Header ADS

اخر الأخبار

المؤسسات العمومية الاستراتيجية بالمغرب

مقال بعنوان: المؤسسات العمومية الاستراتيجية بالمغرب 

مقال بعنوان: المؤسسات العمومية الاستراتيجية بالمغرب PDF


مقدمة

يمكن إدارة المرافق العمومية بواسطة أشخاص إدارية أخرى غير الدولة والمجالس المحلية، والتي يطلق عليها مصطلح المؤسسات العمومية، وهي تعني الأشخاص المعنوية العامة التي يعهد إليها بتيسير مرفق عمومي بصورة مستقلة عن السلطة الإدارية التي كان يتبعها أصلا.
فهذه الطريقة تحتل مركزا مهما من بين طرق إدارة المرافق العمومية في المغرب، حيث نجد كثيرا من المرافق كانت تدار بواسطة الامتياز أو الاستغلال المباشر حولت إدارتها إلى طريقة المؤسسة العمومية وقد أصدر المؤتمر العربي الثاني للعلوم الإدارية المنعقد في الرباط سنة 1960 توصية تهدف إلى تبني هذا الأسلوب وتوسيع مجال تطبيقه فأصبحت المؤسسات العمومية في المغرب متعددة ومتنوعة وتوجد على شكل مكاتب وطنية ومراكز وصناديق وطنية ووكالات مستقلة.
وفي غياب وجود نص قانوني يعرف المؤسسة العمومية يمكن اعتبارها مرفقا عموميا تمنح له الشخصية المعنوية فيكون له بموجبها قدر من الاستقلال المالي والإداري تجاه السلطة الإدارية التي يرتبط بها برابطة الخضوع لوصايتها.
وتجدر الإشارة إلى أن تأسيس المؤسسة العمومية بالمغرب مر بعدة مراحل حيت امتدت المرحلة الأولى إلى غاية 1944والتي تميزت بتأسيس العديد من المؤسسات
قصد تدعيم التواجد الاستعماري وتمتين قبضته على خيرات البلاد ،ثم امتدت المرحلة الثانية من سنة 1944إلى 1955 وهي المرحلة الأخيرة لعهد الحماية وتأسست فيها العديد من المؤسسات العمومية، وتفيد الإحصائيات أن ما يعادل 17٪ من المؤسسات العمومية الموجودة حاليا كانت موجودة في نهاية عهد الحماية، ومن المؤسسات التي أنشئها في هذه الفترة "مكتب الصرف ،مكتب تحديد سعر قيم المنقولات"
ثم امتدت المرحلة الثالثة من 1955 إلى1973 وهي المرحلة الأولى من الاستقلال
تميزت بظهور مجموعة من المؤسسات العمومية غطى نشاطها القطاع المالي والصناعي. بينما المرحلة الرابعة كانت بين 1973و1977 هذه المرحلة ازدادت فيها عائدات الفوسفاط، مما أدى إلى ازدهار إنشاء المؤسسات العمومية وبلغ عددها 1\3 من مجموع المؤسسات العمومية الموجودة في البلاد
وللمؤسسات العمومية دور مهم في الاقتصاد الوطني، إلاّ أن تسييرها قد شكل عبئا تقيلا حيت كلف خزينة الدولة مبالغ باهظة بسبب المساعدات التي تقدمها الدولة لها والناجمة عن سوء الإدارة وعدم الرشد في اتخاذ القرارات مما أدى إلى أزمة المرفق العام ومشاكله.
ومن تم سيتم الانكباب على إصلاح المؤسسات العمومية، هذا المفهوم الذي عرفت بوادره الأولى في فرنسا منذ سنة 1976 عندما صدر تقرير"نورا" الذي كان بمثابة المرجع الأساسي لكل النقاشات التي دارت حول القطاع العمومي والتي كانت يطبق عليها الإصلاح ألتفويتي (الخوصصة) والذي يستثنى من تطبيقه المؤسسات الإستراتيجية التي كانت يطبق عليها الإصلاح الترشيدي لأجل محاولة إخراجها من الأزمة والتغلب على كل الصعاب التي تواجهها.
ومن هذا المنطلق تبرز مكانة المؤسسات العمومية الإستراتيجية أو المؤسسات العمومية الاحتكارية والتي تساهم في دعم ميزانية الدعم وتقوية مداخليها. وتجلت كذلك مكانة المؤسسات العمومية الإستراتيجية من خلال الإقرار الدستوري لها وخاصة الفصل 49 من الدستور الحالي الذي يقع في الباب الخاص بالملكية ويتعلق بالمجلس الوزاري الذي يرأسه الملك ،نجد القضايا والمسائل التي يتداول فيها متعددة بين القضايا ذات الاختصاص الملكي المحض وقضايا أخرى ترجع للصلاحيات المخوّلة لرئيس الحكومة وبمبادرة من الوزير المعني في الوظائف المدنية لوالي بنك المغرب، السفراء والولاة والعمال،المسؤولين عن الإدارات المكلفة بالأمن الداخلي والمسؤولين عن المؤسسات والمقاولات العمومية الإستراتيجية على أن تحدد بقانون تنظيمي لائحة هذه المؤسسات والمقاولات العمومية الإستراتيجية.
وبالفعل قد عمل القانون التنظيمي رقم 02.12 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا على تحديد لائحة المؤسسات والمقاولات العمومية الإستراتيجية التي يعين المسؤولين عنها بظهير بعد المداولة في المجلس الوزاري بناء على اقتراح من الحكومة وبمبادرة من الوزير المعني في (20مؤسسة و17 مقاولة).
ودرسنتا هاته إن كالت بالنجاح تعد من بين الدراسات التي تسعى لتعميق النقاش حول موضوع المؤسسات العمومية الإستراتيجية، حيث لا زال ثمة تقصير بحثي محليا يرصد معالم المؤسسات العمومية الإستراتيجية والأدوار الطلائعية التي تقوم بها فبعض المحاولات القليلة التي حاولات مقاربة هدا الموضوع بقية حبيسة الإطار القانوني ولمفاهيمي، ولم تتجاوزه لتبين لنا أهمية هده المؤسسات والمعايير المتبعة لختبارها. ومدى مساهمتها مقارنتا بالأخرى لم تحدى بصفة الإستراتيجية في الاقتصاد الوطني.
ومن هذه التساؤلات يمكننا صياغة الإشكالية التالية
بناءا على أي أساس تم إضفاء صفة الإستراتيجية على هذه المؤسسات؟
وماهية الشروط الواجب استفاؤها حيت تنتقل هته المؤسسات،من مؤسسات عمومية إستراتيجية إلى مقاولات عمومية إستراتيجية،
وللإجابة على هذا السؤال الإشكالي فإننا عمدنا إلى وضع التصميم التالي:


