Header ADS

اخر الأخبار

عيب الشكل في القرار الإداري

عرض بعنوان: عيب الشكل في القرار الإداري PDF

عيب الشكل pdf

مقدمة
تعمد السلطة الإدارية للقيام بنشاطها إلى استخدام أنواع مختلفة من الوسائل ، أهمها القرارات والعقود الإدارية ، وتعد القرارات الإدارية من أهم مظاهر امتيازات السلطة العامة التي تتمتع بها الســلطة الإدارية التي تستمدها من القانون العام ، وهي وسيلتها المفضلة فـي القيام بوظائفهـا وأنشطتها المختلفة؛ نظراً لانفرادها باتخاذها، دون حاجة إلى الحصول على رضــا أو موافقة ذوي الشأن.
ولكي يعتد بالقرار الإداري و يرتب كل آثاره القانونية يجب أن تتوفر فيه مجموعة من القواعد الإجرائية و الشكلية. حيث لا يكفي لمشروعية القرار الإداري أن يلتزم رجل الإدارة حدود اختصاصه ، وإنما يجب أن يصدره وفقا للشكليات و الإجراءات التي حددها المشرع ،لأن تلك الشكليات لا بد أن تكون بمقتضى القوانين و الأنظمة تحقيقا للمصلحة العامة[1].و بالتالي يعد ركن الشكل ركنا جوهريا في القرار الإداري، فإذا تخلف نكون أمام عيب من عيوب عدم المشروعية وهو عيب الشكل.ويقصد به بصفة عامة مخالفة الإدارة للقواعد والإجراءات الشكلية الواجبة الإتباع في إصدار القرارات الإدارية طبقا للقوانين المختلفة.[2]
كما يعد سبب من أسباب أوجه إلغاء القرار الإداري، وذلك حسب المادة 20 من قانون إحداث المحاكم الإدارية 41.90.
ولم يظهر الشكل إلا بعد تطور تدريجي و طويل كركن من أركان القرار الإداري، فكان الاختصاص هو الركن الوحيد المميز للقرار، ففي فرنسا فقد قامت دعوى الإلغاء أولا على وجه واحد وهو عيب عدم الاختصاص ، ذلك أن قانون 13 أكتوبر سنة 1790 الذي إتخد الاختصاص أساسا لقضاء الإلغاء لا يتحدث إلا عن طلبات عدم الاختصاص، و بعد وقت قصير ظهر الوجه الثاني من أوجه الإلغاء وهو عيب الشكل ومن تم أصبح من شروط سلامة القرار الإداري أن يتم وفق شكل معين ومراعاة الشكل للقواعد شكلية منها ما يرتبط بالشكل الخارجي للقرار أو تلك المرتبطة بدخول القرار مجال الإلزامية.[3]
و تبقى لقواعد الشكل أهمية كبرى في مجال القرارات الإدارية باعتبارها تهدف إلى حماية المصلحة العامة و الخاصة على حد سواء. وهو ما يطرح إشكالية جوهرية تتمحور حول ما هي أهم القواعد و الإجراءات الشكلية المتعلقة بالقرار الإداري ؟ و ما هي الآثار المترتبة على مخالفتها؟
للإجابة على هذه التساؤلات فإننا ارتأينا أن نعتمد التصميم التالي :

المبحث الأول : القواعد الشكلية و الإجراءات المتعلقة بالقرار الإداري
المطلب الأول: القواعد الشكلية للقرار الإداري
الفقرة الأولى : الشكليات المتعلقة بالمظهر الخارجي
الفقرة الثانية: شكلية التعليل في القرار الإداري
المطلب الثاني : الإجراءات الشكلية المتعلقة بالقرار الإداري
الفقرة الأولى: استشارة للجان
الفقرة الثانية : حق الدفاع
المبحث الثاني: الآثار المترتبة على مخالفة الشكل
المطلب الأول:الشكليات التي تؤثر في مشروعية القرار الإداري
الفقرة الأولى: معايير التمييز بين الشكليات الجوهرية و الثانوية
الفقرة الثانية : الشكليات الجوهرية التي تؤثر في مشروعية القرار الإداري
المطلب الثاني :عدم ثاتير صحة القرار الإداري بتخلف الشكل
الفقرة الأولى :الأشكال الثانوية والأشكال المقررة لصالح الإدارة
الفقرة الثانية : الظروف الاستثنائية واستحالة إتمام الشكل


المبحث الأول : القواعد الشكلية و الإجراءات المتعلقة بالقرار الإداري.

المقصود بشكل القرار هو المعنى الواسع الذي يشمل المظهر الخارجي للقرار الإداري ، و يشمل أيضا الإجراءات التي يجب أن يتبعها القرار قبل صدوره ، و بناء على ذلك فإن عيب الشكل في القرار يعني صدور القرار الإداري دون مراعاة الإدارة للشكليات أو الإجراءات التي نص عليها القانون ، سواء أن الإدارة تجاهلت تماما تلك الشكليات(المطلب الأول) أو الإجراءات(المطلب الثاني) أو أنها نفذتها بطريقة ناقصة غير مكتملة .[4]

المطلب الأول : القواعد الشكلية للقرار الإداري

لكي يكون القرار الإداري سليما لا بد فيه من استكمال الشكليات المتطلبة لإصداره سواء تعلق الأمر بالقواعد الشكلية المرتبطة بالمظهر الخارجي(الفقرة الأولى) ،و الشكليات المتعلقة بتعليل القرار الإداري(الفقرة الثانية) .

الفقرة الأولى: الشكليات المتعلقة بالمظهر الخارجي للقرار الإداري

هناك قواعد تعبر عن المظهر الخارجي للقرار، ويتعلق الأمر بمجموعة من الشكليات :
و يقصد بالشكل المظهر الخارجي الذي يتخذه القرار والمسطرة التي تتبع في إعداده,و إذا كان الأصل هو أن الإدارة ليست ملزمة بإصدار قراراتها وفق شكل أو مسطرة معينة,فإن المشرع قد يفرض أحيانا صدور القرار في شكل محدد أو وفق مسطرة معينة,ومن تم فإغفال الشكل المحدد يجعل القرار معيبا و يبرر الطعن فيه بالإلغاء بسبب تجاوز السلطة. و الكتابة هي الشكل الصريح المعتمد عادة من طرف الإدارة كما يعتبر شكل القرار متطلبا إذا أوجب القانون نشر القرار الإداري في الجريدة الرسمية.
وتظهر أهمية الكتابة في القرار الإداري في كونها تسمح للمعني بالقرار بالإطلاع على مضمون القرار مباشرة . وهذا ما أكد عليه الفصل 355 من قانون المسطرة المدنية في فقرته الثالتة.[5]
و للإدارة أن تعبر عن إرادتها في شكل قرارات ضمنية غير صريحة تنتج عن سكوتها خلال أجل معين كما جاء في الفصل 360 من قانون المسطرة المدنية. و قد قضى المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) في قرار له بتاريخ19/02/1960 بما يلي: "إن طلبات الإلغاء بسبب الشطط في استعمال السلطة لا توجه ضد مقررات السلطات الإدارية الصادرة بصفة صريحة فحسب,بل أيضا ضد الرفض الضمني لكل طلب على شرط أن يثبت أربابها عرضها على الإدارة و سكوت هذه الأخيرة عنها".[6]
وكقاعدة عامة تبقى للإدارة الحرية في اختيار الشكل المناسب للقرار الإداري ولا يمكن للقضاء أن يفرض على الإدارة كتابة قرارها الشفوي ما عدا إذا نص القانون على خلاف ذلك.
وهذا ما أكدته المحكمة الإدارية بالرباط "إذا نص القانون صراحة على ضرورة إصدار بعض القرارات الإدارية بشكل معين بالذات فإن الإدارة في هذه الحالة تنتفي سلطتها التقديرية في اختيار الشكل وتصير ملزمة باتباع الشكل الذي حدده القانون دون غيره من الأشكال وفي حالة العكس فإن قرارها يصبح قابلا للإلغاء لمخالفة الشكل القانوني الواجب احترامه[7].
إلا أن القرارات التنظيمية تتطلب الشكل الكتابي بحيث تخضع لإلزامية النشر , بالإضافة إلى المراسيم التي تتطلب الشكل الكتابي بفعل حملها التوقيع بالعطف على عكس القرارات الفردية التي لا تتطلب إلزامية الكتابة بحيث يمكن أن تأخذ الشكل الشفوي.
- التاريخ : و تكمن فاعليته في التأكد من صحة الوقائع المادية للقرار الإداري وضبط النطاق الزمني المشروع لاختصاص السلطة الإدارية.
كما تجدر الإشارة إلى أنه في غياب المقتضيات التشريعية المتعلقة بشكلية التاريخ. فإن القاضي الإداري بالنظر إلى فاعليتها، تمكن من مراقبة مدى احترام السلطة الإدارية لهذه الشكلية,كما يعد التاريخ وسيلة لتحديد الاختصاص الزمني و كقاعدة عامة فإن صاحب الاختصاص يجب أن يمارس اختصاصه خلال المدة الزمنية التي يثبت له فيها هذا الاختصاص طبقا للقانون, و إلا اتسم القرار الإداري بعيب عدم الاختصاص الزمني.[8]
بالإضافة لكون شكلية التاريخ تكمن أساسا في التأكد من صحة الوقائع المادية للقرار الإداري و ضبط النطاق الزمني المشروع لاختصاص السلطة الإدارية , و كذا التأكد من مشروعية سريان و نفاذ القرار الإداري باعتبار أن نفاذ هذا الأخير يبدأ من تاريخ الإصدار.
- توقيع القرار : يعد التوقيع من البيانات الأساسية التي تدخل في تكوين الشكل المكتوب للقرار الإداري محددة المظهر الخارجي له. و يتم التوقيع بعد آخر سطر في نص الوثيقة من طرف صاحب السلطة و يعد حجر الزاوية في حجية الوثيقة الإدارية و بواسطته تضفى عليها الصفة الرسمية.
و يعرفه الأستاذ "هوستيو" على أنه: " الإسم العائلي للسلطة الإدارية مكتوب بخط اليد في أسفل القرار يهدف إلى تحديد هوية مصدره وغياب التوقيع يترتب عليه غياب القرار الإداري في مضمونه الشكلي و الموضوعي".[9]
كما نص ظهير 1976 المتعلق بالتنظيم الجماعي :" يحرر محضر للجلسات و يضمن في سجل يرقمه و يؤشر عليه الرئيس و كاتب المجلس و يوقع الرئيس و الكاتب على المقررات "[10]
- التأشيرة : يقوم القرار الإداري على مجموعة من الأسانيد تكون أركانه التي يقوم عليها, و يشار إلى هذه الأسانيد في ديباجة القرار, كالإشارة إلى النص الذي منح مصدر القرار الإختصاص في إصداره أو النص الذي يفوضه في هذا الاختصاص , كما قد تتم الإشارة إلى النص أو النصوص التي تحكم موضوع القرار, و الوقائع التي يستند إليها.[11]

