Header ADS

اخر الأخبار

الإثبات بالوسائل الالكترونية

بحث بعنوان: الإثبات بالوسائل الالكترونية في القانون المغربي PDF

بحث بعنوان: الإثبات بالوسائل الالكترونية في القانون المغربي PDF

مقدمة:
یعیش عالمنا الیوم ما بات یعرف بثورة المعلومات التي نشأت نتیجة اجتماع تقنیتین ھامتین وھما: تقنیة الاتصالات وتقنیة المعلومات، فتقنیة الاتصالات أزالت الحدود الجغرافیة بین الدول وساعدت في تحویل العالم إلى قریة وربطت بین الشعوب المختلفة ،فبات التواصل بین تلك الشعوب سھلا ومتیسرا رغم بعد المسافات الجغرافیة، أما تقنیة المعلومات فبرزت أساسا بعد اختراع وتطویر الحاسب الآلي الذي خول للإنسان قدرات ھائلة على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتھا بسرعة خیالیة.
وقد أدت ھذه الثورة إلى إنشاء بیئة افتراضیة تضاھي الواقع الملموس في عدة مجالات، حیث أصبحت قادرة على استیعاب جل الأنشطة الاقتصادیة والاجتماعیة وممارستھا عن بعد، خاصة أمام رغبة الجمیع أشخاصا وإدارات وشركات في الاستفادة من خدمات التكنولوجیا الحدیثة واستثمار ما توفره من إمكانیات ھائلة، فالأفراد وجدوا أن بإمكانھم إبرام مختلف العقود التي یحتاجونھا في حیاتھم الیومیة بشكل الكتروني، أما الإدارة فقد وجدت في الوسائل الحدیثة فرصة سانحة لتطبیق الإدارة الالكترونیة التي تتیح للإدارة تقدیم خدماتھا للمواطنین بشكل سریع وتكلفة اقل، ومن دون أن یضطروا للحضور بشكل شخصي للإدارة، في حین أن الشركات وجدت في الوسائل التكنولوجیة آلیات فعالة لترویج سلعھا وخدماتھا على الصعید العالمي، والوصول إلى أسواق جدیدة بعیدا عن العراقیل الجمركیة وبأقل التكالیف.
وھو ما كان له عدة أثار إیجابیة تمثلت أساسا في إمكانیة إبرام عقود الكترونیة بین الفاعلین الاقتصادیین المختلفین، ناھیك عن المساھمة في ازدھار التجارة الالكترونیة وتعدد مجالاتھا ومیادینھا، وكسر الارتباط الوقتي بالعمل الرسمي حیث بات بالإمكان الحصول على الخدمات في كل وقت وحین، كما لم یعد لعنصر المكان نفس ذلك الاعتبار الھام الذي كان یتمتع به سابقا، بفضل ما وفرته الوسائل التكنولوجیة الحدیثة من مزایا تمثلت أساسا في تقلیص حجم النفقات وتحقیق أرباح اكبر واستثمار الوقت عن طریق استغلال ما توصل إلیه العلم من وسائل الحفظ والاسترجاع.
لكن إلى جانب تلك المزایا فقد طرح إشكال یتعلق بمدى حجیة تلك الوسائل الالكترونیة عندما یرغب الأطراف في التمسك بھا، ذلك أن عدم الأخذ بالوسائل الالكترونیة في الإثبات من شأنه أن یحرم الأطراف المتعاقدة من امتلاك الأدلة التي تثبت تصرفاتھم التعاقدیة، كما ستدخلھم في متاھات البحث عن أدلة تقلیدیة یقبلھا المشرع مما یضیع علیھم الوقت والمال، فكیف نتصور سندا افتراضیا لا یتوفر على أي كیان مادي ،لیكون حجة على قیام معاملة مادیة ملموسة على ارض الواقع، بل قد تكون ھذه المعاملة بدورھا افتراضیة تبرم وتنفذ وینتھي أمرھا على شبكة الانترنیت دون أن تترك أي أثر مادي، وھو ما أثار العدید من الإشكالیات التي لم تكن موجودة بظل القواعد التقلیدیة للإثبات التي تتجسد أساسا بالمستند الورقي الحامل للتوقیع الیدوي.
