التدبير الإستراتيجي للتراب و المخططات الجماعية للتنمية

 أطروحة بعنوان: التدبير الإستراتيجي للتراب و المخططات الجماعية للتنمية - أية آفاق و أية رهانات ؟ PDF

التدبير الإستراتيجي للتراب و المخططات الجماعية للتنمية - أية آفاق و أية رهانات ؟ PDF

مقدمة :

نظرا للمهام الكثيرة والمعقدة التي أصبحت تقوم بها الدولة في وقتنا الحاضر ونظرا للأزمة التي عرفها تسيير الشأن العام ، اضطرت الدولة إلى التخلي عن دورها التقليدي الذي كان منحصرا في الحفاظ على الأمن والنظام بمدلو لاته الثلاثة ( الأمن العام، السكينة العامة، الصحة العامة )، و بدأ التفكير في تصور أساليب وتدابير إدارية من شانها عدم السقوط في ثنايا المركزية الضيقة و إيجاد حلول لأزمة الدولة من هنا بدأ الحديث عن تنازل الدولة عن بعض سلطاتها في المجال الاقتصادي والإداري لصالح الوحدات الترابية اللامركزية ولا سيما الجماعات المحلية!

و حسب Portal Eric فالمسؤوليات التي أضحت الدولة مطالبة بها سواء على المستوى الداخلي من إيجاد الحلول لإشكالية التنمية ، أو على المستوى الخارجي بمواكبة روح العصر والتكيف مع التأثيرات الخارجية المتمثلة في ضغوطات الحداثة وعولمة الاقتصاد، فرض البحث عن مقاربة فعالة لتصريف مختلف الاكراهات التي تواجهها الدولة، دون تشتيت صرحها وكيانها.» 

و يرى الدكتور" علي سدجارى"" كون العولمة بتداعياتها المختلفة فرضت المرور من الدولة القوية إلى الدولة الاستراتيجية الذكية ، التي تخول لنفسها وسائل من اجل التموقع و التقييم و التدبير و الضبط و التحديث.و بالتالي إذا كانت الدولة قوية بمركزيتها فإنها أكتر صلابة بانفتاحها على محيطها الذي تمثله الجماعات المحلية .4

وقد فرض هذا التحول في دور الدولة الذي انتقلت من الدولة الحارسة إلى الدولة المتدخلة تم المتخلية و أخيرا الاستراتيجية و الذكية ، القيام بمجموعة من الإصلاحات من اجل تجاوز الطرق التقليدية للتخطيط و التدبير الوطني و المحلي ، و اعتماد طرق و مناهج حديثة . فبدأت تظهر مجموعة من المصطلحات الجديدة من قبيل التسويق الترابي ، العدالة المجالية و الذكاء الترابي و التدبير الحكماتي و التدبير التشاركي الاستراتيجي .

و في الحقيقة إن الاصلاح يعد مسألة عالمية الابعاد فكل الدول سواء العظيمة او الضعيفة ، المتقدمة او المتأخرة تواجه يوميا ضرورة تغيير نظمها وتوجيه نشاطاتها طبقا للتحولات السريعة المستمرة سواء داخلها أو خارجها خاصة في إطار تداعيات العولمة و تأثير ها كمفهوم جديد على دور الدولة التي اصبحت مخترقة الحدود في ظل هذه الظاهرة و كذلك في ظل التطور التكنولوجي السريع الذي يعرفه العالم . و اختلفت الدول في ردة فعلها حول هذا الواقع بين من يقوم بإصلاحات شاملة جذرية و منها من يقتصر على الاصلاح الجزئي و منها من يتشبث بنظامه،و منها من يتوقف في الحديث عن الاصلاح دون المرور إلى التفعيل .

و بالنسبة للمغرب فعقب الاستقلال صدرت مجموعة من القوانين التي برهنت على رغبة الدولة المغربية في الاصلاح و تبني اللامركزية كنهج لتدبير ترابها . و همت هذه القوانين مختلف مستويات التراب الوطني .وهكذا انطلقت المرحلة الأولى لبناء اللامركزية بصدور ظهير 2 دجنبر 1959 ، و الذي قسم المغرب إلى 16 إقليم بالإضافة إلى عمالتي الدار البيضاء و الرباط. 

