الحكامة الجيدة والتنمية المستدامة

مقال بعنوان: الحكامة الجيدة و التنمية المستدامة

الحكامة الجيدة و التنمية المستدامة

مقدمة:
يشكل تدبير الشأن العام مجال للتساؤل بشكل مواز مع المجال الاقتصادي والاجتماعي بحكم وحجم أهميته في تنفيذ السياسات العمومية للدول في مجال التنمية، كما حظي هذا المفهوم باهتمام التشريعات الوطنية سواء في الدول المتقدمة أو النامية.
وأمام أزمة تدخل الدولة في تدبير الشأن العام ظهرت مناهج جديدة لتجاوز مظاهر أداء الدولة، حيث عرفت التجارب الإدارية مفاهيم جديدة في الحقل التدبيري كالتقويم الهيكلي والخوصصة والتدبير المشترك، وفي عقد التسعينات وأمام تحولات المنظومة الدولية على إثر الثورة المعلوماتية والمعرفية ظهرت أهمية المساءلة والشفافية في التدبير الإداري وتعد الحكامة من أهم مستجدات هذه الثورة.
ظهر مصطلح «La gouvernance» أو "الحكامة" بالولايات المتحدة الأمريكية من خلال أعمال الاقتصاديين الأمريكيين، خاصة "رونالد كوز" «Ronald Coase» في المقالة الشهيرة «The nature of the firme» سنة 1973[1]، ويرتبط التطور التاريخي لمفهوم الحكامة بظهور مصطلح «Coporate gouvernance» والذي يعبر عن "نظام إدارة ومراقبة المشاريع"، ويترجم في الغالب إلى الفرنسية ب[2] «Gouvernement de l’entreprise» وقد اعتبر هذا التعبير كوسيلة تسمح للدول بالتحقق من إعادة توازن السلط المتدخلة في صلب المقاولات أو بمعنى أدق في صلب مجالس إدارة الشركات الأمريكية والإنجليزية الكبرى، وذلك لتفحصها وتكييفها مع الدولة العصرية إلى حد الرؤية الإستراتيجية والهياكل التنظيمية والتقييم المتصل بالأخطار[3].
فما هو إذن التطور الذي عرفه مفهوم الحكامة ؟ وماهي مرتكزات الحكامة وإرهاصات تطبيقها ؟ وماهي علاقة الحكامة بالتواصل الإداري ؟

المبحث الأول :مفهوم الحكامة ومرتكزاتها

لقد تعددت المفاهيم التي أعطيت للحكامة لدلك إرتأينا أن نتناول في مطلب أول مفهوم الحكامة وتطورها كما سنعالج في مطلب ثاني المرتكزات التي تقوم عليها الحكامة.


