Header ADS

اخر الأخبار

الرقابة القضائية على قرارات تأديب الأطباء

مقال بعنوان: الرقابة القضائية على قرارات تأديب الأطباء و إشكالية تنازع الإختصاص

 الرقابة القضائية على قرارات تأديب الأطباء
مقدمة
مما لا شك فيه أنه من مميزات القانون الإداري، أنه قانون قضائي، و ذلك للدور المهم الذي يلعبه القضاء في خلق قواعد و أحكام القانون الإداري، فهو الذي يبتكر هذه القواعد بل يعمل على تطويرها لتتناسب مع الظروف المتغيرة، و أحيانا يفسر بعض النصوص القانونية الغامضة. كما يقوم بإيجاد الحلول للنزاعات التي تنشأ بين الإدارة و المواطنين متوخيا في ذلك البحث عن نقطة التوازن بين احتياجات المرافق العامة و المصالح الخاصة. لهذا قيل بأن القضاء الإداري هو في الأغلب قضاء إنشائي، إذ لا يقتصر دوره على مجرد تطبيق القانون على المنازعات المعروضة عليه فقط، و إنما يمتد – إذ لم يجد القاعدة القانونية واجبة التطبيق – إلى خلق قواعد هذا القانون بما يتفق و طبيعة المنازعات الإدارية، و ذلك باعتبار القضاء الإداري أقدر من القضاء العادي على الفصل في المنازعات الإدارية التي تنشأ بين الإدارة و الأفراد نظرا لتخصصه و إلمامه بأعمال الإدارة و فهمه لظروفها و مطالبها و حرصه دائما على حماية الحريات الفردية في مواجهة الإدارة.[1]
يمارس القضاء الإداري دورا مهما في الرقابة على سلطات الإدارة، مع أن هذه السلطات تتسم بشكل كبير لمواجهة ما يهدد النظام العام و حسن سير المرافق العامة، فقد وضع القضاء الإداري في فرنسا و مصر و حتى في المغرب حدودا لسلطات الإدارة، حتى لا تتعسف في استعمال سلطتها تلك و تنهك حقوق و حريات الأفراد.[2]
فالسلطة القضائية يتمثل دورها في الفصل في المنازعات تطبيقا للقانون و حماية للحقوق و الحريات الفردية، و بالتالي فلا خطر منها على الأفراد، خصوصا مع وجود مجموعة من الضمانات الضرورية لقيام السلطة القضائية بمهامها على أحسن وجه. و ذلك بعكس السلطة التنفيذية، فهي بحكم وظيفتها و بما لديها من إمكانيات كبيرة، يمكن أن تمس الأفراد في مختلف حرياتهم، فهي تمارس نشاطها في الغالب عن طريق قرارات فردية، الأمر الذي يجعلها أكثر احتكاكا بالأفراد، لهذا لا يمكن للفرد أن يكون في مأمن من الإدارة ما لم تكن مقيدة بالقانون.[3]
فالقاضي الإداري يراقب قرارات الإدارة من حيث أسبابها و الغاية التي ترمي إليها من اتخاذها، و لا يتجاوز في رقابته إلى العيوب الأخرى – الاختصاص و الشكل و المحل – و هو ما استقر عليه القضاء الإداري في العديد من الدول.[4]
إذ تعد الرقابة القضائية على أعمال الإدارة الضمان الحقيقي و الفعال لحماية مبدأ المشروعية. فالسلطة القضائية هي الحامية لحقوق الأفراد و حرياتهم، و هي التي تعطي للقانون فاعليته و إلزامه، إذ بدون القضاء سوف يظل القانون عبارة عن قواعد نظرية لا تتمتع بالصفة الإلزامية الآمرة. بحيث يقوم القضاء الإداري بمراقبة احترام الإدارة للقانون فيما يصدر عنها من أعمال قانونية أو مادية، فيقيم بذلك نوعا من التوازن بين المصلحة العامة التي تمثلها الإدارة و المصلحة الخاصة المتمثلة في حقوق الأفراد و حرياتهم.[5]
من هذا المنطلق يمكن القول بأن حسب ما استقر عليه الفقه و القضاء، أن دعوى الإلغاء هي دعوى يرفعها أحد الأفراد للقضاء الإداري من أجل المطالبة بإلغاء أو إعدام قرار إداري الذي صدر مخالف للقانون.
و في هذا الصدد عملت مختلف الدول ومن بينها المغرب على إيجاد نظام يقوم على توازن دقيق بين مصلحة الإدارة في سير المرفق العمومي وانتظامه من جهة، وحق الموظف في الضمانات التي توفر له الاستقرار القانوني من جهة أخرى.[6]
وعليه سنقوم بدراسة هذا الفصل من خلال مبحثين أساسيين :

المبحث الأول: دور القاضي الإداري في تحقيق محاكمة تأديبية عادلة
المبحث الثاني: الرقابة القضائية على قرارات تأديب الأطباء

 المبحث الأول: دور القاضي الإداري في تحقيق محاكمة تأديبية عادلة

تعتبر الضمانات القضائية من أهم و أفضل الضمانات التي يمكن أن يتمتع بها الموظف في مواجهة القرارات التأديبية، و ذلك بهدف تحقيق مشروعية العمل التأديبي، و نظرا لما يتمتع به القاضي الإداري من جدية و نزاهة لا يرقى الشك إليها، لإلمامه بالمسائل القانونية و حرصه على تحقيق المشروعية و العدالة.
و سوف نسعى جاهدين في هذا المبحث إلى تسليط الضوء على رقابة القاضي الإداري على الضمانات المخولة للطبيب بوصفه موظف (المطلب الأول)، على أساس أن نقوم بتوضيح الصورة فيما يخص التأطير القضائي للمتابعة التأديبية (المطلب الثاني).

المطلب الأول: دور القاضي الإداري في الرقابة على الضمانات المخولة للطبيب بوصفه موظف

إذا كانت للإدارة كامل الحرية في تحريك مسطرة تأديب الموظف عند إخلاله بواجباته المهنية، أو ارتكاب لفعل أو تصرف اعتبرته حسب سلطتها التقديرية خطأ، فإنه لا يحق لها أن تحيله على المجلس التأديبي دون احترام مجموعة من المقتضيات. بمعنى أنه قبل إقدام الإدارة على إحالة الموظف على المجلس التأديبي يتوجب عليها احترام الضمانات المخولة إليه، المتمثلة في ثلاثة ضمانات أساسية منها ما هو سابق (الفقرة الأولى) و منها ما هو مواكب (الفقرة الثانية)، إضافة إلى الضمانات أمام المجلس التأديبي (الفقرة الثالثة).