و في سنة 1964، صدر ميثاق التنظيم الجماعي الاول بالمغرب ، ليليه قانون تنظيم مجالس العمالات والأقاليم سنة 1963، و بعد ذلك مرحلة ثانية انطلقت سنة 1976 تميزت على الخصوص بصدور قانون جديد عرف بظهير 30 شتنبر 1976، والذي يعد بحق النص المؤسس لمشروع اللامركزية بمفهومها الحديث على مستوى البلديات والمجالس القروية ، حيث اصبحت الجماعات المحلية بمقتضى هذا القانون ، كيانات تتمتع بالاستقلال المالي والإداري والشخصية المعنوية، وبمجموعة واسعة من الصلاحيات ذات الصبغة الإدارية، والاقتصادية والاجتماعية . 5

و في سنة 2002 سيتم إصدار ميثاق جماعي جديدة حمل رقم 78/00 و اعتبر قفزة جديدة في تاريخ التنضيم الجماعي المحلي نظرا للمكتسبات الكبيرة التي حققها لصالح المنتخبين و كذا لصالح رئيس الجماعة وعلى مستوى الاختصاصات الموكولة إليها كذلك .شكل تعديل الميثاق الجماعي ورشا أساسيا جاء في سياق التحولات العميقة التي قام بها صاحب الجلالة محمد السادس ، حيث مثلت قفزة نوعية في مسلسل اللامركزية وأعلنت مرحلة جديدة في تاريخ التطورات التي عرفتها القوانين التي نظمت عمل الجماعات المحلية بالمغرب.

فقد سبق خروج الميثاق الجماعي الجديد إلى حيز الوجود موجة من التطورات على مستوى التنظيم اللامركزي بالمغرب . ابتدأت بإعادة النظر في التقسيم الإداري للمملكة سنة 1992، الذي سمح بإحداث 668 جماعة جديدة والارتقاء بالجهة إلى درجة جماعة محلية وذلك بموجب الدستور المعدل في سنة 1992 وسنة 1996 .

وتوجت بتطور نوعي على قدر كبير من الأهمية تمثل في صدور قانون 47/96 الخاص بإحداث وتنظيم الجهات ، ثم القانون رقم 00. 79 المتعلق بالتنظيم الإقليمي بالمغرب الصادر في 3 اكتوبر 2002، وكذلك القانون رقم 00.78 المتعلق بالميثاق الجماعي في صيغة الجديدة والذي عدل بقانون 17.08 بتاريخ 18 فبراير 2009.

وحسب الدكتور محمد يحيا فقد حاول هذا الميثاق اخذ الدروس والعبر من التجربة السابقة عن طريق منح استقلالية وحرية اكبر للجماعات المحلية و توسيع مسؤولياتها ، وكذا توضيح دورها في ميادين التنمية المحلية و تهيئة التراب و المساهمة في محو الاختلالات و تقليص الفوارق الاقتصادية والاجتماعية وتجسيدا للخصوصيات المحلية.»

أما الدكتور عبد الله الحارسي فيرى أن القانون الجديد أبقى على الكثير مما ورد في الظهير 1976 من فصول. لكنه يهدف إلى تجاوز بعض السلبيات ويعد خطوة جديدة أنجزت في أفق تفعيل اللامركزية».

وقد تأثر مسلسل التخطيط المحلي ببلادنا بالتطور الذي عرفته القوانين المنظمة لعمل الجماعات للترابية حيث انتقل من سيطرة السلطة المحلية على تسير الشأن المحلي إبان الاستقلال من خلال ظهير 1960 المنظم للعمل الجماعي بالمغرب ، إلى بناء علاقة جديدة بين كل من الدولة و الجماعات المحلية من خلال الميثاق الجماعي لسنة 1976 والذي شكل منعطفا تاريخيا في مسار اللامركزية ببلادنا حيث تم بموجبه الاعتراف للجماعة بوظيفتها التنموية والتنصيص لأول مرة على دورها في بلورة المخططات الجماعية للتنمية .ليتم بعدها تكريس هذه الوظيفة في كل من الميثاق الجماعي الجديد رقم 00 / 78 و تعديله بموجب قانون رقم 17 / 08 .

فما هي المستجدات التي أتى بها هذا الميثاق الجماعي الجديد مقارنة مع ميثاق 1976 وظهير 1960 ؟ و أي مكتسبات اضافها لرصيد الجماعة المحلية ؟ و هل استطاع الرد على الانتقادات التي وجهت إلى ظهير 1976 ؟ و إذا كانت سنة 2009 ستعرف تعديلا جديدا على هذا الميثاق ، فما هي الظروف التاريخية التي اثرت في صدوره ، و ما هي التعديلات التي شملته؟

و يبقى من بين التعديلات المهمة التي عرفها الميثاق الجماعي الجديد بالنسبة لنا ، تبني المشرع لمنهجية التخطيط التشاركي الاستراتيجي عبر قناة المخططات الجماعية للتنمية من خلال المادة 36 كما تم تتميمها و تغييرها بموجب قانون l7 /08 . و إذا كانت الجماعات المحلية قد استعانت بأدوات التخطيط التشاركي الاستراتيجي منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي ، فإن التجربة المغربية بدأت في بداية الالفية الثانية تهتدي إلى سياسة التخطيط الاستراتيجي وفقا للتصور الجديد خدمات متنوعة و متطورة لرفع تحديات العولمة. 