المطلب الأول : مفهوم الحكامة وتطوره

مع مطلع الثمانينات من القرن الماضي انتقل مفهوم "الحكامة" من ميدان المقاولة إلى الميدان السياسي، من خلال توجهات المؤسسات المالية الدولية في قضايا التنمية خاصة مؤسسة البنك الدولي، هذه التوجهات التي غالبا من اصطدمت بالاعتبارات السياسية وأساليب الحكم للدول المتلقية لقروض ومساعدات دولية، فكان مفهوم الحكامة تعبيرا جديدا لمناقشة قضايا حساسة من قبيل الديمقراطية، حقوق الإنسان، التنمية، من دون أن تتهم بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول وخصوصا في نظام وأساليب الحكم[4]، حيث فرض تطبيق "الحكم الجيد" على الدول المقترضة وذلك في إطار مفهوم "الاشتراطية" الذي ساد العلاقات الدولية فترة التسعينات.
وهكذا فانتقال المفهوم من المجال المقاولاتي إلى مجال العلاقات الدولية بمختلف أطرافها، ثم إلى مجال الحدود الداخلية للدولة منفردة إلى المؤسسات الدولية وعلى رأسها الدولي وصندوق النقد الدولي، بحيث كانت البلدان النامية هي المعنية بالأساس لدى هذه المؤسسات لاسيما البلدان التي خضعت لبرنامج التقويم الهيكلي وعرفت أزمات على مستوى التنمية المستدامة، فقد أظهرت تجارب التنمية في العديد من الدول، خاصة في إفريقيا والعالم العربي، أن فشل التنمية كان راجعا بالدرجة الأولى إلى فساد النظم السياسية بهذه الدول، من هنا جاءت صيحة البنك الدولي في سنة1989 بأن أزمة إفريقيا هي أزمة في الحكم الصالح ولأن التنمية بحاجة إلى حكم أكثر ديمقراطية.
فظهور المفهوم إذن إلى جانب مفاهيم أخرى من قبيل "العولمة" تجد أساس بروزها في قلب التحولات المهمة التي يستمدها كل من الفكر والممارسة على المستوى الكوني.
فيما يخص الحكومة[5]، هذه الأخيرة التي لم تعد قادرة على احتواء كافة الأزمات والمواقف، الأمر الذي فرض خلق وسائل ومقتربات جديدة للتسيير.
من هنا برزت أهمية مفهوم الحكامة كشبكة من التفاعلات بين فاعلين رسميين وغير رسميين (الدولة، القطاع الخاص، المجتمع المدني) يرمون تدبير الشأن العام على أحسن وجه.
وقد أثار مفهوم «Gouvernance» أو الحكامة مجموعة من الإشكالات المحورية والتي كانت محط نقاشات وتحليلات وتضارب الأفكار لدى العديد من الباحثين، أولى هذه الإشكالات التي يطرحها المفهوم على المستوى الداخلي عدم وجود ترجمة موحدة لمصطلح «Gouvernance»، في اللغة العربية إذ تنوعت ترجماته وتعددت معانيه، فهناك مفاهيم عدة لا تعكس ترجمتها إلى لغة الضاد رغم ثراء هذه الأخيرة الدلالات والمعاني نفسها التي تعكسها في لغات أجنبية أخرى كالفرنسية والإنجليزية، والعكس صحيح كذلك عند ترجمة بعض المفاهيم العربية إلى اللغات الأجنبية وهذا شيء بديهي مادام المفهوم الابستمولوجي ما هو إلا وليد عدة تراكمات ثقافية بنيوية ومؤسساتية جد معقدة[6]، ولعل مفهوم الحكامة خير مثال على ذلك.
وقد اعتمد جل الباحثين المغاربة مصطلح الحكامة كترجمة لمفهوم «Gouvernance» باعتبار أن المصطلح مشتق لغويا من مصطلح الحكومة.
وهناك بعض الباحثين الذين حبذوا ترجمة مصطلح "الحكامة" إلى عبارة "تدبير الشأن العام، وهناك ترجمة أخرى لهذا المصطلح وتتجلى في "الحكامية" أو "الحكمانية".
ويرى بعض المفكرين المغاربة كمحمد الجابري، أنه من الأفضل استعمال هذا المصطلح كما ينطق به في مرجعيته الأصلية "كوفيرناس" مثلما عليه الأمر مع مصطلحات أخرى دخلية على العربية مثل الليبرالية، الديمقراطية، الفلسفة[7]، وذلك إلى أن يتم الاهتداء إلى لفظ عربي مناسب.
بالإضافة إلى إشكالاته المتعلقة بالترجمة يثير مفهوم "الحكامة" «Gouvernance» الكثير من الجدل حول مضمونه وفحواه فعلى الرغم من شيوع استخدام المفهوم ليس هناك إجماع على المعنى المقصود منه، وهذا ما دفع أحد الباحثين الغربيين إلى القول : "إن الحديث عن المفهوم مثل الحديث عن الدين حيث المعتقدات قوية للغاية ولكن الأدلة والبراهين القابلة للقياس جد معقدة[8].
لذلك وفي غياب تعريف موحد لمفهوم الحكامة يبدو أنه بالأهمية بمكان القيام باستعراض مجموعة من التعاريف التي حاولت الإلمام بمختف أبعاد المفهوم، وعليه فقد كان البنك الدولي سباقا بوضع أول تعريف له حيث اعتبره "أسلوب ممارسة السلطة السياسية وكذا الرقابة في إطار إدارة موارد المجتمع من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية".
وفي كتابات للبنك الدولي التي تناولت المفهوم تحدث عن فاعلين محددين هم الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، حيث يدرس المفهوم العلاقة بين آليات السوق من جانب وتدخل الدولة من جانب آخر فيما يتعلق بتقديم الخدمات.
أما التعريف الذي جاء به برنامج الأمم المتحدة للتنمية PNUD، فهو "ممارسة سلطة واقتصادية وإدارية من أجل تدبير شؤون المجتمع، إنه مفهوم واسع يغطي البنيات التنظيمية وأنشطة الحكومة المركزية، الجهوية والمحلية، البرلمان والمؤسسات، المنظمات والأفراد والقطاع الخاص، بقدر ما يشاركون بنشاط ويؤثرون في تصور السياسة العامة التي تمس الشعب"،[9] يشمل الحكم الجيد بهذا على آليات، إجراءات ومؤسسات التي من خلالها يعبر المواطنون بوضوح عن مصالحهم، يمارسون حقوقهم المتساوية ويقومون بواجباتهم ويديرون مصالحهم.
بالإضافة إلى هذه التعاريف فقد كان للفقه دورا بارزاً في إعطاء تعاريف لمفهوم الحكامة إلا أنه يمكننا التمييز بين اتجاهين أساسيين بهذا الصدد هما:

  • الاتجاه الأول: مناصر لمفهوم الحكامة ويعتبر أن مختلف القيم التي يقدمها من: مشاركة، شفافية، مساءلة، رقابة... قادرة بالفعل على حل مختلف المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تتخبط فيها جل الدول وخصوصا النامية منها.
  • الاتجاه الثاني: يتخوف من هذا المفهوم ومما ينطوي عليه، ويشكك في نوايا المؤسسات المالية الدولية عامة والبنك الدولي خاصة. 
ففيما يتعلق بالاتجاه الأول فقد عرف المفهوم زخماً من خلال التعاريف التي عرفها في ظله، ونورد منها على سبيل المثال بكون الحكامة هي "قدرة المجتمعات الإنسانية على امتلاك أنظمة تمثيلية ومؤسسات وهيئات اجتماعية تهدف من خلالها تسيير وتدبير نفسها طوعيا وإرادياً على أساس أن مقدرة الوعي والتنظيم والتصور والتأقلم مع الأوضاع الجديدة هي خصائص تطبع المجتمعات الإنسانية"[10]، أو أنها "مجموعة من البنى المؤسساتية والممارسات التي تسهر على الحفاظ على حد أدنى من النظام الدولي"[11].
وخلص آخرون في معرض تحليلهم لمفهوم الحكامة إلى أنه إذا غالبا ما تقدم الحكامة كمجموعة من القواعد والتقنيات التي يجب أن تساعد في ضمان تسيير جيد في كل دولة من دولنا، وإذا نظرنا لها كشرط للديمقراطية الجيدة وكقاعدة يجب أن تمكن من إقامة علاقات حسنة بين المواطن والدولة، أو إجمالا بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي فإن الحكامة ستتحول إلى فلسفة (...) فلسفة سياسية ستمنح الديمقراطية أبعادها الحقيقة[12].
بينما أشار الاتجاه الثاني المناوئ لمفهوم الحكامة أو على الأقل المشكك في هدفه على ضرورة وضع المفهوم في سياقه التاريخي نظرا لأهمية هذا الأخير في الكشف عن مكنوناته، من هذا المنطلق، وكما سبقت الإشارة فقد كان البنك الدولي هو السباق إلى صياغة أول تعريف لمفهوم الحكامة سنة 1989، وهو التاريخ نفسه الذي شهد فيه العالم نهاية الصراع بين المعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفياتي سابقا والمعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية إثر سقوط جدار برلين في 9 من نونبر 1989، وتطور الصراع الإيديولوجي بين الشرق والغرب الذي أفرز تفوق النموذج الليبرالي الذي أثبت أنه الأصلح والقابل للتعميم في كل أنحاء العالم وتعزز هذا الوضع ببروز العولمة كظاهرة عالمية اكتسحت مختلف بقاع العالم.
فلماذا في هذا الوقت بالذات تم إحياء مفهوم الحكامة؟ بناء على ما سبق قد خلص أصحاب هذا الاتجاه إلى كون أن الحكامة ليست سوى منتوج إيديولوجي يعكس المذهب السياسي الاجتماعي، الأنجلوأمريكي الليبرالي التعددي الذي يسود حاليا، وأنها أداة إيديولوجية لسياسة الدولة الحد الأدنى كما سبق أن أشرنا وهي الدولة التي تكون مهمة الإدارة العامة فيها ليست خدمة مجموع المجتمع، وإنما تقديم السلع والخدمات لمصالح قطاعية ولزبناء مستهلكين مما قد يؤدي إلى الزيادة من حدة الفوارق بين المواطنين من جهة وبين مختلف مناطق الدولة من جهة أخرى.
وبالرغم من هذا التضارب الواضح بين هذه الاتجاهين إلا أن يمكن القول إن مفهوم الحكامة بغض النظر عن إشكالياته النظرية وحمولاته الإيديولوجية كما يرى البعض، فإنه يحمل في طياته قيما وإيجابيات عديدة ومتعددة لو استخدمت بشكل فعال لربما تمكنا من تجاوز مختلف الأزمات التي نواجهها، ذلك أن تفعيل الحكامة يستلزم بالضرورة وجود ثلاثة أطراف رئيسية وهي الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.

