه لم يقبل بها، ولذلك، فهو يلجأ دائما إلى إنكارها.
أما اللجن الضريبية فهي ترى أن هذه المعلومات تصحيحية طالما أن حصول الإدارة عليها كان في إطار حق الاطلاع، وطالما أنها عرضت على الملزم في إطار مسطرة تواجهية.
غير أن القضاء اعتبر أن الوسائل أو المعلومات المحتج بها من طرف الإدارة الضريبية في مواجهة الملزم هي مجرد قرينة بسيطة قابلة لإثبات العكس من طرفه، وبالتالي فالإدارة ملزمة بدعم هذه المعلومات بوسائل أخرى تؤكد حجيتها.
كما أن القضاء ربط إعمال هذه القرينة في مواجهة الملزم بتوفر 3 شروط أساسية:
أولها: أن يتم عرض المعلومات المحصل عليها على الملزم في إطار مسطرة تواجهية.
ثانيها: الإدلاء بالوثائق المثبتة للمعلومات وعدم الاكتفاء فقط بالتمسك بهذه المعلومات، ويطرح هذا الشرط صعوبة في التطبيق بالنسبة للإدارة التي لا تتوفر في غالب الأحيان إلا على المعلومة. أما الوثيقة المعززة لها فتبقى في حوزة الغير، أو لا يمكن الإدلاء بها بسبب الالتزام بالسر المهني.
ثالثها: أن يعلن الملزم قبوله بهذه المعلومات، طبعا ما يبدو في موقف القضاء في هذا الإطار أن الشرط الأخير، وإن كان يتماشى مع ما يشترطه الملزمون، فإن من شأنه أن يفرغ حق الاطلاع من دوره في الكشف عن حالات التهرب الضريبي وإخفاء المادة الضريبية التي قد تحدث من بعض الملزمين، ولذلك لاستبعاد المعلومات المحصل عليها لا يجب أن يكتفي الملزم الإعلان عن عدم قبوله بهذه المعلومات، بل يجب مثلا أن يطعن الملزم المعني بالزور في الوثائق المتضمنة للمعلومات، إذا كانت وثائق رسمية، كما في إمكان المحكمة أن تقوم بمعاينة لدى الجهة مصدرة أو المسلمة للمعلومات والتأكد من صحة هذه المعلومات من خلال مباشرة مسطرة المعاينة في عين المكان على محاسبتها وسجلاتها.

الفرع الثاني: الإثبات في آلية المعاينة.

تعد مسطرة المعاينة آخر الآليات القانونية التي وضعت رهن إشارة الإدارة الضريبة في مراقبة الملزمين بالضريبة، فقد أتت بهذه الآلية المدونة العامة للضرائب وذلك سنة 2007، وهذه الآلية هي حق الإدارة في إجراء معاينة في المحلات المهنية لخاضعين للضريبة، وقد نصت على هذه الآلية المادة 210 من المدونة العامة للضرائب.

الفقرة الأولى: مبررات المراقبة عن طريق المعاينة

قبل إقرار هذا النوع من المراقبة الجبائية من طرف البرلمان بغرفتيه، والتي وجهت بمجموعة من الانتقادات سواء من طرف الأغلبية أو من طرف المعارضة، كما وجهت بمعارضة من طرف الإتحاد العام لمقاولات بالمغرب، ومن طرف الصحافة أيضا، وكان المبرر دائما هو أن هذه المراقبة ستعطي للإدارة سلطة واسعة ودائما لملاحقة الملزمين، وقد تستغلها بنوع من التحكم والتعسف، إضافة إلى أن طبيعتها المباغتة، لن تعطي الفرصة للملزم لتهيئ وثائقه وحججه، ولهذا السبب طالب هؤلاء بضرورة منح مهلة لا تقل عن 8 أيام بين تاريخ تسليم بالمعاينة وبين تاريخ الشروع في المعاينة. [20]
أما الحكومة فترى أن هذا النوع من المراقبة أقر خصيصا كإجراء من ضمن إجراءات محاربة القطاعات غير المنتظمة، باعتبار أن الهدف منه هو الإطلاع في المحلات المهنية على الفاتورات والدفاتر والسجلات والوثائق المهنية المتعلقة بعمليات نتج عنها أو من المفروض أن ينتج عنها تحرير فواتير. كما أن الهدف يتمثل في القيام بالمعاينة الفعلية للعناصر المجسدة للاستغلال وذلك للكشف عن حالات الإخلال بالالتزامات الواردة في النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل.
ويرى الأستاذ عبد الرحمان أبليلا، أن المراقبة عن طريق المعاينة كانت مقررة في النظام الضريبي المغربي منذ مدة طويلة، وذلك من خلال ما تضمنه القانون المنظم للضريبة المهنية الصادر في 30 دجنبر 1961 من خلال مادته 21 التي تنص على: "إن أعوان الضرائب الحضرية المكلفين بتقدير أساس حقوق ضريبة المهنة يمكنهم في كل فترة من السنة أن يزوروا في الساعات القانونية الأماكن المستعملة لمزاولة تجارة أو صناعة أو مهنة وذلك للقيام بجميع التحريات المفيدة، وأخذ جميع المعلومات الضرورية لتحديد أساس الضريبة".
كما سبق للحكومة أن تقدمت في إطار قانون المالية لسنة 1997/1998 بمقتضيات للمراقبة عن طريق المعاينة شبيهة بما ورد في قانون المالية لسنة 2007، إلا أن إجماع البرلمان آنذاك وقع على حذفها.
ومن المنتظر أن تستغل الإدارة هذه الآلية، بشكل فعال ودائم، ومن المنتظر أيضا أن تلقي بشأنها مقاولة كبيرة من طرف بعض الملزمين الذين يستلون بعض العيوب القانونية التي تشوب مسطرتها.
إلا أنه ولحد الساعة فإن المديرية الجهوية للضرائب بالرباط أكدت على عدم إجرائها لهذا الحق لحد الآن، وذلك لعدم وضوح هذا المقتضى القانوني من جهة، ولعدم وجود مذكرات تفسيرية لهذه الآلية مما يجعلها غير واضحة المعالم.