و إذا كان المشرع المغربي نص على أن المجلس الجماعي يدرس مخطط التنمية الاقتصادية و الاجتماعية للجماعة و يصوت عليه طبقا لتوجهات و أهداف المخطط الوطني. على اعتبار أنه "مجموع القرارات و التدابير التي يتخذها المجلس الجماعي لبلوغ أهداف تنموية معينة و محددة في مدة زمنية تتحدد تبعا للمدة الانتخابية والموضوعية في إطار الضوابط القانونية و التنظيمية التي تحددها السلطة المركزية " . 

واعتبارا لذلك ، فإن المجالس الجماعية تضع إستراتيجيتها التنموية عبر قناة المخطط الجماعي ، حيث أن المنتخبين الجماعيين يرتبون الأولويات لمختلف البرامج التي تضعها الجماعة نحو هدف بلورة استقلال حقيقي لهذه المجالس ، و الوصول بالمنتخبين إلى أن يكونوا فاعلين و مؤثرين بالمسار التنموي .

وجلي أن المخطط الجماعي يتخذ دور أساسي ومميز في تحفيز و إنعاش تنمية الاقتصاد المحلي، والتشغيل. فالمجلس الجماعي يتخذ كل التدابير للرفع من القدرات الاقتصاد للجماعة، خصوصا في يشجع الاستثمارات الخاصة، ويبث مجال الفلاحة و الصناعة و السياحة والتعليم و الخدمات، كما في شان أحداث شركات التنمية المحلية ذات الفائدة المشتركة بين الجماعات و العمالات و الأقاليم و الجهات أو المساهمة في رأسماليها ، و غيرها من التدخلات الكفيلة بالنهوض بالاقتصاد المحلي.

وحتى يتم تحقيق جودة هذه المدخلات ، لابد من بلورتها في إطار رؤية (vision) تعكس الفكر الاستراتيجي للمنتخب المحلي؛ كمحدد أساسي للمخرجات في المخطط الجماعي . خصوصا أن ما ينقص الجماعات المحلية هو تحديد الرؤية ، حيث أن الرئيس يجب أن تكون لديه القدرة الكافية على البحث عن موارد لجماعته ، أي التوفير على ثقافة الاستثمار و التدبير و الخطط الإستراتجية فبواسطة التخطيط الاستراتجي تسعى الجماعات الحضرية و القروية إلى تطوير الرؤية الجديدة للجماعة كمقاولة ، عبر المقاربة التشاركية .

ولكن رغم المكتسبات الكبيرة التي جاء بها التعديل الأخير للميثاق الجماعي لسنة 2009 في دعمه للمقاربة التشاركية و العدالة الاجتماعية و الديمقراطية التمثيلية و التدبير الجيد للخدمات الجماعية بالإضافة إلى تكريسه للمفهوم الجديد للسلطة . إلا أن هذا القانون وجهت إليه كذلك مجموعة من الانتقادات التي ترمي إلى دعم التخطيط الاستراتيجي للتراب المحلي .

خاصة أن تفعيل هذه المقاربة الاستراتيجية عبر قنوات المخططات الجماعية واجهتها مجموعة من التحديات و العراقيل منها ما هو قانوني بحث و منها ما هو مادي في ظل ضعف الموارد المالية للجماعات المحلية و تعدد القوانين المنظمة لها ، ومنها ما هو ذو طابع بشري و يتعلق الامر بإشكاليات الكفاءات على مستوى الشق الاداري والسياسي .و في ظل هذه الانتقادات و إثر ثورات الربيع العربي الذي عرفتها مجموعة من الدول العربية ، وظهور بوادر الاحتجاجات في الشارع المغربي و التي عقبها تدخل رزين من طرف المؤسسة الملكية التي دعت إلى إصلاح دستوري جديد يضمن استقلالية القضاء ويكرس الحريات و آليات التشاور والتشارك والحكامة والتسيير الحر للجماعات المحلية .

وبعد خروج هذا الدستور إلى حيز الوجود سنة 2011, التزام الحكومة بتنزيل مقتضياته في إطار تعديل مجموعة من القوانين على رأسها الميثاق الجماعي و قانون الجهة و قانون العمالات و الأقاليم . عقب كل هذه الاحداث خرجت إلى حيز الوجود سنة 2014 مسودات جديدة عرضت للنقاش وهي تهم مشروع القانون التنظيمي حول الجماعات و آخر حول الجهات و ثالثا حول العمالات و الأقاليم. 

