Header ADS

اخر الأخبار

عيب الإنحراف في استعمال السلطة

مقال بعنوان: عيب الإنحراف في استعمال السلطة

عيب الإنحراف في استعمال السلطة


مقدمة
يعتبر عيب الانحراف في استعمال السلطة العيب الخامس والأخير الذي إذا لحق القرار الإداري لأصبح القرار مستحقا للإلغاء[1]، وقد أشارت المادة 20 من القانون المحدث بموجبه المحاكم الإداري لهذا العيب، حيث جاء فيها أن كل قرار إداري صدر من جهة غير مختصة أو لعيب في شكله أو لانحراف في السلطة أو لانعدام التعليل أو للمخالفة القانون، يشكل تجاوزا في استعمال السلطة، يحق للمتضرر الطعن فيه أمام الجهة القضائية المختصة.[2] كما أشارت إليه الفقرة الثانية من المادة العاشرة من قانون مجلس الدولة المصري، لكن وإن لم تقم معظم التشريعات وتعريف عيب الانحراف في استعمال السلطة فقد تولى الفقه ذلك حين عرفه الأستاذ محمد اليعقوبي "يحصل عيب في الانحراف عندما يقوم مصدر القرار الإداري في إطار اختصاصه بإصدار قرار إداري غير أنه يهدف إلى هدف غير الذي تخوله سلطاته.[3]
كما عرف الأستاذ المغربي مولاي ادريس نظرية الانحراف أنها هي التي تتيح للقاضي فرض رقابة على الأعراض التي يسعى إلى تحقيقها رجل الإدارة بما فيها بواعثه النفسية لأن الإدارة قد تتعسف وتنحرف عند اتخاذ تعرفتها. [4]
وفي جمهورية لبنان عرفه الأستاذ محمد رفعت عبدالوهاب علي أنه قد يكون القرار الإداري معيبا بعيب إساءة السلطة إذا استهدفت الإدارة من إصدار قرارها غاية عامة أو إذا استهدفت غاية عامة أخرى تختلف عن الغاية التي حددها القانون بقرارها.[5] كما عرفه الفقيه المغربي سليمان الطماوي "على أنه يكون أمام عيب الانحراف عندما يستعمل رجل الإدارة سلطته التقديرية لتحقيق غرض غير معترف له به.[6]
وعرفه الفقيه البلجيكي فيني في كتابه عن المبادئ العامة للقانون الإداري البلجيكي طبعة سنة 1947 " أن العمل الإداري، الذي يصدره رجل الإدارة في حدود اختصاصه قاصدا به تحقيق نفع شخصي، أو مصلحة لا تمت إلى المرفق العام بصلة هو غير مشروع لأنه مشوب بعيب الانحراف.[7]
هذا هو معنى الانحراف في استعمال السلطة فالسلطة ليست غاية في ذاتها ولكنها وسيلة لتحقيق الغايات والأهداف العامة والمصالح العامة للمجتمع، ومن تم نكون أمام عيب الانحراف إذا قام من أعضاء القانون السلطة بإصدار قرار لتحقيق غاية أو هدف يجانب ويتعارض مع الصالح العام، كذلك نكون أمام عيب الانحراف في استعماله السلطة إذا قام الموظف بإصدار قرار يحقق مصلحة عامة ولكن تلك المصلحة ليست هي ذات المصلحة العامة أو الغاية العامة التي حددها القانون بهذا النوع أو ذلك من أنواع القرارات الإدارية، كما أنها تكوين بصدد عيب الانحراف عندما تلجأ الإدارة إلى اتخاذ قراراتها باتباع مسطرة مخالفة كما هو منصوص عليه في القانون[8]، هذه الحالات هي ما سنتناوله من خلال المبحث الأول من هذا العرض.
وقبل الخوض في أغوار هذا العرض نطرح الإشكالات التالية: 
ما هي الخصائص التي يتميز بها عيب الانحراف في استعمال السلطة؟ وما هي حالاته؟ وما هي الآليات الكفيلة بتحديد وإثبات هذا العيب؟ وكيف تعامل القضاء الإداري المغربي والمقارن مع عيب الانحراف في استعمال السلطة؟
ولمعالجة الموضوع، سنتناوله حسب التصميم التالي:

المبحث الأول: خصائص وحالات عيب الانحراف في استعمال السلطة
المطلب الأول: خصائص عيب الانحراف في استعمال السلطة
المطلب الثاني: حالات عيب الانحراف في استعمال السلطة
المبحث الثاني: إثبات عيب الانحراف في استعمال السلطة
المطلب الأول: صعوبة وعبء إثبات عب الانحراف في استعمال السلطة
المطلب الثاني: وسائل إثبات عيب الانحراف بالسلطة

المبحث الأول: خصائص وحالات عيب الانحراف في استعمال السلطة

على ضوء المفهوم لعيب الانحراف في استعمال السلطة يمكن أن نحدد خصائص هذا العيب في (المطلب الأول) كما سنقوم بالكشف عن الصور التي يتقمصها هذا العيب في الحياة العملية من خلال (المطلب الثاني).