الفقرة الثانية : شكلية التعليل في القرار الإداري

- يقصد بالتعليل أو التسبيب ذكر الأسباب التي أدت إلى اتخاذ القرار الإداري و يعتبر صورة من صور الشكل، و يجدر التمييز بين السبب و التسبيب ,و حيث أن السبب يعتبر ركنا من أركان القرار الإداري فهو الحالة الواقعية أو القانونية التي تسبق صدور القرار باعتباره أساس القرار الإداري و قد تم الخلط بينهما حينما اعتبرت وزارة العدل بأن عدم التعليل هو عيب السبب.[12]
و يعتبر التعليل الوجوبي من النظام العام بحيث يمكن للمحكمة أن تثيره من تلقاء نفسها, وهو مقرر لصالح الإدارة حتى لا تتسرع في اتخاذ قراراتها كما هو مقرر لصالح الأفراد.
فالإدارة إذا كانت غير ملزمة بتعليل قراراتها,إلا أن سائر القرارات يجب أن يكون لها سبب.فتعليل القرار كإجراء شكلي لا يتطلب دائما,ولكن قيام القرارات على سبب يبرره حقا كركن من أركان انعقاده يجب أن يتوفر دائما,فالقرار الإداري سواء أكان تعليله لازما كإجراء شكلي أو لم يكن ,فإنه في جميع الأحوال يجب أن يقوم على سبب يبرره.[13]
والقاعدة العامة أن الإدارة غير ملزمة بتعليل قراراتها إلا إذا وجد نص قانوني يوجب عليها ذلك، و لقد ذهب المجلس الأعلى في هذه الإتجاه بالاستناد إلى أحد أحكامه بتاريخ 2 مارس 1987 حيث قضى ما يلي :'' إن الإدارة غير ملزمة بتعليل قرارها ما عدا في الأحوال التي ينص فيها القانون صراحة على وجوب تعليلها ، و يكفي أن تبين أسباب قرارها في مذكرة جوابها عن عريضة طلب الإلغاء''[14]
إلا أنه بعد صدور القانون01-03 أصبح التعليل إلزاميا حيث نص في المادة الأولى منه :'' تلتزم إدارات الدولة و الجماعات المحلية و هيآتها و المؤسسات العمومية و المصالح التي عهد إليها بتسيير مرفق عام بتعليل قراراتها الإدارية الفردية السلبية الصادرة لغير مصلحة المعني...و ذلك بالإفصاح كتابة في صلب هذه القرارات عن الأسباب القانونية و الواقعية الداعية إلى اتخاذها''
وإذا كان القانون قد ألزم الإدارة بتعليل قراراتها تحت طائلة عدم المشروعية فهو لم يبين بنفس القانون شروط صحة التعليل وقد تولى الاجتهاد القضائي تحديد هاته الشروط إذ يشترط في التعليل الصحيح أن يكون مكتوبا في صلب القرار الإداري وأن يكون مبرزا للاعتبارات الواقعية والقانونية التي كانت وراء إصداره وكافيا غير ناقص ولا غامض ولا مجمل وأن يكون الواقع في القرار الإداري محددا في الزمان والمكان وثابتا وأن تكون تلك الوقائع مطابقة للقانون في القرار الإداري . وحتى إذا كان التعليل مستوف لشروط صحته المتطلبة فقها وقضاء كان له دور فعال في ضمان الحقوق والحريات وكانت له فاعليته في مواجهة الأفراد والإدارة والرقابة القضائية خصوصا في مجال مراقبة أسباب القرار الإداري والانحراف في استعمال السلطة .[15]
و قد أوجب القانون 01-03 في مادته الثانية تعليل القرارات الإدارية التي تندرج ضمن
الحالات الواردة بها وقد جاء تعداده على سبيل الحصر لا المثال فيما يخص التعليل الوجوبي للقرارات الإدارية التالية :
- القرارات المرتبطة بمجال ممارسة الحريات العامة أو التي تكتسي طابع إجراء ضبطي .
– القرارات الإدارية القاضية بإنزال عقوبة إدارية أو تأديبية .
– القرارات الإدارية التي تفيد تسليم رخصة أو شهادة أو أي وثيقة أخرى بشروط أو تفرض أعباء غير منصوص عليها في القوانين والأنظمة الجاري بها العمل .
- القرارات القاضية بسحب أو إلغاء قرار منشئ لحقوق .
- القرارات الإدارية التي تستند إلى تقادم أو فوات أجل أو سقوط حق .
– القرارات التي ترفض منح امتياز يعتبر حقا للأشخاص الذين تتوافر فيهم الشروط القانونية .
إن هذا التعليل الحصري للقرارات الإدارية يعتبر مجرد استثناء وارد على المبدأ العام الذي يقضي بعدم إلزام الإدارة بتعليل قراراتها إلا بنص قانوني صريح .
وإذا كان المشرع قد ألزم بتعليل قراراتها الواردة حصرا في المادة الثانية من القانون 03-01 فقد أورد على ذلك استثناءات وهي :
القرارات الإدارية التي يقتضي الأمن الداخلي والخارجي عدم تعليلها .
القرارات الإدارية الفردية التي تتخدها الإدارة في حالة الضرورة أو الظروف الاستثنائية .
كما أن القرارات الإدارية الفردية التي تتخذها الإدارة في حالة الضرورة أو الظروف الاستثنائية و التي يتعذر تعليلها لا تكون مشوبة بعدم الشرعية بسبب عدم تعليلها وقت اتخاذها, غير أنه يحق للمعني بالأمرتقديم طلب إلى الجهة المصدرة للقرارات داخل أجل 30 يوما من تاريخ التبليغ لاطلاعه على الأسباب الداعية إلى اتخاذ القرار الإداري السلبي الصادر لغير فائدته.[16]
وإذا كانت الإدارة غير ملزمة بتتعليل القرارات الإدارية التي يقتضي الأمن الداخلي والخارجي للدولة عدم تعليلها فإن ذلك لا يعفيها من مراقبة القضاء الإداري ، ومن إعطاء جميع التوضيحات خلال المسطرة القضائية ويبقى للقاضي الإداري صلاحية مراقبة مدى مادية وصحة ارتباط عدم التعليل بالأمن الداخلي والخارجي للدولة شكلا ومضمونا .

المطلب الثاني: الإجراءات الشكلية المتعلقة بالقرار الإداري.