وبخروج هذه المسودات كان لزاما علينا أن نقوم بقراءة فيها من اجل معرفة مصير تجربة المخطط الجماعي للتنمية في القوانين المستقبلية المنظمة لعمل الجماعات الترابية .

في الجزء الأخير من هذه الاطروحة.
الاشكالية الرئيسية و الاشكاليات الفرعية :
إن موضوع بحثنا يطرح مجموعة من التساؤلات و التي تشكل الإجابة عن بعضها مدخل لمعالجة الاشكالية الرئيسية في حين تشكل الاجابة عن البعض الاخر دراسة معمقة لها .و إن الاشكالية الرئيسية لموضوع أطروحتنا هي .

إشكالية تنفيذ المخططات الجماعية للتنمية وقد ارتأينا أن تكون هذه هي الاشكالية الرئيسية لأطروحتنا بعدما أصبحت واقع يفرض نفسه أتناء تجربة إعداد المخططات الجماعية للتنمية في حلتها الاولى على الصعيد الوطني . 

إذ تبين أن التخطيط المحلي الاستراتيجي يواجهه مجموعة من العراقيل و الاشكاليات التي تحد من تفعيله على أرض الواقع و من تم فرغم اهمية الاصلاحات التي قام بها المشرع المغربي و رغم اهمية التخطيط الاستراتيجي في تحقيق التنمية المحلية و تخفيف العبء عن الدولة ، إلا أن بوادر عرقلة تفعيل المخطط الجماعي للتنمية بدأت تطفوا على السطح و بقوة مبرزتا معها مجموعة من الاشكاليات الفرعية التي من شأن الاجابة عنها الرقي و الدفع قدما بتجربة التخطيط الاستراتيجي التشاركي المحلي .

ويمكن إجمال هذه الاشكاليات الفرعية في ما يلي : 

ما مدى إلزامية المادة 36 من الميثاق الجماعي ؟ ما هو السياق التاريخي المغربي الذي أتى فيه المخطط الجماعي للتنمية ؟هل المغرب اليوم يعيش جو من النضج الاجتماعي و السياسي و المؤسساتي يسمح بنجاح تجربة المخطط الجماعي للتنمية ؟هل الجماعة المحلي المغربية اليوم قادرة على إدارة ترابها و التحكم فيها ؟بالنسبة للجماعات التي قامت ببلورة مخططاتها التنموية هل نستطيع القول أنها اليوم تعد من الجماعات الإستراتيجية ، و هل المنتخب الذي ينتمي إليها هو اليوم منتخب استراتيجي ؟ في حالة فشل تجربة المخطط الجماعي للتنمية ، فهل يعني ذلك الفشل في تسيير الشأن العام المغربي و بالتالي ضعف الحكومة المغربية وعدم قدرتها على التسيير الحكماتي للقطاع العام ؟ هل يمكن الحديث عن رؤيا إستراتيجية للمجالس الجماعية مؤسسة على المشاركة والتشاور مع كافة الفاعلين و المتدخلين ؟

في ظل التنظيم الارتجالي لهيكل التنظيمي للجماعة ، و الذي يرتبط بتغيير الرؤساء أحيانا هل يمكننا الحديث عن الجماعة الاستراتيجية و المطالبة بالتدبير الحكماتي لترابها ، ؟هل القانون الجبائي الحالي للجماعات المحلية يتناسب مع المهمة الجديدة الموكولة إليها ؟وفي ظل الواقع المالي الحالي للجماعات المحلية ، هل نستطيع الحديث عن الجماعة الاستراتيجية المقاولة و الداعمة لمشروع الجهوية ببلادنا ؟ و من الناحية القانونية ما هي أهم الصعوبات و العراقيل التي تحد من نجاح المخطط.و اخيرا إلى أي حد استطاعت المسودة الجديدة الاجابة عن الانتقادات التي وجهت إلى الميثاق السابق ؟ وكيف اثرت الظرفية الجديدة على التخطيط الجماعي المحلي بالمغرب من خلال الدستور الجديد لسنة 2011 ؟ و أية علاقة لمستجدات مسودة القانون التنظيمى للجهة و العمالات و الاقاليم بالتأثير على التخطيط المحلي الجماعي ؟

الفرضيات

غياب التنسيق على مستوى المؤسسات المركزية و الامركزية للدولة غياب ثقافة المسؤولية و المسائلة مجالس جماعية ذات رؤيا ضيقة
جماعات محلية قروية بموارد مالية و بشرية ضعيفة نظرة فوقية و استعلائية للجماعات القروية من طرف المصالح الخارجية غياب التنسيق بين الجماعات و المصالح الخارجية في المشاريع المبرمجة على ترابها الجماعة ليست سيدة ترابها فقدان الثقة بالمنتخبين و بالإدارة العمومية.