المطلب الأول: خصائص عيب الانحراف في استعمال السلطة

لو تناولنا تعريف عيب الانحراف بالتحلل لوجدناه يقوم على عنصرين:
أولا: العنصر السلبي: ومقتضاه أن القرار الإداري المشوب بعيب الانحراف هو قرار سليم في عناصره الأخرى التي لا تتعلق بالبواعث والأهداف فهو صدر عن شخص مختص، واستوفي الإجراءات الشكلية لأن رجل الإدارة – في حماية من مظهر المشروعية – يحاول أن يحقق جميع الأغراض غير المشروعة.[9] وعيب الانحراف بخصائصه هاته يمثل إلى أي مدى وصل مبدأ مشروعية أعمال الإدارة ومن ثم فقد كان هذا العيب أحدث العيوب التي ظهرت في قضاء مجلس الدولة الفرنسي. وقد ترتب على دقة عمل القاضي في فحص الانحراف أن انتهى مجلس الدولة المصري إلى أن أضفى على عيب الانحراف صفة احتياطية ، بمعنى أنه لو طعن في قرار إداري بأي عيب آخر مع عيب الانحراف فإن القضاء الإداري يبدأ بفحص العيب الآخر، فإذا انتهى إلى توافر هذا العيب حكم بإلغاء القرار دون حاجة إلى التعرض لعيب الانحراف ومن ذلك على سبيل المثال حكم مجلس الدولة المصري الصادر في 12 ماي 1949 والذي جاء فيه "...ويكون قرار الإحالة إلى الاستيداع قد جاء لمخالفة القانون مما يتعين إلغاؤه بلا حاجة إلى بعث عيب الانحراف في استعمال السلطة.
ولهذا أيضا، فإن مجلس الدولة الفرنسي لا يعتبر عيب الانحراف متعلقا بالنظام العام، ومن ثم فإنه لا يتعرض له من تلقاء نفسه إذا لم يثره الخصوم.[10]
ثانيا:العنصر الإيجابي: وخلاصته أن عب الانحراف هو عيب متعلق بأهداف الإدارة إذا ما كانت سلطتها تقديرية؛ فإذا ما كنا بصدد اختصاص مقيده فإن العيوب التي تلازمه هي عيوب الشكل والاختصاص ومخالفة القانون، ولا يثار عيب الانحراف في هذه الحالة لأنه يفترض افتراضا لا يقبل إثبات العكس. وعلى العكس من ذلك نكون أمام عيب الانحراف إذا ما كنا بصدد اختصاص تقديري يترك لرجل الإدارة بعض الحرية في التدخل أو الامتناع، غير أن الصعوبة تكمن في معرفة الأهداف التي يجب أن يسعى رجل الإدارة إذ يجب أن يقتصر رجل الإدارة إلى تحقيق النفع العام بحيث لو ترك هذا الغرض إلى سواه من الكيد والانتقام أو الصالح الشخصي لفقد عمله صفة المصلحة العامة ليصبح مجرد اعتداء مادي في نظر كثير من الفقهاء وصار بالتالي عملا غير مشروع، غير أن هذا القيد السلبي واسع جدا، والغالب ألا يترك المشرع رجال الإدارة أحرارا في نطاقه، وإنما يرسم لهم حدودا معينة ليس لهم أن يتخذوها، وهي التي يطلق عليها اصطلاح تخصيص الأهداف[11]، حيث قد يحدد القانون للإدارة هدفا معينا في نطاق المصلحة العامة يجب أن تعمل على تحقيقه، وهنا لا يكفي الغرض – المصلحة العامة، وإنما يتعين عليها أن تولي وجهها شطر الهدف الخاص، فإذا خرجت عنه ولو كان تصرفها في نطاق المصلحة العامة كلية، إلا أن ذلك التصرف يعتبر انحرافا عن الهدف المخصص للإدارة.[12] ولهذا يتعين على قاضي الإلغاء قبل أن يلجأ إلى القيد السلبي العام أن يحاول التعرف على الهدف المخصص بالطرق التالية.
1-قد يذكر المشرع الهدف صراحة فيتعين على الإدارة الاقتصار عليه، ومثال ذلك قوانين السلطات الاستثنائية في كثير من الدول التي تخول الإدارة استصدار مراسم لها قوة القانون خلال فترة معينة، فإذا تلك القوانين تحرص عادة على تحديد الأغراض التي يجوز استخدام تلك المراسيم لتحقيقها، بحيث لو استعملت لتحقيق غيرها ولو تعلقت تلك الأهداف بالصالح العام، اعتبرت باطلة للانحراف وجاز إلغاؤها، ويمكن التمثيل لذلك في جمهورية مصر العربية أيضا بالقوانين التي تخول للإدارة سلطة مصادرة بعض البضائع المستوردة أو الاستيلاء على الأموال أو المساكن.
2-وإذا لم يفصح المشرع عن الهدف المخصص فإن للقاضي أن يلجأ إلى التفسير لتوصل إلى قصد المشرع، وله في هذا السبيل أن تستعين بالأعمال التحضيرية والمذكرات التفسيرية والمناقشات التي دارت حول التشريع ... إلخ.
3-وأخيرا، قد تفرض طبيعة السلطة الممنوحة للإدارة أن تسعى إلى تحقيقها، وهذه قاعدة مفيدة، يلجأ إليها القضاء الإداري كثيرا ومثال ذلك سلطات البوليس الإداري العام، إذ يناط بها تحقيق النظام العام بمدلولاته الثلاث وهي الصحة والسكينة والأمن، فإذا استعلت سلطات البوليس لتحقيق غرض آخر كانت مشوبة بعيب الانحراف.
ولهذا لايقصد بعين الانحراف مجرد استهداف أغراض لا تتعلق بالصالح العام، وإنما يقصد به أيضا – بل هذا هو الغالب – أن يخرج رجل الإدارة على قاعدة تخصيص الأهداف، ومن هنا كان اعتراض الفقيه سليمان محمد الطماوي على تسمية عيب الانحراف بإساءة استعمال السلطة؛ نظرا لأن هذه التسمية الأخيرة تجعل العيب مقصورا على الحالة الأولى دون الثانية.
والمسلم به لدى مجلس الدولة الفرنسي ولدى معظم الفقهاء في فرنسا أ، رقابة القضاء في مجال الانحراف هي رقابة مشروعية. وبمعنى آخر، إنا لقرار الإداري المشوب بعيب الانحراف هو قرار إداري غير مشروع لأن رجل الإدارة وقد تنكر للغاية التي هي ركن أساسي في كل قرار إداري، يكون خرج على القانون حتى ولو احترم القانون من حيث المظهر وهذا هو الرأي الذي يعتنقه الفقه والقضاء في مصر.[13]
إلى جانب هذه العناصر فإن الانحراف في استعمال السلطة يتميز بخصائص له لا بد من توافرها لقيامه والتي تتمثل في:
الخاصية 1: أن عيب لانحراف متعلق بنفسية مصدر القرار ونواياه وما أراد تحقيقه من إصدار القرار، ولذلك فإن مهمة القاضي الإداري في الرقابة تكون أكثر صعوبة في هذا العيب عنه في العيوب الأخرى للقرارات الإدارية، ويكون عن إثبات عيب الانحراف بالسلطة عسريا على الطاعن بالإلغاء.
الخاصية 2 : أن عيب الانحراف باستعمال السلطة يتصل بعنصر الغاية من القرار الإداري فإذا انحرفا الإدارة التي أصدرت القرار عن غاية الصلح العام أو لغاية المستهدفة بالذات ينص القانون فيكون ذلك تعبير عن الانحراف عن غاية القرار الإداري.
الخاصية 3 : إن عيب الانحراف باستعمال السلطة هو عيب عمدي حيث يكون مصدر القرار يتعين فيه سوء النية حيث يستهدف غاية بعيدة عن المصلحة العامة أو يستهدف غاية مخالفة لما حدده القانون وأن يكون قصده قد اتجه إلى ذلك.[14]
الخاصية 4: أن عيب الانحراف بالسلطة هو عيب احتياطي لكونا لقضاء الإداري يبحث العيوب الأخرى للقرار قبل أن يقوم بالبحث في عيب الانحراف في استعمال السلطة والحكمة من ذلك أن عيب الانحراف باستعمال السلطة يتعلق بمقاصد ونوايا القرار وهي أمور تتعلق بالأخلاق بجانب صعوبة إثباتها.
الخاصية 5 : أن عيب الانحراف بالسلطة لا يعتبر من النظام العام فلا يقضي به القاضي من تلقاء نفسه بل يتعين على الطاعن عن التمسك به.[15]

المطلب الثاني: حالات عيب الانحراف في استعمال السلطة

ونقصد بها الصور التي يتقمصها هذا العيب في الحياة العملية ويمكن رد هذه الصور إلى 3 حالات:
1-حالة محاولة رجل الإدارة تحقيق أغراض تجانب المصلحة العامة
2-حالة مجافاة قاعدة تخصيص الأهداف
3-حالة تحويل المسطرة