المطلب الثاني: مرتكزات الحكامة

إذا كان الحكم الصالح أو الحكم الرشيد هو ذلك الحكم الذي تقوم به قيادات سياسية منتخبة وأطر إدارية ملتزمة بتطوير موارد المجتمع وبتقدم المواطنين وبتحسين نوعية حياتهم ورفاهيتهم، وذلك برضاهم وبمشاركتهم عبر زيادة مستوى دخل الفرد وتقليل حالة الفقر والعناية بحقوق المواطنين، وما يميز إدارة شؤون المجتمع طبقا لفكرة الصالح العام هو أنها تتضمن أبعادها مرتبطة ببعضها البعض.
وللحكامة الجيدة معايير تتنوع بتنوع المنظمات الدولية، و هكذا و على سبيل المثال لا الحصر، نجد أن الإتحاد الأوربي لخصها في خمسة مبادئ أساسية و هي : "الانفتاح و المشاركة والمسؤولية والفعالية والتماسك و التعايش". و سنركز على بعدين اثنين المرتكز السياسي- أولا- المتعلق بطبيعة السلطة السياسية وشرعية تمثلها، ثم المرتكز الاقتصادي والاجتماعي- ثانيا- ويتعلق بطبيعة السياسات العامة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي.

أولا: المرتكزات السياسية

يرى Ellan Margreth بأن الحكامة ليست مجرد حالة من الشفافية و المساءلة وحكم القانون فقط، بل هي أيضا حالة من المشاركة الديمقراطية وحقوق الإنسان وبالتالي فهما مناخا مجتمعيا ديمقراطيا تتفاعل فيه كافة الأطراف المجتمعية ومكوناتها المؤسسية لتحقيق مستوى معيشي أفضل لكافة أفراد المجتمع على تنوع فئاتهم ومستوياتهم.
أما Jounes Speth Qustave فيرى أن الحكامة لا يعني تقوية قدرات الدولة لتحكم فقط، بل أيضا روح المشاركة المدنية في كافة الشؤون العامة وبذلك فالحكامة معنية بتفاعل المجتمعات والمؤسسات المدنية المحلية في تحمل المسؤولية و المشاركة في رسم السياسات العامة.

1. الشرعية ودولة القانون
إن تحقيق الديمقراطية، وضمان حقوق الإنسان وسيادة القانون لن يتأتى إلا من خلال إصلاحات دستورية وقانونية، يجب أن تهتم بالخصوص بالفصل الحقيقي للسلطات، ففي ظل هيمنة السلطة التنفيذية عن باقي السلطات الأخرى (التشريعية والقضائية) وعلى الخصوص سيطرة الحكومات على وسائل الإعلام، ولهذا لابد من وضع حد الاحتكار لهذه السلطة ولابد من إعادة التوازن في العلاقة بين السلطات وضمان استقلال كل واحدة عن الأخرى ووضع حد لسيطرة السلطة التنفيذية على باقي السلط الأخرى والحيلولة دون تدخلها في شؤون العدالة والتزامها باحترام القضاء والخضوع للقانون، ولابد من القيام ببعض الإجراءات التشريعية التي تؤدي إلى إعمال آليات الشفافية و المحاسبة سواء فيما يتعلق بالحق في المعرفة والنفاذ إلى المعلومات وتلقيها وتداولها، أو فيما يتعلق بحرية الصحافة والإعلام، وحريات التعبير عموما.
وتهدف الحكامة كذلك إلى تحقيق الانسجام والعدالة وذلك بتحديد الحد الأدنى لمستوى معيشة كافة المواطنين وتحقيق مستوى الحياة الكريمة لهم، وجعل المواطن محور اهتمام متخذي القرار وبناء البرامج المجتمعية على سماع المواطنين، والأهم هو تحقيق وإدامة حالة الشرعية في المجتمع. فالحكامة تستلزم تجاوبا من المجتمع عبر حد أدنى من الصدى والموافقة.[13]
إن تطبيق الحكامة هي الوسيلة الوحيدة لمحاربة الفساد والرفع من فعالية الحكومة والطريق الأمثل لإشراك مختلف الفعاليات في تدبير الشأن العام.

