التطور التاريخي لمفوهم الحرية

 مقال بعنوان: التطور التاريخي لمفوهم الحرية

مقال بعنوان: التطور التاريخي لمفوهم الحرية PDF

مقدمة :

اثبت المفكرين والعلماء انه لا يوجد تعريف موحد للحرية ونعتمد في هذا القول على التعريف المنطقي أو ما ذهب إليه أرسطو من أن: “التعريف بالجنس والفصل هو التعريف الجامع المانع، كتعريف الإنسان بأنه حيوان ناطق فهو ينطبق على الناس جميعا وبذلك يكون جامعا لإفراده، وفي الوقت ذاته يمنع سائر الكائنات الحية عن الاشتراك معه في هذا التعريف وبذلك يسمى مانعا”.

وبالرغم من هذا الاستهلال فان كثير من الباحثين تعرض لمفهوم الحرية من منظور معين أو اتجاه ما ولكن لنقل أن الغالبية قد اتفقوا على أنها أروع سمات الكون ، ومن العلماء والمفكرين الذين تعرضوا لماهية الحرية اذكر أنى قرأت لجون لوك‏ (فيلسوف تجريبي و مفكر سياسي إنجليزي) تعريفه بان الحرية هي ( القدرة والطاقة اللتان يوظفهما الإنسان لأجل القيام بعمل، معين أو تركه‏) 

وتعرف أخر لجون‏استيوارت، ميل‏ -(الفيلسوف والاقتصادي البريطاني)، يقول:
(أن الحرية عبارة عن قدرة الإنسان على السعي، وراء مصلحته التي يراها، بحسب منظوره، شريطة أن لا تكون، مفضية إلى أضرار الآخرين‏).

وتعريف آخر، للفيلسوف الألماني واكبر ناقد في تاريخ الفكر الإنساني، إيمانويل كانت حيث عرف الحرية (بأنها عبارة عن استقلال الإنسان عن أي، شي‏ء ألا عن القانون الأخلاقي).

وإذا أتينا على لفتنا العربية الجميلة فسنجد أن تعريف الحرية أصبح يدل على كل عمل للإنسان يقدر عليه بمشيئته دون أن يصرفه عن عمله أمر غيره, وقد ساعد على شيوع وانتشار هذا المعنى- اتصال جمع من المفكرين بالحداثة الغربية وحركة.

وقد كان العلامة رفاعة الطهطاوي من أوائل مفكري عصر النهضة الذين عرفوا معنى الحرية ففي كتابه “المرشد المبين” بين أن الحرية مسألة فطرية للإنسان يقول: “الحرية منطبعة في قلب الإنسان من أصل الفطرة” ويقدم تعريفا طويلا بقوله: “الحرية من حيث هي رخصة العمل المباح من دون مانع غير مباح ولا معارض محظور, فحقوق جميع أهالي المملكة المتمدنة ترجع إلى الحرية. فتتصف المملكة بالنسبة للهيئة الاجتماعية بأنها مملكة متحصلة على حريتها, ويتصف كل فرد من أفراد هذه الهيئة بأنه حر يباح له أن ينتقل من دار إلى دار, ومن جهة إلى جهة بدون مضايقة مضايق ولا أكراه مكره, وان يتصرف في نفسه وقته وشغله, فلا يمنعه من ذلك ألا المانع المحدود بالشرع أو السياسة, مما تستدعيه أصول مملكته العادلة, وعن حقوق الحرية الأهلية ألا يجبر إنسان على أن ينفى من بلده أو يعاقب فيها ألا بحكم شرعي أو سياسي مطابق لأصول ممكنة, وألا يضيق عليه في التصرف في ماله كما يشاء أو لا يحجر عليه ألا بأحكام بلده و ألا يكتم رأيه في شيء بشرط ألا يخل ما يقول أو يكتبه بقوانين بلده”.

وكذلك لخصت الموسوعة الإسلامية الميسرة تعريف الحرية بأنها: “القدرة على الاختيار بين الممكنات بما يحقق إنسانيتي”.

وعرف الكاتب الفلسطيني رئيس جامعة القدس الدكتور سري نُسيبة، الحرية أنها: “الإمكانية أو القدرة على النمو والتطور، لتحقيق الوضع الأفضل للإنسان أي سلخ القيود المانعة عن هذا النمو والتطور نحو الأفضل، وذلك التعريف لا يقودنا إلى القبول بحتمية الطبائع الشريرة فردا أو جماعة”.

المطلب الأول: الحرية في العصور القديمة
المطلب الثاني: الحرية في الإسلام 
المطلب التالت: الحرية في العصور الوسطى
المطلب الرابع: الحرية في العصر الحديث 

المطلب الأول: الحرية في العصور القديمة

إن أدق وأصعب ما يواجه الباحث فى مجال العلوم الإنسانية هو تحديد ماهية المصطلحات ، حيث أنه فى ظل هذا الإطار المفاهيمى ترتسم معالم الإطار الفكرى بعامة . فإذا كانت الدراسات الإنسانية من بين المعارف هى أصعبها تناولاً وامتناعاً على التحديد ، فإن مفهوم الحرية – دون إغراق فى التبسيط أو التسطيح – هو من أكثر إشكاليات العلوم الإنسانية التباساً وغموضاً ، بل وهروباً من الإطارات والتحديدات . إلا أن ذلك حافز للدخول فى معترك هذا اللبس والغموض ، ومحاولة فض بعض اشتباكاته وإيضاح بعض ملامحه .

1- مفهوم الحرية :

إذا كانت اللغة هى الوعاء الحاوى لثقافة كل مجتمع ، حيث أنها تستقى نسيجها الثقافى من ذلك المجتمع ، وهى وسيلة المجتمع فى التعبير عن مركبه الثقافى وأطروحاته الفكرية . فإنه انطلاقاً من هذه الأهمية البارزة لدور اللغة كحامل ثقافى سيعرض الباحث للجذر اللغوى لمفهوم الحرية Liberty ، حيث يقوم بطرح التناولات القاموسية أو المعجمية لتعريف الحرية ، ففى المعجم الفلسفى : " الحرّ : ضد العبد ، والحر : الكريم ، والخالص من الشوائب ، والحر من الأشياء أفضلها، ومن القول أو الفعل أحسنه . نقول حرَّ العبد حراراً خلص من الرق ، وحرَّ فلان حرية كان حر الأصل شريفه . فالحرية هى الخلوص من الشوائب ، أو الرق، أو اللؤم ، فإذا أُطلقت على الخلوص من الشوائب ، دلت على صفة مادية ، يُقال : ذهبٌ حر لا نحاس فيه ، وإذا أُطلقت على الخلوص من الرق ، دلت على صفة اجتماعية، يقال : رجل حر أى طليق من كل قيد سياسى أو اجتماعى ، وإذا أُطلقت على الخلوص من اللؤم ، دلت على صفة نفسية ، تقول ، رجل حر ، أى كريم لا نقيصة فيه .

وفى المعجم الفلسفى : " حرية : بوجه عام هى حال الكائن الحى الذى لا يخضع لقهر أو غلبة ، ويفعل طبقاً لطبيعته وإرادته , وتصدق على الكائنات الحية جميعها من نبات وحيوان وإنسان . والحرية السياسية والاجتماعية هى التى يستطيع فيها الفرد أن يفعل ما يريد فى حدود القانون ودون أن يسئ إلى غيره ، وأخص الحريات السياسية حرية الرأى والقول والعمل والاعتقاد . وهى مقيدة دائماً بنظام المجتمع وحقوق الآخرين ، وليس ثمة حرية مطلقة .

ويقول لالاند فى موسوعته عن المعنى السياسى والاجتماعى للحرية: " عندما يتعلق الأمر بهذه الحرية الخاصة ، أو بـ " الحريات " فى صيغة الجمع ، لا يكون هناك سوى تطبيق اجتماعى للمعنى السابق ، إنما تدل كلمتا حر أو حرية فقط ، على غياب إكراه اجتماعى مفروض على الفرد : بهذا المعنى ، يكون المرء حراً فى أن يفعل كل ما لا يمنعه القانون . حراً فى أن يرفض القيام بكل ما لا يأمره بفعله .

وانتقالاً من الدلالات اللغوية ، وبعض الدلالات الاصطلاحية لمفهوم الحرية ، نجد أن كلمة " حرية " تحتمل الكثير من المعانى ، بحيث قد يكون من المستحيل أن نقبل تعريفاً واحداً باعتباره تعريفا عاماً يصدق على سائر صور الحرية . ولكن الجامع بين معظم هذه التعريفات هو أنها تتأرجح بين تصورين : أحدهما ينظر إلى الحرية من حيث كونها انتفاءاً للقيود وذلك هو الشكل السلبى لها ، بينما ينظر إليها الآخر انطلاقاً من كونها قدرة إيجابية وهو الشكل الإيجابى للحرية .

وإن كان لهذا دلالة ، فإنما يدل على النسبية التاريخية لمفهوم الحرية ، والتى تعنى أن حرية الحاضر لم يتحدث عنها السلف ، وأن الماضى ليس هو المثل الأعلى المنشود ، فلكل عصر قيمه الحاكمة وأطره الفكرية السائدة ، وأن مشكلاته المطروحة أو المفروضة ثمرة حراك المجتمع ، ولا يتأتى حلها إلا فى إطار فهم جديد لمحتوى ونطاق الحرية ، إنها متغير تاريخى مع تغير الحضارات والمجتمعات . وحيث أن الإنسان والمجتمع منتجان تاريخيان ، فكذلك المفهوم ، فكل مفهوم هو نتاج ثقافة ، ويتعذر فهمه دون الإحاطة بعناصر ومكونات الثقافة التى أنتجته .