الفقرة الأولى: الضمانات السابقة

إن الضمانات السابقة تتمثل في حق المتابع تأديبيا بإشعاره بالمخالفات الإدارية المنسوبة إليه و الإطلاع على الملف التأديبي، و ذلك بعد إجراء تحقيق في المخالفات المنسوبة إليه بهدف تمكينه من حق الدفاع.
أ- إشعار الموظف بالمخالفات المنسوبة إليه
يقتضي ذلك بإعلام الموظف المعني بالأمر بالمخالفات المنسوبة إليه و تاريخ انعقاد المجلس التأديبي و إخطاره بإمكانية الإطلاع على ملفه التأديبي و تعيين محام لمؤازرته خلال انعقاد المجلس التأديبي، و يجب أن تكون المهلة الفاصلة بين انعقاد المحاكمة التأديبية و تاريخ الاستدعاء كافيا لإعداد دفاع المعني بالأمر، و يمكن أن يكون الاستدعاء بوسائل التبليغ المحددة في الفصل 36 من قانون المسطرة المدنية، كما يمكن أن يتم بالطرق الإدارية مع الإشعار بالتسلم و متى تمسك الموظف بإخلال الإدارة بهذا الإجراء فإن عبئ إثبات احترامه يقع عليها عن طريق الإدلاء بشهادة التسليم أو التوقيع على محضر التبليغ.[1]
و إذا كان المشرع في قانون الوظيفة العمومية لم يشر لهذا الإجراء فإن القضاء استلهمه من المبادئ العامة للمحاكمات الجنائية، في حين ذهبت بعض التشريعات إلى التنصيص عليه صراحة كما هو الشأن بالنسبة للمشرع المصري في المادة 34 من قانون مجلس الدولة التي أشارت على أن قرار الإحالة ينبغي أن يتضمن أسماء المعنيين بالأمر و المخالفة المنسوبة إليهم و النصوص القانونية الواجبة التطبيق[2].
و متى حضر الموظف المتابع خلال الجلسة الأولى للمجلس التأديبي و أجلت القضية بناء على طلبه أو لسبب من الأسباب كاستدعاء الشهود فلا يحق له التمسك بعدم الاستدعاء. و تكون الغاية قد تحققت إذا حضر المعني بالأمر بصفة تلقائية بناء على علمه الشخصي و تمكن من تحضير دفاعه و بالتالي لا يسوغ له التمسك بهذه الوسيلة للطعن بالإلغاء في القرار التأديبي. غير أنه إذا رجعت شهادة التبليغ بأن المعني بالأمر يتواجد خارج الوطن أو في عطلة رسمية أو أنه يتواجد في حالة صحية تحول دون حضوره أو بصفة عامة في وضعية يستحيل عليه حضور المجلس التأديبي، وجب تأجيل جلسة التأديب إلى حين زوال العذر أو المانع.
إنه وبمجرد تحريك مسطرة تأديب الأطباء في مواجهة من أخلو بالالتزامات السالف ذكرها، من قبل من لهم الحق في ذلك، بحيث تنطلق هذه المسطرة بناء على شكاية صادرة من لدن أية شخص يعينه الأمر[3]، أو بناء على شكوى مرفوعة من لدن الإدارة التي ينتمي إليها، أو من خلال نقابة الأطباء، أو رتيب المجلس الجهوي أو من يقوم مقامه، وذلك بصفة تلقائية أو بناء على طلب من ثلثي أعضاء المجلس أو من رئيس المجلس الوطني، وذلك تحت طائلة التقادم المسقط، والمتمثل في أجل 5 سنوات.
ذلك أن المشرع ألزم المجلس الجهوي بضرورة تبليغ الطبيب بناء على استدعاء بما نسب إليه من مخالفات، وذلك كضمانة لأجل إعداد دفاعه، إلا أن الإشكال المطروح يتمثل في الحيز الزمني الفاصل بين الاستدعاء المذكور، والجلسة التأديبية والتي حصرها المشرع في إطار زمني ضيق يتمثل في أجل 8 أيام، وهو الأمر الذي نراه مجحفا، باعتبار كيف يمكن للطبيب أن يعد دفاعه تجاه تهمة ترتبط ببعض الخروقات التي تكتسب بعدا تقنيا، وذلك في إطار هذا الحيز الزمني القصير[4].
وتجدر الإشارة إلى أن المشرع، وضمانا منه لحق المشتكي، في حالة ما إذا ارتأى المجلس الجهوي أن الأفعال الوارد بيانها في الشكوى لا يمكن بأي وجه من الوجوه أن تعد خطأ يسأل عنه الطبيب، بأن يبلغ المجلس قرراه هذا، لكل من المشتكي والطبيب، ذلك أن هذا الإعلام بمثابة ضمانة حقيقة لحق المشتكي في الطعن استئنافيا في هذا القرار أمام المجلس الوطني.
ب- الاطلاع على الملف التأديبي و إعداد الدفاع
هذه الضمانة أشار إليها المشرع صراحة في الفصل 97 من قانون الوظيفة العمومية حيث ورد فيه أن للموظف المتهم الحق في أن يطلع على ملفه الشخصي بتمامه و على جميع الوثائق الملحقة به و ذلك بمجرد ما تقام عليه دعوى التأديب و يمكنه أن يقدم إلى المجلس التأديبي ملاحظات كتابية أو شفهية و أن يستحضر بعض الشهود و أن يحضر معه مدافعا باختياره و للإدارة حق إحضار الشهود.
و يتم الاطلاع على الملف التأديبي من طرف المعني بالأمر شخصيا أو من طرف محام و لو تضمن الملف المذكور معلومات ذات طابع سري و في هذا الإطار ذهبت المحكمة الإدارية بالرباط في قرارها الصادر بتاريخ 17/3/1989 [5] إلى أن منع محامي الطاعن من الاطلاع على ملفه الإداري بدعوى أنه سري و دون أن يمكن هذا الأخير من أن يدافع عن نفسه معززا في هذا الشأن بمساعدة المحامي الذي اختاره لهذه المهمة يشكل إخلالا جوهريا بحقوق الدفاع، و في قرار آخر لها ذهبت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء إلى أن ضمان حق المتهم تأديبيا في الدفاع عن نفسه يقتضي تمكينه من تحقيق دفاعه و منحه أجلا كافيا و مقبولا لتحضير دفاعه بصفة شخصية أو بواسطة محام و أن عدم احترام ذلك يشكل إخلالا بالضمانات الأساسية و يعرض القرار التأديبي للإلغاء [6] بعدما ثبت للمحكمة أن محامي الطاعن تقدم للمجلس التأديبي بطلب تأجيل البت إلى حين إعداد الدفاع، فرض طلبه بعلة أن المهلة التي منحت للمعني بالأمر كانت غير كافية لإعداد الدفاع.
إنه وفي حال ما إذا قرر المجلس الجهوي، إقامة دعوى تأديبية، عين عضوا واحدا أو أكثر لممارسة مهمة التحقيق في الشكوى. ذلك أنهم وبحسب الفصل 49 من الظهير رقم 44-84-1 مكلفون بالتحقيق في صحة المخالفات الواردة في الشكوى، كما أن لهم
كامل الصلاحية، باتخاذ جميع التدابير لإثبات حقيقة الأفعال المنسوبة إلى الطبيب والظروف التي وقعت فيها.
ولضمان حق الطبيب المعني في الدفاع باعتباره من بين المبادئ العامة للعدالة، فالمشرع ألزم المجلس الجهوي وكذا الوطني كوجهة استئنافية، بتقديم إيضاحات مكتوبة حول ما نسب إليه.
لكن في حالت ما إذا كان هذا الطبيب يزاول مهامه في القطاع العام، فالمجلس الجهوي له أن يطالب الجهة التي لها حق توقيع الجزاء التأديبية أو إليه من فوض له ذلك رأيها في الأفعال المقامة الدعوى من أجلها.
وعموما، فالمشرع قد خول إمكانية استعانة الطبيب بالمحامي خلال جميع مراحل الإجراءات التأديبية، أو بأحد زملائه[7] ، وهو ما يشكل ضمانة تصب في صالح الطبيب المتابع تأديبيا.
وتجدر الإشارة إلى أنه لا توجد مقتضيات صريحة تحيل على أحقية الطبيب أو المشتكي بالاضطلاع على التقرير الذي أعده العضو أو الإعفاء المطعون من التحقيق، على اعتبار أن المشرع اكتفى بضرورة توجيه هذا التقرير في إطار زمنية لا تتجاوز الشهر، ينطلق تعداده من تاريخ الإعلان عن بدء إقامة الدعوى التأديبية[8].
وتوسيعا من حق الدفاع هذا، قد ألزم المشرع المجلس الجهوي، بدعوة الطبيب المعني بالأمر وذلك للاستماع إلى إيضاحاته، وإيضاحات ممثله، قبل البث في الملف التأديبي.
و ما يعد مميزا في النظام التأديبي للأطباء، هو أن للطبيب الحق في التعرض على المقرر التأديبي داخل أجل 5 أيام، يتم تعداده من تاريخ تبليغه شخصيا بالرسالة الموصل بها مع إشعار بالتسليم، وذلك في حالة ما إذا صدر هذا المقرر دون مثوله أمام المجلس، أو دون إنابته ممن يمثله، أو إذا لم يتم استدعاء ممثل عن القطاع العام و هو ما نصت عليه الفقرة الثانية من الفصل 52 من الظهير السالف الذكر.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا التعرض مشروط بضرورة إثارة وسائل دفاعه بشكل واضح، تحت طائلة عدم القبول، كما أن له أثر موقف للعقوبة التأديبية.
هذا و أن إغفال هذه الضمانة الأساسية يؤدي حتما لإلغاء القرار التأديبي المتخذ و لو أن إغفال احترامها لم يكن له أي تأثير على القرار، و لو أن المتابع تأديبيا كان عالما بكافة المؤاخذات الموجهة إليه، و ذلك حسبما أقره مجلس الدولة الفرنسي في قراره الصادر بتاريخ 30/10/1981 قضية مركز الطب النفساني للأطفال [9].