غالبا ما يستلزم إصدار بعض القرارات الإدارية بعض الخطوات التمهيدية وفق ما أورده القانون أو أحد مبادئه العامة والتي استقر القضاء على تطبيقها، بحيث ينتج عن عدم انتهاج الإدارة لتلك الإجراءات في إصدار القرار بطلانه سواء في كل تلك الإجراءات أو في جزء منها، لأنها تدخل ضمن ما هو شكلي .ولعل من أبرزها استشارة اللجان (الفقرة الأولى) وحق الدفاع (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: استشارة اللجان

لقد اختلف الفقه في تعريف الاستشارة، فذهب البعض إلى القول بأن الاستشارة "تعبير عن رأي جماعي يستند إلى وقائع قانونية".
وذهب رأي أخر إلى تعريف الاستشارة بأنها" تعبير عن رأي شخصي أو آراء مجموعة من الأشخاص حول مسألة معينة تكون موضوع الاستشارة دون أن يكون لهذا الرأي أثر على سلطة اتخاذ القرار".
وتجدر الإشارة إلى أنه كثيرا ما يفرض المشرع على الإدارة طلب الرأي الاستشاري فيما تزمع اتخاذه من تصرفات إدارية انفرادية بصفة عامة،وتتبلور أهمية الرأي الاستشاري أساسا في ضمان عنصر الحيدة من جانب السلطة الإدارية وتوفير قدر من الحماية و الضمان للمتعاملين أو العاملين فيها والمعنيين بقراراتها.[17]
ويفرق الفقه بين صور ثلاث للآراء الاستشارية الممهدة لإصدار الإدارة لقراراتها المختلفة، بحيث يختلف مضمون كل منها عن الآخر فضلا عن تباين قوة و درجة الإلزام فيها.[18]
أولا: الآراء الاستشارية الاختيارية[19]
عرف الرأي الاختياري بأنه الرأي الذي لا تلتزم الإدارة صاحبة الاختصاص التقديري بطلبه أو إتباعه إن طلبته، فهي تملك سلطة تقديرية في أن تطلبه أو لا تطلبه، و إن قررت أن تطلبه فهي تتمتع حيال مضمونه بذات القدر من التقدير في أن تطرحه جانبا أو تعدله أو تتبناه كليا أو جزئيا.
تتصف الآراء الاستشارية الاختيارية بسمة مميزة ألا وهي أنها من قبيل الإجراءات التمهيدية غير المترتبة للبطلان عند إغفال الإدارة لها، وإنها هي التي تبادر تلقائيا إلى طلبها وفقا لإرادتها دون أن يفرض ذلك عليها نص في القانون أو مبدأ عام، ونسوق في ما يلي بيانا مختصرا لخصائصها:
إغفال الإشارة في القرار إلى ما سبق اتخاذه من طلبات ممهدة للحصول على الرأي الاختياري بشأنه سواء بصورة كاملة أو جزئية، أو حتى الخطأ فيها أمر ليس من شأنه ترتيب البطلان للقرار الإداري وفقا للقضاء و الفقه السائدين.
كذلك فإن إغفال الإدارة أن تذكر في قرارها الصادر عنها ما انتهى إليه رأي الجهة التي قامت بالإدلاء بالرأي، أو ما تم من مناقشات و محاضر للمداولات بصدده أمر لا يترتب عليه عدم مشروعية القرار أو بطلانه.
ولقد كرس القضاء الإداري مبدأ عاما يحكم الرأي الاختياري بصورة مطلقة دون استثناء يذكر عليه، ويتمثل هذا المبدأ في أن الرأي الاختياري هو فقط يمثل إجراءا من الإجراءات المتعلقة بمراحل إصدار القرار الإداري.[20]
ثانيا: الآراء الاستشارية الملزمة
يعد الرأي الإلزامي مرحلة أكثر تقدما في آثاره عن الرأي الاختياري، إذ لا يعد الرأي إلزاميا إلا إذا استوجبه المشرع بنص. فالرأي الاختياري قد تطلبه الإدارة من تلقاء نفسها دون سند من القانون. أما الرأي الإلزامي، فهو مفروض على الإدارة بنص قانوني، وبالتالي انعدم تقديرها بصدد مسألة طلب الرأي، فهي لا تملك أن تقرر دون استفاء طلب الرأي، وإلا كان قرارها معيبا و جديرا بالإلغاء.
فالمستقر عليه أنه إذا اشترط القانون أخد رأي لجنة معينة قبل إصدار قرار معين، فإن هذا الإجراء يعتبر جوهريا، حتى ولو كان رأي هذه اللجنة استشاريا و غير ملزم لمن ينعقد له الاختصاص بإصداره، لأن المسألة هنا لا تتعلق بمدى لزوم رأي اللجنة بقدر ما ترتبط في عقيدة القضاء بضمانة حرص المشرع على النص عليها، فالإلزام لا ينصب على رأي اللجنة من حيث الأخذ به ، وإنما في ضرورة معرفة هذا الرأي لكي يكون مصدر القرار على بصيرة به.
فإذا فرض المشرع على الجهة متخذة القرار استشارة فرد أو هيئة معنية قبل إصداره، يكون القرار مشوبا بعيب الشكل متى صدر دون العرض على الجهة أو الفرد الذي حدده المشرع[21].
وعلى هذا النحو، قضت المادة 3 من القانون رقم 99-06 المتعلق بقانون الأسعار وحرية المنافسة " يجوز للوزير الأول(الرئيس الحكومة) أن يتخذ على اثر الرأي الصادر من مجلس المنافسة قرارا ... يأمر فيه المنشآت داخل أجل معين اتخاذ إجراءات محددة.[22]
فالرأي الإلزامي إذن هو الرأي الذي تكون فيه السلطة الإدارية ملزمة بطلبه في شأن ما تنوي اتخاذه من قرارات بحيث إذا لم تطلب الرأي أمكن الطعن فيه بالإلغاء ولن يتردد القضاء في إبطال مفعوله.غير أن الإدارة تظل كما في الرأي الاختياري حرة في تبني ما أسفر عنه الرأي،وعلى هذا النحو كانت الغالبية العظمى من القرارات.[23]
ثالثا: الآراء الاستشارية المطابقة
يتضمن هذا النوع من الآراء إلزاما مزدوجا للسلطة الإدارية، فهي ملزمة بطلبه وبعد أن تحصل عليه بالنتيجة التي أسفر عنها بحيث لا يسوغ لها إصدار القرار في اتجاه يعاكس ما انتهى إليه الرأي، وإلا تقرر بطلان هذا القرار،[24] ويحتل الرأي الاستشاري المطابق، المكانة الأسمى بالنسبة للرأيين السابقين (الرأي الاختياري و الرأي الإلزامي)، وترجع هذه المكانة العالية إلى قوة ما ينتجه في أرض الواقع من آثار قانونية على مضمون القرار المزمع إصداره من الجهة الإدارية المختصة، تصل درجة الإلزام للإدارة بإتباع ما أسفرت عنه الآراء المطابقة من نتائج وما انتهت إليه بشأن مدى إمكانية إصدار القرار من عدمه، أو صدوره على نحو دون آخر، أو ما يتعلق بمضمونه أو شكله، تصل إلى حد اعتبار تجاهل الإدارة لتلك الآراء مساويا تماما لتخلف أحد الأركان الأساسية للقرار الإداري،مما يؤدي إلى بطلانه.[25]
ولقد أقر غالبية الفقه و القضاء احتفاظ الرأي المطابق بمكانة متميزة من حيث درجة الإلزام، لا يحظى بها غيره من الآراء الاختيارية أو الإلزامية.
وترجع هذه المكانة المتميزة إلى قوة ما ينتجه من آثار قانونية على مضمون القرار المراد إصداره، ولتحديد هذه الآثار القانونية ، و يذهب بعض الفقه العام، وكذا القضاء الإداري إلى اعتبار الرأي الاستشاري مجرد إجراء تحضيري وتمهيدي في مسطرة إعداد بعض القرارات الإدارية التي يشترط القانون في صحة إصدارها التماس الاستشارة، وذلك بالنظر إلى خلوه من الأثر الضبطي، أي أنه لا يخلق حقوقا ولا يرتب التزامات، وبالنظر كذلك إلى أنه يرتبط بالقرار الإداري، ولا ينفرد بكيان مستقل.
فالأعمال الإدارية التي تسبق اتخاذ القرار تندرج ضمن الأعمال التحضيرية التي تستثنى من الطعن بالإلغاء بسبب تجاوز السلطة.[26]
فإن للرأي الاستشاري مكانة متميزة داخل المسطرة الإدارية غير التنازعية، يجعل القرار الذي تتخذه السلطة المختصة ذو طبيعة متميزة اعتبارا أنه يلطف من الصبغة الانفرادية التي تقترن عموما بالقرار الإداري، وقد يتدرج هذا التلطيف إلى حد المشاركة في القرار إذا كان من النوع المطابق.
وعليه فلا نرى في القرار الإداري الذي يتخذ بعد طلب الرأي الإستشاري الإلزامي و المطابق قرارا انفراديا كاملا الانفرادية، وإنما هو قرار ذو طبيعة متميزة تجعله قرارا مشتركا.