ونجد أن مفهوم الحرية ليس مقطوع الصلة بصورة الكون والحياة والوجود فى المجتمع ، وما تمليه هذه الصورة من إشكاليات وقضايا تطرحها على الباحث المتأمل . ففى الديمقراطيات اليونانية – مثلاً – لم تكن ثمة حدود أو قيود على سلطان الحكام أو الدولة State فيما يتعلق باحترام حريات الأفراد ، فلقد كان الفرد خاضعاً للدولة خضوعاً تاماً ، فلم تكن ثمة حرية للعقيدة ، فالفرد مُلْزَم باعتناق دين الدولة بشكل مطلق ، وكذلك الحرية الشخصية وغيرها . ورغم كل ذلك ، فقد كان هؤلاء الأقدمون يعتبرون أنفسهم أحراراً ، لقد فهموا الحرية على غير الوجه الذى تُفهم به الآن . كما أنه فى النظم القبلية وكذلك البطريركية ( الأبوية patriarchy ) لم يكن هناك حديث عن الحرية السياسية للفرد ، وانحصرت مشكلة الحرية فى موضوع "حرية الإرادة" Freedom will ، إرادة الفعل الإنسانى ومسئوليته إزاء القدر باعتبار هذا قضية لاهوتية Theological ، أى تتعلق بأصول العقيدة . وهنا يكون النظام السياسى صنو الدين ، ومسألة السلطة الدنيوية أو الحكم ليست قضية محل حوار عام ولا تعنى الكافة ؛ ذلك لأن صاحب السلطان - بحكم الإطار المعرفى القيمى الملائم لمستوى التطور الحضارى للمجتمع - إنسان مستخلَف فى الأرض . هذا السلطان راع لرعية فى إطار تبرير قدسى ، ولا يستمد مشروعية سلطانه من العامة ، حيث أن دورهم الرئيسى فى الحياة هو إنفاذ أوامره ، التى هى بدورها أمانة قدسية ، وأن حريتهم تتمثل فى الطاعة لولى الأمر والالتزام بالشعائر ، فهذا مناط الخلق وعلة الوجود .

ويتحرك ذلك الشكل فى إطار النظريات الثيوقراطية لتفسير نشأة الدولة ، وهى النظريات التى تجعل السلطة السياسية تقوم على أساس آخر غير إرادة الشعب ، فهى تجعل للسلطة أساساً إلهياً ، وتردها إلى إرادة الله . ويطلق البعض على هذه النظريات اسم " النظريات الدينية " إلا أن هذه التسمية قد لاقت انتقاداً شديداً من قبل البعض ، لأنها لا تعتبر الترجمة الدقيقة لكلمة Theocracy ولأنها استُخدمت لتبرير طغيان الحكام واستبدادهم ؛ ولذلك فإن هذه النظريات لا تستند إلى الدين ، بل هى فى الحقيقة ضد الدين .

وتتفق النظريات الثيوقراطية فى حقيقة واحدة ، وهى جعل السلطة شيئاً يسمو على سيطرة الإنسان ، وترى هذه النظريات أن القانون ليس سوى مجموعة من القواعد الإلهية التى منحها الإله أو الآلهة لمن يعيشون فى ظلها ؛ ولذلك فهى خليقة بأن تُطاع لأن مصدرها الوحى المقدس . والمثل الواضح على ذلك قوانين " موسى " ، وكذلك شريعة " حامورابى " التى أعطاها له إله الشمس مفصلة تفصيلاً كاملاً ، وطلب من الناس أن يطيعوها ؛ لأن غضب الإله سوف يحل بمن يخالفها .

وتنقسم النظريات الثيوقراطية التى قيل بها فى تفسير سلطة الدولة على ثلاث نظريات هي : الطبيعة الإلهية للحكام، ثم نظرية الحق الإلهى المباشر ، ثم نظرية الحق الإلهى غير المباشر .

1- الطبيعة الإلهية للحكام : وهذه النظرية تخلع على الحكام صفة الألوهية ، فالحاكم ليس من طبيعة البشر ، وإنما هو من طبيعة إلهية ؛ ولذلك فقد اعْتُبِر إلهاً على الأرض . فلم يكن مختاراً من الله ، بل كان هو الإله ذاته ، وكانت هذه هى السمة الغالبة على التاريخ القديم كله ، فلقد اتخذت السلطة السياسية فى عهد الفراعنة مظهراً دينياً واضحاً ، لدرجة إطلاق لقب الإله على فرعون . ولم يكن الأمر قاصراً على مصر وحدها ، فلقد كان الاعتقاد السائد فى الهند مؤداه أن القوى الإلهية هى أساس كل قانون ، وبالتالى هى المصدر الأول لكل تنظيم سياسى واجتماعى .

وإذا كانت هذه النظرية قد سادت فى الأزمنة الغابرة ، والإمبراطوريات القديمة ؛ فإنه من العجيب أن شعب اليابان استمر معتقداً فى الطبيعة الإلهية لأباطرته حتى حاقت به الهزيمة فى الحرب العالمية الثانية ، فانتهت بذلك النظرة المقدسة إلى هؤلاء الأباطرة .

2- نظرية الحق الإلهى المباشر : وترى هذه النظرية أن الحاكم وإن كان من البشر وليس من طبيعة إلهية ، إلا أن الله قد اختاره ليمارس باسمه السلطة على الأرض ، ويذهب أنصار هذه النظرية إلى أن قوة عليا – قوة الله – هى التى أوجدت القوة السياسية ، وهى التى عينت الشخص – أو الأشخاص أو الأسرة – الذى يكون له حق الحكم السياسى فى الدولة ؛ وعلى ذلك فسلطة الملوك مستمدة من الله تعالى ، حيث اصطفاهم وأيدهم بقوته ليراعوا مصالح الأفراد الذين يجب عليهم الطاعة . وقد نجد أن لهذه النظرية جذوراً فى الفكر القديم ، ففى الصين كان التنظيم يقوم على أساس أن الإمبراطور يستمد سلطته من السماء ، فهو يحكم وفقاً للحق الإلهى الذى يخوله سلطة مطلقة . وتطورت هذه النظرية فى إنجلترا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر ، وأخذت شكل الحق المقدس للملوك ، وكانت النظرية تقول أن الله أنشأ السلطة منذ خلق الإنسان على الأرض . كما كان عصر تلك النظرية الذهبى فى فرنسا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر ، حيث ساد المثل القائل أن ملك فرنسا لا يستمد ملكه إلا من الله وسيفه .

3- نظرية الحق الإلهى غير المباشر : وتعتبر هذه النظرية أن الحاكم مختار بشكل غير مباشر من قبل الله ، حيث أن الله يعد الحوادث ويوجه إرادات الأفراد نحو ذلك الاختيار بالذات .

وبالرغم من أن هذه النظرية أكثر تقدماً ، إذ تقوم على أساس ديمقراطى يتمثل فى اختيار الشعب للحاكم بنفسه ، إلا أنها تجعله ( أى الشعب ) مسيراً لا مخيراً فى هذا الاختيار ، كما أنها قد تؤدى إلى استبداد الحاكم وطغيانه ، اعتقاداً منه فى تدخل الإرادة الإلهية فى اختياره . كما أن هذه النظرية لا تختلف عن نظرية الحق الإلهى المباشر إلا فى الشكل فقط ؛ إذ أنها تجعل أوامر الحكام ملزمة لا يجوز الخروج عليها ؛ لأن عصيانها هو عصيان لله الذى يملك وحده حسابهم .

وانطلاقاً من العرض السابق للنظريات الثيوقراطية التى تفسر نشأة سلطة الدولة ، نجد أن اقتران طاعة ولى الأمر بالولاء للعقيدة يعنى أولوية الروحى على الزمنى ، كما أن المجتمع حسب هذا الفهم ليس نتاج إرادة بشرية ، بل هو انعكاس لإرادة خارقة تعلو – إن لم تُعطل – إرادة البشر ، أو أى إرادة مشروعة فى حدود تعبيرها الصادق عن تلك الإرادة الخارقة . فالحرية حسب هذا الإطار هى فضيلة باطنية ، ومسئولية ضميرية ، وسيلتها ليس التحرر من عوائق دنيوية تحقيقاً لأهداف حياتية ؛ بل وسيلتها التحرر من الشهوات ، والتطهر النفسى ، والتسامى الروحى ، ومن ثم تركز على الأمور النفسية ، ويرى المرء المعاناة الدنيوية من قهر واستبداد ومجاعات نوعاً من الابتلاء ، علتها خارج الوجود ، وأمور الدنيا موكولة لولى الأمر .

ويبدو أنه قلما وُجدت أية مناقشة للحرية الفردية كهدف سياسى مقصود فى العالم القديم ، ولقد لاحظ كوندرسيه بالفعل أن فكرة الحقوق الفردية غائبة من المفاهيم القانونية عند اليونانيين والرومانيين ، وكذلك عند اليهود والصينيين وكل الحضارات القديمة عند ظهورها . فلقد كان لكلمة فرد Individual فى العصور الوسطى معنى يختلف اختلافاً شديداً عن معناها الراهن . فكلمة فرد فى الوقت الحالى تحمل دلالات مختلفة ، حيث تعنى أنه مختلف أو غير عادى أو منفصل عن البقية ، أى أننا نسلم بخصوصيته . أما فى العصور الوسطى فكان " الفرد " يعنى " اللصيق " أو " من لا يمكن فصله عن غيره " وهو معنى يختلف تماماً عما نعنيه اليوم . فالفرد فى العصور الوسطى هو شخص يُعد ممثلاً نمطياً لجماعته ، يستحيل فصله عنها . لقد كان الفرد هو خير مثال للطبقة أو الأسرة أو الأمة أو الجماعة العامة التى يجرى وصفها .