1-الأغراض التي تجانب المصلحة العامة

إن المبدأ العام يقتضي بأن لا تقوم الإدارة بأي عمل في أي ظرف إلا من أجل المصلحة العامة. لذلك فهدف المصلحة الخاصة في العمل الإداري غير شرعي إطلاقا، لكن هدف المصلحة الخاصة يصعب تقديم الحجة عليه لأن نية متخذ القرار من أجل المصلحة الخاصة غير ظاهرة. ويلعب القاضي الإداري دورا هاما في هذه الأدلة لأنه يسهل على المتقاضي الإدلاء بالحجة نظرا لصعوبتها. ورغم ذلك فالمتقاضي الذي لا يستطيع تقديم الحجة على تحويل السلطة برفض طلبه.[16] ويقصد بالمصلحة الخاصة في الاجتهاد القضائي مصلحة صاحب القرار الشخصية أو مصلحة الغير أو المصلحة السياسية[17]، وكذا استعمال السلطة بقصد الانتقام.[18] فالحالة الأولى تتحقق مثلا عندما يستعمل رجل الإدارة صلاحيته بهدف تحقيق نفع شخصي يعود عليه كتعبيد طريق يمر قرب ملكيته الخاصة[19]، ومن السلطات التي كثر إساءة استعمالها تحقيقا لهذه الغاية سلطة البوليس في فرنسا، نظرا لأنها موضوعة في يد العمدة: كأن يصدر أحد العمد قرارا بتحريم الرقص خلال فترات معينة، ويبرره في الظاهر بحاجة العلم، لأن الرقص صرف الشباب من الجنسين عن العمل، ولكن أسبابه الحقيقية كانت ترجع إلى حماية مطعم له انصرف عنها لشباب إلى المحلات التي تهيء لهم فرص الرقص.[20] هذا والقضاء الفرنسي غني بالأمثلة في هذا المقام سواء في قضاءه القديم أو الحديث من ذلك حكمه بإلغاء القرار الصادر بمنع العروض السينمائية في أوقات معينة لمنع منافسة دور السينما لمحال بيع المشروبات الروحية.[21]
ومن أمثلة استعمال السلطة نقصد تحقيق نفع للغير حكم صادر عن قضاء مجلس الدولة المصري في 15 يونيو سنة 1983. وقد جاء فيه: "إذا كان يتبين من ظروف وملابسات صدور قرار نقل المدعى المطعون، أنه لم يهدف إلى تحقيق مصلحة عامة وإنما قصد إفادة شخص معين بذاته هو الخصم الثالث الذي حصل محل المدعي في وظيفته، وذلك بغية ترقيته إلى الدرجة الأولى، فمن ثم يكون القرار مشوبا بعيب إساءة استعمال السلطة. نفس الشيء كما لقرار المجلس الأعلى المغربي في 10 يونيو 1986 " حيث يعد غير مشروع، الانتقال من أجل مصلحة المرفق المعنية والذي يشكل في الواقع سوى عقوبة مقنعة اتخذت لإرضاء إحدى النقابات. 
كما أن محكم النقض البلجيكية طبقت هذه نظرية الانحراف في هذه الصورة في حكم لا يخلو من الغرابة. كما أن للحكم دلالة خاصة ذلك أن عيب الانحراف لم يتمسك به الأفراد كما هو الشأن في الحالات العادية ولكن تمسكت به الإدارة نفسها ضد قرار صادر من أحد أفرادها؟ وذلك لكي تتخلص الإدارة من دفع التعويضات الناتجة عن تنفيذ ذلك القرار المعيب !! وتتلخص الوقائع في أن الموظفين المختصين وافقوا في حدود اختصاصهم على أن تضمن الدولة بعض الديون التجارية وكان القانون قد تلك السلطات أثناء الحرب لتنشيط الإقتصاد القومي، وزيادة رفاهية الشعب، وقد تبنت الإدارة بعد انتهاء الحرب أن أولئك الموظفين، بالنسبة لديون تجارية معينة قد استعملوا سلطاتهم لا لتحقيق الأغراض التي أشرنا إليها، ولكن بقصد تسهيل التعاون مع السلطات المحتلة، فلما طولبت الحكومة بناء على ضمانها طعنت بأن القرارات التي صدرت بهذا الضمان في قرارات باطلة وأقرتها وجه نظرها مقررة أن الموظف الذي أصدر تلك القرارات وهو يعلم أنها موجهة ضد الدولة لا لمصلحتها ، يكون قد ارتكب عملا يتنافى مع واجبات وظيفته.[22]
كما أن من صور عيب الانحراف بخصوص الأغراض التي تجانب المصلحة العامة استعمال السلطة بقصد الانتقام الشخصي، وهذا القصد ليس بحاجة إلى تعريف، فرجل الإدارة الذي منح سلطات لايتمتع بها الفرد العادي يستعمل هذه السلطات للإيقاع بأعدائه، ولإشباع شهوة الانتقام التي تتأجج في نفسه: وهذه ولا شك أخطر صور الانحراف إطلاقا وتطبيقاته أكثر ما تكون بالنسبة للموظفين عند استعمال الهيئات الرئاسية لسلطتها التأديبية: وهذا الاختصاص التقديري إلى حد كبير مما اعترف به للإدارة إلا لخير المرفق وتحقيق الانسجام والنظام في سيره، فإذا خرج به الرئيس الإداري عن مقصوده، واتخذ منه سلاحا يسلطه على رقاب أعدائه، فإنه يشيع الفوضى في صفوف الإدارة ذاتها ويعدم الثقة بين أفردها لأن الموظف جزء الحيل من الإدارة. من تلك الحالات في القضاء الفرنسي حالة سكريتر أحد المجالس القروية نشأ بينه وبن أحد الموظفين الذين يعملون معه حزازات، فطوى نفسه عليها حتى إذا ما انتخب عمدة بعد بضع سنوات من منشأ هذه الحزازات كان أول قراراته فصل هذا الموظف، ومثال ذلك أيضا حالة أحد المحافظين الذين لم يكد يعين حتى سارع إلى إصدار قرار بفصل أحد الموظفين، ونفذ هذا القرار في اليوم التالي لإصداره كل ذلك قبل أن يتولى مهام منصبه؟ !
أ-استعمال السلطة لغرض سياسي
يستعمل رجل الإدارة هنا من خول من سلطة مدفوعا باعتبارات سياسية وإذا كان المفروض أن الإدارة يجب أن تبتعد عن السياسة إلا أن الميولات الشخصية كثيرا ما تحيد بالشخص عن جادة الصواب، ولذلك فإن لهذه الاعتبارات أثر كبير في فساد الإدارة في كثير من الدولة التي تنضج سياسيا، فأحيانا يكون القرار المعيب مقصودا به للتعبير عن رأي سياسي معين حدث ذلك في هذا المثال الطريف.
وقد أبرز المجلس الأعلى من خلال مجموعة من القرارات عيب الانحراف لاستعمال السلطة لأسباب سياسية، بحيث فحصت الغرفة الإدارية شرعية قرار عامل الدارالبيضاء القاضي بعزل الطاعنين والتشطيب عليهم ضمن لائحة المستخدمين التابعين للعمالة. وقد اعتبر هؤلاء أن عقوبة العزل المتخذة في حقهم لم تكن مؤسسة على خطأ تأديبي إنما اتخذت لسبب سياسي، مما شكل هذه العقوبات تشكل انحرافا في استعمال السلطة ".[23]
وأحيانا يكون القرار المعيب مقصودا به التعبير عن رأي سياسي معين حدث ذلك في هذا المثال الطريق في فرنسا، فمن المعروف أن العقيدة الكاثوليكية تشتد في بعض مقاطعات فرنسا ، ومن بينها مقاطعات الريف، وكان في مدينة جرافنستان بهذه المقاطعة مدرسة كاثوليكية، وجريا وراء سياسة الوزراء في ذلك الوقت أصدر المحافظ قرار يمحو صفة الكثلكة عن هذه المدرسة،ويقصر تعليم الديانة الكاثوليكية على بعض دروس بعدما كانت تصطبغ بها جميع الدراسات. وقد صدر هذا القرار بناء على طلب المجلس البلدي لتلك المدينة، ولكنه لم يرضي مجلس المحافظة، ولكي يعبر عن استياءه من تلك السياسة عمل على إنشاء مدرسة كاثوليكية حرة وذلك عن طريق إصدار قرارات مختلفة تتضمن إعانات لهذه المدرسة تمكنها من البقاء في البلدة لتحل محل المدرسة الملغاة والمسألة هنا دقيقة: فلا شك أن مجلس المحافظة وفقا للقانون يملك أن يصدر إعانات المدارس الحرة ولكنه في هذا الصدد، كان مدفوعا باعتبارات أخرى، ولذلك فحين طعن في هذه القرارات أصدر مجلس الدولة حكما مفصلا جاء في نهايته "وحيث إنه حتى لو سلمنا بأن مجلس المحافظة، وفقا للقوانين السارية في جنوب الرين، يملك أن يمنح إعانات للمدارس الحرة في مصلحة التعليم ، فإن من الثابت أن القرارات المطعون فيها قد أصدرها مجلس المحافظة لا تلك الغاية ولكن كمظهر لاحتجاجه على إلغاء صفة الكثلكة عن المدرسة الحكومية القائمة. وبناء على ذلك، فهو بالحقيقة بمثابة مظاهر سياسية، وبالتالي يكون مشوبا بعيب التجاوز في السلطة.[24]