أهمية الموضوع

تأتي أهمية هذا الموضوع في ظل التغيرات السريعة والكبيرة التي يعرفها عالمنا اليوم بحيث أن تداخل المصالح بين الدول والتأثير المتبادل فيما بينها جعل كل مجتمع على وعي و ارتباط بما يحدث في المجتمعات ألأخرى. و إن الوعي المغربي بهذا الواقع العالمي ، و تفاعله و استجابته لتوصيات و تقارير المؤسسات العالمية الكبرى كصندوق النقد الدولي و البنك العالمي و تقرير الخمسينية للأمم المتحدة و توصيات الانجدة 21 ، كل دلك جعله يدخل في مسلسل التغيير و الاصلاح مند التسعينات . 

و دلك في محاولة منه لتجاوز العقبات كدولة نامية و اللحاق بركب الدول المتقدمة و الالتزام بالمفاهيم الجديدة لتسيير الشان العام المطروحة على الساحة الدولية و على رأسها مفهوم الحكامة بما يتضمنه من مبادئ التخطيط التشاركي الاستراتيجي و الشفافية والتواصل و الحوار و التنسيق .

و في إطار تفعيل هذه المفاهيم الجديدة و كذا تماشيا مع ما يقع في العالم من تغيير في ظيفة الدولة من دولة متدخلة إلى دولة متخلية و موجهة تم إلى دولة ذكية تنفتح على محيطها و تجدد العلاقة بينها و بينه . في ظل كل هذه المستجدات تاتي أهمية الاصلاحات التي طالت الميثاق الجماعي الجديد رقم 78/00 سنة 2009 و التي يمكننا ان نوجزها فيما يلي :

مراهنة المغرب على هذه التعديلات القانونية كوسيلة لإصلاح الادارة الترابية المغربية في أصغر وحداتها ألا و هي الادارة الجماعية المحلية . و الانتقال بها من الإدارة الكلاسيكية إلى الادارة الاستراتيجية .

كما ان اهمية البحث في هذا الموضوع تكمن في كونه يتزامن مع التجربة الاولى لتفعيل المخططات الجماعية للتنمية ، و بالتالي فإن التقييم القانوني و التطبيقي لها من شانه ان يشكل أداة يقظة استراتيجية من اجل التدخل في الوقت المناسب لتعديل التغراث القانونية .

الامال المعقودة على هذه التعديلات من اجل غرس ثقافة الاصلاح بالإدارة المغربية تجعل اهمية البحث فى هذا الموضوع بارزة وكبرى. 

و بالتالي فإن قراءة تحليلية للمستجدات القانونية في هذا الموضوع مع ربطها بنموذج عملي لهذه التجربة ستمكننا من الوقوف على مكان الضعف و العراقيل القانونية و المالية و البشرية التي قد تقف حاجزا امام نجاح هذه التجربة .

مساهمة ثقافة التخطيط التشاركي الاستراتيجي في تحقيق الاستقرار و السلم الاجتماعي الذي تميز به المغرب عن باقي الدول العربية في ظل الثورات الربيعية التي عرفها العالم العربي .

المناهج المعتمدة فى البحث 

إيمانا منا أنه لا يمكن فهم الحاضر إلا بالعودة إلى الماضي ، فإننا سنعمل على معالجة هذه الاشكالية من خلال الاعتماد على مجموعة من المناهج التي تتناسق فيما بينها و هي :

المنهج التاريخي : من اجل التعرف على السياق العالمي الذي أدى إلى تغير وظيفة الدولة و كيف تطورت هذه الوظائف إلى حد أصبحت فيه مشاركة المجتمع المدني في تسيير الشأن العام إحدى مؤشرات الحكامة لدى الدول. ومعرفة موقع المغرب من هذه التطورات .

منهج قراءة المضمون و المنهج الاستنباطي : سنعمل من خلال هذين المنهجين على تحليل الاطار القانوني المنظم للمخطط الجماعي للتنمية المحلية من اجل التعرف على أهم الثغرات القانونية واستخراج الاشكاليات التي من شأنها عرقة تنفيذ هذه المخططات.

المنهج النسقي: حاولنا من خلالها فهم التعديلات القانونية التي طالت الميثاق الجماعي و الخاصة بالتخطيط الاستراتيجي في سياق الظروف الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية التي رافقت و أثرت في الخروج بهذه التعديلات .