المبحث الأول : الإطار القانوني للمؤسسات العمومية الإستراتيجية وأنواعها
المطلب الأول : دستورية المؤسسات العمومية الإستراتيجية
الفقرة الأولى: المؤسسات العمومية الإستراتيجية في ضل الدساتير السابقة والدستور الفرنسي
الفقرة الثانية: تحديد المؤسسات العمومية الإستراتيجية
المطلب الثاني : المؤسسات العمومية الإستراتيجية في ضل القانون 02.12
الفقرة الأولى: المؤسسات العمومية الإستراتيجية
الفقرة الثانية: المقاولات العمومية الإستراتيجية
المبحث الثاني : المعايير والأسباب في اختيار المؤسسات العمومية الإستراتجية
المطلب الأول : الاحتكار والمؤسسات العمومية الاستراتيجي
الفقرة الأولى: أنواع ومبررات الاحتكار
الفقرة الثانية: أهم نماذج المؤسسات العمومية الإستراتيجية
المطلب الثاني: المعايير المعتمدة في تصنيف المؤسسات والمقاولات
الفقرة الأولى: ملاحظات اولية حول القانون التنظيمي 12-02
الفقرة الثانية: مبدأ ربط المسؤولية المحاسبة.



المبحث الأول : الإطار القانوني للمؤسسات العمومية الإستراتيجية وأنواعها

مما لا شك فيه أن دسترة المؤسسات العمومية الإستراتيجية وتداولها في المجلس الوزاري وبزوغ القانون02.12 اعط حمولة على عاتق هذه المؤسسات بحكم الطابع الاستراتيجي الذي تلعبه في انعاش القطاعات الحيوية.

المطلب الأول : دستورية المؤسسات العمومية الإستراتيجية

تندرج المؤسسات العمومية الإستراتيجية في إطار المؤسسات التي تحضي بأهمية خاصة لدى دولة معينة، اعتبارا لبعدها الاستراتيجي داخل نسيجها المؤسساتي .
وأخذا بهذه الأهمية قام المشرع الدستوري المغربي ولأول مرة من جهة بإقرارها دستوريا في نص الفصل 49 من الدستور المغربي الجديد لفاتح يوليوز 2011 ومن جهة أخرى أكد بأن لائحة هذه المؤسسات سيتم تحديدها بموجب قانون التنظيمي .[1]
وموازاة بالحديث عن دستورية المؤسسات العمومية الإستراتيجية ينبغي الإشارة الى تعدد هذا النوع من المؤسسات داخل الهيكل المؤسساتي للدولة .


الفقرة الأولى: المؤسسات العمومية الإستراتيجية في ضل الدساتير السابقة والدستور الفرنسي

لقد مر المغرب منذ فجر الاستقلال بمجموعة من التجارب الدستورية انطلقت منذ سنة 1962واستمرت إلى غاية حدود سنة 2011، استطاع المغرب ان يضع طريقها اللبنات الأساسية لنظام السياسي .
ففي إطار هذه الدساتير لم يتم الحديث صراحة عن المؤسسات العمومية باعتبارها مؤسسات تستهدف تحقيق المصلحة العامة وتتميز قانونيا باستقلال مالي وإداري مع خضوعها لرقابة الجهات الوصية، إلا في ضل مقتضيات التعديل الدستوري لسنة 1992 حيث تم النص في الفصل 45 على أن مجلس النواب هو الذي يختص بالتشريع في مجموعة من الميادين منها ميدان إحداث المؤسسات العمومية، وهي نفس المقتضيات التي أكدها التعديل الدستوري لسنة 1996 .
وتجب الإشارة أن دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة لسنة 1958 وباعتبار التعديلات التي خضع لها، أكد بدوره على الطابع الدستوري للمؤسسات العمومية حيث نص في الفصل 34 على أن القانون هو المختص بإحداث أنواع المؤسسات.
على الرغم من هذا الإقرار الدستوري لم يتم الاعتراف ولو نسبيا لبعض المؤسسات بالطابع الاستراتيجي خاصة بالنسبة للمؤسسات ذات البعد الاقتصادي، نظرا للدور الريادي الذي تلعبه في تقوية وتعزيز الاقتصاد الوطني.