الفقرة الثانية :إجراء حق الدفاع

لقد أكد القضاء المغربي أن شرعية القرارات الإدارية تكون رهينة بتقيد الإدارة بتمكين المعنيين بها من تقديم ملاحظاتهم ومواجهة ما نسب إليهم من أفعال
يقصد بقاعدة حق الدفاع أو المسطرة التواجهية تمتع المتعاملين مع اﻹدارة بكافة ومختلف أوجه العلم المسبق بقراراتها اﻹدارية الموجهة إليهم، وتعني هذه القاعدة أنه ﻻيجوز اتخاذ بعض القرارات الإدارية الفردية إﻻبعد تمكين اﻷفراد من تقديم ملاحظاتهم.[27]
وإذا كانت قاعدة حق الدفاع تستهدف تمكين المخاطب بالقرار من إبداء وجهة نظره، فإنها لا تعني الحق في نقض الإجراءات، كما أنها لا تعني حتما حضور المعني فعلا أمام الإدارة لإبداء ملاحظاته ، و إنما تتم عن طريق المراسلة أي الكتابة.
وتختلف وتتنوع النماذج التطبيقية لقاعدة حق الدفاع بعدد القرارات اﻹدارية، و بتنوع واختلاف الظروف والملابسات المحيطة باتخاذ كل طائفة منها، ذلك أن تمت مجموعة من القرارات اﻹدارية الصادرة بصورة تلقائية عن اﻹدارة ، تقابلها تماما مجموعة أخرى من القرارات الصادرة بناءا على طلب أو تحريك لها بواسطة المعنيين من إصدارها أو المقصودين بها ومن ثم فمن الطبيعي أن يختلف نطاق التطبيق العملي للقاعدة بصدد المجموعتين ، وكذلك اختلاف الصيغة المتبعة في إصدار القرار (الكتابة أم الشفهية).
غير أن هذه الاختلافات النسبية السابقة بين النماذج التطبيقية للقاعدة لم تمنع من اتفاقها حول حد أدنى من السمات المشتركة لها، المتمثلة في وجوب منع صدور أي قرار إداري دون علم أو إخطار لصاحب الشأن به من ناحية ، فضلا عن العلم بمعطياته وأسبابه ونتائجه فيما بين هذا اﻷخير وبين الجهة اﻹدارية المختصة بإصداره بصورة مسبق من ناحية أخرى. [28]وتطبيقا لذلك نجد من بين أهم اﻹجراءات الشائعة:
1الاخطار المسبق
ويعني هذا الالتزام ضرورة أن تحيط الإدارة المعني بالقرار علما بما تنوي اتخاذه في مواجهته قبل حدوثه، بقصد تدارك الموقف و تصحيح وضعه، و هو في هذه الحالة يكون بمثابة إنذار بغية إنزال الجزاء به.
ويستند الالتزام اﻹداري بهذا الإجراء إلى النصوص التشريعية الصريحة المقررة له، وأحياناً بواسطة اﻷحكام القضائية، و ﻻيشترط المشرع أو القضاء الإداري شكلا معينا للإخطار، و إنما يكفي إخطار صاحب الشأن بأي وسيلة تمكنه من العلم بطريقة ﻻلبس فيها بأهداف اﻹدارة و المطاعن الموجهة ضده، علما أنه في حاﻻت عديدة يتم تطبيق قاعدة إخطار المسبق من خلال نماذج عديدة منها: الخطابات الموصى عليها المصحوبة بالعلم اليقيني ويمكن أن يتخذ اﻹخطار شكل برقية تلغرافية أو مكالمة هاتفية إذا كان ممكنا، ولكن غالبا ما يتخذ اﻹخطار شكل رسالة مكتوبة موجهة من اﻹدارة إلى المعني به[29]
2 التمكين من اﻹطلاع على الوثائق اﻹدارية
إذا ما أخطرت اﻹدارة المعني، فإن النتيجة المترتبة على ذلك أنه يتعين عليه المبادرة للإطلاع على المطاعن الموجهة ضده .ويمكن أن يتحقق بصورة مكتوبة كما يمكن أن يتم بصورة شفوية، ويجب على اﻹدارة في هذه الحالة تمكين المعني من اﻹطلاع على الملف كاملا.
ومنه فإن إطلاع المعني بالقرار على الوثائق، يعتبر من اﻹجراءات اﻷساسية المخولة في نطاق قاعدة حق الدفاع ، وغيابها ﻻيمكن أن يبرر إﻻ بصورة استثنائية مثل كون المعني باﻹجراء وضع في موضع كي يقدم فيه دفاعه ولم يمثل على الرغم من أنه أنذر ولم يدل بعذر مقبول.
وعموما فإن حق الدفاع يعد ضمانة تطبقها الإدارة حتى في حالة عدم وجود نص لأنها من مبدأ العامة لقانون وإخلال بها يعرض القرار للإلغاء لعدم مشروعيته.

المبحث الثاني: الآثار المترتبة على مخالفة الشكل

يعتبر عيب الشكل هو مخالفة المساطر والإجراءات والقواعد الشكلية التي يجب على الإدارة إتباعها في إصدار قرار الإداري، و هناك شكليات ثانوية و شكليات جوهرية ويجب معرفة معايير التمييز بينهما لأن في حالة الإخلال بالشكليات الجوهرية تؤثر في مشروعية القرار الإداري(المطلب الأول) بخلاف الأشكال الثانوية التي لا تؤثر في القرار الإداري بتخلفها (المطلب الثاني) .
المطلب الأول: الشكليات التي تؤثر في مشروعية القرار الإداري
إن بوجود معايير التمييز بين مختلف الشكليات في القرار الإداري (الفقرة الأولى ) تؤدي لتحديد أهم الشكليات الجوهرية التي بغيابها تؤثر في مشروعية القرار الإداري (الفقرة الثانية ).

الفقرة الأولى : معايير تمييز الشكليات الجوهرية و الثانوية

و تتمثل معايير التمييز بين الشكليات الجوهرية و الثانوية للقرار الإداري في :
1) نص القانون : أي إذا وصف القانون صراحة بأن تخلف شكلية يؤدي إلى عدم قبول القرار أو إذا رتب البطلان كجزاء على مخالفة الشكل أو الإجراء، منه تعتبر هاته الشكلية أو الإجراء هي جوهرية و ليست ثانوية .
2) مضمون القرار : أي إذا تخلفت شكلية في القرار أدت إلى تغيير في مضمونه فهي شكلية جوهرية
3) إذا كانت الشكلية مقررة لصالح الإدارة فهي ثانوية لكن إذا كانت مقررة لفائدة الفرد فهي جوهرية
إذا كان الإجراء أو الشكل جوهريا في ذاته أو بطبيعته و هو ما يتحقق في الحالات التالية:
أ-إذا كان من شأن الشكل التأثير على مسلك الإدارة .
ب-إذا كان من شأن الشكل التأثير على ضمانات الأفراد تجاه الإدارة.
و من ثم يمكننا القول بأن الشكل في القرار الإداري يكون ثانويا متى لم ينص القانون على ضرورة إتباعه و لم يقرر البطلان جزاء إعفال ذلك ،إضافة إلى عدم تعلق الشكل بضمانة مقررة لمصلحة الأفراد أي لم يكن من شأن تخلفه تفويت المصلحة التي عني القانون بتأمينها.