و بما ان التنظير للإشكاليات لن يكون مجديا دون النزول إلى الواقع التطبيقي لها ، فإن بحثنا سيؤسس على تجربة ميدانبة شاركنا فيها ما يناهز الخمس سنوات ، في إعداد و بلورة و تتبع المخططات الجماعية للتنمية في نسختها الاولى على مستوى إقليم الفحص انجرة وعمالة طنجة،أصيلة .

و بناء عليه فإننا اعتمدنا على مجموعة من الادوات العلمية للبحوث ، من قبيل أداة المقابلة و المعاينة الميدانية و الاستمارة الاطروحة ومن اجل الاجابة عن التساؤلات التي يطرحها موضوع أطروحتنا و على رأسها إشكالية تنفيذ المخططات الجماعية للتنمية فقد عملنا على تقسيم هذه الاطروحة إلى جزين .

القسم الأول : أزمة الدولة و آثارها على التخطيط العمومي بين الاسس النظرية والتجربة المغربية قبل الخوض في دراسة معمقة للمخططات الجماعية للتنمية مع أهم الاشكاليات التي تطرحها ، كان لزاما علينا ان نبين التأصيل التاريخي لفكرة التخطيط العمومي ، كيف بدأ و ما هي اهم التطورات التي شابته و ما هي مختلف المدارس التي ادلت بدلوها في هذا الموضوع على المستوى العالمي . 

مع ضرورة التطرق إلى القوانين المنظمة لعمل الجماعات الترابية بمختلف مستوياتها عبر مختلف التعديلات التى شملتها . 

على انه سيتم التطرق بشكل أكثر تفصيلا إلى تطور القانون التنظيمي الخاص بالجماعات الترابية الحضرية و القروية و إجراء مقارنة فيما بينها تتعلق بالتطور الذي عرفه التنصيص القانوني من خلالها على التخطيط الجماعى المحلى . 

كما أننا سنعمل على التطرق لأهم الاحداث التي عاصرت التعديلات المختلفة للقوانين المنظمة لعمل الجماعات الترابية سواء على المستوى السياسي او الاقتصادي او الاجتماعي و ذلك من اجل الالمام بأسباب هذه التعديلات و ما الذي ترمي إليه .

و بناء عليه قمنا بتقسيم هذا الجزء إلى فصلين :

الفصل الاول : الاسس النظرية لوظيفة الدولة و اثارها على التخطيط العمومي
الفصل الثاني :مسلسل التخطيط الترابي وطنيا و محليا في عهد الاستقلال و التغيرات الكبرى المصاحبة له

القسم الثاني : سنخصصه لدراسة التخطيط الجماعي المحلي بين المناهج الجديدة للتخطيط وصعوبة التنفيذ إقليم الفحص أنجرة و عمالة طنجة أصيلة نموذجا خلال الجزء الثاني من هذه الاطروحة ، قمنا بالالمام بالاساس القانوني للمخططات الجماعية للتنمية وكذا للمنهجية المعتمدة في بلورتها و الهيئات المتدخلة ضمن مناهج التخطيط فى ذلك ، و لتعرف على موقع هذا النوع من التخطيط العالمية قمنا بالتطرق بتفصيل إلى مناهج التخطيط كما هو متعارف عليها عالميا .

و في الفصل الثاني من هذا الجزء عملنا على استعراض مختلف الاشكاليات القانونية و المادية و البرشية التي تعرقل تفعيل هذه المخططات على المستوى الوطني . مستعينين في ذلك بنمودج تطبيقي شمل المشاركة الفعلية من جانبنا في إعداد المخططات الجماعي للتنمية ل 18 جماعة محلية .

لنختم هذا الجزء بتقديم حصيلة هذه المخططات التي اتخذت كعينة للبحث كما تناولنا بالقراءة المسودات الجديد لمشاريع القوانين المتعلقة بكل من الجماعات المحلية و الجهة و العمالات و الاقاليم ، و ذلك من أجل معرفة مصير المخططات الجماعية للتنمية مستقبلا في ظل الضروف الجديدة التي يشهدها العالم و المغرب.وبذلك قسمنا هذا الجزء بدوره إلى فصلين :

الفصل الاول : المخططات الجماعية للتنمية و المناهج الكبرى للتخطيط لدى المؤسسات الدولية و الممارسين المهنيين
الفصل الثاني : موقع المخطط الجماعي للتنمية  مناهح التخطيط الحديثة و الاشكاليات المعرقلة لتنفيذه

ضبط المفاهيم التي  يتمحور حولها البحث

و الامر يتعلق ب كل من مفهوم التدبير و مفهوم التخطيط ، مفهوم التخطيط الاستراتيجي و مفهوم التخطيط التشاركي الاستراتيجي . التدبير : 

اكتسحت كلمة التدبير الأدبيات اللاتينية لتحل محل كلمة التسيير بالنظر للتأثير الذي أخذت تمارسه الأدبيات الانكلوساكسونية ذات المقاربة الشمولية في التعامل مع القيادة و الإدارة .