فمن الصعب التسلیم بالمستندات الالكترونیة كأدلة مساویة للمحررات الورقیة التقلیدیة في قوتھا الثبوتیة على النحو الذي قرره المشرع، حیث أن المیزة التي یتمتع بھا تدوین مستندات على الوسیط الالكتروني وسھولة تعدیلھا دون أن تترك أي أثر علیھا تنقلب إلى عقبة حینما یرغب أطراف التصرف القانوني في الاستعانة بالوسائل الالكترونیة في إثبات واقعة قانونیة معینة، قد تتعلق بنصوص العقد وبنوده، وقد تھم تحدید تاریخ إبرام العقد.
بالإضافة إلى ذلك طرح إشكال أخر یتعلق بحصر وسائل الإثبات فالفصل 401 من ق.ل.ع ینص على أنه: "لا یلزم لإثبات الالتزامات أي شكل خاص إلا في الأحوال التي یقرر القانون فیھا شكلا معینا"، والإشكال الذي طرحته ھذه المادة ھو ھل المشرع فتح المجال أمام جمیع وسائل الإثبات في إطار إعمال مبدآ حریة الإثبات أم أن المقصود بھذا الفصل ھو إثبات الالتزام بجمیع الوسائل التي حددھا المشرع في المادة 404 من ق ل ع.
لذلك فقد بات من الواضح أن المصلحة العامة تقتضي ضرورة انسجام النصوص القانونیة مع الوسائل التكنولوجیة بدلا من التمسك بالمفاھیم التقلیدیة للإثبات التي صیغت أساسا في ظل بیئة لم تكن تعرف ھاته التقنیات الحدیثة، وكان من الطبیعي أن تطرح مجموعة من المشكلات التقنیة والقانونیة التي تتعلق بعدم ملائمة العناصر التقلیدیة للدلیل الكتابي مع طبیعة التصرفات التي تتم عبر الوسائط الالكترونیة.
ومن الأسباب التي حثت على ھذا التعدیل أیضا نجد درجة الوثوق التقني والاجتماعي في وسائل الاتصال الحدیثة، التي وصلت إلى حد كاف یجعل بإمكان الإرادات المعبر عنها عن طریق الوسائل الالكترونیة، ترتب التزامات وحقوق لا ینقصھا إلا الاعتراف القانوني، وبالتالي لم یعد بإمكان القانون أن یسقط "الشرعیة الاجتماعیة" عن الوسائل التكنولوجیة الحدیثة، وبات من الضروري أن یعطي ثقته للمعاملات الرقمیة بسن وإدماج مقتضیات قانونیة جدیدة تعترف بالقیمة القانونیة للوسائل الالكترونیة وتضفي علیھا حجیة في إثبات التصرفات والوقائع القانونیة،5 خاصة بعد أن أصبحت غالبیة الالتزامات و المعاملات والعقود تتم بالوسائل الالكترونیة، تبعا لما توفره الانترنیت كوسیلة سھلة وفعالة ومتوافرة للعموم، تتیح الحصول على المعلومات وحفظھا وتبادلھا، من دون أن تعترضھا الحدود الجغرافیة، كما تستخدم في ترویج السلع والخدمات وتبادل العروض وإبرام الاتفاقات والعقود.
تعریف الإثبات:
• الإثبات لغة: تأكید أمر/ حق معین بالدلیل والحجة، أو إقامة الدلیل على حقیقة أمر مشكوك فیه، یقال ثبّت الّشّيء أي جعله راسًخًا مستقرا، وعرفه حق المعرفة وأكده بالبنیات.
وفي القانون نجد الفقیه السنھوري قد عرف الإثبات بكونه: " إقامة الدلیل أمام القضاء بالطرق التي حددھا القانون على وجود واقعة قانونیة ترتبت علیھا أثارھا،" كما عرفھ ذ/مرقس بقوله : " الإثبات ھو إقامة الدلیل على حقیقة أمر مدعى به نظرا لما یترتب علیه من أثار قانونیة."
ھكذا نرى بان التعریف القانوني للإثبات واضح حیث یقصد به إقامة الدلیل أمام القضاء بالطرق التي یجیزھا القانون لتأكید حق متنازع فیه، تترتب عنه أثار معینة ،فالإثبات في جوھره ھو إقناع المحكمة بادعاء أو أخر من جانب ھذا الخصم أو ذاك.
تعریف وسائل الإثبات الإلكترونیة:
لم یعط المشرع المغربي تعریفا محددا للوسائل الالكترونیة المعتد بھا في الإثبات بشكل نستطیع من خلاله فھمھا بشكل واضح ودقیق ،أما بالنسبة للفقه فالملاحظ أنه لم یستقر على تعریف محدد لھا، فقد عرفھا البعض بأنھا "الدلیل المأخوذ من أجھزة الكمبیوتر ویكون في شكل مجالات أو نبضات مغناطیسیة أو كھربائیة یمكن تجمیعھا وتحلیلھا باستخدام برامج وتطبیقات وتكنولوجیا خاصة، وھو مكون رقمي لتقدیم معلومات في أشكال متنوعة كالنصوص المكتوبة أو الصور أو الأصوات أو الأشكال."
وعرفھا آخرون بكونھا: "أي معلومات سواء كانت من صنع الإنسان أو تم استخلاصھا من الحاسوب بشكل یمكن قراءته أو تفسیره من أشخاص لدیھم مھارات في إعادة تشكیل المعلومات بمساعدة من برامج الكمبیوتر،"10 كما عرفته المنظمة العالمیة لدلیل الكمبیوتر بأنه: " المعلومات ذات القیمة المحتملة والمخزنة أو المنقولة في صورة رقمیة، والتي یمكن الاعتماد علیھا أمام المحكمة."
وتبعا لكل تلك التعریفات یمكننا القول بأن الوسائل الالكترونیة ھي أدلة ذات طبیعة تقنیة خاصة لأنھا تعیش وتتكون في بیئة رقمیة مرتبطة بالحاسوب وشبكات الانترنیت المتصلة به، وھي أدلة متنوعة تشمل كافة أشكال وأنواع البیانات الإلكترونیة الممكن تداولھا الكترونیا من نصوص أو صور أو سمعیات أو بصریات أو مرئیات، كما أنھا أدلة متطورة یصعب إن لم نقل یستحیل حصرھا لأن العالم الإلكتروني في تطور مستمر وبالتالي نشھد بین كل فترة وأخرى ظھور أشكال جدیدة من الوسائل الإلكترونیة التي یمكن الاعتداد بھا كأدلة للإثبات.
وعلى العموم فان الوسائل الالكترونیة المعتمد علیھا في مجال الإثبات یمكن تقسیمھا إلى ثلاثة أنواع ھي المخرجات الورقیة: وھي المقروءة على الورق وتستخرج عن طریق آلة الطابعة، أو عبر الراسم، والمخرجات الإلكترونیة: وھي عبارة عن أشرطة أو أقراص مغناطیسیة أو ضوئیة أو لیزریة، ومخرجات معالجة البیانات المعروضة على شاشة الحاسب الآلي: وھي المقروءة مباشرة من على شاشة الحاسب الآلي.