الفقرة الثانية:الشكليات الجوهرية التي تؤثر في مشروعية القرار الإداري

من بين الشكليات الجوهرية التي تبطل القرار الإداري نجد :
- توقيع القرار الإداري:
هناك بعض التشريعات الإدارية الملزمة بالتوقيع في القرارات الإدارية رغم قلتها في التشريع المغربي من ذلك كما تمت الإشارة سابقا ،المادة 22 من ظهير 30 شتنبر 1976 المتعلق بالتنظيم الجماعي ''يحرر محضر الجلسات و يضمن في سجل يرقمه و يؤشر عليه الرئيس و الكاتب على المقررات ''[30]
لذلك فإن القرارات الإدارية، لا تقوم في غياب التوقيع عليها من الشخص المختص [31]و بالتالي يفترض في القرار الإداري تذييله بتوقيع الجهة التي أصدرته ، فالتوقيع في القرار الإداري يعتبر من ضمن الأشكال الجوهرية التي يؤدي تخلفها إلى بطلان القرار الإداري حتى و إن لم ينص القانون على ذلك ، فبعدم وجود التوقيع ينتفي وجود القرار و هذا ما يظهر أهمية التوقيع و قضت محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط بتاريخ16/06/2010 قرار عدد 152/8/5 بناءا على مقال مقدم من طرف الطاعن بواسطة نائبه يعرض فيه بأنه عضو في الجماعة النيابية لايت مولي وان هذه الأخيرة طالبت مجلس الوصاية بوضع حد لترامي بعض من بينهم الطاعن على الأراضي الجماعية ,وهو ما تم المصادقة عليه من طرف المجلس الذي لم يكن مشكلا طبقا لما نص عليه القانون ,وان القرار المطعون فيه موقع من طرف ممثل وزارة الداخلية فقط دون الإشارة إلى حضور أو توقيع باقي الأعضاء مما يجعله فاقدا لسنده القانوني إلى درجة العدم وموسوما بالتجاوز في استعمال السلطة لمخالفته الشكل[32].
كما قد يشترط القانون في القرار الإداري أن يقترن توقيع مصدره بتوقيعات أشخاص آخرين، في هذه الحالة إذا صدر القرار خالياً من هذه التوقيعات فإنه يكون باطلاً في القرار الإداري.
وبتالي يعتبر التوقيع من أهم الشكليات التي يجب أن يتضمنها القرار لمعرفة الشخص الذي اتخذه ومعرفة من يتوفر على الاختصاص لاتخاذه.[33]
- تعليل القرار الإداري.
إن التعليل هو شرط شكلي لصحة القرار الإداري يؤدي إغفاله إلى بطلانه لعيب في شكله، ومن المستقر عليه فقها وقضاءا أن لا وجوب للتعليل إلا بنص خاص ، وحتى إذا ما ألزم المشرع الإدارة بتعليل قراراتها ، فيتعين عليها احترام قاعدة الإلزام هاته تحت طائلة اعتبار قراراتها مشوبة بعيب عدم التعليل ويطالها الإلغاء[34] .
لذلك يجب أن يكون التعليل مكتوبا وواردا في صلب القرار الإداري ومبرزا للوقائع المادية والقانونية المفضية إلى إصداره ، منة فلا مجال للاعتداد بالقرار الشفوي أو للتعليل عن طريق الإحالة وهذا المعنى جاء في حكم صادر عن إدارية مكناس[35] .
" لما كان قرار الإنذار المطعون فيه جاء خاليا من التعليل مكتفيا بالإحالة على محضر الاستقصاء يكون صدر معيبا في شكله وبالتالي يتعين إلغاؤه."
كما إن كان الشرط هو أن يكون التعليل كاملا وكافيا، فإنه لذلك يعتبر القرار الواجب التعليل معيبا بعيب عدم التعليل إذا لم يعلل ، وفي هذا الإطار صدر حكم عن المحكمة الإدارية بالرباط رقم 381 بتاريخ 2009/2/25 حيث جاء في حيثياته "يهدف طلب إلى الحكم بإلغاء القرار الصادر عن رئيس مجلس الجماعة الحضرية بطنجة رقم 4715 بتاريخ 2007/10/26 القاضي بالإيقاف الفوري الأشغال البناء المنجزة من طرف الطاعنة موضوع رخصة البناء رقم 349
وحيث أسست الطاعنة طعنها على وسيلة واحدة مستمدة من عيب الشكل ، و ذلك على مستويين ،الأول هو الإشارة الخاطئة لرقم رخصة البناء و يتمثل الثاني في عدم تعليل القرار طبقا لمقتضيات القانون رقم 03.01....
حيت إن القرار المطعون فيه في النازلة لم يتضمن الإشارة إلا أي سبب يبرر إتخاده من قبل الجماعة المطلوب في الطعن برغم من أنه يندرج ضمن طائفة القرارات التي تلزم الإدارة بتعليلها في مثنها، و هو ما يعتبر إخلالا بشكلية جوهرية مقررة أساسا لصالح المخاطب بالقرار حتى يعمل على تحديد موقفه النهائي من هذا الأخير ، فضلا عن أن عدم تعليل الجماعة للقرار المطعون فيه استمر حتى خلال مرحلة الطعن القضائي و لم تبين في جوابها أي سبب كما وراء اتخاذها له ، مما يبقى معه القرار المذكور مشوبا بانعدام التعليل كأحد صور عيب الشكل المؤثرة مشروعية القرار الإداري ، ويتعين إلغائه .
و طبقا لذلك قضت المحكمة في الشكل بقبول الطلب و في الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه مع ترتيب الآثار القانونية على ذلك."[36]
وهذا ما أكده حكم نفس المحكمة الإدارية أعلاه في حكم رقم 2481 الصادر بتاريخ 2013/7/3 حيث جاء فيه "أن القرار المطعون فيه يعتبر مشوبا بتجاوز السلطة لعيب انعدام التعليل ويتعين حكم بإلغائه مع ترتيب أثار القانونية على ذلك[37]" .
- الإجراءات السابقة على اتخاذ القرار.
يشترط القانون في بعض الأحيان على جهة الإدارة سلوك إجراءات معينة قبل إصدار قرارها ، وتصبح هذه الإجراءات إجراءات جوهرية يترتب على إغفالها بطلان القرار الإداري ، كما أن القضاء الإداري قد استقر من جهته على اعتبار الإجراءات التمهيدية للقرارات التأديبية ، كإعلان المتهم بالوقائع المنسوبة إليه ، وكذلك تمكينه من الدفاع عن نفسه بمثابة إجراءات جوهرية يترتب على إغفالها بطلان القرار التأديبي حتى في حالة عدم النص عليها صراحة في القانون .
و هذا ما أكده المجلس الأعلى ( محكمة النقض حاليا ) في قراره رقم 545 [38]، الذي جاء فيه : " و حيث يستفاد من البحث أن الإدارة أثناء المسطرة التأديبية امتنعت من تمكين محام الطاعن من الإطلاع على ملفه الإداري بدعوى أنه سر الأمر الذي أدى بالسلطة التأديبية استنادا إلى رأي المجلس التأديبي أن تصدر في حق المعني بالأمر قرارا بالعزل عن الوظيفة دون أن يتمكن هذا الأخير من الدفاع عن نفسه معززا في هذا الشأن بمساعدة المحامي الذي اختاره لهذه المهمة مما يشكل إخلالا جوهريا بحقوق الدفاع " .
و تبعا لذلك قضى المجلس الأعلى بإلغاء قرار وزير الأشغال العمومية القاضي بعزل الطاعن لإخلاله بحقوق الدفاع.
و ينبغي على السلطة التأديبية المختصة أن تأخذ بعين الاعتبار تصريحات الموظف المتهم، لأن تلك التصريحات قد تستند على وقائع و دلائل حقيقية تحمل بين طياتها جانبا من الصحة، و إهمالها أو عدم الأخذ بها يرتب إلغاء المقرر التأديبي [39].
وكذلك قضت المحكمة الإدارية بمراكش بتاريخ 27-9-2000 بإلغاء القرار الإداري الصادر عن رئيس المجلس الجماعي لسيدي بوعثمان القاضي بعزل الطاعن عن عمله لأن القرار انطوى على مخالفة أساسية ، تتجلى في تفويت الفرصة عليه للدفاع عن نفسه ،[40]ومن تم خرق الضمانات التأديبية قبل اتخاذ العقوبة [41] .
كما تؤكد المحكمة الإدارية بالرباط رقم حكم 1284 بتاريخ 2007/6/7 على أن أمام عدم استظهار الجهة المطلوبة في الطعن بعريضة الاستئناف المذكورة ، فإن بت مجلس الوصاية في غياب الطاعن و لغير صالحه يشكل خرقا لحقوق الدفاع يستوجب التصريح بإلغاء القرار المطعون فيه[42] .
كما أن إذا فرض المشرع على الجهة مصدرة القرار استشارة فرد أو هيئة معينة قبل إصداره ، وقد تكون الإدارة ملزمة برأي تلك الجهة أو غير ملزمة به وفقاً لما ينص عليه القانون ، عد هذا الأمر شكلاً واجب الإتباع بحيث يكون القرار مشوباً بعيب الشكل متى صدر دون عرضه على الجهة أو الفرد الذي حدده المشرع ، وقد قضت المحكمة الإدارية بالرباط في حكم رقم 1030 بتاريخ 2013/3/21 و جاء فيه " حيث لما كان الفصل 63 من الظهير الشريف رقم 1.58.0084 بتاريخ 4شعبان 1377 (24/2/1958)بشأن النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية يقضي بأن الموظف الموقف مؤقتا و الذي لا يطلب إرجاعه إلى منصبه في الآجال المقررة أو الذي يرفض المنصب المعين له عند رجوعه، يمكن حذفه من الأسلاك بطريق الإعفاء و ذلك بعد استشارة اللجنة الإدارية المتساوية الأعضاء و أن الإدارة المطلوبة في الطعن لم تدل بأي بيان يثبت استشارته للجنة الإدارية المتساوية الأعضاء قبل اتخاذها للمقرر المطعون فيه على نحو ما يقضي به الفصل المذكور، علما أنها توصلت بنسخة من مقال الدعوى من أجل الجواب غير أنها لم تف بذلك، فإن القرار المطعون فيه يبقى مشوبا بالتجاوز في استعمال السلطة مما يوجب القضاء بإلغائه"[43].