و يختلف هذا المفهوم بين كل من المدرسة الفرنسية و المدرسة الانكولوساكسونية . بحيث يحيل التدبير في مفهوم المدرسة الفرنسية إلى: مجموع الوسائل المعتمدة والقواعد و الإجراءات القانونية الواجب الالتزام بها عند مزاولة مهمة التدبير. أي ما يفيد مفهم المطابقة . أما في المدرسة الانكلوساكسونية فإن لتدبير أربعة أبعاد : المطابقة و الاقتصاد ، الفاعلية والنجاعة .إذ تعتبر هذه المدرسة التدبير مجموع المعارف التي تهتم بتنظيم و تدبير المقاولة تم كيفية تطبيق هذه المعارف على عملية تجارية أو مقاولاتية ، بالإضافة إلى قيادة إدارة عملية التدبير. و بالتالي يحيل التدبير في هذه المدرسة على مفهوم واسع يأخذ بعين الاعتبار تأثير المحيط الداخلي و الخارجي على المنظمة وتطور مفهوم التدبير في ظل الليبرالية الجديدة حيث أصبح يعتمد على الانفتاح و التشارك و المشاركة و الاندماج و الحكامة ، بحيث أصدحت الممارسة الإدارية تفرض المزاوجة بين علم وفن الادارة لإعطاء التدبير فلسفة جديدة وخاصة ،فأصبح التدبير يحيل على أنه تفعيل أنشطة أو خدمات متنوعة باستعمال الموارد البشرية اللازمة والمتخصصة في شتى الميادين ، استنادا إلى تخطيط مسبق ووفق إنجاز محكم و مراقبة آنية و بعدية بناء على منهجية معقلنة و تحفيز مستمر لتلك الموارد البشرية .11

يعتبر التخطيط إحدى الوظائف الأساسية للإدارة الحديثة ، فهو الأساس و المتطلب التخطيط :

الرئيسي للتنمية الإدارية ، و أول من تناول فكرة التخطيط هو النرويجي" كرستان "في دراساته و أبحاثه التي قدمها سنة ()191 12. من هنا يتضح ، أن التخطيط هو عملية مفتوحة تكفل التكامل الحقيقى بين ما هو متوفر من المعطيات والإمكانيات ، و كافة المدخلات من الجهة ، والمخرجات المحيطة من الجهة الأخرى . ومن الأهم فوائد التخطيط ، تحديد مختلف الأهداف و السياسيات و الإجراءات و البرامج ، و كذا طرق العمل ، و مصادر التمويل ، و معرفة المشاكل و طرق معالجتها .و تعتبر التخطيط الركيزة الأولى للتدبير و هو عملية ذهنية إبداعية تعمل على رسم الأهداف و التوجهات المراد إتباعها لإنجازها ، تم نهج أسلوب عملي لدراسة كل المعلومات و البيانات لاتخاذ القرارات اللازمة لتحقيق أهداف المنظمة و التخطيط الاستراتيجي : 

برز في نهاية السبعينات من القرن الماضي كبديل لمصطلح التخطيط البعيد المدى الذي بدأت عيوبه تتكشف ، فهو التقييم المستمر للتغيير في ظروف البيئة الداخلية و الخارجية ، و تحديد الإمكانات الملائمة و بدائل التصرف و أساليبه في ضوء هذا التقييم بالواجبات و تحقيق الأهداف ، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة كفاءة و فعالية التنظيم ، إضافة إلى تحسين أنماط الاتصال الإداري و عمليات اتخاذ القرار» . 

و في عقد الثمانيات بدأت الأدبيات تتناول بكثافة مصطلح التفكير الاستراتيجي كعملية سابقة للتخطيط و الإدارة الإستراتيجية ، و يطرح التفكير الاستراتيجي مجموعة من الفرضيات و النظريات التي تتحدى الممارسات السائدة ، و يسعى إلى إحداث النقلة النوعية لما هو أفضل و بسبل حداثية أي غير تقليدية .هكذا تتحدد أهمية التخطيط الإستراتيجي في كونه يمكن الجماعات الحضرية و القروية، من تحديد الطريقة التي بواسطتها تتملك جماعة ما الأدوات و الإمكانيات التي ستمكنها من تحقيق أهدافها بكل تنافسية، و الغايات التي تسعى الوصول إليها. 