الفقرة الثانية: تحديد المؤسسات العمومية الإستراتيجية

لقد نص الفصل 46 من الدستور الجديد على انه سيتم تحديد لائحة المؤسسات العمومية الإستراتيجية بواسطة قانون تنظيمي، وفي انتظار صدور القانون المذكور ينبغي التساؤل عن الكيفية التي سيتم عن طريقها تحديد المؤسسات العمومية الإستراتيجية .
وارتباطا بهذا التحديد، يتميز تحديد القطاعات المعنية بالخوصصة بالاختلاف من حكومة إلى أخرى، حيث أن تحديد هذه القطاعات سيؤدي بطريقة مباشرة إلى تحديد القطاعات ذات الطابع الاستراتيجي والتي تبقى مرتبطة بالدولة.[2]
فبالرجوع إلى قانون 89.39 المتعلق بتحويل منشآت عامة إلى القطاع الخاص الصادر بتاريخ11 ابريل 1990، يتضح أن المؤسسات التي سيتم خوصصتها بموجب هذا القانون يصل عددها إلى 112 باستثناء بعض المؤسسات ذات الطابع الاستراتيجي والتي تم حصرها في المكتب الشريف للفوسفاط، البريد والاتصالات، السكك الحديدية، المكتب الوطني للكهرباء .
لكن السؤال المطروح هو هل من الضروري مثلا خوصصة المكتب الشريف للفوسفاط، علما أن القطاع الذي يقوم عليه حيوي واستراتيجي ؟
ففي هذا الإطار يؤكد يحيى اليحياوي أن خوصصة مؤسسة عمومية غالبا ما يأتي نتيجة إفلاس التسيير بها، وان تحويلها إلى القطاع الخاص إنما يأتي لإنقاذها من الإفلاس المحتمل، كما أن إفلاس مؤسسة ليس بسببها بل هو بسبب القائمين عليها[3].


المطلب الثاني :المؤسسات العمومية الإستراتيجية في ظل قانون 02.12

تتوزع المؤسسات العمومية الإستراتيجية حسب الملحق رقم 1 من القانون التنظيمي 02.12 إلى مؤسسات عمومية إستراتيجية و مقاولات عمومية إستراتيجية،[4] فقد قدم هذا القانون لائحة لهذه المؤسسات التي تنحصر في عشرين مؤسسة عمومية إستراتيجية .و سبعة عشر مقاولة عمومية إستراتيجية .و يعد المسؤلون عنها من ذوي المناصب العليا المنصوص عليها في الفقرة الأخيرة من الفصل 49 من الدستور الحالي. نظرا لعدم إمكانية التطرق لمختلف هذه المؤسسات و المقاولات العمومية الإستراتيجية، سنقتصر على ذكر بعض هذه المؤسسات العمومية الإستراتيجية (الفقرة الأولى ) و بعض هذه المقاولات العمومية الإستراتيجية(الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: المؤسسات العمومية الإستراتيجية.

نظرا لعدم وضوح المعايير التي اعتمدتها الحكومة في تمييز المؤسسات العمومية الإستراتيجية عن المؤسسات العمومية غير الإستراتيجية في القانون التنظيمي 02.12 فإن عددا من هذه المؤسسات العشرين التي تم حصرها في هذا القانون لا يتوفر على مبررات واضحة و مقنعة لإدراجها ضمن هذه المؤسسات فنجد على سبيل المثال مؤسسة أرشيف المغرب التي ليس لها طابع إداري أو اقتصادي فهي لا تمارس نشاطا تجاريا أو صناعيا ولا تقدم خدمات للمرتفقين بشكل مباشر، باعتبار المؤسسات العمومية من الأشخاص العامة المرفقية و المتخصصة في إشباع حاجات عامة معينة [5] .
كذلك بالنسبة للمعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب الذي تم اعتباره بموجب القانون التنظيمي المذكور مؤسسة عمومية إستراتيجية ,فهو مرفق ذو طابع علمي أي مرفق عام إداري يعنى بالبحث العلمي في مجال التاريخ المغربي ,مثله مثل باقي المعاهد والجامعات العمومية الأخرى ,إلا أن هذا النشاط الذي يمارسه هذا المرفق قد يمس بكيان الدولة من الجانب التاريخي لها . و اهذا أعتبر مؤسسة عمومية إستراتيجية .و كذلك الأمر بالنسبة لوكالة المغرب العربي للأنباء فهي تعد مؤسسة عمومية إستراتيجية لكونها مهتمة بجانب حيوي أصبح له تأثير في جميع جوانب الدولة ,و هو الجانب الإعلامي .
وهذا ما يفسر إخضاع هذه المؤسسات لنظام قانوني خاص ,خاصة في ما يتعلق بإدارتها من طرف مدير يتم تعيينه بظهير بعد مداولة المجلس الوزاري و باقتراح من رئيس الحكومة بمبادرة من الوزير المعني[6] . فهو يوجد على رأس هذه المؤسسات و يشترط فيه أن يتحلى بالنزاهة و الاستقامة و أن يتوفر على تجربة مهنية بإدارات الدولة أو الجماعات المحلية فضلا عن تمتعه بالحقوق المدنية و السياسية[7] . ومجلس إداري يعد من أهم الأجهزة الإدارية المسيرة لهذه المؤسسات لكونه يتوفر على سلطة تقريرية تمكنه من الاضطلاع على أهم الاختصاصات المرتبطة بنشاط المؤسسة , لكون أغلب أعضائه تعينهم الدولة [8] . بالإضافة إلى لجنة تقنية تحرص على تتبع السير العادي للمؤسسة العمومية و الوقوف على تنفيذ قرارات المجلس الإداري ,و غالبا ما يرأس هذه اللجنة ممثل عن الوزارة الوصية [9].