الفقرة الثانية: الضمانات المواكبة

أ- حق الحضور أمام المجلس التأديبي
إن المقصود بحق الحضور هو استدعاء الموظف المعني بالقرار للحضور أمام المجلس التأديبي و عدم انعقاد المجلس التأديبي من أجل البت في الملف إلا بحضور المعني بالأمر، فحضور هذا الأخير إجراء أساسي لأنه سيمكنه من الدفاع عن نفسه ضد الاتهامات المنسوبة إليه. و لا شك أن لهذا الإجراء ضوابط تنظمه، و لا شك أيضا أن القضاء حريص على حماية هذا الحق، و تتمثل هذه الضوابط في:
- يقتضي حضور الموظف المتهم أمام المجلس التأديبي استدعاءه من طرف السلطة التأديبية التي تبعث بالاستدعاء إلى محل إقامة الموظف المتهم.
- توصل المعني بالأمر نفسه بالاستدعاء و التوقيع عليه.
استدعاء الموظف المتهم من أجل سماع أقواله داخل أجل معقول.
- للموظف الحق في الحضور شخصيا جلسة التأديب، و له أن يكلف أحدا من زملائه الموظفين لينوب عنه إذا ما تعذر عليه ذلك لسبب من الأسباب.
هناك حالات يبث فيها المجلس التأديبي غيابيا، وفي حالة الموظف الموقوف عن العمل بسبب الاعتقال و صدر في حقه حكم قضائي نهائي قضى بسجنه لمدة طويلة، و بالتالي لا يمكن للإدارة انتظار خروجه من السجن للبث في ملفه ما دام الحكم الصادر ضده يقضي باتخاذ عقوبة العزل في حقه، و حالة تخلفه عن حضور المجلس التأديبي مرتين متتاليتين رغم توصله بالاستدعاء و التوقيع عليه، دون الإدلاء بأي مبرر قانوني يسمح بتأجيل البث في ملفه.
إن اتخاذ عقوبة من غير حضور المعني بالقرار من شأنه أن يحدث مساسا خطيرا بحق الدفاع، وهذا ما أكدته أحكام القضاء الإداري، فقد صدر عن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى عدة قرارات تبطل القرارات التأديبية التي اتخذتها الإدارة[10] في شأن الموظفين دون استدعائهم للحضور أمام المجلس التأديبي. فقد جاء في قضية الشريفي مصطفى" أن الطاعن يعيب على القرار خرقه للفصل 67 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، ذلك أن الإدارة لم تستحضره أمام المجلس التأديبي للدفاع عن حقوقه قبل إنزال العقوبة المتخذة في حقه...".[11]
إن القضاء الإداري اعتبر عدم استدعاء الموظف المتهم للحضور أمام المجلس التأديبي خرقا لمبدأ حقوق الدفاع، حيث ذهبت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى في قضية خدراني حسن حيث قضت بتأييد الحكم المستأنف و الصادر عن المحكمة الإدارية بوجدة و القاضي بإلغاء القرار التأديبي الصادر في حق الطاعن."... و حيث أن الثابت من أوراق الملف و خاصة ما أدلت به الإدارة... و أنها لم تدلي بما يثبت توصل المدعي بذلك الكتاب أو محضر مجلس التأديب لم يتضمن بدوره ما يفيد استدعاء المدعي و لا مثوله أمامه للدفاع عن نفسه".[12]
من خلال ما سبق، يتضح لنا أن القاضي الإداري حريص كل الحرص على أن تحترم الإدارة حق الموظف المتهم في الحضور أمام المجلس التأديبي، و إذا أخلت الإدارة بهذه القاعدة، فإنه يحق للقضاء الإداري إلغاء قراراتها.
ب- الحق في الاستعانة بمدافع و شهود
يعتبر حق الدفاع المخول للموظف للدفاع عن نفسه ضد الاتهامات المتابع بها من الضمانات الأساسية المقدمة إليه، ويعتبر ضمن المبادئ العامة للقانون التي تلزم الإدارة باحترامها،و التي و لو لم يكن قانون مكتوب ينص عليها، فإن الإخلال بها يؤدي إلى اتسام القرار الإداري بعدم المشروعية الموجب للإلغاء [13] و لقد أكد ظهير 24 فبراير 1958 هذا الحق، و جسده في مجموعة من الإجراءات التي سيستفيد منها الموظف المتابع تأديبيا.[14]
و بالنظر لفعالية حق الاستعانة بالمحام كضمانة إجرائية لرقبة فعالة في إطار قاعدة حق الدفاع، يحرص القضاء الإداري على أحقية المعني بالقرار في إحضار محام باختياره، و ذكر الشهود.[15] وقد نص على هذا الإجراء بعض النصوص التشريعية منها على سبيل المثال، في المغرب، المقطع الأخير من الفصل 67 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية. إن إتاحة الفرص للمتهم لإحضار مدافع عنه أمام المجلس التأديبي ذو أهمية كبيرة، لكون المحامي يكون أكثر دراية و إلماما بالقانون من الموظف.
لذلك فالسماح للموظف المتهم بأن ينصب محام من شأنه أن يجعل الموظف في وضع صريح اتجاه طريقة دفاعه، و لكون الموظف يكون في أغلب الأحيان على غير دراية بالإجراءات القانونية. و تقرر هذا الحق في فرنسا بمقتضى بعض النصوص التشريعية الخاصة كالمادة 6 من مرسوم الإدارة العمومية الصادر في 10 أبريل 1954، و التي تقرر بموجبها " أن المحامين يباشرون وظيفتهم دون تصريح...أمام كل هيئات التأديب".
عمل القضاء على مد نطاق تطبيق هذه القاعدة بنوع من الصرامة و ذلك منذ مدة طويلة، فقد ألغت الغرفة الإدارية قرار عزل الطاعن بسبب عدم تمكينه من الدفاع عن نفسه و مصحوبا بمحام من اختياره.[16] علما أن مجلس الدولة الفرنسي، عمل على مدى نطاق تطبيق هذه القاعدة و اعتبرها ذات مدى عام و لا تحتمل الاستثناء إلا في حالة التي تكون فيها مساعدة المحام تتعارض مع الهيئة التأديبية أو تكون هذه المساعدة مستبعدة بنص صريح.
و قد كان هذا الاستثناء الأخير محلا للنقد من طرف الأستاذ MAESTRE بقوله: " أنه يمكن التغلب على ذلك بأنه لما كان المجلس قد عمم مبدأ الاستعانة بمحام ما لم ينص على عكس ذلك، فإنه انطلاقا من هذا المفهوم، يجب أن يكون حق الموظفين الذين لا يخضعون للنظام العام للوظيفة أن يحضروا معهم أثناء الاطلاع على الملف محاموهم و ذلك لتحقيق الفعالية من الدفاع".[17]
كما أنه و نظرا لأهمية شهادة الشهود فإن غالبية التشريعات تنص على أنها من مقتضيات حق الدفاع و مظاهره الأساسية أن يسمح للموظف المتهم بإحضار شهود النفي، ذلك ما أقره المشرع المغربي في آخر الفصل 67 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية "...وأن يستحضر بعض الشهود".
و القضاء الإداري المغربي يحرص على ممارسة الموظف المتهم حق إحضار الشهود في إطار قاعدة حق الدفاع، وأي إغفال أو حرمان من هذا الحق يعتبر تجاوزا في استعمال السلطة، و إخلالا جوهريا بمبدأ حق الدفاع. فقد قضت محكمة الاستئناف بالرباط في قرار لها ما يلي: " إن رفض الإدارة اختيار الموظف أحد الأشخاص للدفاع عنه أمام المجلس التأديبي بدعوى أنه ينتمي إلى هيئة نقابية يجعل القرار الإداري المتخذ في حق الموظف المذكور متسما بتجاوز السلطة لخرق حقوق الدفاع الذي يشكل ضمانة من الضمانات المنصوص عليها في الفصل 67 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية الذي لا يستثني المنتمي إلى هيئة نقابية من أن يكون مدافعا عن الموظف."[18]
و عليه، يتبين لنا بأن للشهود دور كبير في إثبات التهم المنسوبة إلى الموظف أو نفيها، لذلك يتعين تمكين الموظف من إحضار الشهود من أجل تحقيق دفاعه، و عدم استبعاد هذا لأي سبب من الأسباب، بل يجب تمديد رقابة القاضي الإداري لمعرفة ما إذا كان غياب الشهود في بعض الحالات يرجع إلى ضغوطات أو تهديدات مادية أو معنوية.
إن القاضي الإداري، بتمديد نطاق تطبيق مسطرة حق الدفاع، يبذل قصارى جهده ليتخطى عدة عراقيل و ذلك بهدف تحقيق رقابة قضائية نزيهة تمنح للعاملين بالإدارة حماية أكثر ضمانة.[19]