ب-الانحراف عن قاعدة تخصيص الأهداف
ومقتضاه أن القانون قد يحدد لرجل هدفا معينا يجب أن يحترمه بما قد يصدره من قرارات، فإذا استهدف القرار هدفا غيره كان القرار باطلا لانحراف السلطة حتى وإن كان القصد منه هو تحقيق المصلحة العامة، مثال ذلك أن المشرع قد جعل الهدف الذي يجب أن تسعى إلى تحقيقه سلطة الضبط الإداري هو المحافظة على النظام العام بمدلولاته الثلاث: الأمن العام – الصحة العامة – السكينة العامة، فإذا أصدر رجل الضبط الإداري قرارا تحقق ذلك الهدف كان قرراه معيب بعيب الانحراف في السلطة، حتى ولو كان الهدف الذي سعى إلى تحقيقه هو الصالح العام – قضية الحسن بن عبدالمالك السوسي ضد وزير الداخلية.[25]
فالانحراف عن الغاية المحددة أو المخصصة كان يصدر قرار إداري يهدف إلى غير الغاية التي قدها المشرع مما يتطلب الأمر إلغاؤه لعدم مشروعيته وذلك لأغراضه عن تحقيق الغرض الأساسي الذي قصده المشرع، أما إذا لم يثبت بأن الإدارة قد انحرفت عن الغاية المحددة أو المخصصة فإن القرار يبقى سليم، وهذا ما أكده المجلس الأعلى في قراره رقم 65 بتاريخ 12 ماي 1967[26] وتعتبر حالة الانحراف عن قاعدة تخصيص الأهداف أقل خطورة من حالة الانحراف عن المصلحة العامة، ونذكر منها مباشرة إجراءات الاستيلاء المؤقت بقصد الاستيلاء الدائم أو نزع الملكية وذلك توفيا للسهوة وتفاديا لأراء نزع الملكية من أجل المنفعة العامة مع ما تتم به من بطء وتعقيد ومن ثم اتخاذ نقل موف كجزاء تأديبي، حكم المحكمة الإدارية بمراكش بتاريخ 17/10/2001 حيث أن إصدار عقوبة تأديبية في حق موظف تم إدرافها بعد مرور زمن قصير بإجراءات نقله لأجل مصلحة عامة دون سبب مصلحي حقيقي يبدو لذلك، ولم يمض سوى يوم واحد فقط على تاريخ استئنافه لعمله وتوصل الإدارة المدعى عليها بنسخة عريضة الطعن وعدم جوابها عليها ذلك بشكل قرائن تحمل على وجود انحراف في استعمال السلطة.[27]
ج-الانحراف في مسطرة اتخاذ القرار
وتتحقق هذه الحالة عندما تلجأ الإدارة إلى اتخاذ قراراتها باتباع مسطرة مخالفة لما هو منصوص عليه في القانون، وقد أوضحت المحكمة الإدارية بمراكش هذه الحالة في حكمها: "... وحيث إنه كقاعدة أن كل تصرف إداري كيفما كانت طبيعته لا يمكن أن يخدم سوى المصلحة العامة التي أصبحت قاعدة آمرة لكل سلطة عمومية دون حاجة أن يقرها المشرع والسلطة الإدارية التنظيمية وحتى مع افتراض في حالة تحقيق الهدف، فهناك دائما إمكانية وصم التصرف الإداري بعيب الانحراف في السلطة عن مبدأ تخصيص الأهداف والإجراءات كأن تسعى الإدارة إلى تحقيق خدمة للغير وإرضائه على خلاف ما يقضي به القانون تحت غطاء المصلحة العامة أو كأن تلجأ إلى استعمال إجراء غير المتعين عليها اتباعه لبلوغ الغرض الذي تسعى إليه ....".[28]
لذلك فإن حالة الانحراف في استعمال المسطرة تتحقق بحلول مسكرة محل مسطرة أخرى للوصول إلى نتيجة تؤدى إليها المسطرتان ، وهذا ما يؤدي إلى بطلان القرار المتخذ من طرف الإدارة في الموضوع، فإذا قامت الإدارة بحجز عقار معين بدل مسطرة نزع الملكية بمسطرة الحجز للوصول إلى نفس النتيجة وهي استغلال الإدارة لملكية العقار، والاجتهاد القضائي لا يسمح بحلول مسطرة الحجز محل مسطرة نزع الملكية فيحكم بالإبطال لعدم شرعي استعمال المسطرة. 
لذلك اعتبرت الغرفة الإدارة في قرارها بتاريخ 30 يناير 1970 "أن الإدارة أخفت المضمن الحقيقي للمقرر المطعون فيه وراء مظهر الزيادة غير المشروعة في الأسعار بسلوكها مسطرة العقوبة الإدارية، والتي خصصها القانون لغاية غير التي توختها الإدارة من هذه النازلة بغية تجنب المسطرة القضائية المنصوص عليها في ظهير 14 غشت 1964 (خلافا لظهير 21 نونبر 1957 الذي يسمح أيضا بالعقوبة الإدارية)؛ وإلغاء بعض الضمانات، منها ما ينص عليه الفصل 28 من نفس الظهير من إجراءات خبرة مضادة بطلب من المعني بالأمر أثناء التحقيق القضائي أو جلسة الحكم إذا وقع نزاع في نتائج الخبرة الرسمية كما هو الحال في النازلة، وحيث سبب ذلك تعذر على الطالب إجراء خبرة مضادة على ما كان بيده من النموذج من الزيت الموضوع تحت الأختام، وفوت عليه بذلك ممارسة حق الدفاع مما يستنتج منه أن القرار المطعون فيه مشوب بالشطط في استعمال السلطة".[29] وأقدم مثال لعيب الانحراف في هذه الصورة هو حكم مجلس الدولة الصادر في 26 نوفمبر 1875. وتتلخص ظروفه فيما يلي "في سنة 1872 أرادت الحكومة الفرنسية أن تحتكر صناعة عيدان الثقاب، لكي تضيف موردا جداديا للدولة، وكان هذا الإجراء يستلزم أن تنزع الحكومة ملكية المصانع القائمة في فرنسا في ذلك الوقت والتي تباشر هذا النوع من الصناعة. ولما رأى وزير المالية أن ذلك سيكلف الدولة مبالغ طائلة قرر أن يلجأ إلى طريقة ملتوية توفر على الخزينة العامة الكثير من المبالغ: ذلك أنه جعل الإدارة تأمر بناء على سلطة البوليس بإغلاق المصانع التي لم تكن قد حصلت على ترخيص سليم بمباشرة أعمالها ولا شك أن هذا الإجراء يدخل في الظروف العادية في سلطة البوليس ولكن في الظروف التي أشرنا إليها، لم يكن مقصودا به إلا رعاية المصلحة المالية للإدارة على حساب الأفراد ولذلك فقد ألفاه مجلس الدولة في قراره السابق. ولقد أعاد المجلس تطبيق نفس المبدأ في قضية حديثه: أصدرت لجنة التحرير الإقليمية الكورين أمرها بالاستيلاء على بعض المصانع في الإقليم متعللة بمختلف الأسباب ولكن مجلس الدولة، حين فحص الظروف التي أحاطت بإصدار القرار، تبين له أنها إنما كانت تهدف من وراء الإستيلاء إلى تأميم تلك المصانع. ولذلك فقد ألغى القرار، وكذلك قضت محكمة القضاء الإداري في مصر في حكم لها بشأن اتخاذ الإدارة لإجراءات الإستيلاء بأن : "...المشرع حرص على وصف الاستيلاء بأنه مؤقت تمييزا له عن الاستيلاء من أنه المؤقت كما رأت الوزارة لا حاجة إليه لأغراض المنفعة لعامة، فإن هذا الإطلاق مقيد بحكمته وأصل مشروعيته ولا يعير من طبيعة الاستيلاء من أنه استيلاء لا يدوم إذ يقوم على سبب مؤقت . أما أن يقوم الاستيلاء على سبب هو في الواقع دائم، فلا يعتبر ذلك الاستيلاء مؤقتا وإنما هو في الحقيقة نزع ملكية بالفعل [وفي هذه الحالة من صور عيب الانحراف فإن الإدارة تخطئ عمدا في معظم الأحوال في كيفي استعمال الوسائل لتحقيق غرض ناط بها القانون مهمة تحقيقه ولكن بوسائل معينة.[30]