الفقرة الثانية: المقاولات العمومية الإستراتيجية

تعد المقاولات العمومية الإستراتيجية من أهم المؤسسات الإقتصادية في المغرب, ففيما يتعلق بـالمصادقة على تعيين المسؤولين عن المقاولات العمومية الإستراتيجية ,حيث تنص المادة الثانية في البند الثاني على أن تعيين المسؤولين عن المقاولات العمومية الاستراتيجية "يصادق" عليه في المجلس الوزاري، وذلك بناء على اقتراح من رئيس الحكومة وبمبادرة من الوزير المعني.
وحيث إن المقطع الأول من المادة الثالثة من هذا القانون التنظيمي، ينص على أن التعيين في المناصب العليا المشار إليها في البندين (أ) و (ج) من الملحق رقم 2 التي تكون موضوع مداولة في مجلس الحكومة، يتم بموجب مرسوم، في حين ينص مقطعها الثاني على أن المسؤولين عن المقاولات العمومية "يصادق" على تعيينهم في مجلس الحكومة.
لكن، حيث إن الدستور ينص في فصله 49 على أن تعيين المسؤولين عن المؤسسات والمقاولات العمومية الاستراتيجية ـ إلى جانب مناصب عليا أخرى- يتم في المجلس الوزاري باقتراح من رئيس الحكومة وبمبادرة من الوزير المعني، وفي الفقرة الأولى من فصله 91 على أن رئيس الحكومة يعين في الوظائف المدنية في الإدارات العمومية وفي الوظائف السامية في المؤسسات والمقاولات العمومية، دون إخلال بأحكام الفصل 49 من الدستور وفي الفصل 92 على أن للقانون التنظيمي المشار إليه في الفصل 49 المذكور أن يتمم لائحة الوظائف التي يتم التعيين فيها في مجلس الحكومة[10].
وحيث إنه يستفاد من أحكام الفصول آنفة الذكر، أن الدستور لم يُقم أي تمييز في مسطرة وشكل تعيين المسؤولين عن المؤسسات والمقاولات العمومية الاستراتيجية التي يتم التعيين فيها في المجلس الوزاري، كما لم يُقم أيضا أي تمييز في كيفية وشكل تعيين المسؤولين عن باقي المؤسسات والمقاولات العمومية الذي يتم في مجلس الحكومة؛
وحيث إن كانت المقاولات العمومية تخضع، في كثير من أوجه نشاطها، لتشريعات خاصة ولاسيما القانون رقم 95-17 (30 أغسطس 1996) المتعلق بشركات المساهمة، إلا أنه، في ما يخص طريقة وشكل تعيين المسؤولين عن هذه المقاولات، يتعين تطبيق أحكام الدستور الذي له السمو الكامل على كل ما سواه من المقتضيات القانونية، وهو ما أكده الدستور نفسه في فصله السادس.
وحيث إنه، تبعا لذلك، فإن ما تضمنته المادة الثانية في بندها الثاني والمادة الثالثة في مقطعها الأخير من هذا القانون التنظيمي من أنه "يصادق" على تعيين المسؤولين عن المقاولات العمومية، غير مطابق لأحكام الفصلين 49 و92 من الدستور اللذين ينصان على التعيين دون المصادقة[11].
تمثل المقاولات العمومية بالنظر لادوارها رافعة أساسية في تسريع وتيرة التنمية السيسيواقتصادية بالمغرب كما تحتل المقاولات العمومية مكانة مهمة بالنظر لادوارها في تقديم الخدمات العمومية للمواطنين و انجاز مشاريع مهيكلة لتطوير الاستثمار في مختلف الانشطة و تعتبر المؤسسات و المقاولات العمومية قاطرة لتنفيد الاستراتيجيات القطاعية وإنجاز مشاريع البنيات التحتية الرامية لتحسين القدرة التنافسية الاقتصادية للبلاد وتنويع مصادر النمو وتحسين ظروف عيش المواطنين فالتدابير المتخذة من طرف المؤسسات و المقاولات العمومية لمواكبة الدينامية الاقتصادية و الاجتماعية للبلاد وتعزيز جادبيتها وتطوير خدمات عمومية ذات جودة تتجسد في تسريع جهودها الاستثمارية التي يرتقب ان يتم تعزيز مضاعفة المجهود المتزايد للإستثمار عبر مواصلة المنحى التصاعدي لإنجاز المؤسسات و المقاولات العمومية على الرغم من تواصل الازمة الإقتصادية ادى اهم شركاع المغرب وهكذا سيسجل إنتاج المؤسسات و المقاولات العمومية من خلق قيمة مضافة من الناتج الداخلي الخام ومواصلة الجهود للمساهمة المالية في ميزانية الدولة كما تسجل أرقام متفاوتة في معاملات هذه المقاولات من بينها المكتب الشريف للفوسفاط وكذلك بعض المؤسسات الإستراتيجية كالمكتب الوطني للكهرباء و الماء الصالح للشرب ومجموعة صندوق الإيداع و التدبير[12].


المبحث الثاني : المعايير والأسباب في اختيار المؤسسات العمومية الإستراتجية

المطلب الأول : الاحتكار والمؤسسات العمومية الاستراتيجي

يعتبر الاحتكار انفرادا من طرف شخص أو عدة أشخاص أو مؤسسة بعمل معين، واستنادا إلى ربط الاحتكار بالمؤسسة العمومية، وبالتالي فإن أهم هذه المؤسسات التي يتم احتكارها هي الإستراتيجية منها لمعايير خاصة