المطلب الثاني : عدم تأثير صحة القرار الإداري بتخلف الشكل

الأصل أن تخلف الشكل في القرار الإداري يبطله كما رأينا سابقا ، إلا إعمال هذا الأصل على إطلاقه من شأنه إعاقة الإدارة عن أداء دورها كما ينبغي، و كذا عدم تحقيق القصد من استيفاء الشكل في القرار الإداري ، المتمثل في تحقيق مصلحة المخاطبين به، باعتباره ضمانة فردية مقررة لمصلحتهم ، فمن ثم إذا لم يكن من شأن تغاضي الإدارة عن بعض الشكليات الإضرار بتلك المصلحة ، فلا يؤدي ذلك إلى بطلان القرار الإداري رغم خلوه منها و يتمثل ذلك في الحالات الثانوية، و تلك المقررة لمصلحة الإدارة ( الفقرة الأولى ) و الحالات المتعلقة بتغطية و استيفاء عيب الشكل (الفقرة الثانية ) .

الفقرة الأولى: الحالات الثانوية و الأشكال المقررة لمصلحة الإدارة

أولا: الحالات الثانوية ( غير الجوهرية )
يقصد بالأشكال الثانوية أو الحالات الثانوية الحالات التي لا يترتب عنها أثر حاسم على شرعية القرار الإداري [44]، و التي لا يؤثر تخلفها على صحته ، بالتالي شكلها غير مؤثر في مضمون هذا القرار بحيث لا يغير غيابها في فحواه .
و إن المشرع لم يقصد عند النص على تلك الأشكال في بعض القرارات الإدارية، إلزام الإدارة باحترامها، و إنما قصد من ذلك مجرد توجيه الإدارة لإتباع مسلك معين عند إصدار القرار مع ترك مطلق الحرية لها في إتباعه أو مخالفته مادامت تلك المخالفة لا تأثير لها على فحوى القرار، و الذي لن يتخلف سواء اتبعت الإدارة توجيه المشرع أو خالفته [45].
و قد استقر القضاء الإداري على أن إغفال الأشكال الثانوية لا يعيب القرارات الإدارية و لا يؤدي إلى إلغائها حيث لا ينتج عن مخالفتها أي تغيير في محتوى القرارات الإدارية . و هو الشكل الذي لا ينال من المصلحة العامة أو مصلحة الأفراد .
و من بين الشكليات التي لا يترتب على تخلفها أي أثر حسب القضاء الإداري الفرنسي:
- أن عدم دعوة أعضاء لجنة معينة و إعلامهم بموعد انعقاد اللجنة، و حضور الأعضاء بغير دعوة، لا يترتب عليه إبطال القرار، و إن اشترط القانون دعوتهم إذ الغرض من هذا الشرط هو إعلام الأعضاء بموعد الحضور[46]
- و أنه إذا تطلب القانون أن يحاط المتهم علما بأسماء أعضاء مجلس التأديب قبل المحاكمة لممارسة حقه في رد بعض الأعضاء و أعلمته الإدارة بأسماء الأعضاء المنتخبين فقط ، دون الأعضاء بحكم وظائفهم فإن الإجراء يعتبر سليما ، لأن المتهم لا يستطيع أن يرد وفقا لذلك القانون إلا الأعضاء المنتخبين [47].
و تجدر الإشارة إلى أن من بين الأشكال كذلك التي تعتبر ثانوية و لا يؤثر غيابها على صحة القرار الإداري هي : الكتابة و التاريخ و التأشيرة ( كما ذكرنا سابقا ).
حيث أكد القضاء الإداري على أن الكتابة إجراء ثانوي وهذا ما جاء في حكم المحكمة الإدارية بالرباط رقم381 بتاريخ 2009/2/25 "على أن الكتابة من صور عيب الشكل التي لا تؤدي إلى وصف القرار بمعيب باعتباره من شكليات الثانوية غير الجوهرية التي لا تؤثر على مضمون القرار، و بالتالي تخلفها لا ينزع عن القرار الإداري مشروعيته"
و بالإضافة إلى سماع الشهود متى كانت تلك الشهادة غير مؤثرة في نتيجة التحقيق و كذلك نشر القرار، حيث ذهب القضاء الإداري المصري إلى اعتبار أن إتباع إجراءات نشر القرار في الجريدة الرسمية لا يبطله، لأن غاية النشر إعلام صاحب الشأن به و قد تحققت تلك الغاية بالعلم اليقيني بالقرار و من تم يكون إجراء النشر ثانويا لا يؤثر في صحة القرار .
ثانيا : الشكل المقرر لمصلحة الإدارة
إذا كانت هناك أشكال قررها المشرع حماية لمصلحة الأفراد كضمانة لهم ضد عسف الإدارة كالإجراءات السابقة على توقيع الجزاء، فإن هناك شكليات أخرى مقررة لمصلحة الإدارة هدفها تحسين أداء العمل الإداري [48] ، كتوقيع الكشف الطبي على من يرشح لتقلد وظيفة عامة ضمانا لاختيار أفضل العناصر للاضطلاع بمهامها .
و إن إهدار الشكليات المتعلقة بمصلحة الأفراد تؤدي إلى إبطال القرار الإداري أما تخلف الشكليات لمصلحة الإدارة فلا يؤثر على صحة هذا القرار، حيث لا يجوز لصاحب الشأن التمسك بتخلف شكل قرره المشرع لمصلحة الإدارة توصلا إلى إلغاء القرار الإداري الصادر في شانه ، و الحكمة من ذلك إن تخلف هذا الشكل لا يمس ضمانة كفلها له المشرع ، بل إن الأمر يتعلق بملائمات إدارية للإدارة وحدها حق تقديرها .
و مع غياب التمييز بين ما يعد شكلا مقررا لمصلحة الإدارة و ما يعد مقررا لمصلحة الأفراد يترك الأمر للقاضي لتقدير طبيعة الشكل الذي خلا منه القرار الإداري محل الطعن، و من حيث كونه مقرر لمصلحة لأفراد فيقضي بإلغاء القرار أو مقرر لمصلحة الإدارة فيرفض دعوى إلغائه .
و قد واجه التمييز بين الشكليات المقررة لمصلحة الإدارة و تلك المقررة لمصلحة الأفراد انتقادا فقهيا حيث ذهب البعض –بحق – إلى أن الإجراءات الإدارية تكون مقررة لتحقيق الصالح العام، و ليس صالح الإدارة بمفردها أو الأفراد وحدهم ، إضافة إلى أن هذا التمييز يخالف طبيعة دعوى الإلغاء، من حيث كونها دعوى عينية موجهة إلى القرار الإداري ذاته ، دون النظر لمصلحة الخصوم في الدعوى [49].
و يرى الدكتور مصطفى أبو زيد فهمي: " الصعوبة في هذا المجال تتركز في تحديد الحالات التي يعترف فيها بأن الشكليات قد قررت لمصلحة الإدارة و حدها.لأن في الغالبية العظمى من الأحوال سوف نجد المصلحة العامة إلى جواز مصلحة الإدارة و لذلك فإننا لا ندهش إذا علمنا أن الأحكام التي تضمنت تطبيقا لهذه الفكرة هي من الندرة بحيث تعد على أصابع اليد الواحدة أو اليدين "[50] 