الفقرة الثانية: إثبات مسطرة حق المعاينة

نص المشرع في المادة 210 من المدونة العامة للضرائب وهي المادة الوحيدة في المدونة التي تنظم حق المعاينة، على مجموعة من الشروط والضوابط الأساسية التي يتعين على الإدارة الضريبية الالتزام بها أثناء القيام بمعاينة، هذه الضوابط يقع عبء إثباتها على الإدارة الضريبية.
ويمارس حق المعاينة من طرف مأمورين محلفين معتمدين للقيام بمراقبة الضرائب والمتوفرين على الأقل على رتبة مفتش مساعد، لكن المشرع لم ينص على عدد هؤلاء وإن كان يفهم أنه يجب أن لا يقلوا عن اثنين، وفي الغالب الظن فإن المشرع يريد من هذا المقتضى إعطاء نوع من المصداقية لهذه العملية، كما يريد أن يحميها من كل محاولة للتلاعب بنتائج المعاينة، ولهذا السبب لم يجز أن يقوم بالمعاينة مأمور واحد.
ويقع على الإدارة عبء إثبات قيام مأمورية معتمدين للقيام بالمعاينة، ومرتين في رتبة مفتش مساعد على ألأقل، وبما إمكان الخاضع للضريبة الممارسة لديه المعاينة إثارة ذلك في حالة ممارسة المعاينة من طرف مفتش واحد، وذلك بطبيعة الحال سيؤدي إلى بطلان عملية المعاينة برمتها حتى وإن اكتشفت بعد ذلك مخالفات في المعاينة.
ونص المشرع كذلك على أن حق المعاينة يمارس بعد تسليم إشعار بذلك إلى الخاضع للضريبة لإخباره بهذا ألأمر، ويتضمن هذا الإشعار الأسماء الشخصية والعائلية للمأمورين المكلفين بإنجاز المعاينة.
ويقع على الإدارة الضريبية عبء إثبات تسليم الإشعار بالمعاينة، هذا الإشعار يسلم إلى الشخص نفسه أو مستخدميه أو كل شخص آخر يشتغل مع الخاضع للضريبة، ولا يمكن مباشرة مسطرة بدون سليم الإشعار إلى الأشخاص المخول لهم قانونا تسلمه.
وعلى عكس آليات الرقابة الأخرى، والتي تعطي للخاضع للضريبة مهلة لتهيئ نفسه ووثائقه مسبقا، فإن حق المعاينة يتميز بالمباغتة، فهو يمارس فور تسلم الإشعار بالمعاينة، وهذا ما يجعل من ممارسته صعبة خصوصا أن كثيرا من الملزمين سيتذرعون بالطبيعة المفاجئة لهذا الحق، وبأنهم لم تترك لهم الفرصة لتهيئ وثائقهم. وبذلك يفضلون التعرض للعقوبات الناتجة عن الامتناع ممارسة هذا الحق عن السماح للمفتش بالقيام به، خصوصا وإن كانت حجم المخالفات والإعفاءات المرتكبة منهم جسيمة كعدم مسك الدفاتر المحاسبية مثلا. 
وألزم المشرع الإدارة بضرورة تضمين الإشعار للأسماء الشخصية والعائلية للمأمورين المكلفين بإجراء المعاينة، وهذا يشكل ضمانة مهمة للخاضع للضريبة، حتى يتأكد من صفة المأمورين ورتبهم في سلم الإدارات لإدارة الضرائب، وهل توفر فيهم صفة مفتش مساعد على ألأقل.
وفي حالة رفض الخاضع للضريبة، أو من يمثله استلام الإشعار بالمعاينة أو التوقيع على تسلمه، وجب الإشارة إلى ذلك في الوصل، ويقع إثبات هذا الإجراء من طرف الإدارة وذلك تطبيقا للقاعدة المهمة في الإثبات وهي أن من كلفه المشرع بإجراء معين يقع عليه عبء ثبات ذلك ألإجراء.