الفقرة الأولى: أنواع ومبررات الاحتكار

يعتبر الاحتكار انفرادا من طرف شخص أو عدة أشخاص أو مؤسسة بعمل معين، واستنادا إلى ربط الاحتكار بالمؤسسة العمومية، يمكن لهذه الأخيرة أن تمارس نوعين من الاحتكار يعودان لعدة مبررات .
يتمثل النوع الأول في الاحتكار القانوني، أما النوع الثاني فيتجلى في الاحتكار الفعلي.
1 أنواع الاحتكار
أ-الاحتكار القانوني: هو ذلك الاحتكار الذي تتولاه الدولة آو احد أشخاص القانون العام، وقد يقصد به هدف مالي أو اجتماعي، وتكون الغاية منه تحقيق المصلحة العامة، كأن يمنح القانون للدولة أو لإحدى المؤسسات العمومية حق احتكار نقل الركاب أو حق توزيع الكهرباء أو المياه وكثيرا ما يكون هذا النوع من الاحتكار عن طريق ما يسمى بالامتياز .
ويرى البعض انه وان كان لا بد من الاحتكار فليكن احتكارا قانونيا في يد الدولة وتحت إشرافها، إذ أن احتكار القلة أو الشركات يشكل في حد ذاته خطر على المواطنين، بحيث أن الاستغلال الاحتكاري لا يتصور من جانب المؤسسات المملوكة للدولة، وإنما يكون متوقعا وقوعه من جانب المؤسسات الخاصة[13].
ب- الاحتكار الفعلي : هو احتكار لا يتم لامتياز أو نصوص قانونية، وإنما استنادا إلى الواقع كاحتكار مؤسسة لمادة معينة احتكارا فعليا نظرا لغياب وجود منافسين في نفس الميدان .
وكتطبيق للاحتكار الفعلي يستفيد قطاع الفوسفاط الذي يتم تسييره في إطار المكتب الشريف للفوسفاط، تماما من غياب المنافسة الشيء الذي يجعل الدولة تنفرد باحتكاره متجاوزة عملية الاستخلاص إلى مرحلة التوزيع خاصة بعد إحداث الشركة الوطنية للأسمدة furtima باعتبارها الممول والموزع الخاص للأسمدة على الصعيد الوطني.[14]
2  مبررات الاحتكار
يمكن تبرير احتكار المؤسسات العمومية بمجموعة من الأسباب منها ما هو سياسي واقتصادي ومنها ما يرجع لاعتبارات اجتماعية .
- الأسباب السياسية :
تتمثل هذه الأسباب في الدفاع في الدفاع عن مصالح الدولة المغربية خاصة[15]، بعد تبني معاهدة الجزيرة الخضراء سنة 1908 والتي بمقتضاها سينهج المغرب سياسة الباب المفتوح أمام الاستثمارات الأجنبية في القطاع الاقتصادي .
- الأسباب الاقتصادية :
ترجع هذه السباب إلى إدخال مجموعة من القطاعات في إطار القطاعات الإستراتيجية، ومثال ذالك ما وقع بالنسبة لقطاع البريد والاتصالات، حيث تم اعتباره قطاعا استراتيجيا وإخضاعه بذلك إلى احتكار الدولة .
وتعود مبررات الاحتكار كذالك إلى القدرة الاحتوائية لمجموعة من المؤسسات خاصة من ناحية رؤوس الأموال والموظفين، كما هو الشأن بالنسبة للمكتب الشريف للفوسفاط[16].
- الاعتبارات الاجتماعية :
تتمثل بدورها هذه الاعتبارات في أن احتكار قطاع معين يهدف بالأساس، وذلك عن طريق تمتيع الإدارات المكلفة بامتيازات استثنائية، إلى تحقيق المصلحة العامة، فبذلك يصبح الاحتكار وسيلة لتحقيق الصالح العام في إطار تفعيل مبادئ المرفق العام المتمثلة في المساواة والاستمرارية والملائمة[17].


الفقرة الثانية: أهم نماذج المؤسسات العمومية الإستراتيجية

سنقتصر في هذا المطلب على دراسة نوعين من المؤسسات الإستراتيجية.

1: المكتب الوطني للسكك الحديدية

تم إنشاء المكتب الوطني للسكك الحديدية بظهير 1963.8.6، وعهد إليه بتسيير مرفق النقل عبر السكك الحديدية، وحسب مقتضيات الظهير المحدث للمكتب فإن هذا الأخير يتخذ شكل مؤسسة عمومية صناعية وتجارية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلاليين المالي والإداري[18]، خاضع لوصاية وزارة النقل، وتنقسم هيكلته إلى مجلس الإدارة والمدير وتظل علاقته بالدولة خاضعة لعقد التخطيط أو برامج العقود[19].
وأمواله أموال عمومية تعتبر جزء من ملك الدولة وتعد أشغاله في عداد الأشغال العمومية، ويمكنه الاستفادة من بعض الامتيازات كنزع الملكية من اجل المنفعة العامة، والاحتلال المؤقت، وهو ملزم باحترام المبادئ التي يقوم عليها المرفق العام[20]، كما يقوم بمهام الشرطة الإدارية للسكك الحديدية وهي شرطة خاصة منظمة بظهير 28.04.1961 تهدف إلى المحافظة على السكة الحديدية ومراقبتها واستغلالها واتخاذ التدابير اللازمة مثل:
- وضع سياجات على السكة الحديدية
- منع الحفر بأنواعه بجوانب السكة الحديدية
وللمكتب الوطني للسكك الحديدية اختصاصات تهم المجال السياحي، فهو مالك فندق المامونية وفندق عبر المحيط في الدار البيضاء، وفندق الجزر بالصويرة، وفندق القصر الجامعي بفاس[21].