المبحث الثاني: إثبات عيب الانحراف في استعمال السلطة

يكتنف إثبات عيب الانحراف بالسلطة صعوبة بالغة مرجعها ما يتمتع به هذا العيب من طبيعة خاصة، ولكن القضاء بما له من دور إيجابي في الدعاوى الإدارية، وتأكيدا لدوره في إقرار مبدأ المشروعية، بتنقية القرارات الإدارية من عيوبها ومنها عيب الانحراف بالسلطة، قد لطف من حدة صعوبة إثبات هذا العيب بالتوسع في وسائل الإثبات تخفيفا عن المدعي الملقى على عاتقه عبء إثبات هذا العيب. وسوف نوضح في المطلب الأول صعوبة وعبء إثبات عيب الانحراف بالسلطة، وفي الطلب الثاني لوسائل إثبات عيب الانحراف بالسلطة.

المطلب الأول: صعوبة وعبء إثبات عب الانحراف في استعمال السلطة

سوف نوضح مدى صعوبة إثبات عيب الانحراف بالسلطة وعبء وكيفية أو وسائل هذا الإثبات.

أولا: مدى صعوبة إثبات عيب الانحراف في استعمال السلطة
إن الصعوبات التي يواجهها القاضي في سبيل الكشف عن عيب الانحراف، ليست بحاجة إلى توكيد: فه أشد العيوب خفاء، ولذلك فهو أصعبها إثباتا.[31] ومن ثم استقر الفقه والقضاء المقارن على جعله عبئا احتياطيا يمكن اللجوء إليه فقط عندما لا يوجد عيب آخر يشوب القرار الإداري.[32]
فالقاضي لا يمكنه التوصل بسهولة إلى ما يؤكد انحراف الإدارة بسلطتها حيث أن هذا العيب ليس من العيوب الشكلية كعيب الشكل أو عدم الاختصاص يسهل الكشف عنه، كما أنه ليس من العيوب الموضوعية كعيب السبب أو المحل بحيث يمكن استخلاصه بسهولة، لكنه على خلاف ذلك عيب شخصي يكمن في نوايا ومقاصد رجل الإدارة، ويتوقف وجوده على سلامة هذه النوايا وتلك المقاصد، ومن هنا نبعت صعوبة إثباته.[33] ويزيد من تلك الصعوبة الاعتباران التاليان:
-العمل المشوب بعيب الانحراف، هو عمل سليم وصحيح من حيث الظاهر[34]، فهو عمل صادر من هيئة إدارية مختصة، وفقا للشكل الذي يستلزمه القانون، كما أنه يقوم على محل سليم. والطاعن في هذه الصورة يتهم الإدارة بأنها قد جادت – عمدا في معظم الأحوال، وعن سوء نية غالبا – عن الطريق السليم، ورمت إلى تحقيق أغراض غير مشروعة.
ويزيد صعوبة الكشف عن الانحراف بالسلطة أن القاضي لا يحكم بالإلغاء استنادا إليه إلا إذا تأكد فعلا من وجود هذا الانحراف، لما يترتب على القضاء به من خطورة تتمثل في تهديد الاحترام الواجب للإدارة، وينال من هيبتها أمام الجمهور، وقد يؤدي إلى تعطيلها، وشل حركتها، وإعدام روح الابتكار والتجدد فيها.[35]
والواقع أنه من غير المتصور ترجيح الحفاظ على هيبة الإدارة، على الاحترام الواجب لحقوق الأفراد التي تهدرها الإدارة بانحراف رجالها بسلطاتهم عن الهدف الذي لأجله منحوا إياها، والحفاظ على هيبة الإدارة لا يكون عن طريق تستر القضاء على انتهاكها لمبدأ المشروعية، وإنما يتبع ذلك من الإدارة نفسها، وذلك بأن تقلع عن الانحراف بالسلطة، حتى تتجنب حرج إلغاء تلك القرارات.[36]
-والاعتبار الثاني الذي يزيد من صعوبة الإثبات في هذا المجال، أن مجلس الدولة الفرنسي وهو بصدد تحري بواعث الإدارة ودوافعها، لا يملك أن يأمر بإجراء تحقيق مع الإدارة في هذا الشأن، وذلك راجع إلى مبدأ الفصل بين السلطات (السلطة القضائية والإدارة العاملة)، لذلك اضطر المجلس إلى تلمس هذه الدوافع والبواعث في ملف القضية، والظروف المحيطة بالقرار الإداري المطعون فيه ... وهذه كلها وسائل غير مباشرة.[37]
وإذا كان مجلس الدولة الفرنسي لا يملك استجواب رجل الإدارة أو إجراء تحقيق قضائي معه فإن مجلس الدولة المصري يملك الاتصال بجهات الإدارة للحصول على ما يشاء القاضي الإداري من بيانات، كما يملك القاضي إجراء تحقق واستدعاء خصوم الدعوى لإثبات دفاعهم.[38]

ثانيا: عبء إثبات الانحراف في استعمال السلطة
القاعدة العامة أن عبء إثبات عيب الانحراف في استعمال السلطة يقع على عاتق الطاعن بالإلغاء، مثل الأصل العام في إثبات العيوب الأخر للقرار. فيما عدا عيب عدم الاختصاص المتعلق بالنظام العام، ومن ثم يجوز للقاضي إثارته والتعرض له من تلقاء نفسه.[39]
1-موقف الفقه من عبء إثبات الانحراف بالسلطة
فقد استقر الفقه الإداري على إلقاء عبء إثبات الانحراف بالسلطة على عاتق المدعي، حيث يقع عليه إثبات استهداف الإدارة بقرارها هدفا بعيدا عن المصلحة العامة أو يغاير الهدف المخصص إن ما يقع على المدعي عبء إثباته هو ما يدعيه هو، أما ما تدعيه الإدارة باعتبارها طرف في الدعوة أثناء سيرها فإن عليها وحدها يقع عبء إثباته، وبذلك فإن عبء الإثبات وإن كان يقع في الأصل على عاتق المدعي، إلا أن الواقع يؤكد أن طرفي الدعوى يتناوبانه، إلى أن يستقر به المطاف عند أحد الأطراف، فإن عجز عن إثبات عكس ما يدعيه خصمه خسر دعواه.
ويرجع إلغاء عبد إثبات الانحراف بالسلطة على عاتق المدعي، إلى أن القضاء يقر سلامة الأعراض التي تتوخاها الإدارة إلى أن يثبت العكس، لخطورة الإسراف في اتهام الإدارة بالانحراف في استعمال سلطتها.
وهناك بعض الفقه يرى توزيع هذا العبء بين طرفي الدعوى، بحيث يتحمل كل طرف فيها نصيبا منه يحدده القاضي الإداري، وذلك لتعذر إلقائه على طرف بمفرده، ويجد هذا الاتجاه مبرره في أن تطبيق القاعدة العامة في الإثبات على الدعاوى الإدارية يضع المدعي أمام القضاء الإداري في مركز صعب، حيث تشغل الإدارة بصفة عامة المركز الأقوى الخاص بالمدعى عليه. فالمدعي في دعاوي الإلغاء يوجد في مركز غير متوازن أمام الإدارة، ولا يستطيع الاعتماد بصفة عامة إلا على القرائن، حيث تحوز الإدارة وحدها الملفات والمستندات التي تسعف في إثبات الحقيقة بصفة قاطعة.[40]
2-موقف القضاء من عبء إثبات عيب الانحراف بالسلطة
أيد قضاء مجلسي الدول المصري والفرنسي مبدأ إلقاء عبء إثبات عيب الانحراف بالسلطة على عاتق مدعيه، حيث ذهبت المحكمة الإدارية العليا إلى أن الانحراف بالسلطة من العيوب القصدية في السلوك الإداري، وقوامه اتجاه إرادة صاحب الاختصاص إلى الانحراف به لغير تحقيق الصالح العام، وبالتالي يقع عبء إثباته على من يدعيه.
وتأكيدا لاتجاهها السابق رفضت دعوى لواء شرطة أحيل إلى التقاعد استند فيها إلى تعسف الإدارة ضده، وقد أسست المحكمة رفضها للدعوى على عجز المدعي على إثبات انحراف الإدارة بسلطتها. كما أيدت حكما لمحكمة القضاء الإداري فيما ذهب إليه من رفض منع الطاعن الجنسية المصرية بالتجنس، حيث عجز عن إثبات أن قرار الإدارة برفض منحه تلك الجنسية مشوبا بالانحراف بالسلطة.
ويطبق مجلس الدولة الفرنسي مبدأ إلقاء عبء إثبات الانحراف بالسلطة على عاتق المدعي حيث قضى أنه إذا لم يثبت المدعي الانحراف بالسلطة الذي يدعيه رفض هذا الإدعاء. كما ذهب أن المدعي إذا استند إلى أن قرار نزع الملكية للمنفعة، قصد به تأييد قرار سابق غير مشروع، يرفض منح رخصة البناء، فإن عبء إثبات الانحراف بالسلطة الذي يدعيه يقع عليه، ويجب عليه تقديم عناصر وشواهد تؤيده، وقد اتضح المجلس عدم تقديم المدعي لهذه العناصر.[41]
وبالرغم من أن الاجتهاد القضائي المغربي قد عرف تطورا مهما في مجال مراقبة انحراف الإدارة في استعمال سلطتها، إلا أننا مع ذلك سجلنا حكما قضائيا لم يبحث فيه القاضي عن نية الإدارة حينما أقدمت على تنقيل الطاعن مكتفية بقلب عبء إثبات انحراف الإدارة في استعمال السلطة على الطاعن، لذلك صرحت المحكمة الإدارية بما يلي:" حيث يهدف الطلب إلى إلغاء القرار المطعون فيه لاتسامه بتجاوز السلطة. وحيث يتضح من خلا لاستقراء المقال أن الطاعن ركز طعنه على انحراف الإدارة في استعمال سلطتها إثر اتخاذها لقرار النقل الصادر في مواجهته. وحيث إنه لا يوجد بالملف ما يؤكد قيام واقعة انحراف السلطة من جانب الإدارة. وحيث إن عبء الإثبات في هذه الحالة يقع على عاتق الطاعن وحيث إنا لطلب والحالة هذه، يبقى غير مرتكز على أساس مما يتعين معه التصريح برفضه".[42] ومن خلال استقرار بعض الأحكام الأخرى كما هو الحال في حكم رقم 1567 بتاريخ 19/21/2006 جمعية الدفاع في حقوق الإنسان أن عيب الانحراف في استعمال السلطة من العيوب القصدية التي يقع عبء إثباتها على الطاعن.
وفي حكم آخر صرحت المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 15 فبراير 2005 أنه: "...وحيث يهدف الطلب إلى الحكم بعدم قانونية قرار الإدارة بعدم إسنادها للطاعن أي منصب للمسؤولية رغم توفره على الشروط المتطلبة مع ترتيب الآثار القانونية على ذلك والحكم لفائدته بالتعويضات المستحقة عن الأضرار المعنوية والمادية، وحيث أسس الطاعن طلبه على خرق الإدارة لمبدأ المساواة لاختيارها السيد الزهيري بن عيسى رئيسا لمصلحة الموظفين غير المدرسين رغم أنه مرتب كمتصرف مساعد بالسلم العاشر وتم إقصاء الطاعن رغم توفره على الأقدمية والأهلية والكفاءة، لكن، حيث إن المستقر عليه فقها وقضاء أن الإدارة تتمتع بسلطة تقديرية في إسناد مناصب المسؤولية لموظفيها ما لم يثبت من جانبها انصراف في استعمال السلطة، وحيث إن عبء إثبات عيب الانحراف في استعمال السلطة في سلوك الإدارة يقع على عاتق الطاعن وهو ما لم يثبته بأي وجه من الوجوه، وحيث إنه أمام هذه المعطيات فلا يسع المحكمة إلا التصريح برفض الطلب.[43]
وتصبح عملية الإثبات أكثر صعوبة في حالة إخفاء الإدارة للهدف الذي قصدته من قرارها، وخاصة في حال عدم تحديد هدف خاص من جانب المشرع، حيث يتعين على صاحب الشأن أن يثبت أن الإدارة قد سعت إلى تحقيق عبء الإثبات على الطاعن مثلما فعل بالنسبة لعيب السبب، إذ أنه يقبل ما يقدمه المدعي من أدلة وقرائن تؤيد دعواه، وتثير الشك حول نية الإدارة ومقصدها من اتخاذ القرار الإداري، وبناء على هذه الأدلة والبراهين يطالب القاضي الإدارة بإثبات صحة الهدف الذي سعت إلى تحقيقه، أي أن عبء الإثبات ينتقل من المدعي إلى الإدارة، فإذا لم ترد هذه الأخيرة على المحكمة أوردت بطريقة غير مقنعة، فإن القاضي الإداري يعتبر ذلك دليلا على ثبوت سوء استعمال السلطة من جانبها.[44]