إلا أن مفهوم الحرية قد تضمن فى العصر الحديث مضامين اجتماعية وفردية لم يُسبق إليها ، أول تلك المضامين أن أصبح لكلمة الفرد، مدلول جديد أهم سماته التمايز والتميز ، فبعد أن كان الفرد عنصراً أو مكوناً عددياً اجتماعياً ، وبعد أن كانت هويته تنبع من حسبه ونسبه أو قبيلته أو عقيدته أو تبعيته كواحد من الرعايا Subjects ... الخ ، أصبحت بعد سيادة مفهوم الحرية الفردية ، تنبع من ذاتيته ، وامتيازه الفردى كمواطن Citizen ، أى كانت هويته قديماً مستمدة من الخارج ، فأصبحت تُستمد من إمكاناته الذاتية الفاعلة وإبداعاته الشخصية . وأصبح للأفراد حقوق لاصقة بهم وُلدت معهم ، ولا يمكن للدولة أن تمسها، أى أن للإنسان حقوقاً طبيعية كسبها لمجرد كونه إنساناً ، نشأت معه منذ نشأ ، ثم ظل محتفظاً بها فى المجتمع ؛ لذلك فهى تُعد سابقة على نشأة الدولة ، بل وتُعتبر الغاية من قيام الدولة هى حماية تلك الحريات أو الحقوق الفردية .


2- الحرية بين السلب والإيجاب :

انطلاقاً من النسبية التاريخية للمفهوم والظروف المجتمعية التى تبلور فى إطارها فى العصر الحديث ، وعلى الرغم من اتفاق الليبراليين على قيمة الحرية ، إلا أنهم يختلفون فى دلالات تلك الحرية فى وعى الفرد . فنجد أن ثمة طرحين لمفهوم الحرية وهما الحرية السلبية والحرية الإيجابية ، فالحرية السلبيةNegative Liberty تعنى انعدام القسر أو الإكراه ، أو انعدام القيود ، بمعنى غياب القيود الخارجية على ما يرغب الإنسان فى أن يفعله ، كما يضيف البعض فكرة أخرى فى تعريف الحرية وهى عدم وجود تهديد خارجى للفرد يمنعه من القيام بعمل معين يريد أن يفعله ، أو لمنعه من التصرف كما يريد . ويُفهم من هذا أن للفرد القدرة على اختيار طريقه الخاص فى الحياة ، دون التعرض لقيود مجحفة مفروضة من الخارج ، ويعنى ذلك أنها حرية من Freedom from ، فأن أكون حراً بالمعنى السلبى للحرية هو ذلك المدى الذى لا يتدخل فيه أى كائن بشرى فى نشاطى ، أو هو تلك المساحة التى يستطيع فيها المرء أن يتصرف دون اعتراض من الآخرين .

أما الحرية الإيجابية Positive Liberty فتتمثل فى الاستقلال الذاتى أو السيادة الذاتية ، فوفقا لتعريف ايزايا برلين Isaiah Berlin فإنه مشتق من رغبة الفرد فى أن يكون سيد نفسه . فأنا أرغب فى الاعتماد على نفسى فى الحياة وفى اتخاذ القرارات وليس على قوى خارجية من أى نوع كانت ، أرغب فى أن أكون الفاعل لا من يقع عليه تأثير الفعل ، أن أسير بموجب غايات وأهداف شخصية واعية ، لا أن أتحرك بموجب غايات تُفرض عليَّ فالسيادة على الذات وفق الطرح الإيجابى للحرية يتطلب أن يكون الفرد قادراً على تنمية مهاراته ومواهبه وعلى اتساع فهمه والوصول إلى الإنجاز والرضا . فهو يعنى حرية فى Freedom for بمعنى أنه بعد أن كانت الحرية حرية من الجهل والمرض وعدم الأمان ، صارت حرية فى المعرفة والصحة والضمان والأمن ، وهذا النوع من الحرية الموجَهة هو الذى يميز الليبرالية الحديثة عن الليبرالية القديمة ، وهو يقضى بتدخل السلطة الحاكمة تدخلاً إيجابياً لتوجيه الفرد لمصلحته توجيهاً علمياً .

إذا كانت الحرية الإيجابية تُعوِّل على ما يُسمى " السيادة الذاتية " بمعنى أن أكون سيد نفسى ولست عبداً لأحد ، لكن أليس من الممكن أن تكمن تلك العبودية فى الطبيعة أو فى نوازعى الداخلية . وفى محاولة الإنسان التحرر من الاستعباد الروحى أو الطبيعى اكتشف أن بداخله جانباً مسيطراً سامياً Transcendental ، وآخر لابد من كبحه والسيطرة عليه . وتشبه تلك الذات المسيطرة من جوانب شتى المنطق و" الذات الرفيعة " للإنسان ، وهى الذات التى تمحص وتقدر وتفكر فى النتائج وتهدف إلى تحقيق ما يلائمها ويرضيها فى المدى البعيد مع الذات " الحقيقية ، أو " المثالية " أو "المستقلة" وهى الذات بكل أوجهها التى تختلف مع النزوات اللاعقلانية والرغبات الجامحة ، وكذلك مع الذات السفلى التى تخضع للنزوات والعواطف ، والتى تحتاج إلى تهذيب صارم وقاس إذا ما أُريد لها الارتقاء إلى مستوى طبيعتها " الحقيقية " .

ويمكن تقديم هاتين الذاتين على أنهما منفصلتان : الذات الحقيقية هى أكبر وأوسع من الفرد نفسه ، فهى كل اجتماعى يكون الفرد فيه عنصراً أو مظهراً أو وجهاً من أوجهه ، قبيلة أو سلالة أو جنساً أو عرقاً ، كنيسة أو دولة أو المجتمع الكبير للكائنات الحية والميتة والتى لم تولد بعد . إن هذا الكيان هو الذات الحقيقية التى تستطيع أن تحقق الحرية لنفسها ولهذه العناصر كلها ، إذا ما استطاعت أن تفرض إرادتها الجماعية أو العضوية على العناصر المتمردة .

فمن الممكن تبرير الضغط على الفرد وإجباره على القيام بعمل ما من أجل تحقيق أهداف معينة ( كالعدالة والصحة العامة ) ، وهذا ما يستطيع الأفراد القيام به من غير إجبار أو إكراه إذا كانوا على درجة من الثقافة والعلم ، لكنهم لا يفعلون ذلك بسبب جهلهم أو انحرافهم أو إصابتهم بعمى فكرى .

ويقول ايزايا برلين : " ومن هذا المنطلق أبدأ ( كقائم على الأمر حاكم أو مصلح اجتماعى ) بإهمال الرغبات الحقيقية للأفراد والمجتمعات وأضطهدهم وأعذبهم باسم ذواتهم " الحقيقية " أو بالنيابة عنها ، وذلك بحكم معرفتى الأكيدة بأن أى هدف حقيقى للفرد ( كالسعادة وأداء الواجب والحكمة والمجتمع العادل وتحقيق الرغبات ) يجب أن ينسجم مع حريته ، أى أن يتوفر له الاختيار الحر للذات الحقيقية على الرغم من كونها خرساء وغامضة .

ويرى لاسكى أن هذه النظرة تُنَاقِض كل الحقائق المعروفة عن الخبرة ، فهى لا تتضمن وقف مفعول الإرادة فحسب ، لكنها تتضمن رفضاً لما يقال عنه " الطابع الفريد لكل شخصية " ، بمعنى أن كل فرد منا يختلف عن الآخرين ، أى أن هناك اختلافاً فى الخبرة الإنسانية .

وتقوم الحرية الحقة على أساس دحض تلك الفروض المثالية ؛ لأن الذات الحقيقية لا تُعتبر نظاماً مختاراً لأهداف معقولة متشابهة مع تلك الأهداف التى يسعى كل فرد فى المجتمع إلى تحقيقها . فإذا كانت الخبرة تتيح لنا أهدافاً مشتركة من الرغبة ، بيد أن تلك الإرادة التى تحدد هذه الأهداف المشتركة هى إرادة مختلفة ، وليست مجرد استعارة بحتة ، فإرادة الجميع هى سلام دولى ، إلا أن هذه الوحدة فى الهدف ليست فى الإرادة ، ولكن فى نماذج الإرادات المختلفة لتحقيق هدف مشترك .

ويبدو من خلال هذا الطرح الإيجابى للحرية أن ثمة مخاطرة فى استخدامه ، حيث من الممكن أن يكون مرتكَزاً لذوى الميول الاستبدادية من الحكام تحت دعوى توجيه رعاياهم إلى ما لا يقدرون على إدراك كنهه ، كما عبر عنها روسو بقوله إجبار الأفراد على أن يكونوا أحراراً ، بكل ما تُعَبَّأ به هذه الكلمات من التباس وغموض . وإن كان ذلك النقد لا يعنى طرح ذلك المفهوم الإيجابى جانباً ، لكنه يحتاج إلى مناخ عام من الوعى ، مدعوم بإطار مؤسسى يمارس دوراً رقابياً ، يمكن من خلاله المراجعة الدائمة لكل نظرية مطروحة فى ذلك الإطار التوجيهى .

وهذان المعنيان لمفهوم الحرية ( السلبى والإيجابى ) يعبران عن حالتى استجابة لمفهوم واحد لا مفهومين متمايزين ، تتمثل تلك الاستجابة فى علاقة جدلية أو أدوار تبادلية لهذين المعنيين . ولا يتمثل مثير تلك الاستجابة أو دافعها فى عامل واحد ، بل فى عوامل عدة ومتغايرة بتغاير الزمان والمكان ، فقد تكون تلك العوامل متغيرات مجتمعية أو طبقية ، أو إبداعات فكرية وثقافية ، أو ضرورات أيديولوجية تؤكد النسبية التاريخية للمفهوم وقابليته للاستجابة .