التطور التاریخي للموضوع
ظلت وسائل الإثبات التقلیدیة مسیطرة على قناعات القاضي لمدة طویلة، ومعلوم أن الإثبات ھو نظام قانوني لا یقبل من طرقه ووسائله إلا تلك التي حددھا المشرع، وقد اعتبر القانون بأن بعض ھذه الوسائل یتمتع بقوة ثبوتیة كاملة لإثبات جمیع التصرفات القانونیة والوقائع المادیة، مثل الكتابة التي احتلت من بین الأدلة القانونیة منزلة متقدمة وتحدیدا في المسائل المدنیة والتصرفات العقدیة، ففي النظام اللاتیني تمثل الكتابة أقوى الأدلة، في حین بقي للشھادة منزلة متقدمة في النظام الانجلو أمریكي مع اتجاه إلى إعلاء شأن الكتابة والتضییق من شأن الشھادة ،وبالنسبة للنظام القانوني المغربي فإن وسائل الإثبات التي یقررھا القانون ھي إقرار الخصم والحجة الكتابیة وشھادة الشھود والقرینة إضافة إلى الیمین والنكول عنھا "الفصل 404 من ق ل."
لكن بدخول العالم في مجال تكنولوجیا المعلومات، وفي خضم الثورة الرقمیة والصحوة المعلوماتیة التي یعرفھا العالم الیوم، حیث تكنولوجیا المعلومات أصبحت تشكل الجھاز العصبي للمجتمعات الحدیثة بفعل قیام ثورة علمیة عالمیة في مجال نقل المعلومات وتبادلھا عبر الأنظمة الالكترونیة وأھمھا الانترنیت، تغیر مفھوم الإثبات تبعا لإمكانیة إنشاء الحقوق والالتزامات بطرق إلكترونیة، والاستغناء في غالبیة الأحیان عن الكتابة الورقیة، وسارعت العدید من التشریعات المقارنة إلى ملائمة قوانینھا مع التطورات التكنولوجیة الحدیثة، والاستفادة منھا في میدان الإثبات لضمان حمایة اكبر لحقوق الأفراد.
جدیر بالذكر أن رجال القانون لم یعترفوا في البدایة بھاته الوسائل الحدیثة في المعاملات كوسائل للإثبات، وكان الاعتقاد السائد ھو أن تكون الوثیقة في شكل ورق ملموس لا غیر، لذلك تمسكت مختلف التشریعات بتفوق الوثیقة الورقیة وتأسست الأنظمة القانونیة في مادة الإثبات على ھذا المبدأ الذي ظل یحكم المعاملات على امتداد فترات تاریخیة معینة، لكن ھذا الاعتقاد لم یصمد طویلا أمام التقدم العلمي الذي أظھر أن الوثائق الالكترونیة تضمن درجة عالیة من الدقة والوضوح، تفوق الكتابة الورقیة التي تكون عادة عرضة للتدلیس بأیسر الطرق، وبالتالي دفع ھذا التقدم العلمي التشریعات الدولیة وكذا الوطنیة إلى خلق بیئة قانونیة مناسبة، خاصة بعد أن أصبحت القوانین المنظمة للإثبات قاصرة على تنظیم مسائل الإثبات في المعاملات الإلكترونیة أمام تنامي الدور الذي بدأت تلعبه الوسائل الحدیثة للاتصال في مجال المعاملات المدنیة والتجاریة وظھور وسائل إثبات جدیدة افرزھا التطور التكنولوجي الحالي.
وقد كانت المبادرة من طرف لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي سنة 1985 عندما طلبت من الدول الأعضاء والمنظمات الدولیة إعادة صیاغة الجوانب القانونیة الخاصة بالتسجیلات الالكترونیة والمعلوماتیة لغایة استعمال الوسائل الالكترونیة في الإثبات، ثم أصدرت لجنة القانون التجاري الدولي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة قانون الأنسترال النموذجي للتجارة الالكترونیة، تلاه القانون النموذجي للتوقیع الالكتروني، وضمن ھذا التوجه سارت العدید من التشریعات في أوربا وأمریكا وشرق أسیا.
أما بالنسبة للمغرب فقد تم وضع خطة عمل أطلق علیھا إستراتیجیة المغرب الالكتروني، والتي من ضمن عناصرھا إصدار قانون رقم 53-05 المتعلق بالتبادل الالكتروني للمعطیات القانونیة، حیث اقتضت صیاغته اعتماد مقاربة قانونیة تقوم على تعدیل وتتمیم بعض النصوص المتعلقة بق ل ع، وكانت أھم المقتضیات التي نص علیھا تضمنھ القاعدة العامة التي تكون بموجبھا الوثیقة المكتوبة والوثیقة الالكترونیة على قدم المساواة من حیث قوة الإثبات ما لم یتعلق الأمر بمنع استخدام ھذه الأخیرة في انجاز التصرفات التي یحددھا القانون على سبیل الحصر، فطبقا لمقتضیات الفصل 417-1 من ق.ل.ع: "تتمتع الوثیقة المحررة على دعامة إلكترونیة بنفس قوة الإثبات التي تتمتع بھا الوثیقة المحررة على الورق،" كما تم اقتراح إضافة مجموعة من المواد الجدیدة لق ل ع مع إدخال تعدیلات على فصول أخرى تتعلق بالحجة الكتابیة، إضافة إلى سن قواعد جدیدة تتعلق بالتوقیع الالكتروني والتشفیر ومقدمي خدمات المصادقة الالكترونیة.
ھكذا یمكن أن نقول بأنه بصدور قانون 05-53 تحقق التطابق بین الأمان التقني والأمان القانوني، إذ بات ھناك إطار تشریعي یوفر الأمن ویعطي الثقة للمعاملات التيتتم بطریقة الكترونیة، إذ تمت إعادة تحدید مفھوم الدلیل الكتابي، ولم یعد للدعامة الورقیة دور مؤثر، حیث أصبح بالإمكان أن تكون الدعامة لا مادیة أي دعامة إلكترونیة، وبات الدلیل المكتوب ینتج أیضا حسب الفصل 417 من ق ل ع عن أي إشارات أو رموز أخرى ذات دلالة واضحة كیفما كانت دعامتھا وطریقة إرسالھا ،مما یعني أن الكتابة الالكترونیة تقبل في الإثبات بنفس قیمة الكتابة على الورق، شریطة أن تبرز بوضوح الشخص الصادرة عنه وأن یكون إعدادھا وحفظھا قد تم بشروط تضمن تمامھا وكلیتھا.