ويمارس حق المعاينة في جميع محلات الخاضع للضريبة المخصصة لغرض مهني داخل ساعات مزاولة النشاط المهني، والمشرع استثنى المحلات الخاصة كتلك المخصصة لسكنى، كما استثنى المحلات أو المكاتب التي قد تمسك الوثائق المحاسبية أو توضع، وخاصة مكاتب الاستشارة الجبائية أو مكاتب المحاسبة.
ومتع المشرع مأموري إدارة الضرائب بحق طلب الحصول على نسخ للوثائق التي عاينوها شريطة أن تكون مرتبطة بالعمليات التي نتج عنها أو من المفروض أن ينتج عنها تحرير فاتورات.
وتحدد مدة المعاينة في 8 أيام كحد أقصى لا يمكن تجاوزه، ومن أجل إثبات هذه المدة يتعين عند نهاية عملية المعاينة تحرير محضر أو إشعار بنهاية هذه العملية يوقعه الطرفان وتسلم نسخة منه إلى الخاضع للضريبة.
ويعد محضر نهاية لمعاينة دليل إثبات على عدم تجاوز المدة التي حددها المشرع كأجل أقصى، وهي مدة 8 أيام. ويحرر محضر بالاخلالات الملاحظة في عين المكان خلال 30 يوما الموالية لانصرام مدة 8 أيام المحددة لإجراء المعاينة، وتسلم نسخة من الحضر للخاضع للضريبة الذي له حق الإدلاء بملاحظاته داخل أجل 8 أيام الموالية لتاريخ تسلم المحضر.
وتستعمل البيانات الواردة في محضر المعاينة كإثبات ضد الملزم عند ممارسة الإدارة لفحص المحاسبة، وبالتالي فمحضر المعاينة هو دليل يواجه به الملزم عند ممارسة حق فحص المحاسبة، فالإدارة يمكنها مواجهة الملزم بالبيانات الواردة في محضر المعاينة أثناء إخضاعه لمراقبة ضريبية، مع العلم أنه أثناء هذه المراقبة تتاح للملزم من خلال المسطرة التواجهية الحق مرة أخرى في تقديم ملاحظات حول ما جاء في محضر المعاينة.
------------------------------
هوامش:
[1] - مينة بنحميدة، الإثبات الجبائي في عمل المحاكم الإدارية، مقال منشور بمجلة Remald، عدد 120، سلسلة دراسات 2015، ص 183.
[2] - عبد الرحمان أبليلا، الإثبات في المادة الجبائية بين القواعد العامة وخصوصيات المادة، 2013، ص 319.
[3]- عبد الرحمان أبليلا، المرجع السابق، ص 328.
[4]- عبد الرحمان أبليلة، المرجع السابق، ص 344.
[5] - عبد الرحمان أبليلة، ص 349.
[6] - عبد الرحمان أبليلة، ص 352.
[7] - عبد الرحمان أبليلة، ص 352.
[8] - عبد الرحمان أبليلة، ص 354.
[9] - عبد الرحمان أبليلا، م.س، ص 355
[10] - المرجع السابق، ص 355
[11] - عبد الرحمان أبليلا
[12] - عبد الرحمان أبليلة، ص 368.
[13] -Jbali Brahim: la comptabilité: un moyen de preuve en matière fiscale, Mémoire DES en science économiques, Université Hassan II, casa, 1995, p 186.
أورده عبد الرحمان أبليلة، ص 369.
[14] - عبد الرحمان أبليلة، المرجع السابق، ص 375.
[15] - عبد الرحمان أبليلة، المرجع السابق، ص 385.
[16] - عبد الرحمان أبليلة، المرجع السابق، ص 133.
[17] - قرار أورده عبد الرحمان أبليلة، م، س، ص 133.
[18] - سارة الحميد، الإثبات في المساطر الجبائية، رسالة لنيل الماستر في القانون الخاص، جامعة القاضي عياض، 2010/2011، ص 51.
[19] - عبد الرحمان أبليلا.
[20] - عبد الرحمان أبليلا، المرجع السابق، ص 273.

إرسال تعليق

0 تعليقات