وتأكيداً لتلك الحالة الاستجابية للظروف المحيطة نجد أن النظرة الآلية للحركة فى القرن السابع عشر قد مهدت الطريق لتصور آلى للحرية فى صورتها السلبية ، فلقد فتح " هوبز " الباب على مصراعيه للقول بأن الحركات الطبيعية حركات آلية ؛ وذلك من منطلق إعجابه وتأثره بفكرة العالم الإيطالى " جاليليو " عن المادة المتحركة ، فقسم الحركة إلى قسمين : قسم خارجى ، ويتمثل فى احتفاظ الجسم بحالته من الحركة أو السكون ما لم يُغير تلك الحالة مثير خارجى ، أما القسم الداخلى للحركة ، فهو الحركة الحادثة بداخل الكائن الحى الذى يخضع للحركتين معاً بوصفه جسماً تنطبق عليه شروط الحركة الطبيعية التى يغيرها من حالة لأخرى وجود عائق خارجى ، أما الحركة الداخلية فتشمل العمليات البيولوجية ، كما تشمل الفعل الإنسانى أو الحركة الإرادية القائمة على الانفعال الإنسانى والدوافع الإنسانية . ومن خلال مفهومه عن الحركة بالمعنى الإنسانى يطرح تصوره للحرية ، حيث اعتبرها غياب المعوقات الخارجية للحركة .

يقول هارولد لاسكى Harold Laski (1893 – 1950) : " إن النغمة المنتصرة للوك " فى الرسالتين " والفهم الفياض فى " خطاب عن التسامح " يجعلانه نبياً موفقاً لعقيدة جديدة أكثر مما يجعلانه أى شئ آخر ، والتيارات الفكرية ذاتها التى كونته لها دلالتها . فهو صديق سيدنهام وبويل ونيوتن ، والمُنَظِم للإمبراطورية التجارية ، والرجل الذى جرَّب النفى ومصادرة أملاكه من جرَّاء معتقداته ، إنه يلخص فى نفسه ثمرة عصر " . " لقد كان جيله فى حاجة إلى أن يُقال له إن الطبيعة تبرر حاجاتهم الاجتماعية ، فأمدهم بذلك التبرير ، لقد أعطاهم نوعاً من النظام تسمح حدوده بالحريات التى هم فى حاجة إليها ، لقد أعطاهم نظرية للتسامح تمكنهم من استبعاد من يريدون استبعاده بالضبط من التمتع بفوائدها ، لقد أعطاهم نظرية للملكية جعلت أصحابها جديرين بالحماية بسبب المجهود الذى يتضمنه تجميعها ، والصالح الاجتماعى الذى يمثله هذا المجهود . إنه وفَّق بين السلطة والحرية بطريقة تعطى للطبقة المتوسطة الناشئة كل الأفكار التى تنشدها " . فلقد كان فكر لوك ترجمة أمينة لظروف عصره وحاجاته .

وانطلاقاً مما سبق نجد أن كلاً من هوبز ولوك قد سارا فى إطار الحرية السلبية حيث كثرة القيود فى عصرهما ، مما يستتبع بالضرورة أن تنصرف جهودهما نحو التخلص من تلك القيود كى يؤصلا لوضع خالٍ من القيود على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والدينية.

لكن بعد انتصار الليبرالية ورسوخ مفهوم الحرية الفردية فى الأذهان والمؤسسات ، فإن ليبرالية القرن التاسع عشر حاولت أن تعلن عن نفسها بوصفها فلسفة اجتماعية لا مجرد أيديولوجيا للطبقة الوسطى . وهذا ما حاوله " جون ستيوارت مل " ، حيث كانت الرؤية الاجتماعية هى السبيل لتصحيح المسار الليبرالى مع محاولة الاحتفاظ بالحرية الفردية فى سياق اجتماعى ، فالمطلب الليبرالى بالنسبة للحرية والمفهوم الليبرالى لها ، كان لهما نتائج إيجابية وأخرى سلبية . فمن ناحية ، تم طرح نمط جديد من المجتمع والدولة ، يشجع كل منهما الاستقلال الذاتى والمطالب الفردية . ومن ناحية أخرى ، ربما كان الليبراليون الأوائل واعين بدرجة كافية بأن حق الحرية ما لم يتم مراجعته عن طريق القدر الأعظم من نبالة الغرض ، فإنهم يمنحون حقاً مطلقاً قاسياً وبغير حدود لتراكم الثروة المادية . ولذا وعى الليبراليون ( الإيجابيون ) فى القرن التاسع عشر والقرن العشرين النتائج التاريخية لمبدأ الاتفاق الحر المتبادل فى الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، وسرعة الاستجابة للحجة الاشتراكية القائلة بأن الحرية الاقتصادية عنت غالباً انعدام العدالة الاجتماعية . فلقد كان لظهور أزمات الليبرالية ، وإبراز الاشتراكية لعيوبها بشكل واضح – بل ومبالغ فيه أحياناً – كان له الدور الأكبر فى اعتناق البعض للتصور الإيجابى للحرية والتحول إلى الليبرالية الموجهة أو الاجتماعية المتمثلة فى دولة الرفاه Welfare State أو الرعاية الاجتماعية المؤيدة للتدخل فى الشئون الاقتصادية .

فإنه إبان حدوث أزمة الكساد الكبير قبيل منتصف القرن العشرين ، الذى تعرض له النظام الرأسمالى فى مختلف أنحاء العالم ، فحطم أوهام الفكر الكلاسيكى الذى كان يستبعد إمكانية حدوث الأزمات فى النظام الرأسمالى ، ويدعى عدم وجود تعارض بين المصلحة الفردية والمصلحة العامة . فإنه أدى إلى ضرورة تدخل الدولة فى النشاط الاقتصادى تدخلاً إيجابياً ؛ لتوجيه الفرد لمصلحته توجيهاً علمياً ، من أجل التوفيق بين ذاتية الفرد وعمومية المجموع ، وكان هذا التدخل من جانب الدولة هو ما أُطلق عليه اسم الليبرالية الموجهة أو المنظمة أو التدخلية .

ولقد أرسى دعائم تلك الليبرالية الموجهة جون ماينور كينز John Maynard Keynes ، فلقد كانت كارثة الكساد الكبير هى التربة التى أنبتت " النظرية العامة " لكينز . وقد أثبت كينز أن الرأسمالية قد فقدت قدرتها التلقائية على التوازن ، وأصبحت معرضة لأزمات دورية ، بسبب الاحتمالات القوية لعدم تناسب قوى الطلب مع قوى العرض ؛ ولأن الرأسمالية عجزت عن أن تولد من ذاتها وبطريقة تلقائية سبل تجنب هذه الأزمات . ولذلك فقد نادى كينز بضرورة تدخل الدولة فى النشاط الاقتصادى ؛ باعتبارها المعامل الموازن أو التعويضى لتقلبات هذا النشاط ، واقترح جملة من السياسات النقدية والمالية والاجتماعية التى من شأنها الحيلولة دون حدوث الكساد والتضخم . وبعد الحرب العالمية الثانية أصبحت " الوصفة الكينزية " هى الأساس الذى بنيت عليه السياسات الاقتصادية فى دول الغرب الرأسمالى .

ولم يكن ذلك سرداً لرؤى البعض عن الحرية وتأرجحها بين السلب والإيجاب ، وإنما هو تأكيد للنسبية التاريخية لذلك المفهوم ، ولديناميته واستجابته للمتغيرات الثقافية التى ينشأ فى كنفها . فجدل السلب والإيجاب فى مفهوم الحرية هو خير دليل على أن ذلك المفهوم ليس جامداً وصلباً تجاه المتغيرات ، بل هو مفهوم استجابى قابل للتغير والتشكل ، تؤثر فيه صيرورة المجتمع ويؤثر فيها .

المطلب الثاني: الحرية في الإسلام

هناك شروط ذكرت للتعريف في علم المنطق، والشرط الأساسي في التعريف هو كون المعرّف أجلى وأوضح من المعرّف لكي يصح التعريف به.

فمع القول بوضوح مفهوم الحرية في الأذهان فأي شيء أوضح من ذلك يمكن أن يكون معرفاً له في الوقت الذي تدركه الأذهان؟ ولكن مع ذلك نجد السياسيين والحقوقيين قد ساقوا تعاريف كثيرة لمفهوم الحرية لا يخرج كلها عن حد التعاريف الاسمية. فقد عرفت الحريات بأنها:

تمكين الأفراد من معارضة الحكومة فيما تختص فيه من المجالات، للحيلولة دون تمادي الحكام وطغيانهم.
وعرفها ثالث بأنها:
(انعدام القيود)
وآخر بأنها: (عبارة عن قدرة المرء على فعل ما يريده)
ورابع بأنها: (إطلاق العنان للناس ليحققوا خيرهم بالطريقة التي يرونها طالما كانوا لا يحاولون حرمان الغير من مصالحهم...)
إلى غيرها من التعاريف التي لا مجال لذكرها في المقام.
ولكن (بعد التأمل الدقيق ـ نجد ـ أن مرجع جميع هذه التعاريف إلى جامع واحد وحقيقة مشتركة واحدة ـ هي القدرة على الفعل والاختيار ـ دلت عليها ألفاظ متعددة، وبصور مختلفة... ولذا لم يتحصل لدى الانتقال من تعريف لآخر أمر آخر يضيف على التعريف الأول شيئاً يذكر سوى التبسيط، والتوضيح).

بعبارة أدق وأوضح يمكن القول بأنه لوضوح مفهوم الحرية لدى الناس وبأنه مما يمكن إدراكه من قبل الجميع لم يصبح حال هذه التعاريف ـ المتقدمة الذكر ـ سوى كونها تعاريف اسمية. وليست تعاريف منطقية تامة.