أھمیة الموضوع:
تتحدد أھمیة ھذه الدراسة من خلال عدة جوانب یمكن إجمالھا فیما یلي:
أھمیة نظریة: باعتبار المكانة المرموقة التي یحتلھا عنصر الإثبات في كافة العلاقات والمعاملات الشخصیة والمدنیة والتجاریة فھو الوسیلة الأساسیة للحصول على الحقوق وإلزام الآخرین بالواجبات، فمن الناحیة العملیة لیس للحق أیة قیمة عندما یعجز صاحبه عن إثباته، إذ أن إثبات الفعل المولد للحق ھو الذي یعطي ھذا الحق فعالیته كاملة، ویتجرد الحق من قیمته إذا لم یقم الدلیل على وجوده أو على الحادث أو الفعل المولد له، سواء كان ھذا الحادث أو الفعل قانونیا أو مادیا.
فالإثبات یلعب دورا حاسما في تكوین قناعة القاضي، وفي تحقیق العدالة حیث انه یرتبط بشكل وثیق بالقاعدة التي بمقتضاھا انه لا یجوز للإفراد اقتضاء حقوقھم بأنفسھم كما كان علیه الوضع بالمجتمعات البدائیة، فمادام أن ھناك قوانین قد وضعت أساسا لضمان حقوق الأفراد فعلھم بالضرورة إتباع تلك القوانین لاقتضاء حقوقھم أمام القضاء، وبالتالي یتعین علیھم توفیر الحجج والأدلة الكافیة لإقامة الدلیل على الحق المتنازع حوله.14 مادام أن الحق المجرد من أدلة إثباته ھو والعدم سواء، فالقاضي لا یمكن له الوصول إلى الحقیقة من بین ما یقدم له من ادعاءات متعارضة، إلا بواسطة الأدلة والحجج التي یدعم بھا كل طرف موقفه، فبواسطة ھذه الحجج ومن خلال المقارنة فیھا بینھا یتم التمییز بین الصحیح والمزیف، ویصدر تبعا لذلك حكما عادلا.
أھمیة اقتصادیة: تبرز في كون التكنولوجیا الحدیثة ھي أداة ضروریة لتحقیق التنمیة الاجتماعیة والاقتصادیة المنشودة، فتقدم أي مجتمع یقاس الیوم بما وصل إلیه أفراده من كفاءة في المجال المعلوماتي، كما أن نجاح الأوراش الاقتصادیة الكبرى التي قرر المغرب فتحھا رھین بمدى توفق المشرع في وضع ترسانة تشریعیة مواكبة وحاضنة للتطورات التكنولوجیة، ذلك أن وجود قصور تشریعي عاجز عن استیعاب التطورات الحدیثة یؤثر بشكل سلبي على جلب رؤوس الأموال الداخلیة والأجنبیة التي ترغب في الاستثمار في بیئة قانونية ملائمة ومتقدمة، ویؤدي إلى إحجام الشركات الأجنبیة عن الاستثمار بالمغرب لعدم وضوح المعالجة القانونیة للضمانات التي یوفرھا المشرع للمتعاقد الالكتروني والحلول التي یقترحھا بخصوص مشاكل التعاقد الالكتروني، والتي باتت مختلف تلك الشركات تعتمد علیه، في حین أن الإثبات الالكتروني من شأنه أن یساھم في ازدیاد الثقة في المعاملات الإلكترونیة، مما سیشجع المستثمرین الراغبین في الاستثمار في عالم التجارة الالكترونیة على إنشاء مقاولاتھم وشركاتھم، كما سیشجع المواطنین على التعامل مع تلك الشركات بفضل الأمان القانوني الذي یوفره لھم القانون.
الأھمیة العملیة: تتجلى في أن ھذا البحث سیوضح كیف أن الإثبات بالوسائل الإلكترونیة سوف یعمل على تعزیز أمال القضاء والعدالة، في الوصول إلى درجة علیا من الدقة و السرعة، وذلك بفضل التطور التقني وما یمنحه من إمكانیة الكشف عن حقائق عدة، بفضل دقة الأجھزة الحدیثة والوسائل العلمیة المختلفة، كما سیحاول الوقوف على أھم الصعوبات التي تحول دون الأخذ بالوسائل الإلكترونیة حجیة للإثبات عبر إبراز مكامن الخلل الموجودة في التشریع المغربي، ومحاولة إعطاء حلول لھا عن طرق الاستعانة بالتجارب المقارنة الناجحة.