الفقرة الثالثة: الضمانات أمام المجلس

أ- حياد أعضاء المجلس التأديبي
و يقصد بالحياد(lmpartialité) أن من يبدي رأيه يمتنع عليه الاشتراك في نظر القضية و الحكم فيها و ذلك ضمانا لحيدة القاضي أو عضو المجلس التأديبي الذي يجلس من المتهم مجلس الحكم و بين سلطة الاتهام حتى يطمئن إلى عدالة قاضية و تجرده من التأثر بعقيدة سبق أن كونها عن المتهم موضوع المحاكمة [20] ، بمعنى أنه يجب على كل من يجلس مجلس القضاء ألا يكون قد كتب أو استمع أو تكلم حتى تصفو نفسه من كل ما يمكن أن يستشف رأيه في المتهم بما يكشف لهذا الأخير مصيره مقدما بين يديه [21].
و إذا كان المشرع المغربي في قانون الوظيفة العمومية و في المرسوم [22] المنظم للجان الإدارة المتساوية الأعضاء لم يتحدث على عنصر الحياد خلال الحديث عن مسطرة تأديب الموظفين فإنه لا مانع من الاستئناس بمقتضيات الفصل 295 و ما يليه من قانون المسطرة المدنية المنظمة للتجريح، و على هذا الأساس يكون عضو المجلس التأديبي ملزما بالتنحي عن حضور الجلسة التأديبية:
- إذا كان له مصلحة شخصية في الملف التأديبي
- إذا وجدت قرابة أو مصاهرة بينه و بين المتابع تأديبيا
- إذا قدم استشارة أو أدلى بشهادة خلال إجراءات التحقيق
- إذا وجدت صداقة أو عداوة مشهورة بين أحد أعضاء المجلس التأديبي و الموظف
و إذا علم أحد أعضاء المجلس التأديبي بوجود سبب من أسباب التجريح عليه أن يتنحى عن حضور المجلس التأديبي ضمانا لمصداقية القرار الـتأديبي و يطمئن المتابع تأديبيا لهذا القرار، علما أن تقدير ما إذا كان السبب المثار من طرف الطاعن يستوجب تنحي عضو المجلس يدخل ضمن السلطة التقديرية للمحكمة التي تقرر ما إذا كان هذا السبب قد مس بعنصر الحياد أم أنه لم يكن كذلك.[23]
و قد ذهبت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء في أحد قراراتها إلى أنه من مقومات المحاكمة التأديبية ضرورة توفر عنصر الحياد في الجهاز التأديبي حتى يمكن الاطمئنان لقراره، فحضور المسؤول الذي حرر التقرير التأديبي في مواجهة الموظف و كذا أحد الشهود على المخالفة الإدارية بصفتهم أعضاء في المجلس التأديبي يشكل مسا بعنصر الحياد، إذ يستوجب إلغاء القرار التأديبي بسبب مخالفة القواعد العامة للمحاكمات [24].
و في قرار للمحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 18/3/1994 [25] ذهبت فيه إلى أن ترأس المفتش العام للمجلس التأديبي رغم أنه هو الذي حرر محضر التفتيش المستند إليه في تأديب الطاعن جعل من الرئيس المذكور خصما و حكما و أبعده عن الحياد و التجرد الذي كان يجب أن يتحلى به مما أضفى على القرار المطعون فيه صبغة عدم المشروعية المتجلية في فقدان الطاعن للضمانات التي يوفرها القانون للموظف المتابع تأديبيا.
و في قرار آخر أكدت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء نفس المبدأ [26] بقولها، تشكيل المجلس التأديبي بعدد أقل من الأعضاء المحددين قانونا و عدم الإدلاء بما يفيد استدعاء باقي الأعضاء المشكلين للمجلس المذكور يشكل مخالفة قانونية و مسا بأحد الضمانات الأساسية المخولة للمتابع تأديبيا، أن مبدأ الحياد يقتضي أن كل من يتولى التحقيق في المخالفة التأديبية أو اتصل بأي مرحلة من مراحل الاتهام ليس له الحق في حضور المحاكمة التأديبية... مشاركة أحد المسؤولين في اجتماع المجلس التأديبي رغم سبق إجرائه بحثا حول ما نسب للموظف المتابع تأديبيا و إبداء رأيه في المخالفة التأديبية في تقرير مقدم للإدارة... يجعل عنصر الحياد غير متوفر في الجهاز التأديبي.
ب- تعليل القرارات التأديبية
سبب القرار الإداري هو العنصر القانوني أو الواقعي الذي يحذو بالإدارة لإصداره، فهو حالة واقعية أو قانونية تحمل الإدارة على التدخل قصد إحداث أثر قانوني معين محل القرار ابتغاء تحقيق الصالح العام و هو هدف القرار، و سبب القرار التأديبي هو ثبوت مخالفة الموظف أو العامل بمرافق الدولة للواجبات الأخلاقية و الوظيفية المفروضة عليه و يكون تدخل الإدارة لتحقيق الردعين الخاص و العام و للحفاظ على كرامة الوظيفة أو القطاع الذي ينتمي إليه المتابع تأديبيا. [27]
في هذا الصدد ألزم المشرع صراحة بضرورة صدور القرار التأديبي عن المجالس الجهوية معللا، بالأسباب الواقعية والقانونية التي دفعت المجلس إلى تقدير عقوبة دون أخرى، هذا إلى جانب ذكر المبررات القانونية لتدخله لأجل إصدار هذه العقوبة.[28]
وعلى أية حال، فإلى جانب الفصل 53 من الظهير المذكور، جاء قانون 01-03 ليعزز مسألة ضرورة تعليل مقررات التأديبية، بحيث يعد معيبا كل قرار تأديبي لا يتضمن شكلية التعليل، وهو ما تواتر عليه العمل القضائي بعد وقبل هذا القانون.[29]
في هذا السياق، يؤكد الفقه على الأهمية القصوى التي يكتسيها مبدأ تعليل القرارات الإدارية أو تسبيبها من الناحية الشكلية، لأن تضمين القرارات الإدارية أسبابها الحقيقية تعد من أفضل الوسائل التي تسهل مراقبة الأفراد و القضاء الإداري لمشروعية القرار الإداري[30]، فقانون 03.01 يزم الإدارة المغربية عند اتخاذها لقرار معين أن تعلله و تبين أسبابه [31].
و قد استقر القضاء الإداري على أن الجزاء التأديبي كأي قرار إداري يجب أن يقوم على سبب يبرره فإذا ثار نزاع حول ذلك، فإن للقضاء التحقق من صحة قيام الأفعال المنسوبة إلى الموظف و هل هي مستخلصة استخلاصا سائغا من أصول تنتجها أو التكييف القانوني لهذه الأفعال على فرض حصولها و هل تكون الجريمة التأديبية طبقا للقانون، و ليس من شك أن سلطة الإدارة من هذه الناحية أو تلك ليست سلطة تقديرية بل هي سلطة محددة بحدود القانون و تلك القيود هي رقابة قانونية و ليست رقابة موضوعية تتحرى بها مدى مطابقة القرار الإداري للقانون أو عدم مطابقته إياه [32].
و من شروط السبب المؤدي لاتخاذ القرار التأديبي أن يكون قائما عند اتخاذه و أن يكون حقيقيا و محددا بوقائع ظاهرة، و إذا كان سبب القرار التأديبي هو الحالة الواقعية و القانونية التي دفعت الإدارة لاتخاذ قرارها فإن ذلك يعني ضرورة توافر الظروف المادية الخاصة التي كانت السبب في اتخاذ القرار أو الشروط القانونية المؤدية لصدور هذا القرار، فمتى انعدم الباعث المادي أو القانوني كان القرار مشوبا بعيب السبب و في ذلك تقول المحكمة الإدارية العليا في أحد قراراتها " و من حيث أن القرار الصادر بفصل المدعية هو قرار تأديبي يجب أن يقوم على سبب و لا يجب في هذه الحالة- كما يقول الحكم المطعون فيه ثبوت واقعة معينة مما أسند للمدعية في الشكوى و في تقرير المباحث- إذ يكفي لتحقيق المسؤولية و بالتالي إنزال العقاب الإداري أن تستخلص الجهة الإدارية الواقعة التي بنت عليها الجزاء استخلاصا سائغا و مقبولا من واقع الأوراق المطروحة عليها، و ليس لجهة القضاء رقابة على هذا الاقتناع ما دامت الأوراق التي استخلص منها هذا الاقتناع تؤدي إليه..."[33].
و القضاء الإداري خلال رقابته لعيب السبب في مجال التأديب ملزم برقابة الوجود المادي للواقعة المؤدية للجزاء التأديبي و يقرر إلغاء القرار التأديبي متى ثبت قيامه على وقائع غير صحيحة [34]، كما أنه ملزم بتسليط رقابته على التكييف القانوني للوقائع عن طريق التأكد من الوصف القانوني الذي أعطته الإدارة للمخالفة الوظيفية، فمتى كانت هذه المخالفة لا تجد لها أي سند في القانون كان القرار فاقدا لأحد أهم أركانه و هو ركن السبب...[35] و تمشيا على ما سار عليه مجلس الدولة الفرنسي و المصري و كذا الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى بدأ القضاء الإداري يخرج عن القاعدة العامة المستمدة من حق الإدارة في اختيار الجزاء التأديبي المناسب و أصبح يراقب مدى ملاءمة القرار التأديبي للمخالفات الإدارية و يقرر إلغاء هذه القرارات متى ثبت له وجود عدم تناسب بين السبب و القرار. ففي قرارها الصادر بتاريخ 20/2/2006 أثبتت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء إلى أن سلطة الإدارة في ملاءمة العقوبة التأديبية للمخالفة المنسوبة للطاعن ليست مطلقة. وأن هذه السلطة مقيدة بعدم الانحراف و الخطأ البين في التقدير[36] ،و في إطار رقابتها على مدى ملاءمة العقوبة للفعل المنسوب للموظف ذهبت إلى:
و حيث لما كان الثابت فقها و قضاء أن مبدأ التناسب بين خطورة الذنب المرتكب من طرف الموظف و الجزاء المقرر له في قرار التأديب في فقه القانون العام أو القانون الإداري هو صفة لعلاقة منطقية ومنسقة تربط بين عنصرين أو أكثر من عناصر القرار الإداري أو العمل القانوني العام بحيث يتعين على مصدر القرار الإداري عدم إغفاله أو الخروج عليه نزولا على دواعي الشرعية ، ذلك أن مبدأ التناسب باعتباره من المبادئ العامة للقانون هو ميدان الجزاء وشرعيته باعتباره من الحدود الدنيا لمتطلبات الحماية المقبولة التي توفرها الدولة القانونية لحقوق مواطنيها و حرياتهم و التي تندرج تحتها ألا يكون الجزاء على أفعالهم إفراطا بل متناسبا معها و متدرجا بقدر خطورتها و وطأتها على الصالح العام، فلا يكون هذا الجزاء إعناتا و من ثم فإن شرعية الجزاء لا يمكن ضمانها إلا إذا كان متناسبا مع أفعال أتمها المشرع أو منعها.
و حيث إن ما تمسكت به الإدارة من كون قرار الطعن قد انبنى على إخلالات مهنية صادرة عن الطاعن أجملتها في قيامه بتبديد أوراق رسمية تتعلق بصفحات من السجل العام الخاص بالواردات على مستوى المصلحة التي كان يشرف على تسيير شؤونها، فإنها أسباب لا يمكن الارتكان إليها لتقرير عقوبة العزل في حق الطاعن الذي دأب منذ التحاقه بمكتب استغلال الموانئ على العمل بتفان و جدية جعلته يتحمل مسؤوليات مهمة في المكتب الذي ينتمي إلى أسلاكه و ذلك لأزيد من عشرين سنة دون أن تسجل بملفه أية خروقات أو شوائب تمس بكفاءته المهنية أو الأخلاقية مما يكون معه قرار العزل الصادر في حقه متسما بالغلو في التقدير و خارقا لمبدأ التناسب الواجب توافره في الجزاء التأديبي.
و حيث إنه استنادا لما سبق بيانه يكون الطعن مرتكزا على أساس سليم الأمر الذي يناسب التصريح باعتباره و إلغاء القرار المطعون فيه [37].
مما سبق، نستخلص أن اجتهادات القاضي الإداري عبر الأحكام التي أشرنا إليها، أعطتنا مفهوما واحدا و شامل ألا و هو إقرار القضاء الإداري و تكريسه لمجموعة من الضمانات الأساسية سعيا وراء تحقيق محاكمة تأديبية عادلة ، و لا سيما حق الدفاع الذي يمكن اعتباره أساسها باعتباره من المبادئ العامة للقانون [38]، كما تجدر الإشارة على أن الضمانات الممنوحة للموظفين هي نفس الضمانات المخولة للأطباء العاملين بالقطاع العمومي.