النظم الحديثة 

تعتبر الحرية وفق النظم السياسية الحديثة فكرة حديثة نسبياً، إذ أنها بحسب تلك النظم تعتبر من صنيع ونتاج القرن الثامن عشر الميلادي، وأنها قد تبلورت على أيدي فلاسفة ذلك القرن، الا أنها لقيت التعبير الرسمي لها في ظل (إعلان حقوق الإنسان والمواطن) في عام 1789م.

منشأ الحرية في النظم الحديثة

من خلال التتبع للنظم التي تبلور الحرية في ظلها يتبين أن هذه النظم لم تكن قد أخذت في حسبانها بان الإنسان من اصل خلقته حر وانما تعطي بعض الطبقات التي كانت سائدة إبان إعلان حقوق الإنسان والمواطن الدور في إنشاء هذه الحرية.
فقد قيل بان مذهب الحرية (الليبرالية) هو من صنع البرجوازية التجارية، والصناعية، والمثقفة في القرن الثامن عشر في عهد الملكية المطلقة، التي كان الملك خلالها مخولاً من قبل الإله في فعل ما يريد، والذي وقفت إلى جانب الملك واسندته تلك الحقبة الكنيسة حيث لعبت دوراً كبيراً في إطلاق يده، ومباركة أعماله.
وبما أن الحكام كانوا قد وضعوا الطبقات المذكورة ـ البرجوازية التجارية، والصناعية، والطبقة المثقفة ـ في مرتبة اجتماعية أدنى من تلك التي تتمتع بها طبقة النبلاء، فقد أحست هذه الطبقات بالغبن، والتمييز من قبل الحكام مما حدا بهم إلى التفكير في تغيير الموازين السائدة آنذاك، لتعديل أنصبة الأمور التي تسود الحياة الاجتماعية.
أضف إلى ذلك ـ العامل الطبقي ـ كون (الاستبداد الملكي لم يفسح للمثقفين حرية كافية، وكانت التنظيمات الحكومية المتعلقة بالمهن تعرقل نمو الطبقة البرجوازية ).
إذن فالعوامل المتقدمة هي التي دفعت الطبقة البرجوازية، وطبقة المثقفين إلى ضرورة التفكير بوضع حد للصلاحيات المطلقة التي يتمتع بها الحكام والتي قادت إلى نظام الطبقية، وكبت الحريات.
إن التدقيق في هذا الكلام يكشف بان الحرية ليست من صنع البرجوازية والطبقة المثقفة كما يرى الكثير، وأن هذا خطأ فادحا وانما غاية الأمر أن الطبقة البرجوازية، والطبقة المثقفة كانتا تدركان بان هناك حرية تعد من صميم حقوق الإنسان وبأن هذه الحرية معتدىً عليها من قبل ملوك تلك العصور، ولذا صار لزاماً عليهم الدعوة إلى مراعاة تلك الحقوق، واحترامها من قبل الحكام السابقين.
فالحرية إذن ليست من صنع البرجوازية، والمثقفين، وهذا ما يدركه كل الناس إضافة إلى هاتين الطبقتين، وجلّ ما قام به البرجوازيون، والمثقفون هو الدعوة إلى تلك الحريات المهضمة.
ولذلك تجد بالتمعن في (إعلان حقوق الإنسان والمواطن) أن الطبقتين المذكورتين لم تكونا قد أنشئتا حقوقاً فيه، وانما جل مواده تتضمن دعوات إلى إلغاء قيود كانت قد وضعت على الحريات.
(فكل حكم منها إنما يهدف بالذات إلى إلغاء قيد كان مفروضاً في الماضي، أو إجراء يعتبر تعسفياً لا يصح السكوت عنه)(6).

مفهوم الحرية في ظل النظام الإسلامي

إن مفهوم الحرية في الأديان عامة، والدين الإسلامي خاصة على قدر كبير من السعة والشمولية، ولكن بمقدار تلك السعة والشمولية هناك جوانب لا يكون للإنسان الحرية فيها مطلقاً من قبيل الحق في التشريع، أو امتثال التكليف على خلاف الصورة المطلوبة، أو الاعتراض على ما هو شرع وغيرها من الأمور في حين هناك مساحة واسعة للحريات الفردية كما تقدم ذكره.

والشريعة الإسلامية وان لم تختلف عن الأنظمة الوضعية في الحد من تدخل الفرد في أمور كهذه، إلا أن مخالفي الأديان وخصوصاً الدين الإسلامي لم يقبلوا الحد من الحريات في هذه الأطر من الأنظمة الأرضية في حين ردوا على الأديان ذلك، بل اتخذوا منها وسيلة للنيل من الأديان وخصوصاً الدين الإسلامي.

فالعلمانيون يرون (أن حرية الفكر شرط ضروري للتقدم، وحق أصيل للإنسان، وأن التيار الإسلامي جملة يعارض حرية الفكر لذلك فهو تيار جمودي ورجعي ومعادٍ لحقوق الإنسان).

ولا أدري لماذا عكسوا تزمت البعض ممن يحسب على الدين وليس هو من الدين في شيء، ولا اعلم لماذا ينجر الخطأ في تطبيق الفكرة وإساءة فهمها على الفكرة ذاتها فهذا ليس من الموضوعية في شيء.

إن حرية الإنسان في المنظور الإسلامي أتم واكمل واروع بكثير مما صور ضدها (أن حرية الإنسان في الرؤية الإسلامية هي فريضة اجتماعية، وتكليف إلهي، تتأسس عليها أمانة المسؤولية ورسالة الاستخلاف ـ يعني استخلاف الله للإنسان في الأرض ـ التي هي جماع المقاصد الإلهية من خلق الإنسان... فالحرية: هي الإباحة التي تمكن الإنسان من الفعل المعبر عن أرادته في أي ميدان من ميادين الفعل أو الترك، وبأي لون من ألوان التعبير..).

إذن فالحرية وفق المنظور الإسلامي هي تكليف إلهي يقع من جانبين هما:

الجانب الأول: جانب الفرد ذاته فلا يحق للإنسان التنازل عن أسباب حريته. فقد ورد في هذا الشأن قول أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب … :
(لا تكن عبد غيرك وقد خلقك الله حراً).

الجانب الثاني: الحرية الاجتماعية: (فلقد تجاوزت الحرية في النظرة الإسلامية نطاق الفرد ـ أي الحرية الفردية ـ إلى النطاق الاجتماعي ـ أي الحرية الاجتماعية ـ للأمم والجماعات).

إذن ففي سلم الأولويات في الإسلام تحتل الحرية مقاماً متقدماً جداً، بل اكثر من ذلك عد الإسلام الحرية بمثابة الحياة في حين عد الرق الذي هو ضد الحرية موتاً وهذا ما نستفيده من تفسير قوله تعالى:

( ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة) .
فقد ورد في بعض التفاسير (أن القاتل حين اخرج نفساً مؤمنة من جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفسها في جملة الأحرار، لان إطلاقها من قيد الرق كإحيائها من قبل أن الرقيق ملحق بالأموات).
بل اكثر من ذلك تذهب الشريعة الإسلامية شوطاً ابعد من في مجال الحريات لم تصل إليه الأنظمة الأخرى مطلقاً ولهذا البعد اثر كبير في صلاح الفرد، ثم في صلاح المجتمع.
ففي الإسلام توجد حرية أخرى علاوة على الحريات الأخرى المعروفة (ربما كانت هي الحرية الحقة التي أرادها الله للناس أجمع وبعث من أجلها أنبيائه ورسله تلك التي تنطلق منها بقية معاني الحرية وهي تحرر الفرد من شهوات نفسه).
وهذه الحرية بحق تعد من اكثر أنواع الحريات تأثيراً على حياة الفرد والمجتمع، والرق الحقيقي هو الإنسان الذي يسير وفق أهواء نفسه وشهواتها فإنها ولا شك سوف تقوده إلى الرتبة التي يصبح فيها خطراً على نفسه بالدرجة الأولى ثم يعود خطره على المجتمع ككل. فقد ورد في الأخبار الكثير الذي يصف الإنسان بكونه فاقداً للحرية فيما لو خضع لسلطان شهواته. من قبيل:
(عبد الشهوة أذل من عبد الرق)
و(مغلوب الشهوة أذل من مملوك الرق)
و(عبد الشهوة أسير لا ينفك أسره).
خلاصة القول هي أن الأنظمة الأرضية تربط الحرية بامتلاك أسباب المادة، ووسائل القوة، فهما الكفيلان بتوفير الحرية للفرد حسب اكثر الأنظمة الأرضية، في حين لا تربط الرؤية الإسلامية بين الحرية وهذه الأسباب إنما ترى للحرية أسبابا ابعد من ذلك. كما مر ذكره من الأسباب المؤدية إلى الحرية.
الا أن هناك أمرا جديرا بالإشارة وهو أن البعض من دعاة الحرية في العصر الحديث كانوا قد وضعوا معياراً جعلوا منه مقياساً لتوفر الحرية من عداه.
فهؤلاء يعتبرون أن الحرية موجودة في كل مكان يتمتع بتنكر اكبر للمبادئ الأخلاقية والاجتماعية، في حين تتضاءل حتى تنعدم بحسب درجات التمسك بتلك المبادئ.
فهؤلاء يظنون (أن حرية الإنسان في حرية غرائزه، وشهواته...) وأن (اتباع ما تمليه عليه شهواتهم وأهواؤهم النفسية يعني نيل الحرية والتمتع بحياة متحررة).
إن هذا المعيار هو معيار باطل، واصحابه مخطئون كل الخطأ فيه. ويكفي أن نرد على أصحابه بذكر كلام فيلسوف من فلاسفة الغرب والذي عاش في القرن السابع عشر الميلادي الا وهو الفيلسوف (اسبينوزا) الذي يقول في مقام الرد على هذا الرأي:
(ثمة من يظن الحرية والقوة في قدرته على اتباع هوى نفسه وأن في اعتباره التمسك بالأخلاق والفضائل ضرباً من القيد والأسر، غافلاً عن اتباع أهواء النفس هو الأسر والعبودية إن طريق الخلاص يكمن في أن نرى العبودية ضعة، فنشيح عنها بوجوهنا، وأن نلتفت إلى الحقيقة ونسعد بها، وبديهي أن بلوغ هذا المقام ليس سهلاً يسيراً).