دوافع اختیار الموضوع:
إن اختیاري لموضوع الإثبات بالوسائل الالكترونیة یعود لمجموعة من الدوافع التي تتراوح بین ما ھو ذاتي وما ھو موضوعي، و یمكن إیجازھا فیما یلي:
دوافع ذاتیة: تكمن في رغبتي في البحث في ھذا الموضوع لكوني مؤمنة بأن الوسائل الالكترونیة في الإثبات أصبحت تفرض نفسھا بقوة خاصة في ظل التطورات التكنولوجیة و الاجتماعیة المتسارعة، إضافة إلى رغبتي في وضع بصمة شخصیة على ھذا الموضوع، فوجود بحوث سابقة تتناول موضوع الحجیة القانونیة للمحررات الالكترونیة وكذا التوقیع الالكتروني طرح أمامي تحدي ھام یتمثل في البحت عن إطار متمیز یتم فیه تناول الموضوع بشكل یختلف عن باقي الأبحاث التي تناولته، حیث سأحاول أن ابتعد عن الدراسة النظریة المحضة واعزز البحث بالاجتھادات القضائیة المختلفة، التي تبرز بشكل أوضح مدى تقبل المجتمع للوسائل الالكترونیة.

صعوبات البحث:
من المعلوم أن أي بحث علمي تواجھه صعوبات ویمكن إجمال الصعوبات التي تعترض ھذا البحث فیما یلي:
الصعوبات المرتبط ة بطبیعة للموضوع: والتي تفرض على الباحث أن یكون متوفرا على إلمام كاف بالجوانب التقنیة للحاسوب والشبكة العنكبوتیة، حتى تكون ھناك إحاطة قانونیة شاملة بالموضوع.
حداثة قانون 53.05: إذ أنه من القوانین التي لم تجد لحد الآن –رغم مرور قرابة 10سنوات على صدوره- الأرضیة التي یطبق علیھا، ویرجع ذلك لأسباب متعددة منھا انتشار الجھل، وتخوف المجتمع من الوسائل الالكترونیة، وأسباب أخرى سنحاول إبرازھا أثناء البحث.
ندرة العمل القضائي: فمازالت المحاكم المغربیة تعتمد الوسائل التقلیدیة في الإثبات بشكل رئیسي، وقلما نجد قرارا یتم من خلاله الأخذ بوسیلة الكترونیة في الإثبات.

إشكالیة البحث:
تتحدد الإشكالیة الرئیسة لموضوع البحث فیما یلي:
إلى أي حد استطاع المشرع المغربي عن طریق مختلف النصوص القانونیة التي تناولت موضوع المعاملات الالكترونیة أن یضع مقاربة قانونیة لتفعیل وسائل الإثبات الالكترونیة في الواقع العملي والقضائي؟
وھذه الإشكالیة المحوریة تتفرع عنھا إشكالیات ثانویة تتمثل في ما یلي:
كیف ھیأ المشرع المحرر الالكتروني؟
وما ھي ضمانات اعتماده في ظل البنى التحتیة التقنیة للمغرب؟
وما ھي الشروط التي یتعین توفرھا في الوسائل الالكترونیة حتى یتم الاعتماد علیھا كدلیل وحجة أمام القضاء؟
وما مدى صحة القول بتكافئ وتساوي المستندات الورقیة والالكترونیة خاصة أمام اختلاف طابعھما، إذ انه لا یمكن قراءة المستند الالكتروني إلا إذا طبع على الورق أو عرض على الشاشة؟
وإذا كان المشرع المغربي قد سوى بین المحررات الورقیة والالكترونیة في خطوة جریئة تحسب له، فما ھو العمل في حال تضارب وتنازع المحرر الورقي والالكتروني؟
وكیف سیتم التعامل في حالة تضارب محررین الكترونیین؟
ما ھي الصعوبات التي تحول دون الأخذ بالوسائل الالكترونیة في الإثبات؟
وكیف یمكن تجاوزھا؟