المطلب الثاني: التأطير القضائي للمتابعة التأديبية

في ظل غياب أية معلومات منشورة بشأن قرارات تأديبية صادرة في حق أطباء مخلين سواء من قبل المجلس الوطني للهيئة الوطنية أو المجالس الجهوية، وفاء لمبدأ التضامن بين زملاء المهنة و كذا عدم استجابة الهيئة الوطنية بالرباط لطلب تزويدنا بمعلومات في شأن موضوع بحثنا[39] ارتأينا محاولة بناء تصور للطبيعة القانونية للمتابعة التأديبية بشكل عام من خلال الاجتهاد القضائي الإداري للاعتبارات التالية:
- كون المتابعة تطال الأطباء العاملين بالقطاع العام بوصفهم موظفين عموميين كما تطال أي موظف آخر
- أن التعديل المدخل على القانون المتعلق بهيئة الأطباء الوطنية سنة 2005 [40] قد جعل قاض من المحكمة الإدارية يشارك لزوما بصوت استشاري في المجلس الجهوي المنعقد في شكل مجلس تأديبي (الفقرة الثالثة من المادة 57) و قاض بالغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى – محكمة لنقض حاليا- يشارك لزوما أيضا في المجلس الوطني المنعقد في شكل مجلس تأديبي (المادة 63 الفقرة الثالثة) مما يفيد أن المتابعات التأديبية للهيئة و تلك الجارية بقطاع الوظيفة العمومية تخضع جميعها لرقابة القاضي الإداري
- لا شيء يمنع من أن تنظر نفس القضية من قبل المجلس التأديبي و كذا من قبل الهيئة القضائية الإدارية
القاعدة الأولى، تقول أن وسائل الإثبات في الخروقات المهنية تختلف عنها في الجرائم، حيث ترتكز الأولى على مجرد مجموعة من الوقائع المادية قد تثبت من الرد على الاستفسار الموجه للمعني أو اعتراف مفصل أمام المجلس التأديبي و به ثبت اجتهاد صادر عن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى بالقرار عدد 181 مؤرخ في 21/02/2007 ملف إداري عدد 609-4-1-2005 [41] و تبعا لقاعدة المبسطة هذه يمكن للهيئة أن تلعب دورا رادعا في شأن الأخطاء الطبية و تنزل بها إلى نسبة متدنية.
القاعدة الثانية، إذا توبع الموظف بنفس الأفعال جنائيا و تأديبيا، فإن الحكم الجنائي يلزم المجلس التأديبي (حيث أن البراءة تضع حدا للمتابعة التأديبية) و هو ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط في قرارها عدد 122 بتاريخ 14/03/2007[42].
القاعدة الثالثة، و على العكس من ذلك، فإن الحكم ببراءة الموظف من المتابعة الجنائية لا يحول دون متابعته تأديبيا إذا ما شكلت الأفعال التي برئ منها مخالفة مهنية طبقا لقرار محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط في قرارها عدد 1098 بتاريخ 15/10/2008 [43] نستشف من ذلك أن القضاء الإداري يستحث الخطى باحثا عن قواعد تسعف في غياب نص بالمسؤولية الطبية الإدارية حائرا بين التشديد و التخفيف.
و في هذا الإطار يمكننا أن نتحدث كذلك عن إمكانية الجمع بين العقوبات الجنائية و العقوبات التأديبية، بحيث تنص المادة 69 من القانون رقم 94-10 المتعلق بمزاولة
مهنة الطب على ما يلي:"الأطباء المحكوم عليهم من أجل ارتكاب أفعال موصوفة بجنايات أو جنح ضد الأشخاص و نظام الأسرة و الأخلاق العامة، يمكن أن يتعرضوا، زيادة على العقوبة الأصلية، إلى منع مؤقت أو نهائي من مزاولة مهنة الطب...."
و تنص المادة 70 من نفس القانون:" تباشر المتابعات القضائية التي قد يتعرض لها الأطباء بحكم هذا القانون زيادة على الدعوى التأديبية التي يمكن أن تترتب على الأفعال المؤاحذ عليها..."
و تنص المادة 42 من قانون 21 مارس 1984 متعلق بهيئة الأطباء الوطنية " لا تحول الدعوى التأديبية المقامة أمام مجلس الهيئة دون إقامة دعوى النيابة العامة أو دعوى الأفراد أمام المحاكم.
غير أن للمجلس الوطني وحده أن يقرر توجيه الملف المكون لإقامة الدعوى التأديبية إلى النيابة العامة إذا طلبت منه ذلك لإقامة الدعوى العامة".
فالأخطاء التأديبية هي أخطاء مهنية ليست لها صبغة مدنية أو جنائية مباشرة، و ذلك فإنها لا تتطاول على هذه المجالات القضائية غير المنافسة لها. فالمتابعة الطبية التأديبية لا تسمح بالدعوى القضائية و لا تمنع منها.[44]
إلا أن هذا المبدأ لا يمنع من أن الدعوى التأديبية تؤثر على الدعوى الجنائية و الدعوى المدنية و تسمح بالتأكيد على أنه عندما يتعلق الأمر بفعل وحيد (خرق السر المهني مثلا)، فإن الخرق يكون بشكل متوازي لقانون الأخلاقيات و القانون الجنائي و القانون المدني و من ثم يمكن لثلاثة مساطر أن تتعايش.
و الدعوى التأديبية هي دعوى ضمية و ليست بديلة و القانون الفرنسي صريح بهذا الخصوص[45] كما أن محكمة النقض الفرنسية أكدت دائما على أن للدعويين موضوعان مختلفان تماما، فلا يختلطان و لا تلغي إحداهما الأخرى. و قاعدة عدم جواز المتابعة من أجل نفس الفعل لا يمكن الدفع بها بما أن حجية الشيء المقضي به لا يحتج بها أمام المحكمة الجنائية أو المدنية. فقرار المحكمة التأديبية لا يلزم القاضي الجنائي في شيء و العكس صحيح.
"إن الطبيب يمكن أن يعاقب جنائيا و مدنيا دون أن يتعرض للمساءلة التأديبية و على العكس و في أحلك الظروف، يمكن أن يتابع بالأوجه الثلاثة" [46]