تقسيم الحريات

إن مفهوم الحرية يمكن النظر إليه من جانبين وبذلك ينشأ عندنا نوعان من الحريات ينضوي تحت كل منها أصناف.

1ـ فمرة ينظر إليها على أنها قيود توضع إزاء الحكام تحول بينهم وبين التجاوز على حقوق المحكومين وينقسم هذا النوع من الحريات إلى ثلاثة أصناف هما:
أ: الحريات الشخصية أو المدنية: وهي الحريات التي (تكفل للفرد حماية الذات والضمانات ضد التوقيف التعسفي، ومن أمثلة هذا الصنف: حرية السكن وحرمته، وحرية المراسلات. كما تدخل فيها الحريات العائلية).
ب: الحريات الاقتصادية: وتشمل: حق الملكية، وحرية العمل، وحرية التجارة والصناعة... الخ.
ج: الحريات الفكرية: وتشمل: الحريات الفلسفية، والدينية، والفنية، والأدبية.
2ـ ومرة أخرى ينظر إلى الحرية من جهة توفرها في الفرد، واثر هذه الحرية في المجتمع ويمكن التعبير عنها باسم: حريات المعارضة: ويشمل هذا النوع من الحريات: حرية الرأي، وحرية الصحافة والطباعة، وحق الاجتماع والتظاهر وحق تأليف الجمعيات.
إن هذا هو التقسيم الذي قامت به الأنظمة الأرضية لمفهوم الحرية، أما الشريعة الإسلامية فإنها وكما قلنا تحتفظ لنفسها بمساحة اكبر من الحريات تفوق فيها مساحة الحريات في الأنظمة الأرضية.
ولكن إذا كانت الأنظمة الأرضية قد قطعت شوطا في توفير الحريات فان ذلك يعني حسن تطبيق تلك الأنظمة والدين الإسلامي الذي يتهم بعدم اعترافه بالحريات إنما نالته سبة ذلك من تنحيته جانباً في دولنا الإسلامية التي تسعى جاهدة لتطبق القوانين الغربية الأرضية بيننا، وليتها وفقت في أن تجاري الغرب في اعترافه بالحريات ولكن للأسف أضاعت المشيتين فلا هي تمكنت من خوض تجربة الغرب والنجاح فيها، ولا هي أولت الشريعة الإسلامية عناية التطبيق. الا أن وبال هذا ـ وهو ما يحرق القلب ـ يعود على الدين الإسلامي حيث يتهم من قبل أعدائه، أو عديمي الفهم بأنه الدين الذي يصادر الحريات.
هذا عرض عام لمفهوم الحريات في كل من الشريعة الإسلامية، والأنظمة الأرضية، لم نخض فيه في تفاصيل الحريات، ونأمل في دراسات قادمة أن يوفقنا الله تعالى إلى الخوض في أنواع الحريات كل على حدة.

المطلب الثالث: الحرية في العصور الوسطى

أفرزت هذه العصور في أوروبا نظامًا سياسيًا واقتصادًيا أُطلق عليه النظام الإقطاعي. في ظل الإقطاعية، أعطي الفلاحون المعروفون باسم رقيق الأرض حرية محدودة، بينما حظي النبلاء بالكثير منها. وكان نبلاء المرتبة الدنيا يزوّدون نبلاء المرتبة العليا (الأسياد أو اللوردات) بالجنود، ويدفعون لهم الضرائب. ويُعْرف هؤلاء النبلاء الأقل مرتبة بأتباع السيد. حصل الأتباع على كثيرٍ من الحقوق المهمة، منها مثلاً، أن على السيد أن يستدعي أتباعه لأخذ موافقتهم قبل أن يجمع ضرائب إضافية. وكان هناك تقليد آخر يقضي بتسوية الخلافات بين تابع وسيده في محكمة تتكون من نظراء التابع؛ أي رجال من نفس المرتبة.

في سنة 1215م، صادق يوحنا ملك إنجلترا على وثيقة سميت المَاجنَا كَرْتَا ـ وثيقة حقوق الإنسان ـ بموجب هذه الوثيقة، اكتسب كثير من الحريات الإقطاعية التقليدية الصفة القانونية. وقد مهدت تلك الوثيقة السبيل لتطور البرلمان في فرنسا. فضلا عن ذلك، أقرت الوثيقة بعدم جواز سجن رجل حر أو نفيه أو نزع ملكيته إلا بموجب القانون. من هذا المفهوم، نمت الأفكار عن الإجراءات القانونية، والمحاكمة أمام هيئة محلفين.

وفي القرون الوسطى، حظرت الكنيسة حرية الفكر في أوروبا. وشددت الخناق على المسلمين وعلى كل ما خالف معتقداتها. وفرضت قيودًا على الكتابة فيما اعتبرته مناقضا لتعاليم الكنيسة.

عصر العقل

خلال عصر العقل، أخذ كثير من الناس في النظر إلى الحرية بوصفها حقًا طبيعيًا. وأجاز البرلمان الإنجليزي وثيقة بيان الحقوق الإنجليزية سنة 1689م. وقد أثبتت هذه الوثيقة الحقوق والحريات الأساسية للشعب الإنجليزي.

وفي الوقت نفسه، أعلن الفيلسوف الإنجليزي جُون لوك أن كل فرد ولد وله حقوق طبيعية لا تسلب منه، مثل: حق الحياة، وحق الامتلاك، وحرية الرأي، والدين، والتعبير. وقد ورد تفصيل ذلك في كتابه رسالتان في الحكم (1690م).

بعد انتشار الثورة الصناعية خلال سني القرن الثامن عشر، توطدت دعائم نظام النشاط التجاري الحر. ودافع الاقتصادي الأسكتلندي آدم سميث عن حرية حركة رأس المال والأسواق، وهو ما عُرف بعبارة حرية التعامل الاقتصادية، في كتابه ثروة الأمم (1776م).

خلال القرن الثامن عشر الميلادي، تحدث مجموعة من الفلاسفة الفرنسيين البارزين في مقدمتهم مونتسكيو، وجان جَاكْ رُوسُو، وفُولْتِير مدافعين عن حقوق الفرد وحرياته. دعا كتاب مونتسكيو روح القوانين (1748م) إلى الفصل بين السلطات، وتقسيمها إلى فروع تنفيذية وتشريعية وقضائية. وأعلن رُوسُو في كتابه العقد الاجتماعي (1762م) أن الحكومة تستمد سلطتها من عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم.

مهدت هذه الكتابات لقيام الثورة الفرنسية التي بدأت سنة 1789م. واشتعلت الثورة بفكرة الحرية والمساواة، ولم تنجح في تحويل فرنسا إلى ديمُقْرَاطِية، إلا أنها أحدثت تغييرات رئيسية في المجتمع الفرنسي.

المطلب الرابع: الحرية في العصر الحديث 

تكون ديمقراطيا هو ان تقرن افعالك دوما بالاعتراف بانك في مجتمع غير ديمقراطي، هذا مايقوله جاك دريدا اعترافا منه بان بناء الديمقراطية يتم في توتر فهو حرب معلنة ومقاومة عنيدة ذلك ان الوضع الديمقراطي هو دوما وضع يائس وتحقق الديمقراطية مقرون على الدوام بالشعور باستحالة التحقق او على الاقل بصعوبته وعسره ، واذا كان دريدا يرى بان عدم الاكتمال هو الغذاء الحقيقي للديمقراطية فلا عجب ان نلحظ تاريخيا اقتران بناء الديمقراطية مع ازمة الديمقراطية ...

وبالعودة الى مفهوم الديمقراطية فهو يأخذ اشكالا متعددة ابتداء من انحدارها الفلسفي اليوناني باعتبارها سلطة الشعب استنادا الى الكلمتين اللتين تتكون منهما وهما (demo) أي الشعب و(kratia) أي السلطة مايعني ان الشعب يجب ان يختار السلطة التي تحكمه، ومرورا بتطورها بعد انقسام العالم الى معسكرين رأسمالي وشيوعي ثم بروز العالم الثالث وتنوع صورالديمقراطية بناء على ذلك وصولا الى ارتباطها بفكرة العلمانية في العالم المعاصر …

رغم ذلك يلخص الكاتب رفيق عبد السلام في كتابه (فن العلمانية والدين والديمقراطية ) الديمقراطية بكونها آليات اجرائية وظيفية ، قد تصلح لعلاج معضلة الاستبداد والتسلط السياسي ، فهي ليست عقيدة صارمة منازعة للعقائد والاديان ، ولاحلا سحريا يتجاوز سنن العمران وقوانين الاجتماع السياسي .. ومن هنا ، تظل الديمقراطية قابلة للتعديل والتغيير والاستدراك وفق مقتضيات الاجتماع السياسي.