2. المشاركة وفعالية الحكومة
في اللغة العربية تطرح كلمة "مشاركة" أكثر من إشكال خاصة على مستوى محاولة توحيد معناها الأصلي، أما في اللغات الأجنبية الأخرى فإنها تقابل في معناها العام مفهوم الحق أو الإسهام في أمر أو شيء.
إن الحديث عن نجاعة وفعالية الحكومة في تسيير وتدبير الشأن العام يمر عبر إشراك المواطنين في اتخاذ القرارات الحاسمة سواء بصفة مباشرة أو غير مباشرة، فإن السياسة العامة والعمل العام للحكومة أو الإدارة يستهدف خدمة المواطن، فإنه بالأحرى يلزم أن يتم بإشراك هذا المواطن .
المشاركة السياسية هنا لا تقتصر على المشاركة السياسية للمواطنين، والتي تعني حق المرأة والرجل في التشريع والتصويت، وإبداء الرأي ديمقراطيا في البرامج والسياسات والقرارات، وقد تعددت بل لابد من إشراك فعاليات المجتمع المدني في إيجاد القرارات الحاسمة، وخاصة على المستوى المحلي، حيث تلعب اللامركزية بالنسبة إلى العمل المحلي بشكل خاص دورا مهما في توفير خدمات أكثر فعالية وتأمين المشاركة في التنمية[14]، كما يجب التقليل أو الحديث من هيمنة الدولة على منظمات المجتمع المدني بل يجب تفويض السلطات إلى هذه الأخيرة كي تساهم بفعالية في الخطط التنموية، وترسيخ الشرعية السياسية .
فتوسيع المجتمع المدني واستقلاله الذاتي النسبي يشير إلى نمو قدرة المجتمع على إدارة الكثير من القضايا بشكل مستقل عن الدولة ومؤسساتها، كما أنه يمارس بعض الرقابة الشعبية على العمل الحكومي و الوكالات الحكومية، إضافة إلى القطاع الخاص. هذه المنظمات المجتمعية تناضل ضد التمييز وتساهم في عملية التنمية من خلال العمل على تحقيق توزيع عادل للموارد، وتعمل هذه المنظمات على تحقيق التكافل الاجتماعي وبعث المواطنة على وجه الخصوص، وتوزيع مستوى المشاركة الشعبية في المجال العام، وتلعب دورا مهما في وقع السياسات الاجتماعية والاقتصادية على المستويات المحلية والقطاعية والوطنية.
أما فيما يخص دور الحكومة، فهي معنية بنهج سياسة القرب كمظهر متقدم لعلاقة الدولة بالمواطنين، وقدرة الأفراد على المشاركة في اتخاذ القرارات السياسية و الاقتصادية[15]، وكذا وضع الإطار العام القانوني والتشريعي الثابت والفعال لأنشطة القطاع العام والقطاع الخاص على حد سواء، ومثلما تكون معنية بتأكيد الاستقرار و العدالة في المجتمع. وتعمل على الاهتمام بتحسين الخدمات العامة المقدمة للمواطنين، وأن تعمل على تمكين الناس الذين تقوم بخدمتهم بتزويدهم بالفرص المتساوية وفتح المجالات لحصولهم على الموارد المتوفرة في المجتمع. تطوير نظام التربية و التكوين و نشر قيم التجديد و الإبداع، والمساواة، و تنمية الثروات، و التوزيع العادل بين مواطنيها.[16]

ثانيا: المرتكزات الاقتصادية والاجتماعية

نظرا لصعوبة الفصل، على الأقل نظريا، بين ما هو اقتصادي، وما هو اجتماعي، واعتبارا للتأثير المتبادل بين هذين المجالين، سنحاول توضيح بعض الآليات المهمة التي تعتمدها الحكامة كشروط لتحقيق التنمية المستدامة، وتحقيق التطور المنشود من طرف المجتمعات الثالثية على الخصوص. وبما أن هذه المجتمعات تعرف انتشار ظواهر معتلة الفساد مثلا، وتعاني كذلك من غياب رؤى واضحة للتحقيق التنمية، فإننا سنناقش الكيفية التي يجب إتباعها لمحاربة ظاهرة الفساد، والآثار المترتبة عنه. ثم ننتقل للحديث عن آلية أخرى في غاية الأهمية، وهي مرتبطة بالرؤيا الإستراتيجية.