المبحث الثاني: الرقابة القضائية على قرارات تأديب الأطباء

ان وجود رقابة قضائية على مشروعية تصرفات الإدارة يمثل ضمانة مهمة من ضمانات حقوق الأفراد وحرياتهم لما في ذلك من تبني لشرعية دولة الحق و القانون ، والقاضي هو مفتاح الالتزام بسيادة القانون ويتوقف عليه احترامه بمعناه الواسع الذي يتجاوز التقيد المجرد بالنصوص إلى احترام مضمون القانون من حيث وجوب حمايته لحقوق الإنسان . فإذا عجز القانون عن توفير الحماية لم يصبح جديرا بأن تكون له السيادة.
لذلك يجب ان يكفل النظام القضائي في الدولة سيادة القانون القائمة على احترام حقوق الإنسان فيما يوفره من عناصر تتمثل في تكوين جهات التقاضي واختيار القضاة وضمان استقلالهم وحيادهم .
وقد اقتضت وظيفة النظام القضائي تلك إيجاد قضاء يعمل على ضمان احترام الحقوق والحريات في التشريعات الداخلية من خلال الرقابة على أعمال الإدارة وضمان مشروعية تصرفاتها ، إذ أن وجود الإدارة طرفا في علاقة قانونية مع الأفراد ، بما تتمتع به من سلطات وامتيازات كثيرة ، يؤدي في كثير من الأحيان إلى ارتكاب الإدارة بعض الأخطاء عندما تصدر قراراتها ، كما قد يحدث أن تتجاهل الإدارة بعض القواعد القانونية التي سنها المشرع حفاظا على مصلحة الأفراد.
ولما كانت الإدارة في اتصال مستمر مع الأفراد فقد تؤدي هذه الأخطاء إلى الضرار بهم والاعتداء على حقوقهم ، ومن مقتضيات العدالة ومقوماتها أن تخضع الإدارة لحكم القانون وأن تكون كلمة القانون هي العليا ، ولابد لذلك من تنظيم رقابة قضائية على أعمال الإدارة تضمن سيادة حكم القانون. يقول الأستاذ عبد الرزاق
الشهوري في هذا المعنى ( أن من كان مظلوما وكان خصمه قويا كالإدارة، فلابد له من جهة يتقدم إليها بشكواه ولاشيء أكرم للإدارة وأحفظ لمكانتها من أن تنزل مع خصمها إلى ساحة القضاء تنصفه أو تنتصف منه وذلك أدنى إلى الحق والعدل وأبقى للهيبة والاحترام ). وتعد رقابة القضاء على أعمال الإدارة أهم وأجدى صور
الرقابة وأكثرها ضمانا لحقوق الأفراد وحرياتهم لما تتميز به الرقابة القضائية من استقلال وحياد.[47]
ففي ظل القضاء العادل تحترم الحريات وتصان الحقوق، وبغياب القضاء العادل المستقل و النزيه تهدر الحقوق وتنتهك الحرمات . ومن مقتضيات العدل أن تخضع الدولة بهيئاتها وأفرادها جميعهم لأحكام القانون ولا تخرج عن حدوده.
تعتبر قرارات تأديب الأطباء قرارات إدارية تخضع لرقابة القاضي الإداري، إلا أنه يرجع اختصاص في النظر في طلبات إلغائها، وفق مقتضيات ظهير 21 مارس 1984 بمثابة قانون المتعلق بهيئة الأطباء الوطنية، إلى محكمة النقض. لكن ما موقف المحاكم الإدارية من البت في هذا النوع من القرارات؟
في هذا الإطار سنقوم بدراسة هذا المبحث في مطلبين أساسيين، سنحاول تسليط الضوء على رقابة محكمة النقض على قرارات تأديب الأطباء (المطلب الأول)، على أساس أن نتطرق إلى إشكالية تنازع الاختصاص بين الغرفة الإدارية و المحاكم الإدارية للبث في قرارات تأديب الأطباء (المطلب الثاني).

المطلب الأول : رقابة محكمة النقض على قرارات تأديب الأطباء

ينص الفصل 41 من ظهير 21 مارس 1984 على أن " القرارات التأديبية التي يصدرها بصفة نهائية المجلس الوطني لهيئة الأطباء الوطنية يمكن الطعن فيها أمام المجلس الأعلى طبق الشروط المقررة في الفصل 353 من ق.م.م" [48]
باستقرائنا لهذا النص، يتضح أن المشرع اقتصر على المجلس الأعلى – محكمة لنقض حاليا- كجهة قضائية وحيدة التي يرجع الاختصاص لها بالنظر في القرارات التأديبية المتعلقة بالأطباء والصادرة عن المجلس الوطني. فبمقتضى المادة 41 من الظهير المنظم لهيئة الأطباء نصت على أن الطعن في القرارات التأديبية الصادرة عن المجلس الوطني للهيئة يتم أمام الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى وفق الإجراءات المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية.
في إطار هذه المقتضيات، لقد واجه اختصاص الغرفة الإدارية بعض الانتقادات ، خاصة بعد إحداث المحاكم الإدارية والتي أصبحت في نظر مجموعة من الفقه صاحبة الاختصاص في النظر في الطعون المقدمة ضد القرارات التأديبية المتعلقة بالأطباء قبل أن تصل إلى الغرفة الإدارية على اعتبار أن المادة 9 من قانون 90/41 حددت على سبيل الحصر القضايا التي تنظر فيها الغرفة الإدارية وهي : المقررات التنظيمية والفردية الصادرة عن الوزير الأول وقرارات السلطات الإدارية التي يتعدى نطاق تنفيذها دائرة الاختصاص المحلي لمحكمة إدارية.[49]
وإلى جانب هذا الانتقاد يتساءل البعض عن سبب ، حرمان الطبيب المتهم باقتراف مخالفة تأديبية من درجات التقاضي ورفع الدعوى مباشرة أمام الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى دون مرورها بالمحكمة الإدارية ثم محكمة الاستئناف الإدارية لتصل بعد ذلك إلى درجة النقض أمام محكمة النقض.
و من هذا المنطلق يتبادر إلى أدهاننا سؤال جوهري فيما يتعلق بالتدرج على مستوى التقاضي، ألا يشكل هذا الإجراء إجحافا وحرمانا للطبيب من درجات التقاضي حتى يتسنى له الدفاع عن حقوقه ؟
و نلاحظ أنه حتى بعد صدور القانون الجديد رقم 08.12[50] المتعلق بالهيئة الوطنية للطبيبات و الأطباء و الذي لم يفعل بعد، جاء في مادته 61 : "يمكن الطعن في القرارات التأديبية الصادرة استئنافيا عن الهيئة التأديبية للمجلس الوطني من طرف المشتكي أو الطبيبة أو الطبيب المشتكى به أو الإدارة التابعة لها الطبيبة أو الطبيب بمحكمة النقض وفقا للشروط المقررة في قانون المسطرة المدنية."[51] ليس فيه جديد يذكر فيما يخص الطعن في قرارات الهيئة مباشرة أمام المحاكم الإدارية، و قد أسند الاختصاص إلى محكمة النقض. كما تجدر الإشارة إلى أن القانون المذكور قام بتغيير حتى اسم هيئة الأطباء الوطنية و الذي يصبح بعد تفعيله الهيئة الوطنية للطبيبات و الأطباء.

المطلب الثاني: تنازع الاختصاص بين الغرفة الإدارية و المحاكم الإدارية للبث في قرارات تأديب الأطباء