المطلب الثاني: وسائل إثبات عيب الانحراف بالسلطة

لإثبات المدعي لعيب الانحراف بالسلطة، قد يلجأ إلى وسائل مباشرة يستعين بها على الكشف عن عيب الإنحراف بالسلطة، وقد يلجأ إلى وسائل غير مباشرة وتتمثل في القرائن التي يقيمها على انحراف الإدارة بسلطتها.

أولا: الإثبات المباشر لعيب الانحراف بالسلطة
أ-إثبات الانحراف بالسلطة من نص القرار
فقد يحدث، وإن كان هذا في القليل النادر، أن تكشف مجرد قراءة القرار، عن عيب الانـحــراف، ويحدث هذا عندما تعلن الإدارة طائعة أو مرغمة، عن أسباب قرارها(les motifs)، فإن هذه الأسباب تكشف عن الأهداف الحقيقية التي تتوخاها الإدارة. ولذلك فإن المشرع يلزم الإدارة في فرنسا بالنسبة لكثر من القرارات أن تعلن فيها عن أسباب تدخلها، وذلك ليسهل على مجلس الدول والأفراد مهم رقابتها.. ومجرد عدم ذكر الإدارة لأسباب تدخلها في هذه الحالات يعد عيبا في ركن الشكل كاف لإلغاء قراراتها. ولذلك فإن هذا الالتزام من أنجع الوسائل لتسهيل الرقابة على أعمال الإدارة.[45]
وقد يرد في نص القرار اعتراف الإدارة غير المقصود بالانحراف بالسلطة، وهذا الاعتراف يتم في بعض الأحيان عندما تتصور الإدارة أنها لم تخطئ فتكشف عن هدفها، فإذا به غير الهدف الذي أراد القانون. وإذا كان اعتراف الإدارة الصريح بالانحراف بالسلطة في نص القرار أمر نادر، فقد يقع هذا الانحراف بصورة ضمنية حيث يستنتج القاضي وجود هذا الانحراف من فحصه لنص القرار وأسبابه، والتي يتضح منها تناقض الهدف المعلن للقرار، مع الهدف الذي خصصه القانون لإصداره.
ومن صور الاعتراف الضمني بوجود الانحراف بالسلطة، قيام الإدارة بالعدول عن قاراتها ذات التظلم الوجوبي، بعد الطعن على القرار أمام القضاء بالانحراف بالسلطة، كذلك قيام الإدارة بسحب قرارها المطعون فيه أمام القضاء بالانحراف بالسلطة، يكون بمثابة اعتراف ضمني.[46]
ب-إثبات عيب الانحراف بالسلطة من ملف الموضوع
وتطبيقا لذلك قضي مجلس الدولة الفرنسي بإلغاء قرار إداري أصدره وزير التعليم الفرنسي، يقضي بإنهاء "ندب السيد Monbauyan إلى معهد الآثار الشرقية الفرنسي بالقاهرة كسكرتير محاسب بذلك اعترافا ضمنيا بعدم وجود دافع من دوافع المصلحة العامة تبرر إنهاء ندب المدعي قبل موعده.
كما يسترشد مجلس الدولة الفرنسي أيضا بالتوجيهات العامة أو الخاصة التي يصدرها الإداريون إلى مرؤوسيهم الذين أصدروا القرار المطعون فيه. ففي قضية Bariset حيث اعتمد مجلس الدولة على تعليمات صادرة من وزارة المالية إلى المحافظين بألا يدفعوا إلى الملاك المنزوعة ملكياتهم التعويض المالي المنصوص عليه في القانون الذي يقرر احتكار الدولة لصناعة الثقاب، في إلغاء قرار الوزير بإغلاق مصانع الثقاب بدعوى أنها مجرد تطبيق لسلطات الضبط الإداري على المنشآت الخطيرة والضارة بالصحة العامة، وذلك هروبا من دفع التعويض المالي المطلوب للأفراد.[47]
كما قد يلجأ مجلس الدولة الفرنسي إلى طلب بعض التفسيرات والإيضاحات من الإدارة، وقد جرت عادة المجلس أن يحول ملف القضية إلى الإدارة، مصحوبا ببعض الأسئلة المحددة والإدارة ليست ملزمة بالإجابة عليها، ولكن امتناعها يعتبر اعترافا منها بادعاء الخصم أو على الأقل يعتبر قرينة ضدها.