2 : المكتب الشريف للفوسفاط

يعتبر المكتب الشريف للفوسفاط من أهم المؤسسات العمومية نظرا لإسهاماته الاقتصادية والتنموية، ومن اجل دراسة الطبيعة القانونية للمكتب الشريف للفوسفاط لا بد من الوقوف على نظامه القانوني.
ويعود أول نص قانوني منظم للمكتب الشريف للفوسفاط إلى الظهير الشريف الصادر بتاريخ 7غشت 1920 والذي تم تعديله بظهير 8 غشت 1942 و 11 دجنبر 1948 والذي أعطى للدولة الحق في احتكار واستغلال الفوسفاط[22]، من خلال المكتب الشريف للفوسفاط حيث ينص الفصل الأول من الظهير " أن يحدث اسم المكتب الشريف للفوسفاط وكالة للدولة تكلف باستغلال وتنظيم الفوسفاط بالمغرب ".
وعموما فإن الظهير المحدث للمكتب الشريف للفوسفاط جعله يسير من طرف مدير عام يخضع لوصاية المجلس الإداري.
وبعد حصول المغرب على الاستقلال في إطار توجه الدولة نحو توطيد الصبغة الوطنية على الهياكل الاقتصادية وإرساء البنيات الأساسية للاقتصاد الوطني، صدر الظهير الشريف رقم1.60.178 بتاريخ 29 يوليوز 1960، الذي أعاد تنظيم وهيكلة المكتب الشريف للفوسفاط[23]، والذي نص أيضا على احتكار الفوسفاط من طرف الدولة، أما بالنسبة لطابع مؤسسة الفوسفاط فهي ذات طابع صناعي وتجاري.
ومن هنا يبرز الاحتكار والحماية من المنافسة كغاية ذات خصوصية كافية لتبرير نشاط المؤسسة، ويعتبر الاحتكار كخصوصية إضافية توطد عنصر التخصيص في المؤسسة العمومية.
وفيما يخص الوصاية يخضع المكتب الشريف للفوسفاط لوصاية الدولة ممثلة في وزارة الاقتصاد الوطني، حسب نفس الظهير أصبحت هذه المؤسسة تخضع حاليا فيما يخص الوصاية المالية لوزارة المالية حسب ما اقره ظهير 1960 الذي نص على أن المكتب والمؤسسات العمومية والمقاولات العمومية التي تملك الدولة رأسمالها كليا أو جزئيا تخضع لمراقبة وزارة المالية، وهذا ما أكده دستور 2011 في الفقرة الأخيرة من المادة 49 .


المطلب الثاني: المعايير المعتمدة في تصنيف المؤسسات والمقاولات

لقد تم توزيع المؤسسات والمقاولات المشمولة بالقانون التنظيمي رقم 02.12 الى ثلاثة مجموعات وذلك بالنظر الى حسب السلطة المكلفة بالتعيين، الا انه يمكن تصنيفها اساسا الى مجموعتين ، الاولى ذات طابع استراتيجي، وهي التي تبقى من اختصاص الملك، والثانية يمكن وصفها بالمؤسسات والمقولات الغير الاستراتيجية او العادية وهي التي يتداول في شانها مجلس الحكومة او تبقى من اختصاص الادارة المعنية
وتشمل المؤسسات والمقاولات الاستراتيجية المؤسسات التي تهم المجالات الاقتصادية والبنيات التحتية والتي لها دور حيوي في مجال الخدمات وطنيا ودوليا والتي تساهم بشكل استراتيجي في ميزانية الدولة، ولها اختصاصات مهمة لدورها في الانخراط في الأوراش الكبرى، كما لها دور كبير في المجالات الثقافية والاجتماعية والإعلامية