لقد اتخذت المحاكم الإدارية موقفا متأرجحا بين الإعلان عن اختصاصها في طلب إلغاء القرارات التأديبية الصادرة عن المجلس الوطني لهيئة الأطباء وعدم الاختصاص وإحالة الأمر على الغرفة الإدارية بمحكمة النقض .
إذا كانت لهيئة الأطباء كما رأينا سلفا سلطة تقديرية واسعة في إصدار العقوبة وتوقيع الجزاء على الأطباء، فإن هذه السلطة التقديرية تخضع رقابة القضاء الإداري، وفي نسقين اثنين رقابة المشروعية، ورقابة الملائمة كتوجه حديث،
بحيث أن للطبيب محل العقوبة التأديبية، أن يطعن في هذا القرار عن طريق دعوى الإلغاء التي أسندها المشرع في القانون رقم 90-41 المحدث للمحاكم الإدارية، مع مراعاة الاستثناءات الواردة في القانون بشأن الاختصاص للغرفة الإدارية، وللمحكمة الإدارية بالرباط . [52]
فقد أورد المشرع عيوب المشروعية على سبيل الحصر في إطار مقتضيات القانون رقم 90-41 من قانون المحاكم الإدارية والذي جاء فيها ما يلي: ''كل قرار إداري صدر من جهة غير مختصة أو لعيب في شكله أو لانحراف في السلطة أو لانعدام التعليل أو لمخالفة القانون يشكل تجاوزا في استعمال السلطة، يحق لمتضرر الطعن فيه أمام الجهة القضائية الإدارية ."
فمن الإشكالية الصادرة في هذا الإطار حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء والذي قضت فيه بعدم مشروعية تشكيل المجلس التأديبي وبالتالي إلغاء هذا القرار لعدم مشروعيته [53] ، و هو ما يفيد بأن المحكمة الإدارية بالبيضاء تختص نوعيا للبث في هذا النوع من القرارات.
أما المحكمة الإدارية بالرباط، فقد رفضت الاختصاص وأقرت باختصاص الغرفة الإدارية بالطعن في قرارات التأديبية الصادرة عن المجلس الوطني لهيئة الأطباء، و هو ما عبرت عليه إدارية الرباط بخصوص البث في القرارات التأديبية الصادرة عن المجلس الوطني لهيئة الأطباء في حق الأطباء ، حيث قضت في حكمها عدد 212 الصادر بتاريخ 1999/3/18 " أن الظهير الشريف الصادر بتاريخ
07-08-1996 والمغير والمتمم للظهير 1984/03/21 المتعلق بهيئة الأطباء لم يغير الفصل 41 مما يؤكد على أن المشرع أراد أن يبقي الاختصاص للبت في الطعن بالإلغاء ضد المقررات التأديبية الصادرة عن المجلس الوطني موكولا للمجلس الأعلى –محكمة النقض حاليا- مما يجعل المحكمة الإدارية غير مختصة."
فالقاضي الإداري منذ إحداث المحاكم الإدارية ذهب إلى مراقبة تناسب العقوبة مع الخطأ، حيث يراقب مدى ملائمة العقوبة التأديبية لحجم المخالفة، وبالتالي فهو يمارس رقابة واسعة على السلطة التقديرية، وكذا احترام تطبيق العقوبات المنصوص عليها في القانون المنظم لهيئة الأطباء، وفي الكثير من الأحيان يقوم القاضي الإداري بإلغاء العقوبة، إلا أن الغرفة الإدارية أقرت في قرار لها عدد 525 الصادر في 12/05/2004، حيث تم توقيع عقوبة تأديبية في الفصل كجزاء، وقد أعطلت الإدارة في تقريرها أن سبب النقل راجع للخلافات والمشاحنات بينه وبين ممرض ، يكفي للاعتبار القرار المطعون فيه جزاءا تأديبيا ، وقد علل الطاعن في طعنه، بأنه لم يتم احترام مسطرة التأديب، لذلك قدم طعنه بسبب الشطط في استعمال السلطة، لإلغاء القرار الصادر عن الإدارة (مندوب وزارة الصحة)، بسبب انعدام التعليل، والانحراف في المصلحة العامة، وكذا عدم الاختصاص مصدر القرار، وقد قضت الغرفة بإلغاء القرار للاعتبارات السالف ذكرها. [54]
وفي ختام هذا الفصل، يمكن إبداء عدة ملاحظات، تتمثل في أن الظهير الشريف رقم 44/84/1، وإن حاول توفير مقومات وشروط المحاكمة التأديبية العادلة، من خلال خلق درجتين للمتابعة ( المجلس الجهوي والمجلس الوطني كدرجة للاستئناف)
إلا أن مبدأ الحياد والذي يعد أمرا أساسيا كأهم الشروط اللازم توفرها في إطار المسطرة التأديبية ككل، لا يمكن الجزم بورودها ضمن هذه المسطرة مادامت أن الجهات التي لها الحق في إبداء رأيها تدخل كعضو أساسي ضمن تركيبة المجلس أثناء التأديب، الأكثر من هذا، هو أن من له الحق في تحريك مسطرة المتابعة التأديبية هو نفسه من يسهر على سير المداولات. كما هو الأمر بالنسبة لرئيس المجلس الجهوي
كما أن الأعضاء الذين يوكل إليهم أمر إجراء التحقيقات حول ملابسات القضية ويعمدون على إعداد تقارير مفصلة في هذا الإطار، هم نفسهم من يدخلون ضمن التشكيلة القانونية للمجلس أثناء أدائه لمهام التأديب في حق الأطباء المخلين بالتزاماتهم.
لكن هذا لا يعني القدح القاطع في مميزات هذه المسطرة، والتي فتحت ضمانات قانونية واسعة في حق كل من الطبيب المعني والمشتكي بالتعرض على مقرر المجلس الجهوي في حالة الإخلال بإحدى ضمانات حق الدفاع، كصدور القرار دون أن يمثل أمام المجلس.
وعموما فهذا القانون يستدعي ضرورة مراجعته، وذلك من خلال ترسيخ تعديلات جوهرية فيه، و بالفعل هذا ما قام به المشرع بإصداره لقانون 08.12 المتعلق بالهيئة الوطنية للطبيبات و الأطباء بتاريخ 13 مارس 2013، إلا أنه لم يتم تفعيله بعد، و يتكون من 98 مادة موزعة على خمسة أبواب، و تجدر الإشارة إلى أن القانون السالف الذكر عندما كان مجرد مشروع تمت مناقشته من لدن مجلس الحكومة السابقة المنعقد برئاسة السيد عباس الفاسي يوم 03-02-2011، و لم يتم خروجه إلى حيز الوجود بتاريخ 13 مارس 2013 مع حكومة السيد عبد الإلاه بنكيران.

خاتمة 
ما هو معدل الأخطاء الطبية بالمغرب؟ و ما عدد الأطباء المؤدبين في السنة ؟ لا نتوفر على إحصاءات رسمية و هذه الإحصاءات لا يمكن إيجادها إلا من خلال عدد القضايا المنظوة من قبل الهيئة و كذا متوسط القضايا سنويا و عدد القضايا التي صدر فيها قرار أو حكم قضائي، و من هنا لا نتوفر على معدل للأخطاء المهنية ببلادنا ممالا يسمح بتوضيح تفاصيل الإستراتيجية اللازم وضعها.
إن الأخطاء المهنية للطبيب تنتج في غالب الأحيان عن جهل الطبيب و افتقاده للكفاءة و الخبرة اللازمة للتعامل مع الحالة و تشخيصها أو إجراء العملية الجراحية المطلوبة، كما أن هناك بعض الأخطاء المهنية الناتجة عن إهمال و تكاسل الطبيب كالتقدير الخاطئ للأدوية أو في اختيار جرعة التخدير...
و الطب فن و ليس و ليس علما دقيقا كما أنه يتطور باستمرار بتطور العلوم، كما أن القرارات التي تفرضها ممارسته تتحدد بعوامل كثيرة، إلا أن الحرية الطبية الواجبة للطبيب لها حدود ينبغي عدم خرقها و إلا خضع في ذلك لنظر القضاء، و عليه فإن ممارسته يلزم أن تؤطر بشكل دقيق من قبل المشرع جملة و تفصيلا، و من هنا تفرض المطالبة بضرورة إيجاد مدونة للصحة العمومية، تعديل و تعزيز القانون المنظم لمزاولة مهنة الطب على مستوى العقوبات، تحيين مدونة الواجبات المهنية للطبيب مع إعطائها صبغة القانون المجرم و المعاقب لخروقاته، تقنين حق المريض في الإعلام و التبصير بمخاطر العلاج .
كما أن على الهيئة الوطنية للأطباء أن تغير موقفها تجاه عملية التواصل مع محيطها، خاصة ما تعلق منه بالبحث العلمي الهادف و عليها أن تؤكد أنها لا تحمي المهملين من الأطباء، بل تدافع فقط عن شرف المهنة و أنه لا يجب التضحية بأحد الهدفين من أجل الآخر، لأن في ذلك تضييع للحقوق مما لا يتماشى و مهمة المنفعة العامة التي تتطلع بها الهيئة بوصفها مرفقا عاما، كما أن من شأن الانغلاق الذي تمارسه الهيئة أن يمنع عنها رياح التلاقح و التجديد و يضيع عليها فرصة الانتقال إلى وسائل التدبير الحديث الذي يعتمد على أنظمة المعلوميات القناة الوحيدة التواصل و للاستماع للآخر.
على الهيئة الوطنية للأطباء أن تتحول إلى حامية لحقوق المرضى من خلال الحضور الفعلي لممثليها داخل المستشفيات العامة لممارسة و تنفيذ إستراتيجية وقائية من خلال موقع إليكتروني فاعل يخصص نافذة للتخاطب مع المتضررين من المرضى و كذا الجهات القضائية المستقبلة لشكايات المتضررين، و على الهيئة أيضا أن تتكلف بوضع خارطة طريق سنوية للتكوين المستمر للأطباء و خاصة من ظهر إهمالهم و تقصيرهم إذا اضطلعت الهيئة بهذه المهام سنكون قد قلصنا من حالات الخطأ و وضعنا الأطباء المخلين تحت المجهر من أجل النهوض بمستواهم.
ضرورة إحداث مؤسسة وطنية للتأمين ضد الأخطاء المهنية، فلابد من تطبيق نظام تأمين إلزامي ضد الأخطاء المهنية للأطباء للحد من أخطائهم.
إن تطبيق معايير الجودة هو الحل للتقليل من الأخطاء، حيث أن كل خطأ طبي في استطاعة الطبيب توقيفه قبل حدوثه، و أن المستشفيات أصبحت مسؤولة عن وضع النظام و شحذ قدرات العاملين بها، و وضع قياس لأداء العمل و الإعتماد على علوم التدبير الحديث للمرافق خاصة تلك التي تقوم بإشباع حاجات المواطنين بشكل مباشر و في ظروف استعجالية تقتضي نجاح و جودة التدخل.