الفقرة الثانية: أسباب تغطية عيب الشكل

إن رغم خلو القرار الإداري من شكل استوجبه القانون لإصداره يعتبر مشروعا، و ذلك حسب حالات التغطية اللاحقة لعيب الشكل و كذا الحالات التي تعفى الإدارة فيها من استيفاء الشكل ، بحيث يصير القرار الإداري صحيحا في الحالتين .
أولا : أسباب التغطية اللاحقة لعيب الشكل
المفترض أن القرار الإداري صدر معيبا في شكله الأمر الذي يعرضه للبطلان حال الطعن عليه بالإلغاء إلا أن ظروفا مستحدثة تتعلق بذلك القرار أدت إلى تدارك عيبه و نقله إلى مصاف القرارات المشروعة ، سواء تمثلت في استيفاء الإدارة اللاحق للشكل أو قبول المخاطب بالقرار له رغم وصمه بعيب الشكل و أخيرا تحقق الغرض من الشكل .
أ–الاستيفاء اللاحق للشكل :
و يتمثل ذلك في استيفاء الإدارة للشكل الذي أهملته بإجراء لاحق بعد إصدار القرار . لكن هذا ما أدى إلى تنازع الفقه حوله و كذا تضارب أحكام القضاء .
فقد ذهب جانب من الفقه إلى عدم جواز تصحيح الإدارة للشكل و الإجراء بعد صدور القرار، حيث كان يتعين عليها مراعاة ذلك قبل إصداره، تأسيسا على أن في ذلك مخالفة للهدف الذي شرعت الإجراءات لتحقيقه، فضلا عن أن في ذلك إعمالا للقرار الإداري بصورة رجعية وهو ما لا يجوز، إضافة إلى أن في السماح للإدارة بالتصحيح اللاحق لقرار المخالف للشكل في شأنه دفع جهة الإدارة إلى عدم التروي و الاكتراث قبل إصداره ، اعتمادا منها على إمكانية التصحيح اللاحق للإجراء فيما بعد .
و بالرغم من رفض هذا الاتجاه للتصحيح اللاحق لعيب الشكل في القرار الإداري، إلا أنه يستثنى من ذلك ما وقع في القرار من أخطاء مادية حيث أجاز التصحيح اللاحق لها. على اعتبار أن تصحيح مثل ذلك الأخطاء لا يؤثر على مضمون القرار و فحواه [51].
إلا إن هناك جانبا أخر من الفقه يعتقد في إمكانية تصحيح الإدارة لعيب الشكل، بعد إصدار القرار توقيا لإلغائه
أما الدكتور عبد العزيز عبد المنعم خليفة يؤيد ما ذهب إليه الاتجاه الأول من الفقه في رفضه للتصحيح اللاحق للقرار المشوب بعيب الشكل ، و ذلك لسلامة منطقه و صحة ما استند إليه من حجج ، إضافة إلى أن في السماح للإدارة بتصحيح مثل هذه القرارات تمكين لها من التحايل على القانون واضعة الأفراد أمام الأمر الواقع [52].
و إذا كان تصحيح الإدارة لقرارها المعيب قد أثار ما سبق من خلاف فقهي، فقد تضاربت كذلك أحكام القضاء الإداري في شأن جوازه ، ففي البداية تم الأخذ على أن عيب الشكل يقصر عن إحداث أثره إذا قامت الإدارة بتدارك ما فاتها من استيفاء للشكل ، دون أن يكون من شأن ذلك التدارك التأثير على مضمون القرار أو ملائمة إصداره، لكن بعد ذلك تم الأخذ بأن تخلف أي إجراء جوهري يبطل القرار الإداري حيث لا يصححه تدارك بتصحيح لاحق لعيب الشكل باستيفاء بعد صدور القرار [53].
ب – قبول صاحب الشأن:
إذا ما تقرر الشكل في قرار إداري ما لمصلحة المخاطب بهذا القرار فإن إغفال الإدارة له و تنازل صاحب الشأن عنه برضائه بالقرار رغم علمه بعيبه الشكلي قد أثار جدلا فقهيا حول مدى تأثير ذلك التنازل على صحة القرار الإداري.
فقد ذهب بعض الفقه في هذا الشأن إلى رفض قبول صاحب الشأن كأسلوب لتصحيح القرار الإداري بدعوى أن الشكل مقرر لمصلحته تأسيسا على أن الشكل في حقيقته مقرر لتحقيق الصالح العام المتمثل في مصلحة الإدارة و الأفراد معا و من ثم فقد انتهى هذا الرأي إلى استمرار بطلان القرار الإداري المعيب في شكله على الرغم من هذا القبول .
و قد أجاز رأي أخر تنازل صاحب الشأن عن الشكل المقرر لمصلحته، حيث يعتد به القضاء و لا يبطل القرار الإداري لخلوه منه شريطة أن يصدر الرضاء طواعية ، و دون تأثير من الإدارة و دون أن يشوبه غش أو تدليس، مع وجوب إدراك صاحب الشأن وجود العيب و عدم تعلقه بالنظام العام[54] .
كما تضاربت كذلك أحكام القضاء الإداري بين إقرار تغطية قبول صاحب الشأن لعيب الشكل في عدم تعلقه بالنظام العام.و في أحكام أخرى أنكرت ذلك .
ج – تحقق الغرض من الشكل :
من المتفق عليه فقها و قضاءا أن الشكل في القرار الإداري ليس غاية في حد ذاته، و إنما هو وسيلة لتحقيق غاية ، و هي الوصول بالقرار الإداري لتحقيق الهدف منه دون عصف بحقوق الأفراد ،فإذا تحققت الغاية من تطلب الشكل فلا محل لإبطال القرار ، رغم صدوره خلوا منه .
و هذا ما استقر عليه القضاء الإداري حيث ذهب إلى اعتبار أن الشكل إجراءات هدفها المصلحة العامة و مصلحة الأفراد على السواء .
ثانيا : أسباب إعفاء الإدارة من إتباع الشكل
تعفى الإدارة من إتباع الشكل الذي أوجبه المشرع لإصدار قرار ما حيث يكون بوسعها إصداره ، متغاضية عن هذا الشكل في الظروف الاستثنائية أو إذا استحال عليها إتمامه .
أ - الظروف الاستثنائية:
إن القضاء قد أقر نظرية الظروف الإستثنائية التي من شأنها أن تمنح للإدارة سلطات غير عادية لمواجهة هذه الظروف الغير عادية حيث تتحرر الإدارة من القيود القانونية التي تحد من سلطتها في الظروف العادية و بذلك فنظرية الظروف الاستثنائية توسع من نطاق المشروعية لمواجهة هذه الظروف مادام اتخاذ هذه القرارات كان ضروريا و لتحقيق المصلحة العامة . و بناء على هذه النظرية تلجأ الإدارة إلى إغفال الشكل و الإجراءات المقررة للقرارات الإدارية و لا تعتبر باطلة بالنظر إلى هذه الظروف الاستثنائية[55].
شريطة توفر شروط الإعمال بهذه النظرية المتمثلة في وجود حالة تمثل خطرا جسيما يهدد المصلحة العامة أو يعوق سير المرافق العامة بحيث لا تستطيع الإدارة دفع هذا الخطر بإتباع قواعد المشروعية العادية، لتعذر إتباعها ، أو لعدم كفايتها ، أو أن يكون من شان إتباع تلك القواعد تعريض المصلحة العامة للخطر، كما يجب أن تكون الإجراءات المتخذة من جانب الإدارة هدفها حماية المصلحة العامة و ذلك بتأمين النظام العام و المرافق العامة و دفع الخطر المحدق بها .
ب - استحالة إتمام الشكل :
إعمالا لمبدأ أنه لا تكليف بمستحيل، فإنه إذا استحال على الإدارة إتمام الشكل الذي تطلبه القانون لإصدار القرار ، فإنه يمكن التجاوز عن هذا الشكل بحيث لا يعيب تخلفه القرار الإداري، حيث تعتبر الاستحالة مبررا لتغطية عيب الشكل في هذه الحالة .
و يرجع عدم تمكن الإدارة من إتمام الشكل إلى الاستحالة المادية الفعلية نتيجة القوة القاهرة مثلا أو فعل الغير أو فعل المخاطب بالقرار، و قد يرجع ذلك إلى استحالة قانونية نتيجة لظروف استثنائية و قيام حالة الضرورة .
و يشترط في الاستحالة المادية حتى تكون مبررا للتجاوز عن عيب الشكل ، أن تكون طويلة الأمد بحيث لا يجدي معها الانتظار ، و بالتالي فإن الاستحالة العارضة لاستكمال شكل معين لا يعفي الإدارة من التجاوز عنه ، فقيام الموظف الذي تطلب القانون أخذ رأيه قبل إصدار القرار بإجازة قصيرة، لا يعفي الإدارة من استكمال هذا الشكل قبل اتخاذ قرارها، حيث أن الاستحالة في هذه الحالة عابرة ، و تطبيقا لذلك فإن الإدارة بوسعها التغاضي عن شكل مقرر في التحقق الإداري، هو سماع دفاع المتهم إذا ما استحال التعرف على عنوانه .
و إذا كانت استحالة إتمام الشكل قد تكون مادية فإنه من الممكن أن تكون تلك الاستحالة أيضا قانونية بأن تحول ظروف استثنائية بين الإدارة و بين استيفاء الشكل المطلوب قبل إصدار القرار الذي لا يحتمل التأخير ، فيكون للإدارة أن تغفل هذا الشكل و تصدر قرارها الذي يكون مشروعا بالرغم من ذلك .
و يعتبر من قبيل الاستحالة تعذر اتخاذ القرار لسبب يرجع إلى المخاطب بالقرار نفسه، كما لو امتنع موظف عن حضور تحقيق إداري برغم استدعاءه إليه ، و بالرغم من أن هذا التحقيق إجراء جوهري لازم قبل توقيع الجزاء ، إلا أن الإدارة يكون لها حق التغاضي عنه ، موقعة الجزاء على الموظف بدونه ، و ذلك تطبيقا لمبدأ عام مؤداه أنه عندما تلزم مشاركة فرد أو هيئة في اتخاذ قرار معين ، فلا يسوغ لأي منهما أن يجعل من موقفه السلبي بعدم المشاركة ما يعيق إصدار القرار [56].