و بذلك فهو عملية مستمرة لتنظيم و تنفيذ قرارات الجماعات الحضرية و القروية و توفير المعلومات الكافية الخاصة بمستقبل تنفيذها و قياس نتائج تلك القرارات.

و تعتبر المرونة محددا رئيسيا في التخطيط الاستراتيجي ، و توفر للجماعات الوقت الكافي للتساؤل حول البيئة الداخلية و الخارجية ، أي واقع الجماعة من حيث الإمكانيات التي تتوفر عليها و المعيقات التي تواجهها ، كما تسمح بفتح حوار مع مختلف الفاعلين على المستوى المحلي و الوطني ، إذا أن القرارات التي تتخذها الجماعة في زمن العولمة تستدعي استحضار مختلف الفاعلين في الإطار مقاربة تشاركية .

إن هذا التعدد يقتضي الانطلاق من فكرة التدبير المقاولاتي المتشبع بالمرونة و توحد الرؤيا الإستراتيجية ، التي أصبحت تفرض مشاركة السكان في التخطيط لتنميتهم ، على اعتبار أن هذه المشاركة لم تعد مسعى لتحقيق الديمقراطية فقط ، بل تتجاوز ذلك ، إذ تعد في الكثير من الدراسات السوسيوتنموية شرطا أساسيا لجودة المشاريع المخطط لها و إعطاءها قيمة مضافة . مما يستدعي توفر المنتخبين على قدرات تفاوضية و تواصلية مهمة حيث يكون الجميع مستعدا لتقييم و تقديم تقرير بالنتائج المحصلة عند كل ولاية انتخابية.

التخطيط الاستراتيجي التشاركي هو مقاربة تدعو إلى التفكير العميق في المستقبل ، فهو يكشف حاجيات السكان الآنية و المستقبلية ، كما أنه يمكن من التنبؤ بالمتغيرات التي يمكن أن تحدث ، فهو كذلك مقاربة لتحسين التواصل كما يساهم بشكل منتظم في إخبار الشركاء و السكان حول الأهداف الإستراتجية و حول المشاريع الجارية و تتبع تقييمها. 

و بناء عليه ، فإن سياق التحول في دور الجماعات المحلية لم يكن صدفة ، بل أملته مجموعة من المتغيرات الداخلية و الخارجية في إطار العولمة ، و ما تفرضه من اشتداد المنافسة بين مختلف الفضاءات المحلية، لم يعد للمجالس الجماعية سبيلا للاستئناس بالمقاربة الإستراتيجية لبناء مشروعها التنموي المحلي .

---------------------------
لائحة المراجع :

- ذ عبد الرحمن الصديقي . المدخل لعلم الاقتصاد و علوم التدبير . مطبعة اسبارطيل . طنجة 2014
- ذ.كريم لحرش . النظام الجبائي المحلي المغربي . مطبعة طوب بريس. الرباط . 2010
- ذ. محمد براو . المجالس الجهوية للحسابات . سلسلة الرقابة على المال العام و المنازعات المالية. العدد 2. مطبعة طوب بريس . الرباط. 2006
- رقية المصدق . منعطف النزاهة الانتخابية معالم الانحسار في تدبير الانتخابات التشريعية المباشرة- مطبعة النجاح الجديدة . الدار البيضاء . 2006
- بيرنابي لوبيس كارسيا. الانتخابات المغربية منذ 1960 دراسة علمية موثقة- ترجمة بديعة الخرازي . سلسلة ضفاف . مطبعة النجاح الجديدة . الدار البيضاء .2009.
- محمد قصري و محمد الأعرج . الطعون الانتخابية بين أحكام التشريع و قرارات القضاء المغربي.مطبعة دار قرطبة . الدار البيضاء .2007
- ذ.كريم لحرش و عبد الرحيم كحلاوي. الانتخابات الجماعية بالمغرب: قراءة في استحقاقات 12يونيو 2009. سلسلة اللامركزية و الادارة المحلية . مطبعة طوب بريس . الرباط . 2009
- ذ. عبد الكريم غلاب . التطور الدستوري و النيابي بالمغرب. مطبعة النجاح الجديدة. الدار البيضاء. 1988
- ذ. محمد يحيا. القانون الدستوري و المؤسسات السياسية للمملكة المغربية. مطبعة اسبارطيل طنجة. 2000
- ذ. محمد يحيا. المغرب الإداري. مطبعة اسبارطيل طنجة. 2001
- كريم لحرش. التنظيم الاداري المغربي . مطبعة طوب بريس. الرباط.2010

تعليقات