منھجیة البحث:
سوف أعتمد في معالجة ودراسة الموضوع على منھجین أساسیین ھما:
المنھج التحلیلي والمنھج المقارن، حیث سأعتمد على المنھج الأول في تحلیل موقف المشرع المغربي من الإثبات القانوني، ودراسة مختلف المقتضیات التشریعیة المتعلقة بالإثبات الإلكتروني.
أما المنھج المقارن فسوف اعتمد علیه في دراسة أراء الفقھاء القانونیین حول الإشكالیات التي یثیرھا الموضوع، وكذا تبیان التوجھات التي تبنتھا التشریعات المقارنة كالتشریع الفرنسي والمصري لبیان أوجه الاختلاف والتوافق بین مختلف ھذه التشریعات وبین التشریع المغربي وبحث أسباب تبنیھم لموقف معین على حساب أخر.

خطة البحث:
من أجل الإجابة على الإشكالیات المختلفة التي یطرحھا الموضوع سأعتمد على التقسیم التالي:

الفصل الأول: موقع الوسائل الإلكترونیة ضمن منظومة الإثبات
المبحث الأول: الإثبات بالكتابة الإلكترونیة
المطلب الأول: ماھیة الكتابة الالكترونیة
الفقرة الأولى: مفھوم الكتابة الالكترونیة
الفقرة الثانیة: الشروط المتطلبة في الكتابة الالكترونیة
المطلب الثاني: حجیة الكتابة الإلكترونیة.
الفقرة الأولى: المساواة القانونیة بین المستند الورقي والالكتروني
الفقرة الثانیة: المقتضیات القانونیة التي تحول دون منح الحجیة المطلقة للدلیل الالكتروني
المبحث الثاني: حجیة التوقیع الإلكتروني في الإثبات
المطلب الأول: ماھیة التوقیع الإلكتروني
الفقرة الأول: مفھوم التوقیع الالكتروني
الفقرة الثانیة: صور التوقیع الإلكتروني
المطلب الثاني: حجیة التوقیع الإلكتروني
الفقرة الأولى: شروط اكتساب التوقیع الالكتروني للحجیة
الفقرة الثانیة: الاعتراف القانوني بالتوقیع الالكتروني
الفصل الثاني: الإثبات الالكتروني على ضوء العمل القضائي
المبحث الأول: دور القاضي في تطویع وسائل الإثبات وفقا لمقتضیات العصر
المطلب الأول: السلطة التقدیریة للقاضي في الأخذ بالأدلة الحدیثة
الفقرة الأول: مراقبة القضاء لشروط الأخذ بالدلیل الالكتروني
الفقرة الثانیة: الرقابة القضائیة على تقدیر الأدلة الإلكترونیة
المطلب الثاني: خصوصیة تسییر الإثبات في النزاعات المرتبطة بالدلیل الإلكتروني
الفقرة الأولى: توزیع عبء الإثبات في النزاعات المتعلقة بالدلیل الإلكتروني
الفقرة الثانیة: الدور المحوري للخبرة في النزاعات المتعلقة بالدلیل الإلكتروني
المبحث الثاني: ندرة الاجتھادات القضائیة في مجال الإثبات الإلكتروني
المطلب الأول: تقیید صلاحیات القاضي المدني في الإثبات
الفقرة الأولى: طغیان مبدأ الإثبات المقید في المجال المدني
الفقرة الثانیة: مبدأ حیاد القاضي المدني
المطلب الثاني: قلة المنازعات المثارة بشأن المعاملات الالكترونیة


إرسال تعليق

0 تعليقات