خاتمــــــــة
من خلال دراستنا لعيب عدم الشكل في القرار الإداري يتضح لنا أنه على الإدارة أن تراعي عند إصدار كل قرار إداري الأشكال والإجراءات التي حددها القانون في هذا المجال ، والقاعدة العامة هي أن كل مخالفة من جانب الإدارة لقواعد الشكل والإجراءات يترتب عليها تعرض القرار فيه للإلغاء .ولكن لا يجب الأخذ بهذه القاعدة على إطلاقها إذ لا بد من التفرقة بين الشكليات الجوهرية والثانوية ،فالشكليات الجوهرية هي التي يترتب عليه الإلغاء.وكما هو معلوم تبقى لقواعد الشكل أهمية كبرى في مجال القرارات الإدارية باعتبارها تهدف إلى حماية المصلحة العامة و الخاصة.فإتباع الإدارة لهذه القواعد فيه تحقيق للمصلحة العامة وضمان لحسن سير الإدارة وذلك بأن يصدر القرار بعد دراسة وبحث بدل السرعة والارتجال.كذلك فإن احترام الإدارة لقواعد الشكل فيه ضمانة أساسية لحقوق الأفراد و حرياتهم مقابل تلك الامتيازات التي تتمتع بها الإدارة اتجاههم و المتمثلة في حق التنفيذ المباشر للسلطة التقديرية.


__________________________________
الهوامش:
[1] د سليمان الطماوي ، " قضاء الإلغاء " ، سنة 1969.
[2] دة.ثورية لعيوني، " القضاء للإداري و رقابته على أعمال الإدارة " ، دراسة مقارنة، الطبعة الأولى 2005، ص 164
[3] -عبد الواحد فريشي ، " دعوى الإلغاء .بسبب تجاوز السلطة بالمغرب " ، .ص95.
[4] - د. رفعت محمد عبد الوهاب .القضاء الإداري الكتاب الثاني . الطبعة الأولى 2005 .ص : 166- 167.
[5] - "يكون مقال الدعوى تحت طائلة عدم القبول مرفقا بنسخة من الحكم النهائي أو المقرر الإداري المطعون فيه بصبغة الكتابية تسمح للمعني بالأمر بالاضطلاع على مضمون القرار ".
[6] - د, عبد الواحد القرشي, سلسلة أريد أن أعرف 6, دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة بالمغرب, الطبعة الأولى 2011,ص : 96-97
[7] الدكتور أحمد أجعون,طبعة 2012-2013 ص:75.
[8] - - د محمد الأعرج, م, س, ص : 250.
[9] - د محمد الأعرج, م, س, ص : 226-227 .
[10] - الفصل 22 من ظهير رقم 1.76.583 بتاريخ 30 شتنبر 1976 .
[11] - د, محمد الأعرج ص 240, م,س .
[12] - منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية و القضائية. سلسلة الشروح و الدلائل.العدد3.200 .ص:42
[13] - د,محمد الأعرج , المساطر الإدارية غير القضائية, منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية,سلسلة مؤلفات و أعمال جامعية,عدد 47,2003,ص 151.
[14] دة.ثورية لعيوني.القضاء للإداري و رقابته على أعمال الإدارة. دراسة مقارنة.الطبعة الأولى 2005.ص 166
[15] - د . محمد القصري ,تعليل القرارات الإدارية ضمانة للحقوق و الحريات و رقابة قضائية فعالة , مقال منشور بالموقع www.lasportal.org/wps/wcm/connect
[16] - القانون 01-03 المتعلق بإلزام إدارات الدولة و الجماعات المحلية و هيئاتها و المؤسسات العمومية و المصالح التي عهد إليها بتسيير مرفق عام بتعليل قراراتها الفردية السلبية.
[17] د.المالكي السراجي، -الرأي الإستشاري- المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية.55-54 يناير-أبريل 2004 ص147.
[18]د محمد الأعرج: المساطر الإدارية غير القضائية –دراسة قانونية لفعالية قواعد الإجراء و الشكل في القرارات الإدارية- سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية. ص 115
[19]د محمد الأعرج: مرجع سابق. ص 117.
[20]د محمد الأعرج: مرجع سابق. ص118 .
[21]د عبد العزيز منعم خليفة، القرارات الإدارية في الفقه وقضاء مجلس الدولة، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، 2007، ص92.
[22] الجريدة الرسمية رقم 4810 الصادرة يوم الخميس 6 يوليوز. 2000.
[23] د.المكي السراجي، -الرأي الإستشاري. مرجع سابق.ص147.
[24] د.المكي السراجي، -الرأي الإستشاري. مرجع سابق.ص147.
[25] د محمد الأعرج: مرجع سابق. ص 122
[26] د مولاي ادريس الحلابي الكتاني.مسطرة التقاضي الإدارية –الجزء الثاني- 17 منشورات المجلة المغربية للإدارة المحليى والتنمية.ص47.
[27] د محمد الأعرج - عشر سنوات من العمل القضائي للمحاكم الإدارية- بالمغرب طبعة 2004 ، ص105
[28] د محمد الأعرج -المساطر الإدارية غير القضائية – مرجع سابق -ص 106
[29]د محمد الأعرج - عشر سنوات من العمل القضائي للمحاكم الإدارية بالمغرب ، مرجع سابق ص 106
[30] الفصل 22 من ظهير رقم1/76/583 بتاريخ 20 شتنبر1976.ج.ر.عدد3335 بتاريخ 1976/10/1.ص3025
عن رسالة لنيل دبلوم الماستر المتخصص.
r.houstiou procédures et formes de l'acte administratie unilateral; p.199- [31].
[32] حكم محكمة الاستئناف الادرية بالرباط بتاريخ16/06/2010 حكم عدد 152/8/5
[33] - مجلة المرافعة، العدد 10، مارس 2000، ص. 265
[34]- د. محمد قصري ، تعليل القرارات الإدارية ضمانة للحقوق والحريات ورقابة قضائية فعالة ، ص 51
[35]-قضية البقالي منشورة ب م م أ م ت عدد 13 مرجع سابق .
[36] حكم عن المحكمة الإدارية بالرباط حكم رقم 381 بتاريخ 209/2/25 في ملف رقم غ07-489
[37] حكم عن المحكمة الإدارية بالرباط حكم رقم 2481 صادر بتاريخ 213/7 في ملف رقم 2013-5-79
[38]- مجلة – قرارات المجلس الأعلى – الغرفة الإدارية ( 1970.1966 ) صادرة عن كتابة الدولة في الشؤون الإدارية ط 1 في يناير 1983 ص 84 (منقول عن كتاب النظام القانوني للموظف العمومي للدكتورة مليكة الصروخ )
[39] د مليكة الصروخ ، " النظام القانوني للموظف العمومي المغربي ، سنة 1994 ، ص 307
[40]- ( طبقا للفصلين 66 و67 من النظام الاساسي للوظيفة العمومية )
[41] - مجلة المحامي، العدد 47، ص.349
[42] ا حكم المحكمة الإدارية بالرباط رقم حكم 1284 بتاريخ 2007/6/7 في ملف غ06-451
[43] المحكمة الإدارية بالرباط رقم 1030 بتاريخ 213/3/21 في ملف عدد 2012-562
[44]-د رضوان بوجمعة ، " المقتضب في القانون الإداري المغربي " ، سنة 1999 ،ص 186
[45]-د عبد العزيز عبد المنعم خليفة ، " دعوى إلغاء القرار الإداري و طلبات إيقاف تنفيذه " ، دار الفكر الجامعي ، ص 89 
[46]-د محمود حلمي ، " القضاء الإداري " ، قضاء الإلغاء. قضاء التعويض . إجراءات التقاضي ، الطبعة 1977 ،واز الفكر العربي ، ص 150
[47]-ذلك ما قضى به مجلس الدولة الفرنسي سنة 1952 في قضيةBoudoin
[48]-د عبد المنعم خليفة ، " إلغاء القرار الإداري و تأديب الموظف العام " ، الجزء الأول ، نشر بالإسكندرية ، ص 137
[49]-د عبد المنعم خليفة ، " إلغاء القرار الإداري و تأديب الموظف العام "، نفس المرجع ، ص 139
[50]-د محمد أنور حمادة ، " القرارات الإدارية و رقابة القضاء " ، سنة 2004 ، دار الفكر الجامعي ، الاسكندرية ، ص 125 و ص 126
[51]-من مؤيدي هذا الإتجاه الدكتور سليمان الطماوي، " الوجيز في القضاء الإداري " ، دراسة مقارنة ، سنة 1985، ص 256د [52]-عبد العزيز عبد المنعم خليفة ، " إلغاء القرار الإداري و تأديب الموظف العام " ، مرجع سابق ، ص 146
[53]-د عبد العزيز عبد المنعم خليفة ، "دعوى إلغاء القرار الإداري و طلبات إيقاف تنفيذه "، مرجع سابق ، ص 98 
[54]-د عبد العزيز عبد المنعم خليفة ، "دعوى إلغاء القرار الإداري و طلبات إيقاف تنفيذه "، مرجع سابق ، ص 99
[55]-د محمد أنور حماده ،" القرارات الإدارية و رقابة القضاء " ، مرجع سابق ، ص 128
[55]-د عبد العزيز عبد المنعم خليفة، " إلغاء القرار الإداري و تأديب الموظف العام " ، مرجع سابق ، ص 154  


إرسال تعليق

0 تعليقات