الفقرة الأولى: ملاحظات اولية حول القانون التنظيمي 12-02

بداية لا بد من الاشارة الى ان مصادقة البرلمان على هذا القانون يعتبر تحولا هاما في المرحلة الراهنة ، اذ انه انعكاس لتقليص صلاحيات الملك في هذا الاتجاه ويشكل لبنة أولية في مسلسل بناء أسس الحكامة الجيدة. .
واذا كنا نثمن هذا التحول وتقليص عدد المؤسسات والمقاولات التي يتم فيها التعيين من قبل الملك والتي عادة ما توصف بالمؤسسات الاستراتيجية فان ما يمكن اثارته بخصوص هذا القانون هو ما يلي:
أ: عدم دقة ا لمعايير المعتمدة في التصنيف
فبالرجوع الى القانون التنظيمي رقم 12-02 نجد انه يميز بين المؤسسات الإستراتيجية التي يبقى فيها التعيين من اختصاص الملك وحده ـ والتي تم تضمينها في الملحق الأول ، الخاص بالمناصب العليا التي يتم التداول بشأنها في المجلس الوزاري، وتلك التي لا تعتبر إستراتيجية ويتم التداول فيها خارج المجلس الوزاري، لكن ما يلاحظ هو ان هذا القانون لم يحدد المعايير التي تم اعتمادها للتمييز بين النوعين، الشيء الذي فرض نقاشا بين الأغلبية والمعارضة أثناء عرض المشروع على مجلس النواب حول الأسس المعتمدة في تصنيف المؤسسات والمقاولات بين ما هو استراتيجي وغير استراتيجي ، ولحسم هذا النقاش اعتبر السيد وزير الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة ان التمييز بين اللائحتين يعود الى الطبيعة الإستراتيجية لأنشطة بعض المؤسسات والمقاولات والأدوار المحورية التي تضطلع بها في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والأوراش الكبرى المهيكلة التي تتولى إنجازها،وهو ما يجعلها تتصف بالصبغة الإستراتيجية وبالتالي يكون الاختصاص في التعيين فيها من اختصاص الملك وحده.
وعلى فرض التسليم بهذه المعايير التي حددها السيد الوزير ، فان بعض المؤسسات التي اعتبرت "استرتيجية" لا تنطبق عليها المواصفات التي تجعلها تندرج في هذا الاطار، وكمثال على ذلك نجد مثلا وكالة الأنباء المغربية، والقنوات التلفزيونية الرسمية الثلاث، وشركات أخرى تهم مجالات السياحة والنقل والثقافة، ومؤسسة التكوين المهني والمؤسسة الوطنية للمتاحف، ومؤسسات التقنين بل أن بعض هذه المؤسسات لا تفتقد الصبغة الإستراتيجية فقط بل انها مؤسسات ذات طبيعة محلية ، او تهم مجالات
خاصة يمكن تدبيرها على المستوى المحلي او على المستوى القطاعي ، ويمكن ان نعطي أمثلة في هذا الإطار بوكالة تهيئة ضفتي نهر أبي رقراق وشركة «مارشيكا للتنمية»، وهما مؤسستان تشرف كل واحدة منهما على إنجاز مشاريع سياحية محلية في كل من مدينتي الرباط والناظور.
ومن جهة أخرى فان تمت مؤسسات تخص فئة محدودة لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار تدبير شؤونها من الأمور الإستراتيجية كما هو الحال بالنسبة لمؤسسة المغاربة المقيمين بالخارج...
ان هذه المؤسسات والمقاولات لا ترقى في نظري إلى اعتبارها مؤسسات إستراتيجية ، بل أنها تندرج في صميم التدبير الحكومي اليومي، وبالتالي يبقى التعيين فيها من الأنسب ان يكون من اختصاص المؤسسة الحكومية
ب : ارتفاع عدد المؤسسات "الإستراتيجية"
اذا كنا نتفق ان القانون التنظيمي موضوع الدراسة يعتبر انعكاسا لدولة المؤسسات التي اراد الدستور الحالي تكريسها ، فان المنطق كان يفترض الا يتجاوز عدد المؤسسات الإستراتيجية التي يعين فيها الملك رؤوس الاصابع، لتبقى باقي المؤسسات خاضعة لرقابة الحكومة التي تعتبر مسؤولة مسؤولية سياسية ومعنوية عن تدبير الشأن العام ، وبالتالي فلا يمكن ان تخرج 39 مؤسسة عن مجال رقابتها وتدبيرها لا سيما أن هذه المؤسسات تؤثر في الاقتصاد الوطني ولها تأثير على الأداء الحكومي
ومن جهة اخرى فان وجود هذا الكم الكبير من المؤسسات التي يتم التعيين فيها من قبل الملك لا يتماشى مع المرحلة السياسية التي يعيشها المغرب والتي تريد التكريس لمنطق ربط المسؤولية بالمحاسبة
وعلى كل الحال فان الملاحظات السالفة الذكر لا تبخس أهمية القانون التنظيمي الحالي الذي يعد ولا شك لبنة أساسية في التطور الديمقراطي، والذي يعكس تكريسا لبناء دولة المؤسسات


الفقرة الثانية: مبدأ ربط المسؤولية المحاسبة.