ويتناقض هذا التعريف مع الاهتمام قديما بالقيم الديمقراطية الاساسية والدفاع عنها باعتبارها الملاذ الذي الذي يتماسك به المجتمع لاسيما بعد ان ادت هذه القيم ذات يوم الى احياء وتحريك النضال ضد الفاشية والنازية وباسمها تفككت القوى الاستعمارية واكتسبت الاقليات المساواة والكرامة ، فالديمقراطية وقتذاك كانت اقل تجريدا مما هي عليه الآن إذ اكسبها التطور التاريخي مفهوما آخر باعتبارها سلاحا ذا حدين، اذ بامكان أي حاكم طاغية او دكتاتور توظيف هذا المفهوم او ادخال بعض التعديلات المناسبة –بنظره –عليه ليتناسب مع اهوائه ورغباته مع بقاء العنوان الرئيسي لورقة عمله –وهو الديمقراطية – لينجو بذلك من لوم اللائمين ولن تكون –بزعمه طبعا –اية حجة بيد معارضيه يمكنهم من خلالها الاعتراض على تصرفاته او مقاضاته بها ..

اذن ، ماالاسس التي تساعد على ولادة ديمقراطية حقيقية ونموها وتطورها وبلوغها سن الرشد في دولة ما لتتسلم زمام امورها بنفسها وتتصرف بحرية بعيدا عن اية قيود او حدود ، ولكن ضمن اطار المنطق والعرف ..هل هي الحرية التي يرتبط مفهومها بالديمقراطية ارتباطا ازليا فلا يصبح لكلمة الديمقراطية معنى بدونها ام انه التطور الحضاري والفكري للبشر الذي يؤهلهم لتأسيس بيئة مناسبة لها، على اساس ان الحضارة هي بيئة صحية تعمل وتساعد على ولادة الديمقراطية من رحمها وماان يكبر جنينها حتى يمكنها تسليمه زمام الامور اقتناعا منها بان بقاءها مرهون ببقائه واستمراريته كما يرى الدكتور عباس صافي في دراسته المنشورة في العام 2007.؟....

في مايخص الحرية فأن من الصعوبة بمكان تحديد مفهوم لها نظرا للتباين المشهود في وجهات النظر المختلفة من حيث الاساس ن ولكنها بشكل عام تعني (تحقيق ذات الانسان وسعادته، وان يكون حرا في تسيير امور حياته) بينما يذهب آخرون الى انها ( التحررمن قهر الدولة واستبدادها ، والتوزيع العادل للثروة وتوفير فرص العمل لتامين الرفاهية للجميع )..والحقيقة قد تكون اكثر قبولا منذ اواسط القرن العشرين –بحسب الدكتور صبحي ناظم توفيق –فهو يحصر المفهوم في تلك (الحريات الاربع) التي اعلنها الرئيس الاميركي فرانكلين روزفلت العام 1941 ، وقد حصرها في (حرية التعبير، حرية العبادة، التحررمن الحاجة ، والتحررمن الخوف )...اضافة الى الحريات الاساسية الملازمة لحقوق الانسان التي ينبغي ان يتمتع بها في كل زمان ومكان ، وقد سطرت بشكل عام في وثائق المنظمة الدولية في اواخر عقد الاربعينيات من القرن الماضي وتشمل :

*حرية المساواة امام القانون في الحقوق المدنية والسياسية *حرية التنقل داخل الوطن وخارجه *الحرية الدينية والمعتقدات من دون اخلال بالنظام العام *حرية التفكير وابداء الرأي قولا وكتابة وطباعة * الحرية السياسية في الترشيح والانتخاب *حق الملكية والعمل والتجارة والصناعة والزراعة يضاف الى ذلك بروز مصطلحات اخرى للحرية اكثر عمقا منها :

*حرية الاعلام *حرية التعبير دون عقاب *حرية التنظيم والاجتماع *حرية الدين *حرية التجارة من هذا العرض الموجز لمفهومي الحرية والديمقراطية ننطلق الى حقيقة وجود اكثر من وشيجة تربط بينهما بحيث لايمكن اتباع الديمقراطية اذا ما انعدمت الحرية او تحددت كثيرا ، بينما تكون الحرية منقوصة اذا لم تكن هناك ديمقراطية بمؤسساتها ونظمها وقوانينها ..

لذا فان الحرية لولم تكن متاحة للشعب فأنه لايقدر على اختيار سلطته الحاكمة ليسيطر من خلالها على امور دولته القائمة، ودليلنا على ذلك امثلة دامغة من التاريخ القريب قد تاتي على رأس قائمتها تلك الشعوب التي تعايشت مع الانظمة الشيوعية او الاشتراكية الماركسية التي تظاهرت بمؤسساتها ونظمها ولكنها كانت مستحوذة على رقاب مواطنيها الذين لم يكونوا - بفعل الارهاب والتسلط والقمع-سوى اجساد يعيشون بلا ارواح ، في حين كان كل مسؤوليهم وقادتهم يتمتعون برغيد العيش وسط قصور فارهة ..

كما ان للحرية مضامين متنوعة كما يرى الكاتب نجدت نصر الله في دراسته المنشورة في مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية إذ يمكن اعتبارها اساس المنظومات الفكرية والاخلاقية ،وبالرغم من تعدد اشكالها فان الحرية السياسية هي ام الحريات ومنها تتفرع بقية الاشكال كالحرية الاجتماعية والحرية الاقتصادية المرتسمة على خريطة المصالح الشعبية وهي فروع هامة وامتدادت اساسية تحتاج جميعها الى محددات اجتماعية في اطارها المكاني وفي سياقها الزمني عبر ديناميكية فاعلة تستدعي حاجة عاجلة الى بلورة آليات ديمقراطية يتم من خلالها انضاج عملية التحول من النظري الى العملي ومن الخيالي الى الواقعي ومن تراكمات الحاضر الى تحولات المستقبل ومن قيد الخوف وجحيمه الى نعيم الحرية وازدهارها.. ويقودنا هذا التحليل الى ان مفهومي الحرية والديمقراطية متلازمان ومتكاملان ولامجال لفصل احدهما عن الاخر فهما توأمان في بنية واحدة ، فالحرية هي جوهر كل شيء وهي المعطى الانساني الراسخ ، اما الديمقراطية فهي الشكل المعبر والترجمة البليغة لكل اناشيد الحرية ،واذا كان جوهر الحرية ثابتا فان شكل الديمقراطية متحرك وهو في حركته لايخرج عن السياق ولايتصادم مع المضامين ولاينفصل عن الجوهر واذا حدث وتم الانفصال جزئيا او كليا وتم الخروج بعيدا عن حدود الدائرة فان المعادلة يصيبها التغير ويلحقها التلوث ويتحقق القول المأثور ( كم من الجرائم ترتكب باسمك ايتها الحرية...).

واذا كانت الحرية متلازمة مع الديمقراطية لأنها موجودة اصلا في الكينونة البشرية على اعتبار ان الانسان ولد حرا ، فالأمر مختلف بالنسبة لوعي الديمقراطية الذي لايكون عفويا بل يستند الى فكرة ( تصدير الوعي ) التي تحدث عنها محمد سيد رصاص في العدد (1181) من مجلة الحوار المتمدن ذلك ان الطبقات والفئات الاجتماعية لاتستطيع الوصول الى اكثر من الوعي العفوي من قبل (طليعة) او (نخبة ) فيما تفترض الديمقراطية وعي الفئات والطبقات الاجتماعية لمصالحها ، وبالتالي قدرتها الواعية على الاختيار ، عبرصندوق الاقتراع ،بين البرامج والسياسات المطروحة والمقدمة من التيارات والاحزاب ، في الضد والمع ،وفقا لمدى تطابق او تعارض هذه البرامج والسياسات مع مصالحها ، وتتحدد قوة التيار السياسي او ضعفه من خلال قدرته ، عبر صندوق الاقتراع ، على ملاقاة تلك المصالح من عدمها .. وبعد ان كانت فكرة الديمقراطية تعتمد على الايديولوجيات الشمولية ذات الطابع الشيوعي اللينيني والقومي والاسلامي ، ظهرت مفاهيم جديدة تنظم العلاقات بين السياسي والمجتمع ، بعيدا عن مفاهيم ( الجماهير ) و( الشعب ) و( النخب) لصالح مفاهيم ( المواطن ) و( المجتمع ) بكل مايحويه من طبقات وفئات ومهن وحرف وكتل ماطور العلاقة بين مفهوم الديمقراطية واجراءات تطبيقها او- بمعنى آخر-العلاقة بين الديمقراطية المفهومية والاجرائية ...

وكان مونتسكيو قد اعطى الديمقراطية اطارا سياسيا في كتابه ( روح الشرائع ) العام 1748 ، الا ان الديمقراطية لم تتحدد الارضية الفلسفية لها الا في العام 1781 مع كتاب كانط (نقد العقل المحض ) عندما بين بان المعرفة البشرية محددة ضمن دائرة المحسوسات ، وان الذات البشرية حسية خالصة على صعيد المعرفة ، مع اعتبار ان الدس الغيبيات هي مجالات قلبية وشعورية واخلاقية يجب تركها لذات الفرد ان تؤمن بها او لاتؤمن وكان هذا تاسيسا فلسفيا ل( العلمانية ) واكمل ذلك في كتابه (نقد العقل العملي ) العام 1788، ولكن الامرالاخير ماكان ممكنا ان يتم لولا تلك البذرة الفلسفية للديمقراطية التي اثبتها كتاب 1781 من حيث ان المعرفة البشرية ذات طابع فردي وانه لاتوجد معرفة "مطلقة " و " معطاة نهائيا " او " منجزة " او " كاملة " ..