1. السيطرة على الفساد
لا يختلف اثنان في كون المجتمعات تحتوي على قدر معين من الفساد، إذ لا يوجد ذلك المجتمع الخالي من ظواهر فاسدة، ولكن المشكلة ليس وجود قدر من الفساد في المعاملات، بل حجم الفساد واتساع دائرته، وتشابك علاقاته، وترابط آلياته بدرجة لم يسبق لها مثيل .
وعملية مناهضة الفساد ليست محصورة على الصعيد الداخلي للدول، بل تقوم بها مؤسسات دولية كبرى، خاصة البنط الدولي، وصندوق النقد الدولي:
فعلى الصعيد الداخلي أو المحلي يجب العمل على محاور ثلاثة:
  1. توسيع رقعة الديمقراطية والمسائلة: عن طريق توسيع الرقابة والمسائلة من جانب المجالس التشريعية و النيابية والأجهزة الرقابية، ومنظمات المجتمع المدني لتحقيق درجة أكبر من الثقافة، كما يجب العمل على تداول السلطة حتى لا يعيش الفساد لمدة طويلة، ويتم توارثه والتستر عليه.
  2. الإصلاح الإداري والمالي: لابد من وضع القواعد اللازمة تمنع التداخل بين الوظيفة العامة وممارسة النشاط التجاري بالوكالة، بالإضافة إلى مراقبة النفقات العمومية، الإنصاف الجبائي، الثقافة في إبرام الصفقات العمومية، ثم التنافسية...إلخ
  3. إصلاح هيكل الأجور والرواتب من أجل تحسين أوضاع صغار الموظفين كخدمة عامة من حيث مستويات الأجور والمرتبات، وما يتمتعون به من مزايا عينية حتى تصبح الجور والرواتب أداة للعيش الكريم. هذا ما يساعد على محاصرة الفساد على مستوى القاعدة على الأقل .
أما على الصعيد الدولي، فمنذ 1996 تبنى البنك العالمي خطة لمحاربة الفساد يمكن أن نجملها في ما يلي:
منع الاحتيال والفساد في المشاريع التي يشترك البنك في تمويلها.
مساعدة الدول الأعضاء بالخبرات إذا ما طلبت المساعدة.
أخذ مسألة الفساد في عين الاعتبار في خطط التنمية التي يضعها البنك بشأن الدول الأعضاء.
إعلان البنك عن تأييده ومشاركته في كل الجهود الدولية لمكافحة الفساد.[17]
وعليه يمكن القول أنه إذا تضافرت جهود الحكومات، ومؤسسات المجتمع المدني، والأفراد في محاربة الفساد، فإنه سيتم فسح الفساد المجال أمام انبعاث روح جديدة قوامها العمل الجاد والمثمر. هذا العمل يتطلب ضمن ما يتطلبه حضور رؤية تتيح كفيلة بتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية.

2. الرؤية الإستراتيجية
إن الرؤية الاستراتيجية تقضي الاعتماد على مجموعة من الآليات والدعائم الأساسية ونذكر منها، التخطيط الجيد، والتنظيم الفعال، وكذا التوفر على قيادة واقعية تتمتع ببعد النظر في اتخاذ القرارات، ثم تحفيز العاملين، وكذلك الخضوع للرقابة الصارمة، وتبني مبدئي الجودة والفعالية في إنجاز المشاريع....، وذلك بهدف الابتعاد ما أمكن عن دوامات الفساد، وتحسين شؤون الناس وتنمية المجتمع والقدرات البشرية.
وهكذا تتركز الحكامة على عدة أسس نذكر منها لا للحصر
اعتماد الآليات الحديثة:
1. الشفافية
2. تبسيط المساطر
3. توضيح المرجعية القانونية
4. جودة الخدمات
5. الإرشاد و التواصل
6. التقييم
7. التحفيز
الإشراك
القطاعات الحكومية؛
الفاعلون على المستوى المحلي و الجهوي و الوطني ؛ وذلك لتحسين المر دودية والرفع من الجودة و ترشيد التسيير وحسن استعمال الموارد.
التشارك
إنخراط القوات الحية في مسلسل الإصلاح:
الهيئات السياسية و الهيئات التمثيلية؛
المنظمات النقابية؛
مؤسسات المجتمع المدني ( جمعيات، تعاونيات....)؛
التوافق
تحقيق الإجماع و ذلك بالإقناع و التفاوض حول القضايا التي تتضارب حولها المواقف و الآراء.
الأخذ بعين الاعتبار تنوع مصدر القرار للتمكن من تطوير مساطر التبادل و التوافق.
الفعالية و جودة الخدمات و التواصل
تنفيذ المشاريع المرتبطة بحاجيات السكان وانتظاراتهم ؛و ذلك لتحسين الأوضاع الاجتماعية والمادية و الرفع من مستوى العيش.
الرؤية الإستراتيجية
تحليل المعطيات و رصد الإمكانات من أجل رسم سياسة تنموية و إنجاز الدراسات و التقارير، الاهتمام بالدراسات المستقبلية و اليقظة التكنولوجية ؛ إشراك الإعلام ؛القيام بالحملات التحسيسية استطلاعات الرأي ؛ وذلك لوضع تقييم واقعي للمنجزات؛

المبحث الثاني: عوائق تطبيق الحكامة وعلاقتها بالتواصل

ما سبق هزم لنا شيئا من عسر فهم مفهوم الحكامة وأوضح لنا أهم المرتكزات التي تقوم عليها الحكامة وأوضح لنا أهم المرتكزات التي تقوم عليها الحكامة وصار بنا إلى ضرورة معرفة العوائق التي تحول دون تطبيق مفهوم الحكامة (مطلب أول) ثم بعد ذلك سنتناول علاقة الحكامة بالتواصل الإداري (مطلب ثان).