________________________________
الهوامش:
[1]-عبد الغني يفوت،الضمانات الأساسية في مجال التأديب،المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية،عدد84-85،يناير-أبريل2009،ص48.
[2]- خميس اسماعيل، المحاكمات التأديبية أمام مجلس الدولة، ص 389، تمت الإشارة إليه في مقال عبد الغني يفوت، المرجع السابق ص 48
[3] عبد الغني يقوت " الضمانات الأساسية في مجال التأديب" المجلة المغربية للادارة والتنمية المحلية عدد مزدوج 84/85 يناير – ابريل 2009 ص 45.
[4] محمد الأعرج "حماية حقوق الموظف من خلال الرقابة على مسطرة حق الدفاع" المجلة المغربية للادارة والتنمية المحلية عدد 47 ص 121.
[5]- المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، العدد 47، مقال للأستاذ محمد اللأعرج، حول" حماية الموظف من خلال الرقابة على مسطرة حق الدفاع".
[6]- قرار عدد 301 و تاريخ 18/2/2008 في الملف رقم 406/06غ، قضية عمر بن الفتاح (غير منشور)
[7]- الفصل 50 ، مرجع سابق.
[8] عبد الله درميش " خصوصيات التأديب حسب قانون المهنة في المغرب" مجلة المحاكم المغربية عدد 85 ص 34.
[9]-René Chapus, Droit Administratif, 6 ème édition, p. 287
[10]- مريم بنغضيفة، مرجع سابق، ص 33
2-قرار الغرفة الإدارية بتاريخ 31-03-1968 أورده مصطفى التراب في مقاله "المنازعات في مجال الوظيفة العمومية" المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، سلسلة مواضيع الساعة العدد 14-1998، ص 40
3-قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى، عدد 1059، بتاريخ 26-11-1998، منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية "دلائل التيسير" عدد 16-2001
[13]- فدوى امرابط، القاضي الإداري و المنازعات التأديبية، المجلة المغربية للمنازعات القانونية، عدد 7-8، طبعة 2008، ص115.
[14]- عبد القادر باينة، الموظفون العموميون في المغرب، دار النشر المغربية، طبعة 2002، ص 225
[15]-محمد الأعرج، المساطر الإدارية غير القضائية، مرجع سابق، ص 96
[16]- قرار الغرفة الإدارية عدد 454 الصادر بتاريخ 11 مارس 1986
[17]- محمد الأعرج، المنازعات الإدارية و الدستورية في تطبيقات القضاء المغربي، منشورات المجلة المغربية الإدارة المحلية و التنمية، الطبعة الثانية مزيدة و منقحة 2013، ص 78.
[18]- قرار محكمة الاستئناف بالرباط عدد 351 بتاريخ 04-03-2009،مذكور في مقال محمد الأعرج، مرجع سابق، ص 69
[19]- محمد الأعرج، المنازعات الإدارية و الدستورية في تطبيقات القضاء المغربي، مرجع سابق،2013 ، ص 81.
[20]- طعن رقم 438 لسنة 2008 علنيا جلسة 21/11/1981 مذكور في الجرائم التأديبية للمستشار ممدوح طنطاوي، الطبعة الثانية، ص 321
[21]- الدكتور سليمان محمد الطماوي، قضاء التأديب، ص 590
[22]- مرسوم رقم 2.59.200 الصادر في 26 شوال 1378 الموافق 5 ماي 1959
[23]- عبد الغني يفوت، مرجع سابق، ص 51.
[24]- حكم عدد 363 و تاريخ 20/6/2001 منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، عدد 54-55، ص 223، عبد الحق بهية ضد غرفة التجارة و الصناعة و الخدمات بسطات
[25]- أشار إليه الأستاذ محمد نميري، دور القضاء الإداري في حماية حقوق الدفاع بالنسبة للموظفين و في مراقبة ملاءمة العقوبة مجلة المحاكم الإدارية، العدد الثاني، ص 91
[26]- قضية عبد الكبير عرباني ضد إدارة الجمارك، قرار عدد 246 و تاريخ 11/2/2008، ملف رقم 830/2005 غير منشور
[27]- المحكمة الإدارية، طعن رقم 257 لسنة 26 جلسة 27/2/1982
[28] - الفصل 53 من الظهير: ''يكون مقرر المجلس معللا ويبلغ بواسطة رسالة موصل بها في أقرب الآجال...''.
[29] - هناك العديد من الأحكام القضائية في هذا الإطار.
[30]- سعيد النكاوي، تعليل القرارات الإدارية "دراسة مقارنة"، مطبعة المعارف الجديدة الرباط، الطبعة الأولى 2003.
[31]-Mohammed el yaagoubi, la motivation des décisions administratives au maroc,imp.el maarif al jadida-rabat-2011, p7.
[32]- محكمة القضاء الإداري قضية عدد 1386 بتاريخ 23/12/1953 ( مذكور في قضاء الملاءمة و السلطة التقديرية للإدارة، د. سامي جمال الدين، ص 187)
[33]- المحكمة الإدارية العليا 21/9/1960 المذكور في القضاء الإداري: ولايتا الإلغاء و التعويض للدكتور محمد عبد الحميد أبو زيد، ص 127
[34]- حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء عدد 108 و تاريخ 14/2/2007 ملف رقم 338/0
[35]- حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء في الملف عدد 413/02 بتاريخ 23/4/2003 و حكمها كذلك في الملف عدد 269/02 بتاريخ 24/9/2003
[36]- حكم عدد 163 ملف رقم 331/05 غ
[37]- حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء عدد 824 و تاريخ 30/4/2008 في الملف رقم 06/621 غ، المسوكر محمد ضد مكتب استغلال الموانئ
[39]- وثيقة تسهيل مهمة، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية-سلا الجديدة، انظر الملحق.
[40]- ظهير شريف رقم 94-05-1 صادر في 23 نوفمبر 2005 بتنفيذ القانون رقم 03-50 المغير و المتمم بموجبه الظهير الشريف رقم 44-84-1 بتاريخ 21 مارس 1984 المعتبر بمثابة قانون يتعلق بهيئة الأطباء الوطنية، ج.ر. عدد 5373 بتاريخ 28 نوفمبر 2005 ص. 3001
[41]- المنتقى من عمل القضاء في المنازعات الإدارية، إعداد مديرية الشؤون المدنية، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية و القضائية، يوليوز 2010، وزارة العدل، مطبعة إليت، توزيع دار القلم، 220 صفحة، ص 50
[42]- المنتقى من عمل القضاء في المنازعات الإدارية، المرجع السابق، ص 24
[43]- نفس المرجع، ص 30
[44]- ذة. نادية النخلي،المسؤولية الجنائية للطبيب في قانون ممارسة مهنة الطب بالمغرب و مدونة الواجبات الطبية،المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية،ماي-يونيو2012،عدد104،ص38.
[45]-تمت الإشارة إليه في مقال ذة.نادية النخلي، مرجع سابق ، ص38.Code de santé publique, article L.4126-5.
Sophie Hocquet-Berg Bruno Py., « La responsabilité du médecin », Collection Droit Professionnel Heures de France 2009, page 10-[46]
[47]- مازن ليلو راضي، مقتبس من الموقع الإليكتروني:
http://www.ao-academy.org/docs/index.php?fl=the_justice_in_application.doc
[48]- الفصل 41 من الظهير الشريف رقم44-84-1 الصادر في 21 مارس1984 بمثابة قانون يتعلق بهيئة الأطباء الوطنية.
[49]- المادة 9 من قانون 41/90 المنظم للمحاكم الادارية بالغرب.
[50]- الجريدة الرسمية عدد6142 بتاريخ 13 مارس 2013 .
[51]- المادة 61 من الظهير الشريف رقم 16-13-1 الصادر في فاتح جمادى الأولى 1434(13 مارس) المتعلق بالهيئة الوطنية للطبيبات و الأطباء.
[52]- المواد 9 و11 من قانون 90/41 .
[53]- حكم الدار البيضاء بتاريخ 18/12/2002 في الملف عدد 533/2001غ.
[54]- قرار الغرفة الإدارية عدد 525 المؤرخ في 12/05/2004، الملف الإداري عدد 859/4/2003 .

إرسال تعليق

0 تعليقات