يتذكر الجميع أنه منذ التصويت الإيجابي على الدستور الجديد يوم فاتح يوليوز، تنبه البعض إلى أن الإيجابيات الواردة في دستور 2011 تتطلب إعمال أدوات التأويل الديمقراطي للدستور، وقد تفاعل الخطاب الملكي مع هذا المعنى حينما اعتبر بمناسبة خطاب العرش ّأن أية ممارسة أو تأويل، مناف لجوهره الديمقراطي يعد خرقا مرفوضا ومخالفا لإرادتنا، ملكا وشعبا".
خطورة القوانين التنظيمية وأهميتها تكمن في اعتبارها تحتل المكانة الثانية في تراتبية القوانين بعد الدستور، وهي قوانين مكملة للدستور تعمل علي شرحه وتفسيره، لذالك فهي قواعد قانونية تفسيرية ومؤسسة للتفاصيل التي لا ترد في نص الدستور كونه مختزل.
ولذلك فإن القوانين التنظيمية إذا تمت صياغتها بخلفية ديمقراطية فسنكون أمام نصوص تؤسس لانتقال ديمقراطي حقيقي وتسهم في استكمال بناء دولة المؤسسات والقانون، وإذا تمت صياغتها بعقلية قديمة فإننا سنكون أمام عملية إفراغ الدستور الجديد من محتواه الديمقراطي، وستكون عملية محبطة بالنسبة للذين دافعوا عن دستور 2011 عن قناعة واعتبروه يؤسس لملكية ثانية. علي حد تعبير الأستاذ حامي الدين...
والدستور الجديد يتضمن تسعة عشر قانونا تنظيميا، وهي قوانين هامة تتعلق بقضايا مهمة مثل القانون التنظيمي للائحة المؤسسات والمقاولات الإستراتيجية، التي يعين فيها الملك بناءا علي اقتراح من رئيس الحكومة وبمبادرة من الوزير المعني.
لكن يبقي الإشكال الذي يطرح نفسه بقوة هو أن الدستور لم يضع مؤشرات ومعايير لاختيار المؤسسات والمقاولات العامة الإستراتيجية، وإنما عمل علي تسمية بعض المؤسسات كما أسلفنا فقط وترك الباب مفتوح علي مصرعيه لتحديد هاته المؤسسات التي يعود للمجلس الوزاري الذي يرأسه الملك، وبشكل توافقي مع رئيس الحكومة.
إن مشروع القانون التنظيمي 02.12 الذي حدد 20 مؤسسة و 17 مقاولة إستراتيجية التي يرجع الحق للتعيين فيها للمجلس الوزاري، يضعنا أمام تساؤل حقيقي حول المعايير التي تجعل من مؤسسة إستراتيجية وأخري غير ذالك وارتباط ذالك بكله بعلاقة الدولة بالمواطن.
إن مشروع القانون التنظيمي المذكور استند في ديباجته إلى أحكام الفصل 42 من الدستور، واقتطف منها " أن جلالة الملك ھو ضامن دوام الدولة واستمرارھا والحكم الأسمى بین مؤسساتھا، والساھر على احترام الدستور وحسن سیر المؤسسات الدستوریة"، حيث اعتبر أستاذ القانون الدستوري حامي الدين "تسلل هذا الفصل إلى نص تشريعي يذكرنا بالتأويل التعسفي للفصل 19 من دستور 1996 الذي تم توظيفه لسن مجموعة من التشريعات، وهو ما جر الكثير من الانتقادات على هذا الفصل في المرحلة السابقة، والاستناد عليه في هذا المشروع يتعارض مع التأويل الديمقراطي للدستور، على اعتبار أن المعاني السامية الواردة في هذا النص تبقى مرتبطة بالوظائف التحكيمية والسيادية الكبرى التي يتولاها الملك باعتباره رئيس الدولة"
ويبقي الإشكال الجوهري في المسألة كلها هي إعمال مبدأ ربط السلطة و المسؤولية بالمحاسبة، فكيف يمكن محاسبة هؤلاء المسئولين، ومن يتحمل مسؤولية تعيينهم، والمشروع السالف الذكر لم يتطرق إلي مسؤولية هؤلاء أمام رئيس الحكومة ولا الوزير المعني بالأمر، وان كانت المؤسسات والمقاولات خاضعة لرقابة المجلس الاعلي للحسابات فان المساءلة يجب أن تمتد إلي الإطراف المباشرة وراء التعيين، وبالتالي فالمشروع لم يشر إلي مسؤولية رئيس الحكومة ولا إمكانية إعفائهم فتوازي المساطر يقتضي أن الذي يعين هو الذي يعفي والذي يقترح التعيين هو الذي يقترح الإعفاء كمبدأ من مبادئ القانون.
ويبقي الأمر الأساسي هو تجاوز السلبيات السابقة التي كانت تمنح للبعض حصانة معينة "نابعة" من التعيين الملكي، وأسست لثقافة الإفلات من المحاسبة، والعمل على تفعيل المبدأ الدستوري الهام الذي يربط بين المسؤولية والمحاسبة، وهو المدخل الضروري لتأسيس منهجية إستباقية تتجاوز شعار مكافحة الفساد، وتمهد لمقاربة جديدة تعتمد على التأويل الديمقراطي للدستور للوقاية من الفساد قبل وقوعه.
إن التغيير الذي عرفه المغرب لا يكمن في وضعة لدستور جديد، فالمغرب عرف خمس دساتير منذ الاستقلال إلى ما قبل الفاتح من يولوز و لكنه لم يعرف تغييرا، و لكي لا يكون دستور الفاتح من 2011 كسابقيه وثيقة بدون تغيير، يجب أن نستحضر أن التغيير ينبع في التنزيل والتأويل الديمقراطي لهذا الدستور وليس وجود الدستور في حد ذاته.


خاتمـــــــــة يمكن إرجاع هذه المكانة التي تحضى بها المؤسسات العمومية الإستراتيجية إلى دورها المحوري في دعم موارد الدولة وتحقيق التنمية الاقتصادية وتمثيل المغرب على أحسن وجه في المجتمع الدولي من خلال جودة الخدمات إضافة إلى التكلفة المعقولة، كلها نقاط يمكن أن تضمن مكانة تنافسية دولية للمغرب في السوق الدولية، لكن السؤال المطروح هل هذه المؤسسات تشكل استثناء على قانون المنافسة ؟ وتجاهل لتوجه الليبرالي الذي اختاره المغرب نهجه ؟
_____________________________
هوامش:
1 - الفصل 49 من الدستور المغربي الجديد لفاتح يوليوز 2011 ..
2 - - nacer eddin sadi : « la privatisation des entreprise publiques en Algérie » objectif modalités et enjeux. Edition l’hartam 2005,p 334
يحيى اليحياوي .[3]
[4]المادة الأولى من القانون 02.12 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا .
محمد الأعرج , القانون الإداري المغربي ,ص 355[5]
البند الأول من المادة الأولى من القانون التنظيمي 02.12[6]
البند الثاني من المادة الرابعة من القانون التنظيمي 02.12[7]
إبراهيم كومغار , المرافق العمومية الكبرى ,ص 125[8]
محمد الأعرج ,مرجع سابق ,ص 374[9]
[10] القانون التنظيمي02.12 يتعلق بالتعيين في المناصب العليا
[11] المجلس الدستوري ملف12 .1362 قرار رقم 12.854 م د
[12] مجلة التنمية ,عدد 45 ,اسنة 2014,ص5
[13] Serge leymair et Jean tripier “ Maroc : le prochain dragon de nouvelles idées pour le développement « édition Karthala 1993
[14] Serge Leymarie, Jean Tripier .op cit p : 187
[15] - Driss Bouzzafour « le service public des télécommunication du monopole a la careciance » REMALD serio ta n 35 202 .p : 18.
[16] Driss bouzzafour, P : 174.
[17]Michel rousset « institut advo marocaine edt ppublisud 1991 . p : 36 .
[18] ظهير 6.8.1963 المنظم المكتب الوطني للسكك الحديدية
[19] الشريف الغيوبي : مرجع سابق .
[20] عبد الله حداد : مرجع سابق ، ص 208 .
[21] عبد الله حداد ، مرجع سابق .
[22]أسبوعية المشعل عدد 100 ص 5 .
[23] - جمال الدين زهير : محاضرات في مادة تسيير المقاولات العمومية، جامعة عبد المالك السعدي ، طنجة 2005/2006

إرسال تعليق

0 تعليقات