المطلب الأول: عوائق تطبيق الحكامة

آلية الحكامة هي نتيجة وترجمة مباشرة لتبني سياسة اللامركزية وضع إطار قانوني يمنح الفاعل السياسي والاقتصادي والمدني الشروط المناسبة لتحقيق المشاركة والعدالة والشفافية والإدماج وإذا كانت الدول تبنت إطاراً قانونياً ومؤسساتياً متطوراً نسبياً لتفعيل اللامركزية واللاتركيز فإنها تعرف وفرة في المعيقات التي تحول دون التواصل الفعال بين القمة والهرم، والانتقال من الديمقراطية التمثيلية إلى الديمقراطية التشاركية وما يعيق هذه الآلية يمكن تلخيصه في:
عوائق علائقية تمس عدم التكافؤ وضعف فعاليات العلاقات بين إدارة الدولة والجماعات الترابية والتي لازالت تتصف بأشكال الوصاية والمراقبة من طرف الفاعلين في مراقبة التراب الوطني.
عوائق اجتماعية وسياسية ممثلة في طريقة اختيار الموظفين السياسيين للجماعات المحلية والتي تعتبر الأحزاب السياسية المسؤولية الأول عنها كما أن العوائق السياسية مرتبطة بالأزمة الديمقراطية وضعف الإدارة السياسة.
العوائق الثقافية وتتمثل في الأمية والاختلاف الثقافي والعرقي والصراعات الإيديولوجية.
العوائق الاقتصادية وتتمثل في سوء التدبير المالي والبطالة والزبونية والمحسوبية والرشوة التي تعتبر من أهم أوجه الفساد.
التي يترتب عنها أكثر من تأثير سلبي وعلى الأكثر من مستوى خاصة بالنسبة للدولة النامية فحسب البنك العالمي، فإن غياب الحكامة التي يؤشر عليها استفحال الرشوة واستغلال النفوذ يفقد البلدان ما بين 1,5 و2 في المائة من دخلها القومي. ويعتبر المغرب من جهته معنياً بشكل قوي بهذه الظاهرة حيث احتل المغرب في سنة 2005 الرتبة 78 ليحصل على 3,2 على عشرة على الترتيب الذي تضعه منظمة "تراسبارانسي" الدولية حول الرشوة في العالم وتبوأ الرتبة 79 وحصل على 3,5 على عشرة في سنة 2006، بل إن وضعية المغرب ستعرف تراجعاً متتالياً في نفس المؤشر بالنسبة لسنة 2008 باحتلاله المرتبة 80 من بين 180 دولة[18].
وفي دراسة أخيرة كشفت دراسة لتراسبارانسي الدولي من خلال بارومتر 2009 الخاص بالمغرب أن 56% من المغاربة يعتبرون العمل الحكومي غير فعال في مجال محاربة الرشوة، مشيرة إلى أن نسبة المبلغين عن الرشوة لا تزال جد ضعيفة كما أبرزت نتائج بارومتر 2009 أن عموم المغاربة لا يتوفرون على إمكانيات لتقديم شكاياتهم، مسجلة أن أربعة أشخاص على عشرة تعاملوا برشاوى في الفترة الممتدة بين أكتوبر 2008 إلى فبراير 2009 بمناسبة 10 في المائة من الدخل السنوي وفي مقاربة أجرتها «تراسبارانسي المغرب» لنتائج تطور بارومتر الرشوة الذي جمع معطياته من خلال استجواب 5000 أسرة مغربية الثلاث سنوات الأخيرة من 2006 إلى 2009 كشفت أن نسبة انتشار الرشوة في وسط الأحزاب السياسية المغربية قد حافظ على استقراره حيث بقي في نسبة 53 التي سجلها منذ 2006 بالرشوة في نسبة 2,3 طيلة السنوات الثلاث في حين عرف التعامل بالرشاوى في قبة البرلمان بغرفتيه ارتفاعاً بنسبة 2,0 في سلم البارومتر حيث سجل التعامل بالرشوة في قبة البرلمان سنة 2006 نسبة 5,3 وانتقل سنة 2009 ليسجل نسبة 7,3 وهو الارتفاع نفسه من خلال "بارومتر الرشوة" الذي عرفه الجهاز القضائي حيث ارتفع بنسبة 1,0 بعد أن كان في سنة 2006 سجل بنسبة 20,4.
وما يعيق تطبيق الحكامة الحضرية يمكن تلخيصه في: عوائق مؤسساتية: أي ما يشوب المؤسسات الوطنية والجهوية والمحلية خاصة، من غموض بينها وبين المؤسسات المدنية والمجتمعات المحلية . عوائق علائقية: تمس عدم التكافؤ وضعف فعاليات العلاقات بين إدارات الدولة والجماعات المحلية، والتي لازالت تتصف بأشكال الوصاية والمراقبة من طرف الفاعلين في مراقبة التراب الوطني. عوائق اجتماعية وسياسية: ممثلة في طريقة اختيار الموظفين السياسيين للجماعات المحلية والتي تعتبر الأحزاب السياسية المسئول الأول عنها[19].
عراقيل منهجية: ممثلة في الانحرافات السياسية المسجلة لدى الهيئات الثمتيلية، الضعيفة التكوين وما يزيد من عرقلة آلية الحكامة لأداء دورها وتبنيها في منهج إعداد المجال الحضري، يمكن تلخيصه في الجانب التقني الممثل في عمليات التقطيع ذات البعد الأمني والتي أنتجت بهدف التمكن من المراقبة والتأطير عدد لا يمث للديمقراطية المحلية بصلة، الشيء الذي يحول دون تكيف اللاتمركز القراري، إضافة على ما ينتج عنه من تقلص في الموارد المالية للقوى المحلية، ويصعب عملية التواصل والتنسيق فيما بينها في إطار إستراتيجية التقائية[20].