واذا كان تطبيق هذه الفلسفة اجرائيا تم في التجربة الانكليزية وبعض التجارب الغربية فان الارتباط بين مفهومي الديمقراطية والعلمانية هو مايخيف الغرب حاليا عند محاولة تطبيقه في العالم العربي والاسلامي كما يرى عبد العزيز بالخاطر في دراسته المنشورة في مجلة الحوار المتمدن في عددها (2559) ،ذلك ان تطبيق الديمقراطية الاجرائية دون وجود او تطبيق لقيمها ومبادئها التي قامت عليها هناك في الغرب والتي ارتكزت عليها تلك الاجراءات ادى الى فوز التكتلات والمرجعيات الاولية السابقة والمتمثلة بالدين الاسلامي ، فماالذي يمكن ان يحمله تطبيق الديمقراطية الاجرائية من انتخابات وصناديق اقتراع مع وجود ارضية مختلفة في هذا العالم ، ولعل ماحصل في الجزائر في اول التسعينيات مثال واضح لما سيكون عليه الامر في حالة عدم توافق اساسي بين مفهوم العلمانية والديمقراطية كما فهمها وطبقها الغرب..سيكون الاكتساح كبيرا للقوى الاسلامية وللمد الاسلامي الجارف بعد فشل المشاريع السياسية الاخرى ، والغرب على ادراك كامل بهذا ، لذلك يشرع اليوم لتوطين مفهوم او مصطلح الديمقراطية من خلال ربطه بمفهوم العلمانية الملازم له والضروري لأنباته صحيا طبقا للمواصفات الغربية التاريخية . في ظل هذا الوضع يجد العالم العربي والاسلامي نفسه عاجزا من ايجاد البديل الخاص به بالرغم من طرح مفهوم الشورى الا انه لم يتفق على طرح آلية واضحة عصرية تاخذ بامتزاج الثقافات المعاصرة بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ بعد سقوط الاسوار وتحطم الجدران وتآكل الحدود..

فالامة اليوم تتخبط بشكل هستيري بين مفاهيم مستوردة وتتبنى اشكالها وزينتها الخارجية بينما المضمون ينحو الى اولى درجات الاستبداد ..

وينبغي القول ان الديمقراطية نمت وتطورت هي واسسها الفكرية والنظرية وآلياتها العملية في ارض معينة وعلى خلفية ظروف تاريخية عاشتها المجتمعات المسيحية الغربية كما في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة ، فكان لزاما ان نطرح هذا السؤال : هل كان بالأمكان ان تنمو الديمقراطية بنفس الاسس والاليات في ارض اخرى كارض المسلميـن وانطلاقا من قيمهم وحضارتهم ؟..

لقد اضحت بلدان العالم الثالث –على وجه الخصوص –امام ضغطيـن متقابلين: ضغط الواقع التنموي الصعب وما يفرزه مـن توترات وتفجرات داخلية، وضغط العولمة وماتجلبه من تحديات يصعب احتواؤها..

وهكذا بدت العديد من دول العالم الثالث وكانها تسير باتجاه تآكل مزدوج حيث تفقد استقرارها الداخلي وسيادتها الوطنية في آن معا ..

ولأن احسن وسيلة للحفاظ على النظام الديمقراطي هي اعـادة التفكيـر فيه وابتكار اشكال جديدة له وتطويرها بالاعتراف بالتعددية واستكشاف اشكال جديـدة للحقول الثقافية وحقوق الاقليات، وحول هذا الامـر يقول فوكوياما في كل العصور هناك اناس اجتازوا الخطى غير الاقتصادية وخاطروا بحياتهم واملاكهم للنضال من اجل الحقوق الديمقراطية فلاديمقراطية بدون ديمقراطيين أي بدون انسان ديمقراطي يرغب في الديمقراطية ويقوم بتطويعها وهو في الوقت نفسه يطوع من قبلها مانلاحظه اذن هو ان هذا النموذج الجديد لاينبغي ان يفرض من الخارج على المجتمع بل ان يتم الوصول اليه اجرائيا ،وفي عصرنا الذي اصبح فيه اعتناق فكرة مالابد من ان يكون مبنيا على الاقناع لابد ان تتسم المقولات بقوة الجذب داخل المجتمع وفي الفضاء الدولي الارحب وذلك من خلال بيان الحقائق ومواطن الجمال التي تتميز بها .

من هنا يصبح التطبيق الاجرائي بالغ الصعوبة لمفهوم الديمقراطية بمواجهة السلوك المتسم بالعنف والارهاب اولا ولأختلاف التجربة المحلية عن التجارب الغربية ثانيا ولغياب الحرية ثالثا ،لأنه في الحياة العملية قد يكون النظام السياسي في بلد معين ديمقراطيا وتكون الحرية فيه مقيدة بقيود عديدة خصوصا تلك التي يمكن اصطناعها بالوسائل غير المباشرة ، فالحرية كانت دائما مادة للتلاعب من قبل اولئك الذين يملكون السلطة والقوة ويسيطرون على وسائل الاعلام والتعليم ..الخ ..نخلص مما تقدم الى القول بان الحرية والديمقراطية لاتتحدان سلبيا فقط من خلال كثرة القيود على ممارستهما ، بل تتحددان ايجابيا من خلال النضال في سبيل تحققهما على الصعد كافة، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهذا يكون من خلال تحقيق حقوق الانسان.

واذا كانت الديمقراطية الاجرائية تعاني من هشاشة عظامها في دول العالم المتقدمة احيانا ، فلابد ان عدم انشغال الفكـر السياسي العربي في فحص مفهوم ( الديمقراطية )وتحديده ، من خلال علاقته التضادية والتوافقيـة مع المفاهيم الاخرى ، او انخراطه في بحث الاسس الفلسفية لذلك المفهوم والآلية التاريخيـة لتشكله ، اقتصاديا واجتماعيا ومؤسساتيا ، يدل على ان المرحلة الانتقالية العـربية نحو(الديمقراطية) ستكـون طويلـة ومحفوفة بالصعاب.!!

----------------------------
لائحة المراجع :

- جميل صليبا : المعجم الفلسفى ، جـ1 ( بيروت : دار الكتاب اللبنانى ، 1982 ) .
- مجمع اللغة العربية : المعجم الفلسفى ( القاهرة : الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية ، 1983 ) .
- موسوعة لالاند الفلسفية ، تعريب خليل أحمد خليل ، المجلد الأول ، ط2 ( بيروت : منشورات عويدات ، 2001 ) .
- شوقى جلال : العقل الأمريكى يفكر ، من الحرية الفردية إلى مسخ الكائنات ( القاهرة : دار سينا للنشر، د . ت ) .
- هارولد لاسكى : مدخل إلى علم السياسة ، ترجمة عز الدين محمد حسين ( القاهرة : مؤسسة سجل العرب ، 1965 ) .
- عبد الغنى بسيونى عبد الله : النظم السياسية ( بيروت : الدار الجامعية ، 1985 ) .
- عبد الحميد متولى : الوسيط فى القانون الدستورى ( الإسكندرية : منشأة المعارف ، 1956 ) .
- كافين رايلى : الغرب والعالم ، تاريخ الحضارة من خلال موضوعات ، ترجمة عبدالوهاب المسيرى وهدى عبدالسميع حجازى ، القسم الثانى ( الكويت : سلسلة عالم المعرفة ، عدد يناير 1986 ) .
- محمد طه بدوى وليلى أمين مرسى : المدخل إلى العلوم السياسية ( مذكرات غير منشورة ، كلية التجارة ، جامعة الإسكندرية ، 1993) ص : 44 – 47 .
- جورج بوردو : الدولة ، ترجمة سليم حداد ( بيروت : المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، 1985 ) .
- هارولد لاسكى : الحريات فى الدولة الحديثة (دون ذكر لمكان أو تاريخ النشر) .
- ايزايا برلين : حدود الحرية ، ترجمة جمانا طالب ، ط1 ( بيروت : دار الساقى ، 1992 ) .
- أميرة حلمى مطر : الفلسفة السياسية من أفلاطون إلى ماركس ، ط4 ( القاهرة : دار المعارف ، 1987 ) .
- ياسر قنصوة : الليبرالية ، إشكالية مفهوم ( القاهرة : دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع ، 2004 ) .
- إمام عبدالفتاح إمام : توماس هوبز فيلسوف العقلانية ( القاهرة : دار الثقافة للنشر والتوزيع ، 1985 ) .
- هارولد لاسكى : نشأة التحررية الأوربية ، ترجمة عبد الرحمن صدقى ( القاهرة : مكتبة مصر : د . ت ) .
- رمزى زكى : الليبرالية المتوحشة ، ملاحظات حول التوجهات الجديدة للرأسمالية المعاصرة ( القاهرة : دار المستقبل العربى ، 1993) .
- محمود متولى : المذاهب الاجتماعية والاقتصادية ( القاهرة : الدار القومية للطباعة والنشر ، د . ت ) .
- صوفى أبو طالب : الاشتراكية الديمقراطية ( القاهرة : دار المعارف ، 1978 ) .
1 ـ حقوق الإنسان/ المحامي عبد الهادي عباس/23:1.
2 ـ التعريف الاسمي: وهو ما يعبر عنه بشرح الاسم، وهو ما لا يعد تعريفاً منطقياً تاماً مكونا من الجنس والفصل، أو الجنس والعرض.
3 ـ ضد الاستبداد/فاضل الصفار/51.
4 ـ نفس المصدر/52.
5 ـ مبادئ القانون الدستوري والنظم السياسية/د: كمال غالي./316.
6 ـ نفس المصدر/316.

7 ـ المقدس والحرية/د: رفيق حبيب/ 34.
8 ـ الإسلام والأمن الاجتماعي/ د: محمد عمارة /85.
9 ـ نفس المصدر/86-87.
10 ـ النساء/92.
11 ـ الإسلام والأمن الاجتماعي/87.
12 ـ ضد الاستبداد/فاضل الصفار/133.
13 ـ الأخلاق/ محمد تقي فلسفي/ 9:1.
14 ـ نفس المصدر/عن سير الحكمة في أوربا/9:1.

تعليقات