ثانيا: قرينة التفرقة في المعاملة بين الحالات المتماثلة وانعدام الدافع المعقول
ونجد أن مجلس الدولة المصري في سبيل الكشف عن عيب الانحراف بالسلطة يملك ما هو أبعد، إنما توصل في العمل إلى وضع بعض المبادئ والتوجيهات يسير على منوالها في القضايا المتشابهة للكشف عن عيب الانحراف في الحالات الآتية:
أ-قرينة التفرقة في المعاملة بين الحالات المتماثلة
إذا ميزت الإدارة بين طائفتين من الأفراد، تتقدم للحصول على مطلب معين فأجابت طلب طائفة ورفضت مطلب الأخرى، دون فحص لكل حالة على حدة، فذلك يكشف عن أنها قد جاءت طائفة دون أخرى، لأن التفريق لا يقوم على أساس قانوني، وينقلب عبء الإثبات بالنسبة لعيب الانحراف بالسلطة إلى الإدارة، حيث يطلب منها بيان غرضها من القرار الذي ميزت فيه بين الطائفتين اللتين تماثلت ظروفهما. فقد ألغت المحكمة الإدارية العليا بمصر، قرار كلية طب القاهرة بالامتناع عن قبول طالب حاصل على بكالوريوس العلم شعبة التشريح بتقدير جيد بالسنة الثالثة بها بالرغم من قبولها لأقرانه الحاصلين على نفس التقدير وفي ذات الشعبة.
ب-انعدام الدافع المعقول
تصدر الإدارة قراراتها تحت تأثير دوافع معينة، وللحكم على مشروعية هذه القرارات يتعين أن يكون دفاعها يتعلق بتحقيق المصلحة العامة وأن يكون مبررا لإصدار القرار، أي أن يكون ذلك القرار ذا دافع معقول لإصداره، فإذا انعدم ذلك الباعث تولدت قرين على انحراف الإدارة بسلطتها، تسهل مهمة المدعي في إثبات هذا العيب، حيث تلقى على الإدارة عبء إثبات توافر. 
فإذا حدث مثلا أن أحد رجال القضاء في المستعمرات قد أعفي من مهام منصبه لأنه سيعهد إليه بمنصب في فرنسا ذاتها، ثم ظهر أن هذا المنصب لا وجود له فعلا، وأنه ترك بدون عمل، فإن المجلس يستنتج أن هذا النقل لم يكن الدافع إليه مشروعا ويتصدى لإلغاءه لعيب إساءة استعمال السلطة.[48]
ثالثا: إثبات الانحراف بالسلطة من طريقة إصدار القرار وكيفية تنفيذه
قد تحيد بإصدار القرار الإداري ظروف معينة، وقد ينفذ بطريقة ملتوية تنم عن انحراف الإدارة بسلطتها، حيث قد يحمل أسلوب إصدار القرار بإلغاء القرار لكونه مشوبا بالانحراف بالسلطة.
هذا الانحراف إلى عاتق الإدارة، فإن فشلت في ذلك قضي بإلغاء القرار لكونه مشوبا بالانحراف بالسلطة.
وتطبيقا لذلك، أكد مجلس الدولة الفرنسي في إحدى قضاياه : "إن في إصدار المدير المعين حديث وقبل تسلم مهام وظيفته، قرارا بفضل أحد مرؤوسيه، ثم تنفيذه هذا القرار بغاية السرعة غداة تسلمه العمل، ما يقطع بأنه كان يهدف إلى أغراض غير مشروعة، ولا تتعلق بمصلحة المرفق الموضوع تحت إشرافه.
رابعا: عدم التناسب ما بين المخالفة والجزاء التأديبي
إذا كانت ملائمة الأعمال الإدارية هي جزء من صميم السلطة التقديرية التي تستقل بها الإدارة، إلا أن عدم الملائمة الظاهرة في أحد القرارات لا بد أن تسترعي انتباه المحكمة وتجعلها أميل إلى فحص الحالة المعروضة فحصا دقيقا، وأكثر استعدادا وتساهلا مع الطاعن منه في الحالات الأخرى.
فإذا كانت الإدارة مثلا قد اتخذت عقوبات صارمة مع أحد الموظفين استنادا إلى خطأ غير جسيم، فإن هذه الواقعة تعتبر قرينة تجعل المجلس أميل إلى الإلغاء لو وجدت قرائن أخرى على عيب الانحراف.[49]
والقضاء الإداري المغربي في الوقت الذي ألزم على من يدعي عدم صحة وعدم مشروعية القرار الإداري أن يثبت العكس دأب إلى جانب مراعاة الشروط الشكلية في إصدار القرارات الإدارية على مطالبة الإدارة بتعليل إصدار القرار الإداري بتقديم جميع الحجج التي أدت إلى اتخاذ القرار الإداري في حالة الطعن فيه لعيب في غايته وهذا من قبيل تسهيل مهمة المدعي في إثبات ادعائه لا غير.[50]
فبعد إحداث المحاكم الإدارية لم تعد هذه الأخيرة تطالب الطاعن بالإدلاء بالإثبات المادي لعيب الانحراف في استعمال السلطة، بل أصبحت تكتفي بأوراق الملف وتعتمد القرائن ولو كانت بسيطة، فقد اعتبرت إدارية مكناس أن قرار الإدارة مشوب بعيب الانحراف في استعمال السلطة ويتعين إلغاؤه نظرا لكونه يستهدف تنقيل الطاعنة بمفردها واستثناء باقي الموظفين دونما أي توضيح لهدف المصلحة أو الأسباب التي جعلت الإدارة تتخذ قرارها، ودون احترام عناصر الأقدمية والتخصص.[51]
ومن خلال ما سبق يمكن استنتاج أن القضاء الإداري يعتمد في سائل إثبات عيب الانحراف في بعض القضايا، يطالب المدعي بضرورة الإثبات، أما في بعض الأحيان فإنه يسلك نفس الوسائل المعتمدة في كل من القضاء الإداري الفرنسي والمصري.
ونعتقد أن البت في واقعة انحراف الإدارة في استعمال سلطتها مسألة تدخل ضمن سلطات القاضي الإداري، انطلاقا من دراسته لملف النازلة وتأكده من النية الحقيقية للإدارة، وكذلك من خلال اقتناعه بطلب الطاعن.[52]

خاتمة
القانون لم يعط الإدارة السلطات والامتيازات ألا باعتبارها وسائل تساعدها علي تحقيق الغاية الأساسية التي تسعى إليها وهي المصلحة العامة.
وإذا ما حادت الإدارة عن هذا الهدف لتحقيق مصالح شخصية لا تمت للمصلحة العامة بصلة كمحاباة الغير أو تحقيق غرض سياسي أو استخدام السلطة بقصد الانتقام فإن قراراتها تكون معيبة بعيب الانحراف بالسلطة.
ومن الجدير بالذكر في هذا المجال انه لا يكفي في هذا الصدد أن يتحقق نفع لأحد الأشخاص لتحقيق عيب الانحراف فإذا كان النفع أحد النتائج على القرار وليس هو غايته فالقرار ليس معيباً بعيب الانحراف، وتتحقق هذه الصورة في الانحراف في حالات عديدة كالقرار الذي يصدر ببواعث سياسية أو تحدياً لحكم قضائي أو تحايل عليه أو بدافع الانتقام .
على الرغم من أن الإدارة تستهدف تحقيق المصلحة العامة دائماً فقد يحدد المشرع للإدارة هدفاً خاصاً يجب أن تسعى قراراتها لتحقيقه وإذا ما خالفت هذا الهدف فإن قرارها يكون معيباً بإساءة استعمال السلطة ولو تذرعت الإدارة بأنها قد قصدت تحقيق المصلحة العامة، وهذا ما يعرف بمبدأ تخصيص الأهداف ومثال ذلك قرارات الضبط الإداري التي حدد لها القانون أهدافاً ثلاثة لا يجوز للإدارة مخالفتها وهي المحافظة على الأمن العام والسكينة العامة والصحة العامة، فإذا خالفت الإدارة هذه الأهداف في قرار الضبط الإداري فإن قراراها هذا يكون مشوباً بعيب الانحراف بالسلطة وجديراً بالإلغاء .
تحصل هذه الحالة من الانحراف عندما تستبدل الإدارة الإجراءات الإدارية اللازمة لإصدار قرار معين بإجراءات أخرى لتحقيق الهدف الذي تسعى إليه، وتلجأ الإدارة إلى هذا الأسلوب أما لأنها تعتقد أن الإجراء الذي اتبعته لا يمض لتحقيق أهدافها أو أنها سعت إلى التهرب من الإجراءات المطولة أو الشكليات المعقدة.
وأياً كانت التبريرات فإن الإدارة تكون قد خالفت الإجراءات التي حددها القانون ويكون تصرفها هذا مشوباً بعيب إساءة السلطة في صورة الانحراف بالإجراءات .
ومثال ذلك أن تلجأ الإدارة إلى الاستيلاء المؤقت على العقارات بدلاً من سيرها في طريق إجراءات نزع الملكية للمنفعة العامة تفادياً لطول إجراءات نزع الملكية، أو أن تقرر الإدارة انتداب موظف وهي تستهدف في الحقيقة معاقبته فتلجأ إلى قرار الانتداب لتجريده من ضمانات التأديب 
الأصل في عيب الانحراف بالسلطة أن يقع عبء إثباته على عاتق من يدعيه فإن عجز عن ذلك خسر دعواه ولا يجوز للمحكمة أن تتصدى لهذا العيب من تلقاء نفسها، لا سيما وأن القرارات الإدارية تتمتع بقرينة المشروعية وعلى من يدعي مخالفتها للمشروعية إثبات ذلك 
وبالنظر لصعوبة موقف المدعي وعجزه في أحيان كثيرة عن إثبات هذا الانحراف ما دام يتعلق بالنواحي النفسية لمصدر القرار، فقد درج القضاء الإداري على أنه إذا كان نص القرار أو ما تضمنه ملف الدعوى من أوراق ومستندات تؤدي إلى إثبات الإساءة أو الانحراف بالسلطة فإنه يجوز للقاضي أن يحكم من تلقاء نفسه بإلغاء القرار دون أن يحمل طالب الإلغاء إقامة الدليل على وقوع الانحراف
كذلك استقر قضاء مجلس الدولة الفرنسي والمصري على قبول الدليل المستمد بكل طرق الإثبات أو الدلالة من مجرد قراءة القرار أو أسبابه التي بني عليها أو من طريقة إصدار القرار وتنفيذه والظروف التي أحاطت به لإثبات عيب الانحراف، وليس في القضاء الاداري العراقي ما يخالف ذلك 
ويمكن للقضاء أن يستدل على وجود الانحراف من الظروف المحيطة بالقرار وتوقيت وطريقة إصداره وتنفيذه، كما يجوز استدعاء الخصوم لسؤالهم عن الوقائع المحيطة باتخاذ القرار للوقوف على أهداف الإدارة وبواعثها إذ أن المهم أن لا يبقى الادعاء بإساءة استعمال السلطة قولاً مرسلاً لا دليل عليه .
______________________________________________________________________________
الهوامش:

[1] - محمد رفعت عبدالوهاب، القضاء الإداري الكتاب الثاني: "قضاء الإلغاء (أو الإبطال) قضاء التعويض وأصول الإجراءات، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الأولى 2005، ص 220.
[2] -المادة 20 من قانون 41.30 المحدث بموجبه المحاكم الإدارية بالمغرب
[3] -El Yaagoubi Mohamed « le détournement de pouvoir dans la jurisprudence au Maroc » Remald, n° 6, p : 181.
[4] - الحلابي (مولاي ادريس)، إجراءات الدعوى الإدارية ، مطبعة دار السلام، الرباط 2001، ص : 404.
[5] - محمد رفعت عبدالوهاب، مرجع سابق، ص 221.
[6] -سليمان محمد الطماوي، دروس في القضاء الإداري ، دراسة مقارنة، دار الفكر العربي، ص 227، 228.
[7] - سليمان محمد الطماوي، نظرية التعسف في استعمال السلطة "الانحراف بالسلطة " دراسة مقارنة ، دار الفكر العربي، الطبعة الثانية 1966، ص 245.
[8] -عبدالواحد القريشي، دعوى الإلغاء بين تجاوز السلطة بالمغرب، دراسة علمية، سلسلة أريد أن أعرف " 6، نشر وتوزيع الشركة المغربية لتوزيع الكتاب، الطبعة الأولى 2011، ص 
[9] - سليمان محمد الطماوي، دروس في القضاء الإداري، دراسة مقارنة، دار الفكر العربي، ص 228
[10] - حسن العفو، عيب إساءة استعمال السلطة أو الانحراف بها، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 41؛ نونبر – دجنبر 2001، ص 49
[11] - سليمان محمد الطماوي، دروس في القضاء الإداري، دراسة مقارنة، دار الفكر العربي، ص 229
[12] -محمد الأعرج، القانون الإداري المغربي، الجزء الأول، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 66، الطبعة الثانية 2010، ص 220.
[13] - سليمان محمد الطماوي، دروس في القضاء الإداري، مرجع سابق، ص 230-231.
[14] - د محمد أنور حمادة، القرارات الإدارية ورقابة القضاء"، المطبعة دار الفكر الجامعي 2004، ص 142.
[15] - د محمد أنور حمادة ، مرجع سابق، ص 142-143
[16] -حسن صحيب، القضاء الإداري المغربي، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية، عدد 80، 2008، ص 304.
[17] -حسن صحيب، نفس المرجع، ص 305.
[18] -سليمان محمد الطماوي، نظرية التعسف في استعمال السلطة (الانحراف بالسلطة) دراسة مقارنة، مرجع سابق، ص 146.
[19] -عبدالواحد القريشي، مرجع سابق، ص 127.
[20] -سليمان محمد الطماوي، دروس في القضاء الإداري، دراسة مقارنة، مرجع سابق، ص 232.
[21] - سليمان محمد الطماوي، نظرية التعسف في استعمال السلطة (الانحراف بالسلطة)، مرجع سابق، ص 149
[22] - سليمان محمد الطماوي، نظرية التعسف في استعمال السلطة (الانحراف بالسلطة) دراسة مقارنة، مرجع سابق، 
ص241
[23] - حسن صحيب، مرجع سابق، ص 307
[24] - سليمان محمد الطماوي، نظرية التعسف في استعمال السلطة (الانحراف بالسلطة) دراسة مقارنة، مرجع سابق، ص151
[25] - قرار رقم 64 بتاريخ 21/05/1960 قرارات المجلس الأعلى لسنة 57-1960، ص 105.
[26] - الدليل العلمي للاجتهاد القضائي في المادة الإدارية، الجزء الأول، سلسلة دلائل النشر، الطبعة الأولى، 2004، ص 300.
[27] -الدليل العلمي للاجتهاد القضائي في المادة الإدارية، مرجع سابق، ص 304.
[28] - عبدالواحد القريشي، القضاء الإداري ودولة الحق والقانون. نشر الشركة المغربية لتوزيع الكتاب، ص 116.
[29] - حسن صحيب، مرجع سابق، ص 311
[30] - سليمان محمد الطماوي، نظرية التعسف في استعمال السلطة (الانحراف بالسلطة) دراسة مقارنة، مرجع سابق، ص 162
[31] - سليمان محمد الطماوي، دروس في القضاء الإداري، دراسة مقارنة، مرجع سابق، ص 237.
[32] - أحمد أجعون، قرارات نقل وانتقال الموظفين بين سلطة الإدارة ورقابة القضاء الإداري، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، مواضيع الساعة عدد 43، 2003، ص 238.
[33] -سامي جمال الدين، الدعاوى الإدارية والإجراءات أما القضاء الإداري -
[34] -عفاف ملوك، عيب الانحراف في استعمال السلطة في ضوء الاجتهاد القضائي الإداري الغربي، سلسلة مواضيع الساعة، عدد 55 – 2008، ص 157.
[35] - سليمان محمد الطماوي، نظرية التعسف في استعمال السلطة (الانحراف بالسلطة) دراسة مقارنة، الطبعة الثانية، 1966، الطبع والنشر، دار الفكر العربي، ص 173.
[36] -عبدالعزيز عبدالمنعم خليفة، دعوى إلغاء القرار الإداري "الأسباب والشروط"، منشأة المعارف الاسكندرية، 2008، ص 436.
[37] - سليمان محمد الطماوي، نظرية التعسف في استعمال السلطة، مرجع سابق، ص 174.
[38] - مادة 22، 27 من قانون مجلس الدولة المصري رقم 46 لسنة 72، مذكور عند عبدالعزيز عبدالمنعم خليفة، المرجع السابق، ص 436.
[39] - محمد رفعت عبدالوهاب، الكتاب الثاني (قضاء الإلغاء ، قضاء التعويض وأصول الإجراءات)، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الأولى، 2005، ص 228.
[40] - عبدالعزيز عبدالمنعم خليفة، دعوى إلغاء القرار الإداري، مرجع سابق، ص 444.
[41] - عبدالعزيز عبدالمنعم خليفة، دعوى إلغاء القرار الإداري "الأسباب والشروط"، منشأة المعارف الاسكندرية، 2008، ص 302-303.
[42] - حكم المحكمة الإدارية بالرباط عدد 369 بتاريخ 12-12-1995 ملف 96.262، قببو مينة ضد وزير الاتصال، مذكور في مؤلف حسن صحيب، مرجع سابق، ص 309.
[43] -حكم المحكمة الإدارية بالرباط عدد 04/01/145 بتاريخ 15/02/2005، عبدالرحمان نباته موظف بوزارة التعليم العالي ضد وزارة التعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، منشور في موقع المحكمة الإدارية بالرباط
[44] - حسن العفو، عيب إساءة استعمال السلطة أو الانحراف بها، مرجع سابق، ص 60.
[45] - سليمان محمد الطماوي، نظرية التعسف في استعمال السلطة (الانحراف بالسلطة)، مرجع سابق، ص 176-177.
[46] - عبدالعزيز عبدالمنعم خليفة، الانحراف بالسلطة كسبب لإلغاء القرار الإداري، مرجع سابق، ص 323
[48] - سليمان محمد الطماوي، نظرية التعسف في استعمال السلطة، مرجع سابق، ص 182
[49] - حسن العفو، مرجع سابق، ص 62.
[50] - محمد محجوبي، الوجيز في القضاء الإداري المغربي بعد إحداث المحاكم الإدارية، دار القلم، 2002، ص 131.
[51] -المحكمة الإدارية بمكناس، حكم بتاريخ 22 يونيو 1995، الطاهري مرية ضد وزير التربية الوطنية، م م د م ت، عدد 12ن 1995، ص 121، أنظر مرجع حسن صحيب، مرجع سابق، ص 308
[52] - حسن صحيب، مرجع سابق، ص 309

إرسال تعليق

0 تعليقات