المطلب الثاني: علاقة الحكامة بالتواصل

إذا كانت الوظيفة الأساسية للإدارة تتمثل في السعي إلى تحقيق أجود خدمة للمرتفق فإن هاته الوظيفة مرتبطة بمهمة تطوير شبكات التواصل الإدارية وتنميتها والعمل على إنعاشها، سواء تعلق الأمر بخصوص شبكات التواصل الداخلي في الإدارة العامة أو في إطار التواصل مع المرتفقين وغيرهم[21]، فالحكامة لها من بين أهدافها إصلاح الإدارة وفي هذا الباب فإنها تهدف إلى الرفع من الأداء والارتفاق بالمرفق العام إلى مستوى النجاعة والفعالية والمردودية العالية للقيام بواجباته المتمثلة في خدمة المواطنين، وهذا من شأنه أن يخلق تواصل بين الإدارة والمرتفق لا تشوبه معيقات، كما أن الحكامة تدعو إلى تبسيط المساطر وتسيير الولوج إلى الخدمات الإدارية العمومية مع تركيز الجهود على المساطر الإدارية الأكثر تداولاً وذات الاهتمام الواسع والواقع المباشر على الحياة اليومية للمواطنين والمقاولة الوثائق الشخصية للأفراد، تصحيح الإمضاء المصادقة على مطابقة النسخ للأصل رخص البناء السجل التجاري ومشاريع الاستثمار وإنشاء المقاولات؛ كما أن الحكامة في المجال التشريعي تستدعي التطبيق الفعلي للقانون الخاص لتعليل القرارات الإدارية والتي تعتبر الوسيلة المفضلة للإدارة لقيام بنشاطها وهذه القرارات الإدارة يتم بين الإدارة والأطراف المخاطب بها عن طريق التواصل، كما أن المؤتمر الدولي للتنمية الإدارية رأي من بين مقومات الحكامة في الإدارة العمومية ترسيخ مبدأ الإدارة الإلكترونية للمساهمة في نجاعة خدمات إلكترونية أساسية للتواصل مع المواطنين والمقاولة والإدارة ووضع الخدمات على الأنترنت مع العمل على ربط الاستثمارات في مجال المعلوميات بمردوديتها على تحسين الخدمات الإدارية وتبسيط المساطر وذلك في إطار إستراتيجية وطنية مندمجة تركز على الخدمات التالية:
استكمال رزنامة الخدمات التي تمكن المواطنين من طلب الوثائق الإدارية على الأنترنت: وثائق الحالة المدنية موجزاً سجل العدلي، شهادة السكنى، الضريبة على السيارات.
تعميم خدمة أخذ المواعيد عبر الخط على الشبابيك الإدارية كالدوائر الأمنية (البطاقة الوطنية) والمستشفيات والمقاطعات والمحاكم. 
خدمة المصادقة الإلكترونية على مطابقة نسخ الوثائق لأصولها.
ويبقى أهم ورش في إطار الإدارة الإلكترونية هو إحداث قاعدة للربط البيني للإدارات تمكنها من التنسيق فيما بينها في إطار تقديم الخدمات العمومية للمرتفق دون الرجوع إلى هذا الأخير من أجل الإدلاء بوثائق والحكامة في التدبير العمومي استدعت إصدار ميثاق للمرافق العمومية يحدد قواعد الحكامة الجيدة المتعلقة بتسيير الإدارات العمومية والجهات والجماعات الترابية الأخرى والأجهزة العمومية كما يشير إلى ذلك الفصل 157 من الدستور، ويشمل هذا الميثاق التزامات الإدارة وأعوانها وقواعد تنظيمها وتدبيرها والقواعد المنظمة لعلاقة الإدارة بالمرتفق، وسن قواعد التدقيق الدوري وتعليل القرارات الإدارية ونشرها وقياس الأداء والجودة. 
عقلنة وترشيد الهياكل الإدارية لتفادي تداخل الاختصاصات وتضخم المصالح الإدارية بناءً على إنجاز عمليات تدقيق تنظيمي بصفة مستمرة.
إعادة النظر في حجم وتنظيم الإدارات وإقرار معايير موضوعية لإعادة تنظيم الإدارة مع إعادة توزيع الاختصاصات والمسؤوليات من خلال تدعيم سياسة اللاتركيز الإداري وجعلها أداة فعالة في تعزيز اللامركزية والجهوية وملاءمة الهياكل الإدارية المركزية مع مهامها الاستراتيجية وتفعيل دور المصالح اللاممركزة مع مهامها الاستراتيجية وتفعيل دور المصالح اللاممركزة في إطار التنمية المحلية والشراكة مع الفاعلين المحليين.
وتحسين الأداء والتواصل بين الإدارة العامة والمتعاملين معها رافعة ضرورية للحكامة من خلال:
ـ خدمة المواطن: مبدأ الإصلاح وتحسين الأداء
ـ الإنصاف والإرشاد
ـ ضرورة جودة الخدمات
ـ ضرورة الشفافية
ـ تجاوز الاختلالات والنقائص التي تعتري الجهاز الإداري
ـ إدارة أكثر قرباً من المواطن
ـ ترقي جودة الخدمات
والاهتمام بتحسين علاقة الإدارة بالمواطن ينسجم تماماً مع فلسفة وأبعاد المنظور الجديد للتحديث الذي يرتكز على وضع المواطن في صميم الإصلاحات والتحديث، وفي هذا الإطار تسعى الحكومة إلى إنجاز المشاريع التالية:
إحداث أكشاك إدارية بالفضاءات التجارية الكبرى وبالمحطات الرئيسية للقطارات والحافلات العمومية،
تنظيم مداومات بالمصالح ذات العلاقة المباشرة مع المواطن بعد التوقيت العادي وخلال العطلة الأسبوعية،
تنفيذ البرنامج الوطني لتبسيط الإجراءات الإدارية بالعمل على مؤسسة ورش ـ تبسيط الإجراءات والسهر على تسهيل الإجراءات بمداخل الإدارات دعما للشفافية في التواصل مع المواطن،
إحداث وحدات مكلفة بعلاقة الإدارة بالمواطن تعنى بحسن الاستقبال والتكفل بالتظلمات والشكايات وإرشاد المواطن،
دعم قدرات وإمكانيات مركز الاتصال والإرشاد الإداري،
إنجاز مرجع معلوماتي مشتر لتدبير الموارد البشرية للإدارات العامة،
تنظيم المنتديات السنوية للإدارة الإلكترونية،
دعم التعاقد وإبرام عقود البرامج بين الإدارة المركزية والمصالح الخارجية للإدارات[22].
ولذلك فإن الحكامة الإدارية جزء أساسي وأرضية خصبة من أجل تحقيق تفاعل إيجابي وتواصل يروم تحقيق الأهداف التي سطرت جراء تبني حكامة في الإدارات العمومية.

خاتمة :
يتضح مما سبق أن بناء الحكامة يتطلب المرور إلى حكامة ديمقراطية (الحكامة هي حكامة ديمقراطية)، وهذا الهدف يتطلب كأولوية بلورة إستراتيجية محكمة للتنمية المؤسساتية، ويفترض أن تتضمن هذه الإستراتيجية خطة تجسد مسلسلا لتعليم وتكوين الفاعلين وتنمية قدرتهم على مواجهة المشاكل والتعرف على الحدود والموارد المتوفرة. كما اتضح من خلال التجارب أن عملية البناء هذه لا يمكن أن تتم إلا عبر التراكم التدريجي التصاعدي للمكتسبات في هذا الشأن، لأنه ثبت أن التغييرات الجذرية لا تغير إلا القواعد الشكلية (Formelles) بدون المساس بالقواعد اللاشكلية (Informelles). الحكامة الجيدة إذن، والتغييرات المؤسساتية المرتقبة المرتبطة بها، تحتاج بالضرورة إلى زعامات سياسية واقتصادية وثقافية مؤهلة لقيادة التغيير في المجتمع المتنوع والمعقد في ترابطاته. الحاجة إلى هذه الزعامات ناتجة عن تعقيد منظومة المصالح وعن عدم إمكانية فرض فاعل معين على آخر ضرورة التعامل والتعاون معه بالقوة والتهديد. إن إنضاج اتفاقات مؤسساتية جديدة ناجعة وعادلة تتطلب تميز الزعامات بالحكمة والتبصر والصبر والخبرة في حل رموز النوايا والدوافع. وعليه، فعملية شرعنة الزعيم مرتبطة أساسا بمستوى ثقة الفاعلين والمواطنين فيه، وبمشروعيته الذاتية والفكرية، وبمصداقيته وخبرته في تدبير النزاعات وتجميع القوى.
وأخيرا نقول، بتطبيق الحكامة ، لا يمكن لأي فاعل أن يفرض توجهه الذاتي على الآخرين، بل على عكس ذلك، أصبح تدبير قضايا الشأن العام ينبني على الحوار والتفاوض المؤدي إلى خلق الالتقائية التي تنتصر لخدمة الصالح العام.
_______________________________________
الهوامش:
[1]- A. SADDIKI ; développement durable et gouvernement dans les pratiques internationales : gênes, évolution et prospectives, publication de la revue marocaine d’audit et de développement, n° 5, p 64.
[2] - Mohammed HARAKAT, le concept de gouvernance au Maroc, signification et pertinence, publication de la Revue Marocaine d’Audit et de développement, série management, n° 2004, p 6.
[3] - Mohammed HARAKAT, op.cit, p 9.
[4] - محمد غربي، مفهوم الحكم الصالح بين مثالية الخطاب الدولي وإكرهات الدولة في الجنوب، منشورات المجلة المغربية للتدقيق والتنمية، سلسلة التدبر الإستراتيجي، العدد 5، 2004، ص 11.
[5] -Mohamed BERDUZI, « Fondement de la gouvernance », in Gouvernance et conduite de l’action publique au 21 siècle sous la direction de Alo SEDJARI, p 15.
[6] - محمد حركات، الاقتصاد السياسي لتدبير الشأن العام، الطبعة الأولى، 2000، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط،
ص 110.
[7] - محمد عابد الجابري، وهم الليبرالية الجديد، مجلة فكر، ونقد، العدد 45، 2002، ص 9.
[8] - محمد بركات، الاقتصاد السياسي لتدبير الشأن العام، مرجع سابق، ص 10.
[9] - Mohamed HARAKAT, Gouvernance gestion publique et corruption, imprimerie EL Marrif Al Jadida-Rabat, 2006, p : 14.
[10] - Pierre DESENACLENS, « Mondialisation, Souveraineté et théorie des relations internationales », édition Dalloz, Paris octobre 199.
[11] - Pierre DESENACLENS, « Mondialisation, Souveraineté et théorie des relations internationales », édition Dalloz, Paris octobre 1998, p : 199.
[12] - Francis DELPEREE, « La Gouvernance en tout sens » Elites gouvernance et gestion du changement » sous la direction de Ali SEFJARI, l’harmattan, GRET, 2002, p : 55 et 56.
[13] - محمد اليعكوبي، المبادىء الكبرى للحكامة المحلية، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 56، ماي-يونيو 2004، ص 16.
[14] - سعيد جفري، الحكامة و أخواتها (مقاربة في المفهوم، و رهان الطموح المغربي)، نشر و توزيع الشركة المغربية لتوزيع الكتاب، الطبعة الاولى 1430-2010، ص :53.
[15] محمد الأنصاري، الحكامة ومتطلبات الجودة التشريعية،منشورات المجلة المغربية للتدقيق و التنمية، عدد23-24، 2007.
[16] الحكامة و التدبير العمومي الجديد بالمغرب، منشورات المجلة المغربية للتدقيق و التنمية العدد46، 2010 ص: 41.
[17] سعيد جفري، مرجع سابق، ص 59.
[18] - سعيد جفري، الحكامة وأخواتها مقاربة في المفهوم ورهان الطموح المغربي، الطبعة الأولى 2010، ص57-58.
[19] - سعيد جفري، مرجع سابق، ص 161.
[20] - http://www.tanmia.ma/article.php3?id_article=16232&lang=fr
[21] - محمد مرزوق ، التواصل الإداري، النظريات والأسس والتطبيقات، الطبعة الأولى، 2011، ص 116.
[22] - Les droits de l’Homme dans le programme du Gouvernement (Extraits de la version arabe)
Il s’agit essentiellement des deux volets (2) et (4) relatifs respectivement à l’Etat de droit et les droits de l’Homme ; et au développement humain et les droits catégoriels.


تعليقات